باب في عمل الفعل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجوجري
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
- المحقق
- نواف بن جزاء الحارثي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
- الكتاب
- رسالة ماجستير للمحقق)
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
، كل الأفعال ترفع إما الفاعل أو نائبه أو المشبّه به.
وتنصب الأسماء إلا المشبه بالمفعول به مطلقا، وإلا الخبر والتمييز والمفعول المطلق فناصبها الوصف والناقص والمبهم المعنى أو النسبة والمتصرف التام ومصدره ووصفه.
ش: هذا الباب عقده المصنف لبيان عمل الأفعال، وكيفية عملها
فذكر أن الأفعال كلها ترفع. وذلك لأنها أبداً مسندة فلابد لها من مسند إليه ضرورة توقف الإسناد على تحقق الطرفين1.
والمسندة هي إليه إما الفاعل فيما بني له2، ك (قَعَدَ زيدٌ) و (ماتَ عمرٌو) أو نائبه فيما بني الفعل له، ك (ضُرِب زيدٌ) و (قُتِل عمرٌو) . أو المشبّه بالفاعل3، وهو مرفوع (كان) وأخواتها، نحو كان زيدٌ قائماً وأمسى زيد مقيما4.
فإنها ترفع المبتدأ، كما تقدم تشبيها بالفاعل، ويسمى اسمها.
فجميع مرفوعات الفعل منحصرة في هذه الثلاثة، الفاعل ونائبه ومشبهه5 بمعنى أن كل مرفوع6 منها له رافع خاص من الأفعال لا يرفعه غيره7 لا أن كل فعل8 يرفع كل واحد من الثلاثة.
ثم ذكر أن الأفعال كلها تنصب الأسماء، أي جميع الأسماء إلا ما
استثنى من ذلك.
وهو1 أنواع:
منها المشبّه بالمفعول به 2، فإنه من جملة الأسماء المنصوبة؛ ولا ينصبه الفعل بل الوصف، إذ لو نصبه فعل لكان مفعولا به، لا مشبها به.
فلا عمل فيه للفعل أصلا، بخلاف غيره مما استثني فيعمل فيه بعض الأفعال دون بعض.
فقوله فيه 3: (مطلقا) دون غيره من المستثنيات إشارة إلى ذلك.
ومنها الخبر، فلا ينصبه كل فعل، بل لا ينصبه إلا الفعل الناقص الذي هو (كان) وأخواتها 4.
ومنها التمييز، فلا ينصبه كل فعل، بل قد ينصبه الاسم المبهم ك (رطل زيتا) فالعامل في (زيتا) النصب هو [62/ب] المبهم الذي هو (رطل) . وقد ينصبه الفعل المبهم النسبة ك (طبت نفسا) . فالعامل في (نفسا) هو الفعل الذي هو (طبت) 5.
ومنها المفعول المطلق فناصبه ليس إلا الفعل المتصرف التام لا الناقص، أو مصدره، أو الوصف المشتق من مصدره، ك (ضربت ضربا) 6 وقوله
تعالى1: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ 2 وقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً﴾ 3.
ومنها المفعول به، فإنه لا ينصبه كل فعل، بل الأفعال بالنسبة إليه على سبعة أقسام، كما سيأتي4.
وقد ظهر أن في كلام المصنف لفا ونشرا مرتبا5.
وعلم من كلامه أيضا أن الحال والمستثنى والمفعول له والمفعول معه والمفعول فيه يعمل فيها6 كل فعل، سواء كان قاصرا أو متعديا. تامّا أو ناقصا، جامدا أو متصرفا7.
والله أعلم.
ص: وإلا المفعول به، فإنها بالنسبة إليه سبعة أقسام، مالا يتعدى إليه أصلا، كالدال على حدوث ذات، ك (حَدَث) و (نبت) أو صفة حسية، ك (طال) و (خلق) [أو عَرَض، ك (مرض) و (فرح) ] 1 وكالموازن لانفعل2، ك (انكسر) أو فَعُل، ك (ظرُف) أو فَعَل أو فَعِل اللذين وصفهما على (فعيل) نحو (ذلّ) و (سمِن) وما يتعدى إلى واحد دائما بالجار، ك (غضب) و (مرّ) .
ش: لما تقدم أن المفعول به لا ينصبه كل فعل، وأن الأفعال بالنسبة إليه على سبعة أقسام، أخذ في بيان تلك الأقسام. وتضمن هذا الكلام ذكر قسمين منها
القسم الأول ما لا يصل إلى المفعول أصلا، لا بنفسه ولا بواسطة حرف الجر3.
والقسم الثاني ما يتعدى إلى المفعول به بواسطة الجارّ.
وذلك كغضب ومرّ، تقول: غضبت من زيد ومررت به.
وكلا القسمين يسمى في الاصطلاح لازما وغير متعدّ وقاصرا.
ويعرف اللازم بأمور، منها ما يرجع إلى المعنى ومنها ما يرجع
إلى اللفظ.
فمما يرجع إلى المعنى الدلالة الدالة1 على حدوث ذات، ك (حدث المطر) و (نبت الزرع) .
ومنها الدلالة الدالة2 على حدوث صفة حسية، ك (طال زيد) و (خَلِق الثوب) واحترز بالحسية عن المعنوية، [63/أ] ك (عَلِمَ) و (فَهِمَ) فإنه متعد3 تقول: علم النحو وفهم المسألة.
وما2 يرجع إلى اللفظ أن يكون الفعل على وزن (انفعل) ك (انكسر) و (انجبر) أو على وزن (فَعُل) بضم العين ك (ظرف) و (شرف) 3. أو على وزن.
(فعَل) بفتح العين، أو على وزن (فعِل) بكسر العين.
بشرط أن يكون الوصف من هذين الوزنين على (فعِيل) 4.
مثال الأول (ذَل) لقولهم: يذِلّ، بكسر الذال5.
ومثال الثاني (سَمِن) .
وقد جاء وصف الفاعل منهما على (فعِيل) فقيل: ذليل وسمين.
ومما يدل على اللزوم أيضا - غير ما ذكر المصنف هنا كون الفعل لا يبنى منه اسم مفعول تام، أي مستغن عن صلة1، نحو (خرج) فإنه لا يقال: مخروج، بل: مخروج به.
وكونه لا يتصل به ضمير غير المصدر، فلا تقول: زيد خرجه عمرو، وإنما يقال: الخروج خرجه عمرو.
وكونه يدل على عَرَض2، وهو ما ليس حركة جسم من وصف غير ثابت ك (مَرِض) و (كسِل) و (نهِم) إذا شبع3.
وأن يكون موازنا ل (افعللّ) كاكْوهدّ4 الفرخ إذا ارتعَد، أو ل (افعنلل) ك (احرنجم) و (اقعنسس) 5. أو ل (افعنلى) كاحرنْبَى الديك6.
تنبيه:
جعل المصنف العلامات1 التي ذكرها دالة على النوع الأول من نوعي اللازم، وهو ما لا يصل إلى المفعول به أصلا، لا بنفسه ولا بحرف جر صرّح بذلك في المتن والشرح2.
وضم في غيرهما3 إليها ما ذكرناه زيادة على ما ذكره هنا.
وجعل الجميع دالاًّ على مطلق اللزوم4.
وهذا يفيد علامة النوع الثاني التي لم يذكرها هنا.
ص: أو دائما بنفسه كأفعال الحواسّ، أو تارة وتارة ك (شكر) و (نصح) و (قصد) وما يتعدى [له] 5 بنفسه تارة ولا يتعدى إليه أخرى، ك (فغر) و (شحا) وما يتعدى إلى اثنين، فإما أن يتعدى إليهما تارة ولا يتعدى أخرى، ك (نقص) [وزاد] 6. أو يتعدى إليهما دائما، فإما ثانيهما كمفعول [63/ب] شكر، ك (أمر) و (استغفر) واختار وصدق وزوّج وكنى وسمّى، ودعا بمعناه7 و (كال) و (وزن) أو أولهما فاعل في
المعنى ك (أعطى) و (كسى) 1. أو أولهما وثانيهما مبتدأ وخبر في الأصل.
ش: شرع في ذكر ما بقي من أقسام الأفعال بالنسبة إلى المفعول.
وقد تقدم أنها سبعة، ذكر منها فيما سبق قسمين، وبقي خمسة.
القسم الثالث من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول به بنفسه دائما، وذلك كأفعال الحواس الخمس.
السمع2، تقول: سمعت كلام زيد، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ 3.
والبصر، تقول: رأيت الهلال، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ﴾ 4 والشم، تقول: شممت الطيب5.
والذوق، تقول: ذقت الطعام، قال الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ 1.
واللمس، تقول: لمست الثوب، قال الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 2.
القسم الرابع: ما يتعدى بنفسه إلى المفعول تارة، وبواسطة حرف الجر أخرى.
ك (شكر) 3 تقول: شكرت زيدا وشكرت له، و (نصح) كنصحته ونصحت له و (قصد) كقصدت زيدا4 وقصدت له وقصدت إليه5.
القسم الخامس: ما يتعدى إلى المفعول بنفسه تارة، ولا يتعدى، لا بنفسه ولا بحرف الجر تارة أخرى.
وذلك كفغرفاه، وشحاه، ومعناهما فتحه.
وفغرفوه وشحافوه، ومعناهما انفتح.
قال في الصحاح 1: (يتعدِّيان ولا يتعديان) .
القسم السادس: ما يتعدى إلى مفعولين، وهذا القسم أضرب:
ضرب يتعدى إليهما بنفسه تارة ولا يتعدى إليهما أخرى، لا بنفسه ولا بحرف الجر.
تقول من الأول2: نقصت المال دينارا.
ومن الثاني 3: نقص المال.
وكذلك (زاد) .
قال في الصحاح: (تقول: زاد الشيء أي ازداد، وزاده الله خيراً) 4 انتهى.
وهو ظاهر في ذلك.
وضرب يتعدى إلى اثنين دائما ويكون ثاني مفعوليه 5 كمفعول (شكر) يصل إليه بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى.
[64/أ] ووقع في بعض نسخ الشرح6 (ما ثاني مفعوليه كثاني مفعول7 شكر) والصواب (كمفعول شكر) كما عبّرنا.
فمنه (أمر) تقول أمرتك الخير1 وبالخير.
و (استغفر) تقول: استغفرت الله ذنبا ومن ذنب.
و (اختار) تقول: اخترت زيدا القوم2 ومن القوم.
و (صدق) تقول: صدقته الحديث وفي الحديث.
و (زوّج) تقول: زوّجته هندا وبهند.
و (كنَى) بتخفيف النون، تقول: كنيته أبا عبد الله وبأبي عبد الله 3. و (سمّى) تقول: سمّيته محمدا وبمحمد.
و (دعا) بمعنى (سمّى) تقول: دعوته زيدا وبزيد.
و (كال) تقول: كلت زيداً طعامه 4 ولزيد طعامه.
و (وزن) تقول: وزنت زيدا دراهمه ولزيد دراهمه.
وقد يتبادر إلى الفهم أن (زيدا) في هذين التركيبين هو المفعول الأول5 فيكون مما دخل الحرف فيه على الأول، لا على الثاني، فلا يكون من باب الأفعال التي قبله.
وليس كذلك، فقد نص المعربون6 كما ذكره المصنف في الشرح7 على أن المحذوف في قوله تعالى ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ
أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} 1 هو المفعول الأول.
انتهى.
وكأن أصل هذا التركيب، والله أعلم كالوا الطعام للناس ثم توسع2 فيه بحذف الجار. فلأجل ذلك جعل المحذوف من الآية المفعول الأول الذي هو الطعام.
وضرب يكون أول مفعوليه فاعلا في المعنى، نحو كسوته جبّة وأعطيته درهما فالأول فاعل وآخذ3.
وضرب يكون مفعولاه في الأصل مبتدأ وخبرا 4 ك (ظننت زيداً قائما) . فإن أصل مفعوليه (زيد قائم) وهما مبتدأ 5 وخبر.
وقد أخذ في تفصيل القول فيه، فقال:
ص: وهو أفعال القلوب، (ظنّ) لا بمعنى (اتّهم) وعَلِِم لا بمعنى عرف، ورأى لا من الرأي، ووجد لا بمعنى حزن أو حقد وحجا لا بمعنى قصد، وحسب وزعم وخال وجعل ودرى في لغيّة.
وهبْ وتعلم،
بمعنى اعلم ويلزمان الأمر.
وأفعال التصيير، ك (جعل) وتخذ 1 و (اتخذ) و (رد) و (ترك) .
ش: يعني [64/ب] أن الذي يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر منه ما يسمى أفعال القلوب، ومنه ما يسمى أفعال التصيير.
وإنما قيل للأول ذلك لأن معانيه قائمة بالقلب2.
وقيل للثاني أفعال التصيير لأنها للتحويل من حالة إلى حالة ك (صيرت الطين خَزَفا) ، فأردت انتقاله عن الطينية إلى الخزفية.
فقوله: (وأفعال التصيير) مرفوع عطفا على قوله: (أفعال القلوب) .
فمن أفعال القلوب (ظنّ) لا بمعنى (اتّهم) فإنها إذا كانت بمعنى (اتّهم) تعدت إلى واحد فقط3، كقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينَ﴾ 4 أي بمتهم.
وترد لليقين، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ 5
وللرجحان، وهو الغالب فيها، كقوله:
131- ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا1 ... .... .....
ومنها (عَلِم) لا بمعنى عَرَف، فإنها إذا كانت بمعنى (عَرَف) تتعدى إلى واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا﴾ 2. وترد لليقين، وهو الغالب فيها، كقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ 3 وللرجحان، كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ 4.
ومنها (رأى) لا من الرأي أي المذهب.
فإنها إذا كانت منه تعدت إلى واحد، كقولك: رأى أبو حنيفة5 حل
كذا1 ورأى الشافعي2 حرمته.
وهي مثل (علم) في كونها يغلب استعمالها في اليقين.
وتستعمل3 في الرجحان، ويجمعهما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ 4.
منها (وَجَد) لا بمعنى حزِن، ولا بمعنى حقد5.
فإنها إذا كانت بأحد المعنيين لا تتعدى.
وهي تفيد في الخبر يقينا، قال تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً﴾ 6.
ومنها (حجا) لا بمعنى قصد.
لأنها إذا كانت بمعنى قصد تعدت
لواحد، نحو حجوت بيت الله، أي قصدته1.
وهي [65/أ] تفيد في الخبر رجحانا، كقوله:
132- قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة
... حتى ألمت بنا يوما ملمات2
ومنها (حسِبَ) وترد لليقين، كقوله:
133- حسبت التقى والجود خير تجارة3 ... ... ... ... ... .... .... ...
وللرجحان، وهو الغالب فيها1، كقوله: 134- وكنّا حسبنا كلَّ بيضاء شحمةً ... عشية لاقينا جذامَ وحِمْيرا 2 ومنها (زعم) وتفيد في الخبر رجحانا، كقوله: 135- زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدبّ دبيبا3 والأكثر فيه4 وقوعه على (أنْ) و (أنّ) وصلتهما، كقوله تعالى:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ 1. وقول الشاعر: 136- وقد زعمت أنّي تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عَزّ لا يتغير2 ومنها (خال) وتفيد في الخبر رجحانا، كقوله: 137- إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى3 ... ............................. .... ومنها4 (جعل) وهو للرجحان كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ
الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} 1.
ومنها (درى) وهو لليقين2، كقوله:
138- دُريت الوفيّ العهد يا عروَ فاغتبط ... فإن اغتباطا بالوفاء حميد3
هذا في لغة قليلة4.
والأكثر فيه أن يتعدى بالباء لواحد5.
فإن دخلت عليه الهمزة تعدّى لآخر بنفسه، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ 6.
ومنها (هَبْ) وهو للرجحان، كقوله:
139-....... ........ ... وإلاَّ فهبْنِي امرأً هالكاً1
وهذا2 ملازم لصيغة الأمر.
ومنها (تعلّمْ) بمعنى (اعلم) ، وهو لليقين، كقوله:
140- تعلمْ شفاءَ النفس قهرَ عدوِّها ... ...... ...... 3
وهذا أيضا1 ملازم لصيغة الأمر كالذي قبله.
وأما أفعال التصيير فذكر منها خمسة:
أحدها (جعَل) نحو قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ 2.
ثانيها (تَخِذ) ، قال الشاعر:
141- تَخِذت غُراز إثرهم دليلا3 ... ..........................
ثالثها (اتّخذ) قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ 1. رابعها (رد) كقوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً﴾ 2. خامسها (ترك) كقوله تعالى3: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض﴾ 4. تنبيهات: الأول: قد تحرر أن ما ذكره المصنف من أفعال على أربعة أقسام: ما يفيد اليقين، وهو (وَجَد) [65/ب] و (تعلّمْ) بمعنى اعلم و (دَرَى) . وما يفيد الرجحان، وهو (جَعل) و (حجا) و (هبْ) و (زعم) . وما يأتي لهما5 والغالب اليقين، وهو (رأى) 6 و (علم) ، وما يأتي لهما والغا لب7 الرجحان، وهو (ظنّ) و (حسب) و (خال) .
التنبيه الثاني 1: تأتي (رأى) بصرية، كقولك: رأيت الهلال أي أبصرته، فلا تتعدى إلا إلى واحد2.
وكذلك من أفعال الباب ما يأتي لمعان أخر غير قلبية3.
ولم يحترز الشيخ عن ذلك لأنه لا يشملها قوله: (أفعال القلوب) . والمعاني التي احترز عن ورود الأفعال بمعناها كلها قلبية.
التنبيه 4 الثالث: ألحقوا (رأى) الحلمية5 برأى العلمية في التعدي لاثنين6، كقوله:
142- أراهم رُفقتي حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا7
الرابع: أدخل الكاف على أفعال التصيير1 ليشير به2 إلى أنها لا تنحصر فيما ذكره من الأفعال، وكأنه اقتصر على ما ذكره منها لشهرته3.
ص: ويجوز إلغاء القلبية المتصرفة، متوسطة أو متأخرة.
ش: لما ذكر أن أفعال القلوب وأفعال التصيير مشتركة في نصب المفعولين، وكانت أفعال القلوب مختصة عن أفعال التصيير4 بحكمين آخرين، وهما الإلغاء والتعليق أراد بيان ذلك.
فبدأ بالإلغاء، وذكر أنه جائز5 لا واجب.
وهو إبطال العمل لفظا ومحلا، لضعف العامل إما بسبب تأخره عن
المفعولين1، وإما بسبب توسطه بينهما2.
فقوله: (القلبية) احترز به عن أفعال التصيير، فلا تلغى، كما علمت.
وقوله: (المتصرفة) احترز به عن ما كان من أفعال القلوب غير متصرف، ك (هَبْ) و (تعلّمْ) فإنهما ملازمان لصيغة الأمر، كما تقدم، فلا يدخل فيهما الإلغاء3.
مثال المؤخر4 عنهما زيد قائم أظن5 ويجوز الإعمال، فتقول: زيدا6 قائما أظن7.
ومثال المتوسط زيد أظن قائم8.
ويجوز الإعمال، فتقول: زيدا
أظن قائما1.
[66/أ]
تنبيهات:
الأول: أفهم كلامه أن المتأخر والمتوسط2 سواء في جواز إلغائهما أي عدم امتناعه.
وهو كذلك، لكن يتفاوتان في العمل.
فإعمال المتأخر مرجوح وإلغاؤه راجح3، وإعمال المتوسط راجح وإلغاؤه مرجوح4.
وقيل: هما سواء5.
الثاني: أفهم أيضا كلامه أنه لا يجوز إلغاء العامل المتقدم على المفعولين وتحته صورتان:
الأولى أن يتقدم عليه شيء من الكلام يخرجه عن أن يبتدأ به.
والثانية أن يبتدأ به 6 ولا يتقدم عليه شيء.
فأما الصورة الأولى فتارة يكون المتقدم على العامل فيها لفظة (متى) ، وتارة يكون غير (متى) .
فإن كان لفظة (متى) كقولك: متى ظننت زيداً قائما فصرح ابن أم القاسم1 بجواز الإلغاء فيها، لكن الإعمال أرجح2.
وهو أيضا مقتضى عبارة المصنف في توضيح الألفية3، بل مقتضاها جواز إلغاء العامل الذي لم يبتدأ به، سواء تقدم عليه (متى) أو غيرها4.
وإن كان غير (متى) امتنع إلغاؤه عند البصريين5.
وأما الصورة الثانية6 فيمتنع الإلغاء فيها عندهم أيضا7.
وجوّزه الأخفش والكوفيون8
فيهما1.
واستدلوا بنحو قوله:
143- ... ... ... ... أنّى وجدت ملاك الشيمة الأدب2
وبقوله:
144-.... .... ....... ... وما إخال لدينا منك تنويل3
والبصريون1 يجعلون ذلك ونحوه إما من الإعمال، وأن المفعول الأول ضمير الشأن محذوفا2، أو من التعليق على إضمار لام الابتداء3.
والله أعلم.
ص: ويجب تعليقها قبل لام الابتداء أو القسم أو استفهام أو نفي بما مطلقا، أو بلا أو إنْ في جواب القسم أو لعل أو لو أو (كم) الخبرية.
ش: لما فرغ من الإلغاء شرع في التعليق، فقال: (ويجب تعليقها) أي القلبية المتصرفة، فصرّح بوجوبه، بخلاف [66/ب] ما تقدم في الإلغاء حيث صرّح بجوازه.
وهو1 إبطال العمل في اللفظ فقط دون المحل، لمجيء ماله صدر الكلام بعد العامل المذكور.
فمن ذلك2 لام الابتداء، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ 3.
ومنه لام القسم، نحو علمت والله ليقومنّ زيد.
وقول الشاعر:
145- ولقد علمت لتأتينَّ منيتي ... إنّ المنايا لا تطيش سهامها4
ومنه الاستفهام، وهو إما بأن يعترض حرف الاستفهام1 بين العامل والجملة، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ 2.
وإما بأن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان3 نحو قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ 4. أو فضلة، نحو قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ 5 وهو6 مفعول مطلق، لا مفعول به لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله لأنه يخرجه عن الصدر7.
ومنه النفي ب (ما) نحو علمت ما زيد قائم.
سواء كان ذلك في غير جواب قسم، كما مثلنا، أو في جوابه، نحو علمت والله ما زيد قائم.
ولهذا
قال الشيخ: (مطلقا) .
ومنه النفي ب (لا) أو (إنْ) لكن لا مطلقا، بل في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر، نحو علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو، وعلمت إن زيد قائم1.
ومنه (لعل) نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ 2 نقله المصنف3 من التذكرة لأبي علي4.
ومنه (لو) الشرطية، كقوله:
146- وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر5
ومنه (كم) الخبرية، كما نقله1 عن بعضهم2، وأنه حمل عليه3 قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ 3.
ونقل المصنف4 عن بعض المغاربة5 أن من المعلقات (إنّ) التي في خبرها اللام نحو (علمت إنَّ زيدا لقائم) . ثم بحث6 أن الظاهر أن المعلق اللام، لا (إنّ) ، ثم نقل عن ابن الخباز7 أن مذهب سيبويه8 أنه يجوز (علمت [67/أ] إنّ زيدا قائم) بالكسر9 مع عدم اللام.
ثم قال: (فعلى هذا
المعلق (إن) . انتهى.
أي فلما حكم بأنها1 المعلقة دون اللام2 كانت هي المعلقة مع وجودها.
تنبيه:
قد علم مما سبق أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين3:
أحدهما: أن الإلغاء جائز والتعليق واجب.
والثاني: أن الإلغاء إبطال العمل مطلقا، لفظا ومحلا. بخلاف التعليق فإنه إبطاله لفظا فقط، حتى إنه يجوز أن يعطف بالنصب في التعليق دون الإلغاء. فيعطف على الجملة التي عُلق العامل عنها مفردا في معنى الجملة4.
ومن أمثلة ذلك، لا من شواهده قول الشاعر:
147- وما كنت أدْري قَبْل عَزَّة ما البكا ... ولا مُوجعاتِ القلبِ حتّى تولّتِ5
بنصب (موجعات) .
وإنما لم يجعل شاهدا لاحتمال زيادة (ما) وكون (البكاء) منصوبا1 أو غير ذلك2.
تتمة3.
كل ما تصرف من هذه الأفعال فلمتصرفاته4 ما له من الأحكام فإن كان ذلك الفعل مما يثبت له الأحكام الثلاثة، أعني الإعمال والإلغاء والتعليق ثبت لمتصرفاته، كأفعال القلوب.
وإن كان ذلك الفعل لا يثبت له إلا العمل كأفعال التصيير ثبت لمتصرفاته العمل.
فتقول: (أنا ظانٌّ زيداً قائماً) ، و (زيدٌ قائمٌ أنا ظانٌّ) و (أنا ظانّ لزيدٌ قائمٌ) 5 وتقول: (أنا اتّخذُ أو متّخذٌ الطّينَ خَزَفاً) . لا
غير1.
والله أعلم.
ص: وسُليم تُجيز2 إجراء القول مُجرى الظن.
وغيرهم يخصه بتقول3 بعد استفهام متصل أو منفصل بظرف أو معمول 4.
ش: لما تكلم على ما ينصب المفعولين مطلقا عند كل العرب أخذ يتكلم على ما ينصبهما عند بعض العرب، أو ينصبهما عند كل العرب ولكن لا مطلقا بل بشروط، وهو القول.
واعلم أن القول وفروعه مما يتعدى إلى مفعول واحد.
[67/ب] ومفعوله تارة يكون مفردا مؤديا معنى الجملة، كقلت: قصيدةً وشِعراً5.
وتارة يراد به مجرد لفظه، نحو قلت له: يا إبراهيم6.
أي أطلقت عليه هذا الاسم.
وتارة يكون جملة فتحكى به، وتكون في موضع مفعوله7.
وقد يجرى مجرى الظن فينصب المبتدأ والخبر مفعولين عند بني سُليم مطلقا1 أي من غير شرط من الشروط الآتي ذكرها عند غيرهم.
فتقول عندهم: (قال زيد عمراً قائما) . وعند غيرهم2 لابد من شروط أربعة:
الأول: أن يكون القول فعلا ماضيا.
الثاني: أن يكون بتاء الخطاب.
وإلى هذين الشرطين أشار الشيخ بقوله: (وغيرهم) أي غير سُليم (يخصه بتقول) . فلفظ به مضارعا مبدوءا بالتاء.
الثالث: أن يكون بعد الاستفهام3.
وإلى هذا أشار بقوله: (بعد استفهام) .
والرابع: أن يتصل الفعل بالاستفهام، أو يُفصل بينهما بأحد ثلاثة أمور.
إما ظرف، كقوله:
148- أبَعْد بُعْدٍ تقولُ الدّارَ جامِعةً ... شَمْلي بِهم أمْ تقولُ البُعدَ محتوماً1
وإما2 مجرور، نحو أفي الدار تقولُ عمراً جالساً.
وإما معمول، نحو قوله:
149- أجُهّالاً تقولُ بَنِي لُؤَيّ ... ......لَعَمْر أبيكَ أمْ مُتجاهِلينا3
وإلى هذا الشرط أشار بقوله: (متصل أو منفصل بظرف أو معمول) \
ولم يذكر المجرور1، لأنه في معنى الظرف، إذ هما أخوان.
تنبيهان:
الأول: إذا عمل2 القول عمل الظن فهل هو باق على معناه، أو صار بمعنى الظن. فيه خلاف3.
قال ابن أم قاسم4: والظاهر أنه ضُمِّن معنى الظن.
الثاني: هذه الشروط المذكورة لعمله عمل الظن عند غير بني سُليم إنما هي شروط لجواز العمل، لا لوجوبه5 فتجوز الحكاية6 مع استيفاء الشروط، نحو قوله تعالى: ﴿أمْ تقوُلونَ إِنَّ إبْرَاهِيمَ﴾ 7 الآية في قراءة