باب المنصوبات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجوجري
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
- المحقق
- نواف بن جزاء الحارثي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
- الكتاب
- رسالة ماجستير للمحقق)
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أو منصوب، وتعرب (غير) باتفاق 1، و (سوى) على الأصح إعراب المستثنى بإلا.
ش: أخذ يتكلم على حكم المستثنى ببقية الأدوات، وهي (غير) و (سوى) و (خلا) و (عدا) مجردتين عن (ما) و (حاشا) .
وذكر أنها كلها مشتركة في خفض 42/ب المستثنى بها، وأن الخفض واجب بعد (غير) و (سوى) 2 جائز بعد الثلاثة الأخر.
ولنبدأ بالكلام على المستثنى ب (غير) و (سوى) فنقول:
أما (غير) فالأصل فيها أن تقع صفة.
وقد تخرج على الصفة وتتضمن معنى (إلا) فيستثنى بها3 اسم مجرور بها لإضافتها إليه.
ولا تخرج عن الجر أصلا.
ويجب في لفظ (غير) أن يُعرب بما كان يعرب به المستثنى ب (إِلاَّ) وقد عرفت تفصيله.
فيجب نصب (غير) بعد الكلام التام الموجب، نحو قاموا غيرَ زيد، وفي التام غير الموجب الذي لا يصح تفريغه، نحو (ما نفعَ هذا المالَ غيرَ الضررِ) 4.
ويترجح على الإبدال1 في التام الغير الموجب2 إذا كان منقطعا وصح التفريغ عند تميم نحو (ما فيها أحد غيرَ حمار) . ويتعين3 عند الحجازيين.
ويترجح الإبدال على النصب في الكلام التام غير الموجب، إذا كان الاستثناء متصلا نحو (ما قاموا غيرُ زيد) بالضم و (ما رأيتهم غيرَ زيد) بالنصب و (ما مررت بهم غيرِ زيد) بالجر4.
وأما (سوى) فالمستثنى بها كالمستثنى ب (غير) في وجوب خفضه أبدا.
وأما هي نفسها فقال سيبويه5 والجمهور6: هي منصوبة على
الظرفية أبدا1 ولا تخرج عنها إلا في الشعر.
وقال الرماني2 والعكبري3: هي ظرف غالبا وكغير قليلا.
قال المصنف4: (وإلى هذا القول أذهب) .
وقال الزجاجي1 وابن مالك2: سوى كغير معنى وإعرابا فيستثنى بها اسمٌ مجرور بها، لإضافتها إليه، كما تقدم، وتعرب تقديرا بما يعرب به3 (غير) لفظا، خلافا لأكثر البصريين في ادعاء4 لزومها النصب على الظرفية، أي عدم التصرف.
قال ابن مالك5 رحمه الله: "وإنما اخترت غير ما ذهبوا إليه لأمرين: أحدهما إجماع أهل اللغة على أن6 معنى قولك7: قاموا
سواك، وقاموا غيرك، واحد.
فإن أحدا لا يقول: إن (سوى) هنا عبارة عن مكان أو زمان وما لم يدل على مكان ولا زمان1 43/أفهو بمعزل عن الظرفية.
ثانيهما أن من حكم بظرفيتها حكم بلزومها إياها، وأنها لا تتصرف.
والواقع في كلام العرب نثرا ونظما خلاف ذلك.
فإنها قد أضيف2 إليها، وابتدىء بها وعملت فيها نواسخ الابتداء ونحوها من العوامل اللفظية".
انتهى.
وقد نُظر فيهما3 من أوجه4 ليس هذا موضع ذكرها. والله أعلم.
وأما المستثنى بخلا وعدا فهو مجرور أو منصوب، لكن جره قليل. والكثير هو النصب5.
فالجر على أنهما حرفان جاران متعلقان بالفعل أو معنى الفعل6، فموضعهما نصب7 والنصب على أنهما فعلان، والمنصوب مفعولهما، وفاعلهما ضمير عائد، إما على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق،
وإما على البعض المدلول عليه بكلّه1 السابق2.
كما تقدم في (ليس) و (لا يكون) 3 والتقدير4 قاموا خلا هو أي القائم أو بعضهم زيدا.
والجملة إما حالية أو مستأنفة5، على ما تقدم في جملة (ليس) و (لا يكون) 6 أيضا.
وأما المستثنى بحاشا فهو أيضا مجرور أو منصوب7.
فإذا جُر كان8 حرفا، وفي متعلقها ما تقدم في متعلق (خلا) و (عدا) لا فرق بينها وبينهما في شيء من ذلك.
وإن افترقا من وجه آخر،
قال سيبويه3: "لو قلت: (أتوني ما حاشا زيدا) لم يكن كلاما".
وقد أجازه بعضهم4 على قلّة.
قال ابن مالك: (وربما قيل: ما حاشا) 5.
واستشهد على ذلك بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أسامةُ أحبّ الناس إليَّ، ما حاشا فاطمةَ" 6 وقول الشاعر:
67- رأيتُ الناسَ مَا حاشَا قريشًا ... فإنّا نحنُ أفضلُهم فَعَالا712
ص: والبواقي 1 خبر (كان) وأخواتها وخبر (كاد) وأخواتها، ويجب كونه مضارعا، مؤخرا عنها، رافعا لضمير أسمائها 2، مجرداً من (أنْ) بعد أفعال الشروع ومقرونا بها بعد (حَرَى) و (اخْلولق) وندر تجرد خبر (عسى) و (أوشك) 43/ب واقتران خبر (كاد) و (كرب) .
وربما رفع السببي بخبر (عسى) 3 ففي قوله: (وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده) فيمن رفع (جهده) شذوذان.
ش: اشتمل هذا الكلام على العاشر والحادي عشر من المنصوبات.
وهما خبر (كان) وأخواتها وخبر (كاد) وأخواتها.
فأما خبر (كان) وأخواتها فهو المسند إلى اسمها بعد دخولها، نحو كان زيد عالما وأصبح عمرو قائما وأمسى بكر فاضلا ولايزال قصدك ناجحا.
وله أحكام منها أنه يجوز توسطه بين هذه الأفعال وبين أسمائها مطلقا1 نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2 وقول الشاعر: 68- لا طيب للعيشِ مادامَتْ منَغَّصةً ... لذاتُهُ بادِّكار الموت والهرم3 اللهم4 إلا أن يمنع مانع من ذلك، نحو ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ 5.
ومنها أنه يجوز تقديمه1 على هذه الأفعال2 إلا خبر (دام) فلا يجوز تقديمه على (ما) المقترنة بها3 بالاتفاق4.
وأما توسطه بينهما5 ففيه خلاف6، والصحيح المنع7.
وإلا خبر (ليس) فلا يجوز عند جمهور البصريين8.
واستدل لهذا الحكم1 بقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ 2 لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل3.
ومنها أن معموله4 يجوز أن يلي هذه الأفعال5 إن كان ظرفا أو مجرورا باتفاق فإن لم يكن أحدهما امتنع عند جمهور البصريين6، وجاز عند الكوفيين7.
وأما خبر (كاد) وأخواتها فهو1 مثل خبر (كان) إلا أنه اختص2 باعتبار أمور زائدة فيه ولذلك3 أفرد بباب.
فمنها أنه يجب كونه جملة، وشذ مجيئه مفردا بعد (عسى) و (كاد) 4.
وأن تكون الجملة فعلية، وشذ كونها اسمية بعد (جعل) 5.
وأن يكون فعل هذه الجملة مضارعا، وشذ كونه ماضيا بعد (جعل) 6. وإلى ذلك كله أشار المصنف رحمه الله بقوله: (ويجب كونه مضارعا) .
ومنها أنه لا يجوز تقديمه على شيء من هذه الأفعال7.
ومقتضى كلامه جواز توسطه بينها وبين 44/أأسمائها مطلقا، وهو مذهب المبرد1 والسيرافي2 والفارسي3.
ومنعه الشلوبين4 فيما اقترن فيه الخبر بأنْ.
ومنها أنه يجب أن يكون فاعل هذا المضارع ضميرا يعود على اسمها ولا يخرج عن ذلك من جميع هذه الأفعال إلا (عسى) فإنه يجوز فيها5 خاصة أن يرفع خبرُها السببيَّ.
والمراد به الظاهر المتصل بضمير اسمها، نحو قول الشاعر:
69- وماذا عسى الحَجّاجُ يبلغُ جُهدَُه6 ... .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
يروى بنصب (جهده) على الأصل، وبرفعه على خلاف الأصل، لاتصاله بضمير اسمها، وإلى ذلك أشار الشيخ بقوله: (وربما رُفع السببي بخبر عسى) .
وقوله: (ففي قوله..) إلى آخره.
الشذوذان هما تجرد خبر (عسى) من (أن) ورفعه السببي.
والله أعلم.
ومنها وجوب اقترانه ب (أن) إن كان الفعل (حَرَى) 1 أو (اخْلولق) 1 نحو حرى زيد أن يأتي، واخلولقت السماء أن تمطر.
فلا يجوز (حرى زيد يأتي) و (اخلولقت السماء تمطر) 2. (حَرى) بفتح الحاء والراء، وقيل إنه من باب (فرح) وهو فعل دال على الرجاء، ينظر تعليق الفرائد 3/284. والتصريح 1/203.
ومنها وجوب تجرده من (أن) في أفعال الشروع1.
والحكمة2 في ذلك أن (أَنْ) تخلّص الفعل للاستقبال، والشروع للحال فبينهما تناف.
فتقول: أخذ يقول، وشرع ينشد.
ولا يجوز أخذ أن يقول، ولا [شرع] 3 أن ينشد.
وأما الأفعال الأربعة الأخر، وهي عسى وأوشك وكاد وكرب، فإن الكثير في الأولين منها الاقتران، نحو ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ 4 وقوله:
70- فإنك مُوشك ألا تراها ... .. .. .. 5
والتجرد6 قليل، كقوله:
71- عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب1 وقوله: 72- يوشك من فرمن منيّته ... في بعض غراته يوافقها2 وفي الأخيرين3 يقل الاقتران، نحو قول الشاعر: 73- كادت النفس أن تفيض عليه4 ... ..................................
وقوله: 74-.. .. .. ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا1 ويكثر التجرد2، نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ 3 ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ 4 وقوله: 75- كَرَبَ القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة هند غضوب5
تنبيهات:
الأول: استغنى المصنف رحمه الله تعالى1 عن التصريح باشتراط كون الخبر جملة فعلية، باشتراط 44/ب كونه مضارعا، لاستلزامه لها، لأن الفعل لابد له من فاعل.
الثاني: استثناء رفع خبر (عسى) السببي ساقط2 في بعض النسخ وثابت في كثير منها، وهي النسخة التي شرحُنا عليها، وعبارته فيه أحسن من عبارة التوضيح حيث قال: "ويجوز في (عسى) خاصة أن ترفع السببي"3.
فإن الرافع له خبرها4 لا هي.
الثالث: ذكر المصنف وغيره من النحاة أن هذه الأفعال ناقصة5 وظاهر مذهب سيبويه6 رحمه الله تعالى أنها تامة، وأن (أن) والفعل
بعدها منصوب على إسقاط الخافض.
ولعل ذلك إنما هو لأجل أَنَّ جعلهما خبرا عنها لا يستقيم إلا بتقدير المبالغة أو حذف المضاف، لأن قولنا: (عسى زيد أن يقوم) إذا جعلنا (أنْ) والفعل فيه خبرا عن (زيد) يلزم منه الإخبار عن الذات بالمعنى، وهو ممتنع فيحتاج إلى التأويل المذكور، وهو إما المبالغة بجعل (زيد) نفس القيام وإما بتقدير مضاف وكأنه قيل: عسى أمر زيد القيام1.
إذا علمت ذلك، فلا تكون هذه الأفعال على مذهب سيبويه ملحقة بكان2 لأن (أن) والفعل معها ليسا خبرا عنها.
وقال الشيخ بدر الدين بن مالك3 رحمه الله تعالى: "والحق أن
أفعال المقاربة ملحقة ب (كان) إذا لم يقترن الفعل بعدها ب (أن) دون ما إذا اقترن" 1. انتهى.
ووجهه أن الجار يطرد حذفه قبل (أنْ) 2 فقوي مذهب سيبويه به3 إذا اقترن الفعل ب (أن) ، دون ما إذا لم يقترن بها.
ص: وخبر ما حمل على (ليس) .
ش: الثاني عشر من المنصوبات خبر ما حمل على (ليس) وهي الأحرف الأربعة المتقدم ذكرها في المرفوعات، أعني (لات) ، و (لا) و (ما) الحجازية و (إن) النافية.
وتقدم هناك سبب حملها على (ليس) 4.
وينبغي أن يعلم هنا أن الباء تزاد بكثرة في خبر (ما) الحجازية بلا خلاف 5.
وفي خبر التميمية على الأصح 6، نحو قوله تعالى:45/أ {وَمَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} 1 وتزاد بقلة في خبر (لا) نحو قوله:
76- فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... بمغنٍ فتيلاً عن سوادِ بن قَارِبِ2
والله أعلم.
ص: واسم (إن) وأخواتها.
وإن قرنت ب (ما) المزيدة ألغيت وجوبا إلا (ليت) فجوازا.
وتُخفَّف ذوات النون 3. منها فتلغى (لكن) وجوبا [وكأن قليلا] 4 و (إنَّ) غالبا، ويغلب معها مهملةً اللام وكون الفعل التالي لها ناسخا، ويجب استتار اسم (أنَّ) وكون خبرها جملة، وكون الفعل [بعدها] 5 دعائيا أو جامدا أو مفصولا بتنفيس أو نفي أو شرط6 أو قد أو لو.
ويغلب ل (كأنَّ) ما وجب ل (أَنَّ) إلا أن الفعل
بعدها [دائما] 1 خبري مفصول بقد أو لم 2 خاصة.
ش: الباب الثالث عشر من المنصوبات اسم (إنَّ) وأخواتها وهي (أَنَّ) و (لكنَّ) و (كأنَّ) و (ليت) و (لعلَّ) .
وذكر الشيخ رحمه الله لهذه الأحرف حالتين، وأردف كل حالة منهما ببيان حكمها.
فأما الحالة الأولى فهي اتصال (ما) المزيدة بهذه الأحرف.
وحكمها أنها تلغى، أي يبطل عملها.
ولهذا سميت (ما) هذه كافة لأنها كفَّت ما اتصلت به من الأحرف عن العمل.
وهذه الأحرف بالنسبة إلى هذا الإلغاء3 على قسمين:
قسم يلغى وجوبا، وهو ماعدا (ليت) .
وذلك لأنها قد أزالت اختصاصه بالأسماء4، فوجب إهماله.
وقسم يلغى جوازا، وهو (ليت) .
وذلك لأن (ليت) لم يَزُل اختصاصها5 بالأسماء بسبب اتصال (ما) بها6.
وإنما جاز إلغاؤها نظرا إلى أن (ما) كافة في الجملة.
هذا مذهب سيبويه1، وهو الصحيح.
وقيل2: إلغاؤها كلها على سبيل الجواز، وهو ضعيف.
مثال ما عدا (ليت) : ﴿قُل إِنّما يُوحَى إليّ أَنّما إلهُكم إلهٌ واحِدٌ﴾ 3، وقوله: ﴿كأَنّما يُساقُون إلى الموتِ وهُم ينظُرُون﴾ 4.
وقول الشاعر:
77-.... ................... ... ولكنَّما يُقْضَى فَسوْف يكون5
وقوله: 78- ... ...لًعلَّما ... أضَاءَتْ لك النّارُ الحِمارَ المُقيّدا1 ومثال (ليت) قول الشاعر: 79- قَالتْ ألا لَيْتما هذا الحمامُ لنا2 ... .... .... ..........................
يروى بنصب (الحَمَام) على الإعمال وبرفعه على الإلغاء.
وأما 45/ب الحالة الثانية فهي تخفيف ذوات النون منها.
وذوات النون كما علمت أربعة 1، وحكمها مختلف بعد تخفيفها.
فمنها (لكنّ) وحكمها إذا خفّفت أن تهمل وجوبا.
نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكِن اللهُ قَتَلَهُمْ﴾ 2 في قراءة 3.
هذا مذهب الجمهور4، وأجاز الأخفش ويونس5 إعمالها حينئذ6.
ومنها (إنّ) المكسورة، ويجوز بعد تخفيفها إعمالها وإهمالها، لكن
إهمالها أكثر، وإليه أشار بقوله: (وإن غالبا) أي وتهمل (إن) غالبا.
وإنما أهملت في الغالب لزوال اختصاصها بالأسماء.
وإنما أعملت قليلا استصحابا لما كان1، نحو ﴿وَإِنْ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ..﴾ 2 ثم إنها لمّا أن أهملت صارت بصورة (إنْ) النافية، فخيف اللبس فجيء بعدها باللام فارقة بينهما.
وهذه اللام إنما تجيء إذا لم تغن عنها قرينة لفظية، نحو (إنْ زيدٌ لن يقوم 3 أو معنوية، نحو قوله:
80- أنَا ابْنُ أُباة الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ... وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ المَعَادِنِ4
وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (ويغلب 1معها مهملةً اللام) .
وقوله: (وكون الفعل التالي2 لها ناسخا) هو معطوف على قوله: (اللام) أي يغلب مع (إنْ) المهملة أمران اللام وكون الفعل ناسخا.
والأكثر في هذا الناسخ أن يكون ماضيا، نحو ﴿وإنْ كانَتْ لكَبيَرةً﴾ 3 ويكون مضارعا كثيرا، نحو ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ 4.
ووقوع غير الناسخ بعدها ماضيا أكثر من وقوعه مضارعا، مثال الأول قوله:
81- شَلَّتْ يَمينُكَ إنْ قتلْتَ لَمُسلِماً ... حلّتْ عليك عُقُوبَةُ المُتَعَمّدِ 5
ومثال الثاني1 قوله: (إِنْ يَزينُك لنفْسُك وإنْ يَشِينُك لَهِيَهْ)
ومنها (أن) المفتوحة.
وحكمها بقاء عملها.
ولكن يجب في اسمها كونه ضميرا، ويجب في خبرها أن يكون جملة.
وأشار إلى الأمور الثلاثة3 بقوله: (ويجب استتار اسم (أنْ) وكون خبرها جملة) . ثم إن هذه الجملة قد تكون اسمية نحو قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 4
وقد تكون فعلية 46/أفعلها جامد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ 5 أو دعاء، نحو قوله تعالى: {والخَامِسةَ أنْ غَضِبَ الله2
عليْها} 1 فلا تحتاج لفاصل.
وقد يكون غير ذلك فيجب حينئذ الفصل بأحد أمور2:
إما بتنفيس إما3 بالسين، نحو ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ 4، أو بسوف، كقوله:
82- واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا5
وإما6 بنفي إما بلا، نحو ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ 7.
أو بلن، نحو ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ 8.
وإما بقد نحو قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ 1 أو (لو) نحو ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ 2.
ومنها (كأن) وحكمها بقاء عملها3.
ويجوز ثبوت اسمها وإفراد خبرها.
وإذا حذف اسمها، وكان خبرها جملة اسمية لم تحتج لفاصل 4 وإن كانت فعلية وجب في فعلها5 أن يكون خبريا لا دعائيا، وفصلت ب (لم) أو (قد) 6.
تنبيهان:
الأول اعتباره للفاصل في الفعل الذي ليس بدعائي ولا جامد يؤخذ منه عدم الاحتياج إليه مع الجملة الاسمية كالفعلية التي فعلها جامد أو دعاء كما تقدم.
الثاني قوله: (ويغلب لكأنْ ما وجب لأنْ) 1 يقتضي أن إعمالها غالب وأنه يجوز إهمالها، كما شرحناه.
وهو 2مذهب الزمخشري 3خلافا للجمهور 4.
ص: واسم (لا) النافية للجنس، وإنما يظهر نصبه إن كان مضافا أو شبهه، نحو لا غلامَ سفرٍ عندنا ولا طالعاً جبلاً حاضرٌ.
ش: الباب الرابع عشر من المنصوبات اسم (لا) النافية للجنس وهو5 على قسمين:
مبني، وهو المفرد المتقدم ذكره بشروطه 6، وهو منصوب المحل لا
1 أي من العمل، فالعمل الواجب لأنْ المخففة غالب لكأنْ المخففة وليس واجبا.
2 أي إهمالها مذهب الزمخشري لأنه يرى أن (كأن) إذا خففت بطل عملها، ولكن ابن يعيش تأول قوله: يبطل عملها بأن المراد به أنها تعمل في ضمير الشأن.
وهذا كلام غريب.
ينظر المفصل ص 301 وشرح المفصل 8/82.
3 هو محمود بن عمر الزمخشري، من أهل خوارزم، كان واسع العلم، متبحرا في أكثر العلوم، ولد سنة 497 هـ، وجاور بمكة فسمي جار الله، صنف كتبا نافعة منها الكشاف والمفصل والفائق في غريب الحديث وأساس البلاغة.
توفي سنة 538 هـ.
ينظر نزهة الألباء ص290 وإنباه الرواة 3/265 ومعجم الأدباء 19/126 وبغية الوعاة 2/279.
4 مذهب الجمهور هو إعمال (كأن) إذا خففت وجوبا.
ينظر التصريح 1/234 وهمع الهوامع 1/143 وشرح الأشموني 1/293.
5 في (ج) : (وهي) .
6 تقدم ذلك في المبنيات ص 246.
غير.
وغير مبني، وهو ما ليس بمفرد، وهو المضاف والشبيه به وهو الذي اتصل به شيء من تمام معناه 1. ويظهر النصب في لفظه.
فالمضاف نحو (لا غلامَ سفرٍ عندنا) .
والشبيه به 2نحو: (لا طالعا جبلا حاضر) .
وقوله: (اسم (لا) النافية للجنس) تصريح بأن المفرد وغيره معدودان من المنصوبات، لكن المفرد منصوب محلاَّ لا غير 3 وغيره4 منصوب لفظا أيضا وهو ظاهر.
46/ب ص:5 والمضارع بعد ناصب، وهو لن أو كي المصدرية مطلقا، أو إذن إن صُدرت وكان الفعل مستقبلا متصلا أو منفصلا بقسم أو بلا أو [بعد] 6 أن المصدرية [نحو {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي
خَطِيئَتِي} 1 إن لم تسبق بعلم، نحو ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ 2.
فإن سبقت بظن فوجهان، نحو ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ 3.
ش: الباب الخامس عشر من المنصوبات المضارع الداخل عليه أحد أدوات النصب الأربعة المذكورة، وهي لن وكي المصدرية وإذن وأنْ.
وقدم (لن) لأنها لا تكون غير ناصبة، وأخر (أنْ) وإن كانت هي4 أم الباب وأقوى من غيرها في العمل، إذ تعمل ظاهرة ومقدرة، لانتشار الكلام فيها، واستتباعه ما يطول.
فأما (لن) فهي لنفي المستقبل، ولا تقتضي تأبيد النفي5 ولا تأكيده6
ولا تقع دعائية1 وليس أصلها (لا) 2 ولا3 (لا أن) 4.
وأما (كي) فلا بد أن تكون مصدرية، كما صرّح به الشيخ، احترازا من التعليلية فإن الناصب بعدها (أنْ) مضمرة، وليس هي الناصبة.
وتتعين مصدريتها إن سبقتها اللام، نحو ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ 5 وتعليليتها6 إن تأخرت اللام أو (أن) نحو جئتك كي لتقضيني حقي7 وقوله:
83-.. .. ... .. كيما أن تغر وتخدعا 8
لأنه لا يفصل بين الحرف المصدري وصلته، والتوكيد خلاف الأصل فلا يرتكب 1 لغير ضرورة.
ويصح الأمران في2 نحو قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ 3، وكذا في قول الشاعر:
84- أردتَ لِكيما أَنْ تَطِير بِقِرْبتي ... ..................................... 4
فيصح فيه اعتبار كونها تعليلية مؤكدة لللام 1 وأن تكون مصدرية و (أنْ) مؤكدة لها2.
وقوله: (مطلقا) أي ينصب بلَنْ وكي المصدرية مطلقا عن الشروط المعتبرة في نصب أختيها.
وأما (إذن) فهي حرف جواب وجزاء 3
وشرطها أن تتصدر، فلا تكون حشوا، وإليه أشار بقوله: (إن صُدرت) . ومتى وقعت حشوا أهملت 4، كقول الشاعر:
85- لئنْ عادَ لي عبدُ العزيز بمثلِهَا وأمْكَنَني منها إذَنْ لا أقيلُها5
وحمل على الضرورة نحو قوله:
86-.... .... ... إني إذَنْ أَهْلِكَ أو أَطِيرا 6
مما وقعت فيه عاملة وهى في حشو الكلام.
ويجوز أن يقدر 47/أذلك محذوفا منه خبر (إنّ) و (إذَنْ) واقعة في الابتداء1.
وبجوز النصب بها بعد الواو والفاء2.
وأن يكون المنصوب بها مستقبلا، فلو قيل لك: أنا أحبك، فقلت3: (إذَنْ تَصْدُقُ) رفعت لأنه حالّ، وأدوات النصب تخلص الفعل للاستقبال فلا تعمل في الحال.
وأن تتصل بالفعل المنصوب بها.
وفي معناه4 أن يفصِل بينهما
القَسَمُ، أو (لا) كما صرح به المصنف.
ووجهه أن النافي كالجزء من المنفي، فكأنه لا فاصل.
وأما القَسَم فإنه زائد مؤكد فلم يمنع الفصل به من النصب هنا كما لم يمنع من الجر في قولهم: (إنّ الشّاةَ لتجْترُّ فتسمعُ صَوتَ واللهِ ربِّها) 1.
واعلم أن سيبويه2حكى عن بعض العرب إلغاء (إذن) مع توفر الشروط.
قال بعضهم3: (وهو القياس، لأنها غير مختصة والأكثرون أعملوها حملا لها على (ظن) لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخرها عنها4 وتوسطها بين جزأيها، كما حملت (ما) على (ليس) وان كانت غير مختصة) 5.
وأما (أنْ) فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ 6 وشرط نصبها ألاَّ تكون مخففة من الثقيلة.
وربما أهملت، حملا على (ما) المصدرية، كما أعملت (ما) المصدرية
قليلا، حملا عليها1.
فمن الأول2 قوله:
87- أن تَقْرَآنِ عَلَى أَسْماءَ وَيْحَكُما ... مَنّي السَّلاَمَ وَأَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدًا3
ومن الثاني4 الحديث في بعض الروايات: "كما تكونوا يولى عليكم"5.
والمخففة من الثقيلة هي الواقعة بعد ما يدل على التحقيق، سواء
كان بلفظ العلم أو الظن، والى ذلك أشار بقوله: (إن لم تُسبق بعلم) فإن المراد بالعلم ما دل على التحقيق، كما ذكرنا لا لفظ (علم) .
فإن وقعت بعد ما يفيد ظنا، سواء كان بلفظ (ظن) أو ما أشبهه من (حسب) 1 ونحوه، جاز فيه اعتبار كونها مصدرية، حملا للظن على بابه، وكونها مخففة حملا له على اليقين.
والى ذلك أشار المصنف2 بقوله: (فإن سبقت بظن 47/ب فوجهان) . ومثّل له بقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَُ فِتْنَةٌ﴾ 3.
فمن نصبه4 جعلها مصدرية، ومن رفعه5 جعلها مخففة من الثقيلة6.
ص: وتضمر (أنْ) بعد ثلاثة من حروف الجر، وهي (كي) نحو ﴿كَيْلا يَكُونَ دُولَةً﴾ 7 و (حتى) إن كان الفعل مستقبلا بالنظر إلى ما