شرح شذور الذهب للجوجريصفحات 405-444

باب المنصوبات

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... ص: باب المنصوبات خمسة عشر، أحدها المفعول به، وهو ما وقع عليه فعل الفاعل، ك (ضربت زيدا) . ش: لما فرع من المرفوعات شرع في ذكر المنصوبات.
وبدأ منها بالمفاعيل، لأنها الأصل في النصب، وغيرها محمول عليها كما1 ذكرنا مثل ذلك في الفاعل2.
وبدأ من المفاعيل بالمفعول به.
قال3: "لأنه أحوج إلى الإعراب لإزالة التباسه4 بالفاعل".
وحدّه بقوله: (هو ما وقع عليه.) إلى آخره.
وهو5 بعينه حد ابن الحاجب6، رحمه الله تعالى.
وفسَّر الوقوع في الشرح7 تبعا له أيضا8 بتعلقه بما لا يعقل إلا به.
وأُورد على هذا التفسير أمران9: الأول: أنه يقتضي أن يكون المجرور في قولك: (قربت من زيد)

و (بعدت من عمرو) 1 و (سرت2 من البصرة إلى الكوفة) مفعولا به3، وليس في الاصطلاح مفعولا به، وإن صحّ أن يقال: إنه مفعول به بواسطة حرف الجر.
الأمر الثاني: أنه يقتضي أن يكون (عمرو) من قولك: اشترك زيد وعمرو4 مفعولا به لأن معنى (اشترك) 5 لا يفهم بعد إسنادك6 إياه إلى (زيد) إلا بعد ذكر (عمرو) وليس (عمرو) 7 في هذا المثال بمفعول به.
وقد يجاب عن الأمرين معا بأن المفهوم من قوله: (تعلقه) تعلقه8 بنفسه من غير واسطة، وهذا ظاهر، فيخرجان لأنهما بواسطة حرفي الجر والعطف.
والله أعلم.
وخرج بقوله: (ما وقع عليه فعل الفاعل) بقية المفاعيل.
فإن المفعول المطلق هو نفس فعل الفاعل، والمفعول له وقع لأجله

فعل الفاعل، والمفعول معه وقع الفعل معه1، والظرف وقع فيه.
ولا يعترض على هذا الحد بنحو (ما2 ضربت زيدا) . لأن الفعل إن أريد به لفظه الذي هو (ضَرَب) فهو مندفع عن المفعول3 وإن أريد به4 لفظ5 الفاعل والمفعول، فلا شك في اندفاعه أيضا6.
تنبيهان: الأول: قوله (المفعول به) الضمير فيه يعود على الألف واللام، أي الذي 32/أيفعل به فعل ويوقع عليه7.
وكذا الكلام في بقية المفاعيل.
الثاني: العامل في المفعول به الفعل أو شبهه على الأشهر8، وإليه

يشير كلام المصنف، كما سيأتي1.
وقال الفراء2: هو الفعل والفاعل3.
وقال بعض الكوفيين4: إن عامله كونه مفعولا به.
ص: ومنه ما أضمر عامله جوازا، نحو5 ﴿قَالُوا خَيرًا﴾ 6 ووجوبا في مواضع منها باب الاشتغال7 نحو ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ 8. ش: لما قرر أن المفعول به ما وقع عليه فعل الفاعل، وكان في هذه

العبارة إشعار بأنه العامل فيه، على ما هو الأشهر، كما بيّنا، أخذ يفرع1 على ذلك أن الفعل الذي هو العامل قد يحذف يعنى إذا علم.
وحذفه على ضربين جائز وواجب: فالضرب الأول إما أن يكون لقرينة حالية، كقولك للمتأهب2 للحج، مكَّةَ بإضمار (تريد) . أو مقالية، كقولك: (زيدًا) لمن قال: من ضربت؟ أي ضربت زيدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا خَيرًا﴾ 3 أي أنزل ربُّنَا خيرا4، جوابا ل ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ 5. والضرب الثاني واقع في ستة مواضع: الأول: المنصوب في باب الاشتغال، وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله نحو: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾ 6. وهو المنصوب بمفسَّر بعامل مشتغل بملابس المنصوب المذكور عنه7 ف (كل إنسان) عامله محذوف وجوبا وهو مفسَّر بأَلزَم وهم لا يجمعون

بين المفسِّر والمفسَّر.
وإنما جعل العمل للمحذوف لاشتغال1 المذكور بالعمل في الضمير.
ومثله (زيداً ضربته) 2 و (عمرًا مررت به) و (خالدًا ضربت رجلا يحبه) 3. وقال الفراء: الفعل المذكور عامل في الظاهر وضميره4.
ورُدَّ عليه بأن المتعدّي لواحد يصير متعديا لاثنين5.
وقال الكسائي6: هو العامل في الظاهر والمضمر7 ملغى.
ورُدَّ عليه بأن الشاغل قد يكون ظاهرا لا ضميرا، نحو زيداً ضربت غُلاَمَه، فلا يستقيم إلغاؤه عن عمل العامل.
وسيأتي في باب عمل الفعل الكلام على هذا الباب مستوفى8، إن

شاء الله تعالى1.
تنبيه: قوله: (في مواضع) أراد به المنصوبات أنفسها، كما قررنا لا أبوابها، بدليل قوله2: (والمنادى، والمنصوب بأخص، والمنصوب باتّق) إلى آخره والله أعلم.
ص: والمنادى وإنما يظهر نصبه إذا كان مضافا أو شبهه أو نكرة نحو يا عبدَ الله ويا طالعًا جبلاً، وقول الأعمى يا رجلاً خذ بيدي.
ش: الموضع الثاني من المواضع الستة التي يجب فيها حذف عاملها3 المنادى أي مطلقا، سواء كان مفردا أو غير مفرد، معرفة أو نكرة. لكن بعضه يَظهر نصبه، وبعضه يُقَدَّر نصبه. فالمقدر النصب هو المبني على الضم، وقد تقدم في المبنيات4.
والظاهر5، المضاف، ك (يا عبدَ الله) ومثله (يا غلامَ زيدٍ) وشبه المضاف، وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه، ك (يا طالعًا جبلاً) ومثله (يا رفيقاً بالعباد) . والنكرة غير المقصودة، كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي.

وانتصاب المنادى على أنه مفعول به، وناصبه الفعل المقدر، وهو مذهب سيبويه1.
وأصله: ياأدعو زيدا، فحذف الفعل حذفا لازما، لكثرة الاستعمال، ولدلالة حرف النداء عليه وإفادته فائدته.
وجعل المبرد2 الناصب له حرف النداء.
وعلى هذا3 لا4 يكون مما حذف عامله.
وعلى المذهبين5 (يازيد) جملة، وليس المنادى أحد جزءي الجملة، فعند سيبويه جزءا الجملة وهما الفعل والفاعل مقدّران6.
وعند المبرد حرف النداء سدَّ مسدَّ الفعل فقط، والفاعل مقدر، وهذا مفهوم من تقديرهما7، فتفطن له.

ص: والمنصوب ب (أَخصّ) بعد ضمير المتكلم،1 32/ب ويكون بأل، نحو نحن العربَ أقرى الناس للضيف، ومضافا نحو "نحن معاشرَ الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"2.
و (أَيًّا) فيلزمها ما يلزمها في النداء، نحو أنا أفعلُ كذا أيُّها الرجل وعَلَماً قليلا، فنحو (بك اللهَ أرجو الفضل) شاذ من وجهين. ش: الثالث مما حذف عامله وجوبا المنصوب على الاختصاص. وهو اسم معمول ل (أَخُصُّ) واجب الحذف3.
ويكون بأل نحو (نحن العربَ أقرى الناس للضيف) . ويكون مضافا، نحو "نحنُ مَعَاشرَ الأنبياءِ لا نُورثُ." 4 ويظهر فيهما النصب.
ويكون5 (أيًّا) و (أيّةً) فيلزمهما ما يلزمهما6 في النداء7،

فيُضَمَّان وجوبا ويُوصفان لزوما باسم واجب الرفع محلى بأل.
نحو (أنا أفعلُ كذا أيُّها الرجل) . و (اللهم اغفر لنا أيَّتها العصابة) . ويفارق1 المنادى في أحكام لفظية، وفي المعنى أيضا2.
فأما الأحكام اللفظية: فمنها أنه ليس معه حرف نداء، لا لفظا ولا تقديرا3.
ومنها أنه لا يقع في أول الكلام، بل في أثنائه، نحو4 (نحن معاشرَ الأنبياء) أو بعد تمامه كما في5 (أنا أفعلُ كذا أيُّها الرجلُ) . ومنها أنه يشترط أن يتقدم عليه اسم بمعناه، ويغلب في ذلك الاسم كونه ضمير متكلم، ولهذا قال المصنف: (بعد ضمير متكلم) . ومنها أنه يقلّ كونه علما6، ولهذا قال: (وعلما قليلا) . ومنها نصبه مع كونه مفردا7، كما في (نحن العربَ) و (بِك اللهَ) . ومنها أن8 يكون بأل قياسا9.

وقوله: (بك الله أرجو1 الفضل، شاذ من وجهين) . الوجهان هما كونه بعد ضمير مخاطب، وكونه علما.
وأما مفارقته للمنادى في المعنى فلأن الغرض من ذكره تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه، ف (أيها الرجل) مثلا، و (أيتها العصابة) لم يرد بهما المخاطب، بل أريد بهما ما دل عليه ضمير المتكلم السابق2، وهو (أنا) و (نحن) 3 في المثالين السابقين4.
فتأمّل ذلك.
ص: والمنصوب بالزم أو باتّق إن كرر أو عطف عليه أو كان إياك 5 نحو السلاحَ السلاحَ 6، ونحو السيفَ والرمحَ، ونحو الأسدَ الأسد 7،

ونحو ﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا﴾ 1 وإياك من الأسد. ش: الرابع والخامس مما حذف عامله وجوبا المنصوب ب (الزم) والمنصوب ب (اتَّقِ) . أما المنصوب ب (الزم) فالمراد به المنصوب على الإغراء. والإغراء تنبيه المخاطب على فعل محمود ليفعله2.
وأما المنصوب ب (اتَّقِ) فالمراد به المنصوب على التحذير. والتحذير تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليجتنبه3.
ويشترك الأمران4 في وجوب الحذف فيهما عند العطف أو التكرار، وينفرد التحذير بوجوب الحذف فيه إذا كان بلفظ (إياك) 5 وما عدا ذلك يجوز فيه إظهار العامل. مثال التكرار في الإغراء، نحو السلاحَ السلاحَ. ومثال العطف فيه: (السيفَ والرمحَ) . ومثال التكرار في التحذير الأسدَ الأسدَ6.
ومثال العطف فيه قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا﴾ 7.

ومثال (إياك) قولهم: إياك من الأسد.
ومثال الجائز1 في الإغراء قولك: (الصلاةَ جامعةً) وإن شئت ذكرت فقلت: احضروا الصلاة أو نحوه.
ومثاله في التحذير قولك: الأسدَ، وإن شئت ذكرت العامل2، فقلت: احذر الأسد.
تنبيهات: الأول: لما كان في الإغراء حث على الفعل قدِّر عامله (الزم) ونحوه3 (افعل) و (ائْت) . ولما كان التحذير عكسه قُدِّر عامله (اتّق) ونحوه (اجتنب) و (باعد) إشارة إلى حقيقتهما مع الاختصار4.
الثاني: قد عُلم مما 33/أقدمناه5 أن التحذير إذا كان ب (إياك) أو إحدى أخواتها6 فإنه لا فرق في حذف العامل بين أن تعطف أو

تكرر1 أوْلا2.
ولكن لابد من اعتبار حذف آخر مع حذف الفعل العامل.
فإذا قلت: إياك والأسد، فالأصل: احذر تلاقي نفسِك والأسد، ثم حذف الفعل وفاعله ثم المضاف الأول3 وأنيب الثاني، ثم الثاني4 وأنيب الثالث فانتصب الضمير5 وانفصل.
وإذا قلت: إياك من الأسد، فالأصل باعد نفسك من الأسد، ثم حذف الفعل وفاعله6 والمضاف، فانفصل الضمير7.
وقيل: التقدير (أحذرك من الأسد) 8. فنحو (إياك الأسد) يمتنع9 على التقدير الأول، وهو مذهب

الجمهور1 وجائز على التقدير الثاني2.
ونحو (إياك أن تفعل) جائز على المذهبين3، لكون (أنْ) يحذف معها الجارّ4 قياسا مطردا5.
الثالث: فهم أيضا مما تقد أن (إيًّا) في هذا الباب لا تكون لمتكلم ولا لغائب وشذّ نحو قوله6: (وإيَّايَ وأن يحذفَ أحدُكم الأرنب) 7.

وقول بعضهم1: (إذا بلغ الرجل الستين فإيَّاه وإيَّا الشوابّ) 2. ص: والواقع في مَثَلٍ أو شبهه، نحو (الكلابَ على البقر) و (انته خيرًا لك) . ش: السادس3 من المواضع التي يحب حذف عاملها المفعول4 الواقع في مَثَل أو شبهه محذوف العامل، فإنه لا يجوز ذكر عامله، لأن الأمثال لا تُغيَّر، وكذا ما جرى مجراها. والمثل قول مركب مشهور شُبِّه مضربه بمورده5.
وهو من الاستعارة التمثيلية6.

كقولهم: (الكلابَ على البقر) 1 و (الصيفَ ضيَّعتِ اللبنَ) 2 و (كِلَيهما وتمرا) 3 و (امرءًا ونفسه) 4. وأما5 ما جرى مجرى المثل فهو كل كلام اشتهر، فبسبب شهرته شُبّه بالمثل فأعطي حكمه، من أنه لا يغير، نحو ﴿انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ 6. وقد قدّر سيبويه7 العامل8 في هذه الآية (انتهوا عن التثليث وائتوا

خيرا لكم) 1. والكسائي قدره: (انتهوا2 يكن خيرا لكم) . قال بعضهم3: "وليس ذلك بوجه، لأن (كان) لا تقدر قياسا" أي4 في مثل هذا التركيب.
وقال الفراء5:"لو كان على تقدير (كان) لجاز اتق الله محسنا"6.
ص: الثاني المفعول المطلق، وهو المصدر الفضلة المؤكد لعامله أو المبيّن لنوعه أو عدده، ك (ضربت ضربًا) أو (ضربَ الأميرِ) أو (ضربتين) . ش: الباب الثاني من المنصوبات المفعول المطلق.
وقيل له: (مطلق) لعدم تقييده بالجار، إذ يصدق عليه لفظ (مفعول) من غير7 صلة تُضَمّ إليه، بخلاف غيره من المفاعيل، إذ يقال: مفعول به وله وفيه ومعه.
وعرّفه بقوله: (المصدر) إلى آخره.

فقوله: (المصدر) كالجنس. وقوله: (الفضلة) يخرج ما كان عمدة من المصادر، نحو ركوعك ركوع حسن1.
وقوله: (المؤكِّد) إلى آخره يخرج ما عداه2 من المصادر الواقعة فضلة في الكلام، نحو قمت إجلالاً لك، وكرهت قيامك.
فإن (إجلالا) و (قيامك) مصدران3 فضلتان، ولكنهما غير مؤكدين ولا مبينين لنوع ولا عدد4.
ويخرج ما كان من المصادر مؤكِّدا5 لموافقه، نحو كرهت الفجورَ الفجورَ، فإنه وإن كان مؤكِّدًا لكن6 لا لعامله6.
واستفيد من قوله: (المؤكد) إلى آخره أن المفعول المطلق ثلاثة أقسام7: مؤكِّد لعامله، ك (ضربت ضربًا) .

ومبيِّن لنوعه، ك (ضربت ضربَ الأمير) . ومبين لعدده، ك (ضربت ضربتين) . ومعنى كونه مؤكدا لعامله1 أنه مؤكد للمصدر الذي تضمنه العامل من غير زيادة، لأنك إذا قلت: (ضربت) فكأنك2 قلت: أحدثت ضربًا، فإذا قلت: ضربًا صار مجموع ذلك بمنزلة قولك: أحدثت ضربًا ضربًا3.
فظهر أنه تأكيد للمصدر المتضمَّن4 خاصة، لا للإخبار5 والزمان اللذين تضمَّنهما6 الفعل أيضا.
والمراد بمبيِّن النوع هو المختص، واختصاصه إما بإضافة، ك (ضرب الأمير) أو بنعت، نحو (ضربًا شديدًا) أو بالألف واللام، نحو (ضربته الضربَ) أي الضرب الذي تعرفه7، ونحو ذلك.
ومعنى كونه مبينا لعدده أنه دال على عدد المرات، معينا كان،

ك (ضربت ضربتين) أو1 لا، ك (ضربت ضرباتٍ) فإنه دال على عدد 33/ب من الضربات مبهم.
تنبيهان: أحدهما 2: أن المصدر المؤكد يسمى المبهم3، والمبين للعدد يسمى المعدود، والمبين للنوع يسمى المختص. وجعل المعدود مقابلا للمختص هي طريقة لبعضهم4.
والظاهر كما في التسهيل5 إدراجه تحت المختص6.
وعلى هذا فالمصدر قسمان مبهم ومختص، والمختص قسمان معدود وغير معدود.
ثانيهما في نسبته7 كغيره من النحاة التأكيد للفعل توسع، لأنه

ليس إلا تأكيدا للمصدر الذي في ضمنه، كما علمت.
ص: وما بمعنى المصدر مثله نحو 1 ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ 2 ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ 3 ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 4. ش: لما قرر الشيخ أن المفعول المطلق هو المصدر، وكان بعض ماليس بمصدر مما له دلالة على المصدر ينتصب مفعولا مطلقا، ذكر ذلك بقوله: (وما بمعنى المصدر مثله) أي في الانتصاب على المفعولية المطلقة.
فمن ذلك (كل) 5 وهو مما ناب عن المصدر المبيِّن للنوع6، نحو قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْل﴾ 7 وقول الشاعر: 53- وقد يجمع الله الشتيتينب عدما ... يظنان كلّ الظن ألاّ تلاقيا8

ومنه أيضا ما دل على المصدر من النكرات المفيدة للعموم، لكونها في سياق النفي أو شبهه1 نحو ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ 2 أي لا تضروه بنوع من أنواع الضرر3.
ومنه وهو مما4 ناب عن المصدر المبيّن للعدد وهو نفس العدد نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ 5 ونحو ضربته ثلاثين ضربة.
تنبيهان: الأول6: ما ذكره المصنف من أمثلة ما ناب عن المصدر في الانتصاب مفعولا مطلقا خاص بقسمي7 المبيِّن كما علمت والمصدر المؤكِّد كالمبيِّن في أن ما يدل عليه ينتصب مفعولا مطلقا نائبا عنه.
فمن ذلك المرادف، نحو قعدت جلوسًا.
ومنه المشارك له في مادّته، نحو ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ 8 ونحو

﴿تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ 1. الثاني: ظهر مما ذكره المصنف رحمه الله أن بين المصدر والمفعول المطلق2 عموما وخصوصا من وجه، فيجتمعان في نحو (ضربت ضربا) 3 ويوجد المصدر بدون المفعول المطلق في نحو (قعودك حسن) ويوجد المفعول المطلق بدون المصدر في نحو4 (ضربته سوطا أو عصا) 5. والله أعلم.
ص: الثالث المفعول له، وهو المصدر الفضلة المعلِّل لحدث شاركه في الزمان والفاعل، كقمت إجلالا لك.
ش: الثالث من المنصوبات المفعول له، يقال له: المفعول لأجله ومن أجله.
وحدّه الشيخ بقوله: (المصدر) إلى آخره.
فالمصدر كالجنس، وخرج به نحو6 جئتك للسمن والعسل.
و (الفضلة) كالفصل، مخرج لما كان عمدة من المصادر.
وقوله: (المعلل لحدث) يخرج المفعول المطلق وغيره من المفعولات،

فإنه لا تعليل فيها1.
وقوله: (شاركه2 في الزمان والفاعل) مخرج ما اختلف فيه زمان العلة والمعلول، نحو: 54-...... وقد نضّت لنوم ثيابها3 ... ........................... وما اختلف فيه فاعلهما، نحو: 55- وإني لتعروني لذكراكِ هِزةٌ4.. ... ............................

فإنه وإن صدق عليهما أنه فُعِل لأجلهما [فهما] 1 علتان له، لكن ليسا في الاصطلاح مفعولا لهما، فأخرجهما2 بقيد المشاركة في الزمان والفاعل3.
تنبيهان: الأول: فهم من اقتصاره على ما ذكره من القيود أنه لا يشترط كونه قلبيا كالرغبة ونحوها، وهو مذهب الفارسي4.
وخالف 34/أفي ذلك ابن الخباز5، فشرط كونه قلبيا6، واعتمده

المصنف في غير هذا الكتاب1.
فنحو (جئتك قراءةَ العلمِ) يتعين2 جره عند ابن الخباز3، ويجوز نصبه عند غيره.
الثاني أن المفعول له على نوعين: نوع لا يتقدم في الوجود4 على ما جعل علة له.
ونوع يتقدم في الوجود على ما جعل علة [له] 5. والمثال الذي ذكره المصنف وهو (قمتُ إجلالا لك) من النوع الأول.
ومثال النوع6 الثاني: قعد عن الحرب جبنًا.
ص: ويجوز فيه [أن يجر بحرف التعليل] 7 ويجب في معلَّل فقد شرطا أن يُجرّ باللام أو نائبها.
ش: ذكر في هذا الكلام مسألتين:

المسألة الأولى: أن1 المستوفي للشروط2 المذكورة لا يتعين نصبه، وإنما يجوز، لأنها شروط لجواز النصب، لا لتعيينه، لكن يكثر جره إن كان بأل، نحو ضربته للتأديبِ، ويقلّ إن كان بدونها، وليس مضافا، نحو: 56- مَن أَمَّكم لرغبةٍ فيكم ظَفَر3 ... ................................. ويستوي الجر والنصب في المضاف، نحو ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ 4 ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ 5. المسألة الثانية: أن ما فقد شرطا من الشروط مع كونه معلّلا به يجب جرّه باللام أو بغيرها مما يدل على التعليل6.

وأشار بقوله: (أو نائبها) إلى أن الأصل في إفادة التعليل هو اللام وأن غيرها من الحروف وإن أفاد التعليل فهو كالنائب عنها.
ففاقد المصدرية نحو قوله1: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ 2. وتقدم التمثيل لفاقد غيره3 من الشروط4.
والله أعلم. ص: الرابع المفعول فيه، وهو ما ذكر فضلةً لأجل أمر وقع فيه من زمان مطلقا، أو مكان مبهم، أو مفيد مقدارًا، أو مادته مادة عامله كصمت يومًا أو يومَ الخميس، 34/ب وجلست أمامك، وسرت فرسخا، وجلست مجلسك. ش: الرابع من المنصوبات المفعول فيه، وهو المسمّى ظرفا. وقد عرفه الشيخ بقوله: (ما ذكر فضلة) إلى آخره5.
فقوله: (ما ذكر فضلة) كالجنس يدخل فيه المفاعيل وغيرها من الفضلات.

وقوله: (لأجل أمر وقع فيه) كالفصل يخرج به بقية المفاعيل، كما في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَومًا﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ 2 فإنهما3 ذكرا لأجل أمر وقع عليهما لا فيهما، فهما من المفعول به.
وقوله: (من زمان) إلى آخره مخرج لنحو قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ 4 إذا قدّر ب (في) 5 أي في نكاحهن6 فإنه فضلة ذكر لأمر وقع فيه، وهو الرغبة، لكنه ليس بزمان ولا مكان، وفيه تنويع للظرف7 إلى نوعين: ظرف زمان8، وأنه يكون مبهما9، كيوم وحين ولحظة وساعة

ومختصا، كيوم الخميس ويوم عرفة، وفهم ذلك من قوله: (مطلقا) . وظرف مكان، وأنه1 ثلاثة أقسام: مبهم وهو ما افتقر إلى غيره في بيان صورة2 مسماه، كأسماء الجهات3.
ومفيد مقدارا، نحو بريد وميل وفرسخ4.
وما اتحدت مادته ومادة عامله، ك (جلست مجلسَك) و (قعدت مقعدَك) . تنبيهان: الأول: مقتضى العطف5 في قوله: (مبهم أو مفيد مقدارا) أن المفيد للمقدار ليس داخلا في المبهم، وبه قال بعض النحويين6.

وقال الشلوبين1: إنه داخل فيه2.
وصحح بعضهم3 أنه شبيه بالمبهم لا مبهم.
قال المصنف: "وحقيقة الأمر أن فيه إبهاما واختصاصا، وعلى هذا يصح فيه القولان"4.
انتهى.
الثاني دخل في قوله5: (أو مادته مادة عامله) نحو سرني جلوسي مجلسك، وأعجبني قعودي مقعدك، وأنه لا فرق في العامل بين الفعل، كما 1 هو الأستاذ أبو علي عمر بن محمد الأشبيلي الأزدي، المعروف بالشلوبيني، وبعضهم يقول: الشلوبين بدون ياء النسب وهي تعني الأشقر والأبيض، ولد بأشبيلية، وتعلم فيها على كبار العلماء، ثم صار إماما في العربية، وتخرج على يديه جماعة من أهل الأندلس منهم ابن أبي الربيع وابن عصفور، صنف كتبا في العربية منها التوطئة وشرح الجزولية، توفي سنة 645 هـ. ينظر إنباه الرواة 2/332 واختصار القدح المعلى ص 152 وإشارة التعيين ص 241 والبغية 2/224 وشذرات الذهب 5/232. 2 هكذا نسب الشارح هذا القول للشلوبين، والصحيح عنه أنه يقول: إن المقدر ليس داخلا في المبهم، لأنه جعل الأقسام ثلاثة، قال في التوطئة: ظرف المكان مبهم ومعدود ومختص، التوطئة ص 210، وقد نسب له هذا القول أبو حيان في الارتشاف 2/250 والمرادي في توضيح المقاصد 2/93. 3 هو أبو حيان، قال في الارتشاف 2/250: "والصحيح أنه شبيه بالمبهم، ولذلك وصل إليه بنفسه".
4 شرح شذور الذهب ص 234. 5 في (أ) كرر العبارة من قوله (وجلست مجلسك وسرت فرسخا) إلى قوله: (الثاني دخل في قوله) ثم وضع كلمة (خط) بجانب المكرر إشارة إلى إلغائه.

مثَّل به المصنف وبين الاسم، كهذين المثالين، وما أشبههما.
واحترز بذلك عما لا يتحد فيه 35/أمادة العامل والظرف، نحو: ذهبت في مرمى زيد1 ورميت في مذهب عمرو2.
فلا يجوز في القياس جعل شيء من ذلك ظرفا، وما سمع من ذلك منصوبا ظرفا، كقولهم: (هو مني مقعَد القابلة، ومزجَر الكلب، ومناطَ الثريا) 3 فشاذ إن قدّر عامله الاستقرار4.
فإن قدّر العامل في (المقعد) قَعَد، وفي (المزجر) زجر5، وفي (المناط) ناط لم يكن شاذا6.
ص: والمكاني 7 غيرهن يجر ب (في) كصليت في المسجد.

ونحو (قالا خيمتي أم معبد) وقولهم: (دخلت الدار) على التوسع.
ش: لما ذكر أن ظرف المكان يكون أحد الأقسام الثلاثة المذكورة فيما سبق وكان مقتضاه أن غيرها من الأماكن لا ينتصب ظرفا صرح بقضية ذلك، فقال: (والمكاني1 غيرهن) أي من الأقسام الثلاثة.
(يجر بفي) أي لا ينتصب على الظرفية، بل يستعمل مجرورا ب (في) كما تقول: صليت في المسجد وأقمت في الدار وسكنت في البيت.
ثم إنه استشعر سؤالا يرد على ذلك، وهو أنه قد ورد نصب المكاني2من غير المذكورات، وذلك في نحو قوله: (قالا خيمتي أم معبد) وأراد به قول الشاعر: 56- جزى اللهُ ربُّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمِّ معبد3

وفي نحو دخلت الدارَ، وسكنت البيتَ.
وأجاب1 عنه بأن النصب فيه ليس على الظرفية، حتى يرد على ما قرره، بل إنما هو على التوسع بإسقاط الخافض وإجراء القاصر مجرى المتعدي فيكون المنصوب شبيها بالمفعول به.
وهذا الذي ذكره المصنف هو مذهب الفارسي2 واختاره ابن مالك3، ونسبه إلى سيبويه4.
والثاني: أنه منصوب على الظرفية، وهو مذهب الشلوبين5 ونسبه إلى سيبويه6 وإلى الجمهور7 واختاره ابن الحاجب8.
والثالث: أنه مفعول به و (دخل) يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف

الجر1 وهو مذهب الأخفش2.
35/ب والله أعلم. ص: الخامس المفعول معه، وهو الاسم الفضلة التالي واو المصاحبة مسبوقا بفعل أو ما فيه معناه وحروفه، كسرت والنيلَ وأنا سائر والنيلَ. ش: الباب الخامس من المنصوبات باب المفعول معه، وهو آخر المفاعيل الخمسة، وجُعل آخرها للتردد في كونه قياسيا أو سماعيا3.
ولكون العامل لا يصل إليه إلا بواسطة الواو ذكره المصنف4.
وحدّه بقوله: (الاسم الفضلة) إلى آخره.
فالاسم كالجنس، والفضلة مخرج للعمدة.
وقوله: (التالي واو المصاحبة) يخرج غيره من المفاعيل، فإنه ليس شيء منها بعد الواو.
ومعنى المصاحبة كونه مشاركا لذلك المعمول الذي قبل الواو في ذلك الفعل في وقت واحد.

(زيد) في] 1 قولك: سرتُ وزيدًا مشارك للمتكلم2 في السير في وقت واحد، أي وقع سيرهما معا.
وفي قولك: سرت أنا وزيدٌ بالعطف مشارك3 في السير، لكن لا يلزم كون سيرهما في وقت واحد.
وقوله: (مسبوقة) أي واو المصاحبة.
وقوله: (بفعل) إلى آخره مخرج4 لنحو (هذا لك وأباك) 5 فلا يتكلم به بالنصب، وأما بالجر6، بدون إعادة الجار ففيه الخلاف الآتي في باب العطف7.
وقوله: (كسرت والنيل) مثال للفعل.
وقوله: (وأنا سائر والنيل) مثال لما فيه معنى الفعل وحروفه.

فإن قيل: فقد قالوا: (ما أنت وزيدا) 1 و (كيف أنت وزيدا) 2 فنصبوه على المفعول معه مع عدم الفعل والاسم الذي بمعناه وحروفه.
فالجواب أن الفعل موجود تقديرا، لأن (أنت) فاعل بفعل محذوف، والتقدير: ما تكون3 وكيف تصنع3 ثم حذف الفعل وحده فبرز الضمير وانفصل.
فإن قيل: مثل ذلك في نحو (هذا لك وأباك) 4 ويتكلم به بالنصب على المفعول معه، ويراعى فيه5 التقدير كما روعي في قولهم: (مالك 36/أ

وزيدا) 1 حيث أوجبوا فيه النصب على المفعول معه.
فالجواب2 الفرق بينهما قوة الداعي إلى تقدير الفعل في (مالك وزيدا) بسبب تقديم (ما) الاستفهامية التي هي بالأفعال أولى. وتأخر الجار والمجرور لاقتضائه ما يتعلق به وجوبا، فصار كأنه مذكور، ولم يوجد في نحو (هذا لك) إلا داع واحد، وهو تأخر الجار والمجرور، ولا يلزم من اعتبار أمر عند قوة الداعي إليه اعتباره عند عدم قوته3.
فائدة: العامل في المفعول معه ما سبقه من فعل أو شبهه4.
وقال الجرجاني5: الواو6.

وقال الزجاج1: العامل فيه محذوف، والتقدير (سرت2 ولابست النيلَ) فيكون حينئذ مفعولا به.
وقال الكوفيون3: هو منصوب على الخلاف4.
فيكون العامل فيه معنويا.
والأولى إحالة العامل5 على اللفظي ما لم يُضطر إلى المعنوي6.
ص: السادس المشبّه بالمفعول به، نحو زيدٌ حسن وجهَه، وسيأتي.
ش: السادس من المنصوبات المنصوب على التشبيه بالمفعول به.
وهو معمول الصفة المشبهة باسم الفاعل.
وهي الصفة التي استُحسنت إضافتها لفاعلها في المعنى ك (حسن الوجه) و (طاهر العِرض) 7.

جارٍ التحميل