شرح شذور الذهب للجوجريصفحات 525-544

باب المنصوبات

صفحات 525-544
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قبلها، نحو ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ 1 [وأسلمت حتى أدخل الجنة] 2 واللام تعليلية مع المجرد من (لا) نحو ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ 3 بخلاف ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ 4 أو جحودية نحو ما كنت أو لم أكن لأفعل. ش: قد أسلفا فيما سبق أن (أنْ) تعمل ظاهرة ومقدرة، وقد تقدم أمثلة ما تعمل فيه ظاهرة، والغرض الآن بيان ما تعمل فيه مضمرة. وإضمارها على قسمين واجب وجائز. وقد اشتمل هذا الكلام على إضمار (أنْ) بعد حروف الجر5.
ومنها ما أضمرت بعده على سبيل الوجوب ومنها ما تضمر بعده على سبيل الجواز كما سنبينه إن شاء الله تعالى الحرف الأول مما تنصب (أنْ) المضارع بعده مضمرة هي (كي) التعليلية لا المصدرية، فإن تلك هي الناصبة كما تقدم 6 وهذا الإضمار على سبيل الوجوب فلا يظهر إلا في الشعر.
وقد سبق ذكر ما يتعين أن تكون فيه تعليلية وما يتعين أن تكون فيه

مصدرية وما يجوز فيه الأمران.
ومثالها قوله تعالى: ﴿كَيْلا يَكُونَ دُولَةً﴾ ف (يكون) منصوب1 بأن مضمرة لا تظهر 2. الثاني من الحروف التي تضمر بعدها (أنْ) وجوبا (حتّى) الجارّة وهي التي تدخل على الاسم الصريح، بمعنى (إلى) وتدخل على المضارع فيتعين حينئذ إضمار (أن) بعدها ناصبة لتكون4مع الفعل في تأويل مصدر مجرور ب (حتّى) 5.
ولا يجوز إظهار (أنْ) بعدها لا في شعر ولا في نثر، ولا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلا أو مؤولا به.
وخرج بالجارّة العاطفة، وهي التي تعطف بعضاً5 على كلٍّ، كما سيأتي في باب التوابع6.3

والابتدائية وهي الداخلة على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها، كقول الشاعر: ..... .... .... . ... ... ... حتّى ماءُ دِجلةَ أشكَلُ1 وقولهم: (شربَتْ 48/أالإبلُ حتى يجيءُ البعير يجر بطنه) ولا يكون الفعل بعدها3 إلا حالا أو مؤولا به بخلاف الجارّة فلا بد أن يكون الفعل الذي بعدها مستقبلا4، كما تقدم.
وذلك بالنظر إلى ما قبله5 سواء كان مستقبلا بالنظر أيضا إلى زمن التكلم أم لا.
نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ 62

وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 1 في قراءة النصب2.
واعلم أنه حيث انتصب المضارع ب (أنْ) بعد (حتى) فالغالب3 أن تكون (حتى) للغاية، نحو قوله تعالى4: ﴿لَنْ نَبْرَحَ ... ﴾ الآية.
وعلامتها صلوح (إلى) موضعها.
وقد تكون للتعليل، كقوله: (جُد حتّى تُغني فقيرا) 5. وعلامتها صلوح كي6 في موضعها.
وقال ابن مالك7 تبعا لبعضهم 8 (وقد تكون بمعنى إلاَّ أنْ) 9 كقوله: 89- ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجودَ وما لديك قليل9

أي إلا أن تجود.
والذين لا يثبتون هذا المعنى يجعلون هذا البيت على معنى (إلى) 1. الثالث من الحروف الجارة التي تضمر2 بعدها (أنْ) هي اللام.
وإضمار (أنْ) بعدها إما واجب أو جائز أو ممتنع.
فإن كانت تعليلية وتجرد الفعل من (لا) فالإضمار جائز نحو جئتك لأقرأ، أي لأن أقرأ، ويجوز إظهارها.
وإن قرن الفعل ب (لا) سواء كانت نافية أو مؤكدة وجب إظهار (أنْ) بعد اللام، وامتنع الإضمار3 نحو قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ 4.وقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ 5.

وان كانت لام الجحود1 وهي المسبوقة بكون منفي، ماض إما لفظا ومعنى أو معنى فقط2، وجب بعدها إضمار (أن) ولا يجوز إظهارها بحال من الأحوال3، نحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 4 ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ 5. تنبيهات: الأول: أراد المصنف رحمه الله تعالى 6 بقوله: وتضمر (أن) مجرد الإضمار، أعمّ من أن يكون واجبا أو جائزا، بدليل أنه7 بعد أن استوفى ذكر مواضع الإضمار مطلقا بيّن مواضع الوجوب من مواضع الجواز.
الثاني: تقييده اللام [48/ب] بما ذكره8 ربّما يخرج لام9 العاقبة10 واللام

المؤكدة1 بناء على مغايرتهما لها، وهو ظاهر صنعه في الشرح2، مع أن إضمار (أنْ) بعدهما جائز3 أيضا.
ومذهب الجمهور4 رد لام العاقبة إلى التعليلية.
وقال في شرح الزوائد5: (والمختار رد المؤكدة إليها) 6أيضا.
الثالث: قوله: (أو جحودية) معطوف على قوله: (تعليلية) أي تضمر (أن) بعد اللام حال كونها تعليلية أو جحودية.
وقوله: (ما كنت أو لم أكن لأفعل) تقديره: ما كنت لأفعل أو لم أكن لأفعل.
ومثّل بمثالين أحدهما للماضي في اللفظ والمعنى، والثاني للماضي في المعنى فقط وهو المنفى ب (لم) 7. ص: وبعد ثلاثة من حروف8 العطف، وهي أو بمعنى (إلى) نحو لألزمنك أو تقضيني حقي، أو (إلا) نحو لأقتلنه أو يسلم وفاء السببية

وواو المعية مسبوقين بنفي محض أو طلب بغير اسم الفعل نحو ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ 1 ونحوه2 ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ 3 ونحو ﴿لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ 4 و (لا تَنْه عن خلق وتأتيَ مثله) . ش: لما فرغ من ذكر5 ما أضمرت (أنْ) بعده من الحروف الجارة أخذ يذكر ما أضمرت أيضا بعده من الحروف العاطفة.
فمنها (أو) وتضمر (أنْ) بعدها وجوبا إذا صلُح في موضعها (إلى) نحو (لألزمنك أو تقضيَني حقي) أي إلى أن تقضيني حقي.
أو (إلا) نحو (لأقتلنه أو يسلمَ) أي إلاّ أن يُسلم.
والضابط في ذلك6 أن الفعل الذي بعدها إن كان مما ينقضي شيئا فشيئا فهو موضع7 (إلى) وإن لم يكن فهو موضع (إلاَّ) . فإن لم يصلح في موضعها أحدهما، وورد المضارع منصوبا بعدها نحو قول الشاعر:

90- فلولا رجال من رزام أعِزة ... وآل سُبيع أو أسوءك علقما1 جاز إظهار (أنْ) ولم يجب إضمارها.
ومنها فاء السببية، وهي التي قصد بها الجزاء، إذا كانت مسبوقة بنفي محض، والمراد به ألاّ تتلو تقريرا2، نحو (ألم 3 تأتني فأحسنُ إليك) ، وألا يكون متلوا بنفي محض4نحو (ما تزال [49/أ] تأتينا فتحدثُنا) . وألاَّ ينتقض بإلاّ نحو (ما تأتينا إلاّ فتحدثُنا) 5.

أو كانت مسبوقة بطلب محض أيضا، وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله: (بغير اسم الفعل) . والمراد به أن يكون بفعلٍ أصلٍ في ذلك، فخرج الطلب بالمصدر، نحو (سقيا) أو باسم فعل1، نحو (صه) أو بلفظ الخبر، نحو (رحم الله زيدا) . فلا ينصب الفعل بعد شيء منها2.
مثال ذلك (ما تأتينا فتحدثَنَا) بالنصب إذا قصدت معنى الجزاء والسببية، أي ما تأتينا محدثا3 فيكون المقصود نفي اجتماعها.
أو4 (ما تأتينا فكيف تحدثَنا) فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول.
وخرجت الفاء التي لمجرد العطف، نحو (ما تأتينا فتحدثُنا) على معنى فما5 تحدثنا، والاستئنافية، نحو (ما تأتينا فتحدثُنا) على معنى ما تأتينا فأنت تحدثنا.

والفرق بينهما1 أن في الأول ما قبل الفاء وما بعدها منفيان، وفي الثاني ما قبلها منفي وما بعدها مثبت.
ومنها واو المعية، وهي التي تفيد2 معنى (مع) فإن (أنْ) مضمرة 3 بعدها وجوبا أيضا بعد النفي والطلب بشرطيهما السابقين4.
نحو (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) 5. أي لا يكن6 منك أكل للسمك مع شرب اللبن 7 فيكون ذلك نهيا عن الجمع بينهما، فلا يمتنع الإتيان بأحدهما منفردا.
وخرجت الواو التي لمجرد العطف نحو (لا تأكلْ السمك وتشربْ اللبن) بجزم (تشرب) عطفا على (تأكل) ، فيكون ذلك نهيا عن كل واحد منهما.
والاستئنافية نحو (لا تأكل السمك وتشربُ اللبن) 8، أي وأنت تشرب اللبن.
فلا يجوز النصب أيضا، بل يجب الرفع، ويكون نهيا عن أكل السمك وإخبارا بشرب اللبن9

ومثل المصنف للنصب بعد الفاء الواقعة بعد النفي المذكور، بقوله تعالى ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ 1. وللنصب بعد الواو الواقعة بعده بقوله2 تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ 3 فإن قبله النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ [49/ب] جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ . وشمل الطلب المذكور الأمر، ومثاله بعد الفاء قوله: 91- يا ناقُ سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا4 ومثاله5 بعد الواو كقوله6:

92-فقلتُ ادْعِي وأدعوَ إن أنْدى لصوتٍ أن يُنادي داعيان1 والنهي2، ومثل المصنف3 له بعد الفاء بقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ 4، وبعد الواو بقول أبي الأسود الدؤلي 5: 92- لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم6

والدعاء 1 والاستفهام والعرض2 والتمني والتحضيض3 ولا تخفى أمثلتها 4 بعد الفاء والواو5.

تنبيهات: الأول: قوله: (وهي أو بمعنى إلى أو إلا) قد يتوهم منه مرادفة (أو) للحرفين المذكورين، وليس كذلك، بل هي (أو) العاطفة التي لأحد الشيئين.
فلو عبّر بصلاحية أحد الحرفين موضعها، كما عبرنا لكان أحسن.
الثاني: تقييده الطلب بغير اسم الفعل قد1 علمت أن في معنى اسم الفعل الخبر2 والمصدر، فكأنه قال: بغير اسم الفعل وما في معناه.
وكأنه إنما اقتصر عليه 3 لأن الكسائي4 جوّز النصب بعد الطلب به5 كما في الطلب بالخبر، فينتفي الطلب بالمصدر من باب أولى، إذ لم يقل بالنصب بعده أحد فيما علمت.
الثالث: قد علم مما تقرر أن النصب بعد الواو ليس على معنى النصب بعد الفاء 6، وإن اشتركا في شرطه.
الرابع: ما ذكره من أن النصب بأنْ المقدرة بعد أو والواو والفاء هو الصحيح7.

ومذهب الكسائي1 أن أو والواو والفاء [هي الناصبة] 2. ومذهب الفراء وجماعة من الكوفيين3 أن النصب بالمخالفة.
ويرد على الكسائي أن هذه حروف4 عاطفة فلا تصلح للعمل لعدم اختصاصها5.
وعلى الفراء ومن معه أن العامل اللفظي حيث أمكن لا يعدل عنه إلى المعنوي كما تقدم.
والله أعلم.
ص: وبعد الفاء والواو وأو وثم إن عطفن على اسم خالص نحو ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ 6 ونحو (ولُبسُ عباءة وتقرَّ عيني) . ش: يعني 50/ب أن (أن) كما أضمرت بعد ما تقدم من الحروف، وهي (أو) والواو والفاء كذلك تضمر بعدهن وبعد (ثم) لكن في محل آخر، وهو ما إذا عطف أحد هذه الحروف7 على اسم خالص، أي من تأويل الفعل.

واحترز بذلك من نحو قولهم1: (الطائر فيغضبُ زيدٌ الذبابُ) فإنه لا ينصب الفعل وان كان العطف على اسم وهو (الطائر) ،لأنه في تأويل الفعل، أي الذي يطير.
فمثال (أو) قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ 2 في قراءة النصب3 عطفا على (وَحْيَاَ) 4. ومثال الواو قول ميسون5 زوج معاوية، رضى الله عنه: 94- ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عَيني ... أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ6

بالنصب عطفا على (لبس) . ومثال الفاء قوله: 95- لَوْلاَ تَوَقُّع مُعْتَرٍّ فَأُرْضِيَهُ1 ... ............................... ومثال (ثم) قوله: 96- إَنِّي وقتلي سليكا ثم أعقله2 ... ..............................

تنبيه: اقتصاره على حذف (أنْ) بعد ما ذكره من الحروف يفهم منه أنها لا تحذف في غيره، وهو كذلك.
لكن قد وردت مواضع شاذه، نصب الفعل فيها ب (أنْ) محذوفة وليست مما تقدم.
فمن ذلك1 قولهم (خذ اللص قبل يأخذَك) 2 بالنصب.
وقولهم (تسمَع بالمعيدي خير من أنْ تراه) 3 بالنصب أيضا.
فيحفظ ما ورد منها ولا يقاس عليه.
ص: ولك معهن ومع لام التعليل إظهار (أن) . ش: بَيّن في هذا الكلام ما يجب فيه إضمار (أَنْ) وما لا يجب مما تقدم.
فذكر أنه يجوز إظهارها4 بعد هذه الأحرف الأربعة في مسألة العطف على اسم خالص، وبعد لام (كي) وهي5 المراد بقوله: (لام التعليل) .

وفهم من ذلك أن الإضمار واجب في غير ذلك.
وهو سائر ما تقدم، ومنه1 لام الجحود.
وتدخل2 لام العاقبة واللام المؤكدة أي الزائدة في لام التعليل، التي هي لام كي، على ما تقدم.

ص:

جارٍ التحميل