شرح شذور الذهب للجوجريصفحات 99-115

الباب الأول: قسم الدراسة

صفحات 99-115
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجوجري
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد المنعم بن محمد الجَوجَري القاهري الشافعي (المتوفى: 889هـ)
المحقق
نواف بن جزاء الحارثي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية (أصل
الكتاب
رسالة ماجستير للمحقق)
الطبعة
الأولى، 1423هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المطلب السادس: نقد الكتاب

يراد بالنقد هنا إبراز ما للكتاب من محاسن ومزايا وما عليه من مآخذ واعتراضات.
وكتاب (شرح شذور الذهب) للجوجري، كغيره من المصنفات له ميزات ومحاسن، وعليه بعض المآخذ والاستدراكات، وإن كانت قليلة.
فمن ميزات هذا الكتاب ما يلي: أولاً: أن هذا الشرح أقدم شرح كامل لكتاب (شذور الذهب) يصل إلينا بعد شرح مؤلفه ابن هشام.
ثانياً: ذكره لمناسبة كل نص أو فقرة من نصوص (شذور الذهب) لما قبله، وهذا يعطي الكتاب ترابطا منطقيا بين جميع أبوابه.
ثالثاً: ذكره التعليلات النحوية واستكثاره منها، حيث إنه قلما ترد مسألة نحوية إلا ويذكر لها التعليل المناسب، وبعض هذه التعليلات لم أجده في كتب النحو الأخرى.
رابعاً: اعتناؤه بشرح جميع مفردات (شذور الذهب) فلم يترك في هذا المتن كلمة إلا وقد شرحها ووثق ذلك بالشواهد والأمثلة.
خامساً: عزوه للآراء والمذاهب النحوية كان دقيقا وموفقا إلا في القليل النادر.
سادساً: أنه كان ينص على قواعد عامة، مثل قوله في أثناء جوابه عن اعتراض ورد في باب المفعول معه: "لا يلزم من اعتبار أمر عند قوة

الداعي إليه اعتباره عند عدم قوته". سابعاً: ظهور براعة الشارح وثقافته في مجال علم الرياضيات فكثيرا ما يستخرج من الأبواب النحوية مسائل رياضية، كما فعل في باب الضمير وباب الإشارة، وكذلك في باب الصفة المشبهة، ففيه يظهر ذلك بوضوح. ثامناً: اعتماد كثير من المؤلفين المتأخرين على هذا الكتاب، وبخاصة الذين قاموا بشرح الشذور أو وضعوا حواشي على بعض شروحه. فقد وجدت الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه على (شذور الذهب) قد اعتمد اعتمادا كبيرا على شرح الجوجري هذا، فهو قد قام بنقل غالب التعليلات التي ذكرها الجوجري وأحيانا ينقل عبارات كاملة بنصها دون الإشارة إلى مؤلفه1.
وكذلك فعل العدوي في حاشيته على شرح شذور الذهب والفاكهي في شرحه على القطر، والشيخ خالد الأزهري في التصريح، فقد نقل عنه نصين كاملين إلا أنه لم يصرّح بالجوجري، بل قال: "قال بعضهم"2.
ومن هؤلاء تلميذه معمر بن يحيي المكي، فقد نقل عنه نصوصا كثيرة في كتابه (التعليقة المفيدة في العربية) وقد صرح في كثير من المواضع بنقله عن هذا الكتاب.
وسيأتي لهذا مزيد بحث في المطلب الثامن.

تاسعاً: ظهور شخصية مؤلف هذا الكتاب من خلال شرحه فهو لا يكتفي بإيراد الأقوال فقط، بل يورد الأقوال مقرونة بالأدلة ويناقش ويورد اعتراضات عليها ويجيب عن الاعتراضات التي ترد على القول الذي اختاره أو رجحه.
ولكنه يعترض بأسلوب مؤدب، فكثيرا ما يقول: "وهذا القول فيه نظر" 1 ونحو ذلك، تأدبا مع كبار العلماء.
عاشراً: يصرح الجوجري أحيانا بالسماع من بعض شيوخه مما يعطي النص توثيقا أكثر، فقد ذكر العلماء أن تلقي العلم بالسماع هو أعلى مراتب التحمل.
قال في باب العَلَم: "وسمعت من بعض الأشياخ المحققين رحمه الله أن التحقيق هو الأول لثلاثة أوجه.. 2". هذه بعض المزايا التي ظهرت لي في أثناء قراءتي لهذا الشرح الكبير.
وعلى الرغم من محاسن هذا الكتاب فإنه لا يخلو أيضا من بعض المآخذ والاعتراضات التي لا يخلو منها كتاب من كتب البشر، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "أبى الله لغير كتابه أن يتم".
فمن المآخذ على كتاب شرح شذور الذهب للجوجري ما يلي: أولا: لم يبين الشارح في مقدمته منهجه الذي اتبعه في شرحه للكتاب، وإنما ذكر مقدمة مقتضبة بيّن فيها هدفه من تأليف الكتاب.

ثانيا: وقوع الشارح في بعض الأخطاء في حالات مختلفة، وذلك كما يلي: 1- أنه قد يذكر الآية دون ذكر موضع الاستشهاد منها: فقوله تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ استشهد بها على جواز تعليق ما ينصب ثلاثة مفاعيل واقتصر على هذا الجزء من الآية1، مع أن الشاهد في آخرها، وهو كسرة همزة (إن) في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.﴾ . 2- من خلال عزوه لبعض الآراء النحوية، فقد نَسَب لبعض العلماء أقوالا ليست لهم.
من ذلك ما نسبه لأبي علي الشلوبين في باب ظرف المكان من أنه يقول:"إن مفيد المقدار داخل في المبهم"2.
والمعروف عنه أنه يقول: إن المقدر ليس داخلا في المبهم، كما ذكر ذلك في التوطئة، ونسبه له العلماء.
ولكن هذا نادر وقليل جدا، ولا يكاد يعدو ما ذكرته.
3- من خلال نسبته نصوصا لبعض الكتب النحوية، وهي غير موجودة في هذه الكتب.
فمن ذلك قوله في ص 801: "ووقع في شرح المصنف التمثيل

لهذا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ . وهذه الآية لم ترد في شرح الشذور أصلا، وقد أوضحت ذلك في الحاشية. وقوله في ص 148 عند تعريفه للإسناد: "قال في التسهيل: تعلق خبر بمخبر عنه أو طلب بمطلوب". وهذا القول لم يرد في التسهيل لابن مالك بل في شرح التسهيل. ثالثا: توهمه أن (الناقص) في قول العرب: (الناقص والأشج أعدلا بني مروان) هو الوليد بن اليزيد1.
بينما المعروف أن المراد بالناقص هنا هو (يزيد بن الوليد بن عبد الملك) كما بينت ذلك في موضعه. رابعا: استشهاده ببيت لشاعر متأخر زمانه عن عصور الاحتجاج، وهو أبو فراس الحمداني2.
ولعل عذر (الشارح) في ذلك أن كثيرا من النحويين قد ذكروا هذا البيت فلعله اتبع طريقتهم، أو أنه ذكر هذا البيت من باب التمثيل فقط، بدلالة ذكره بيتا قبله شاهدا على القضية نفسها.

المطلب السابع: موازنة بين "شرح شذورات الذهب للجوجري" و"شرح شذورات الذهب لابن هشام

... المطلب السابع: موازنة بين "شرح شذور الذهب للجوجري"و"شرح شذور الذهب لابن هشام".
لاشك أن الموازنة بين كتب العلماء من أدق الأمور وأصعبها لأنها تحتاج إلى قراءة متأنية لكل فقرة من فقرات هذه الكتب.
وقد جرت عادة الباحثين بعقد موازنات بين الكتاب الذي يبحثون فيه وكتاب آخر يماثله في موضوعه.
فاخترت كتاب (شرح شذور الذهب) لابن هشام لأعقد موازنةً بينه وبين موضوع الرسالة، وهو (شرح شذور الذهب) للجوجري.
وبعد قراءتي للكتابين خرجت بفوارق أساسية وعامة بين الكتابين ألخصها فيما يلي: 1- لم يذكر الجوجري في مقدمته المنهج الذي اتبعه في الشرح، بينما ذكر ابن هشام منهجه الذي سار عليه في مقدمته للكتاب.
2- حَرَص الجوجري على ذكر مناسبة كل نص لما قبله1، حتى يكون الكتاب متسلسلا من أوله إلى آخره، لكن ابن هشام لم يذكر ذلك ولم يهتم به.
3- كان الجوجري يفسر متن (شذور الذهب) كلمة كلمة، ويعلق على كل نص منها، أما ابن هشام فكان يشرح النص كاملا دون تفسير لكلماته أو جزئياته.

4- اهتم الجوجري بذكر التنبيهات التي يلحقها في آخر كل باب ويودعها ذكر الخلافات النحوية والاعتراضات على بعض الأقوال والإجابة عنها ولم يرد ذكر لهذه التنبيهات في كتاب ابن هشام. 5- ينص الجوجري على ذكر المذاهب النحوية في المسائل الخلافية، وأقوال العلماء وأدلتهم في الغالب، ولم يهتم ابن هشام بذكر الخلافات النحوية إلا نادراً. 6- شرح شذور الذهب لابن هشام كتاب تعليمي، كما ذكر ذلك الأستاذ سعيد الأفغاني1.
أما شرح الشذور للجوجري فهو كتاب مبسوط، توسع فيه شارحه جداً فأورد الأقوال والمذاهب والتعليلات.
7- كتاب الجوجري فيه مناقشة لأقوال العلماء واعتراضات عليها مع الاهتمام بذكر التعليلات النحوية2، بينما خلا كتاب ابن هشام من كل ذلك.
هذه أهم الظواهر التي برزت لي أثناء قراءتي لهذين الكتابين.
ولو أردنا أن نُطَبّق هذه الظواهر على الكتابين فلنأخذ مثلا باب الصفة المشبهة، فنسجد الفرق واضحا بين الكتابين من حيث الأسلوب والمنهج.

وفيما يلي سأنقل من هذا الباب نصوصا من كلا الكتابين.
قال ابن هشام في باب الصفة المشبهة1: "الخامس من الأسماء العاملة عمل الفعل الصفة المشبهة"، ثم قال: ومثال ذلك قولك: (زيد حسن وجهَِه) بالنصب أو الجر، والأصل (وجهُه) بالرفع، لأنه فاعل في المعنى؛ إذ الحُسْن في الحقيقة إنما هو للوجه، ولكنك أردت المبالغة فحولت الإسناد إلى ضمير زيد، فجعلت (زيدا) نفسه حسنا وأخرت (الوجه) فضلةً، ونصبته على التشبيه بالمفعول به، لأن العامل، وهو (حَسَن) طالب له من حيث المعنى، لأنه معموله الأصلي، ولا يصح أن ترفعه على الفاعلية والحالة هذه لاستيفائه فاعله، وهو الضمير، فأشبه المفعول في قولك: زيد ضارب عمرًا لأن (ضاربا) طالب له، ولا يصح أن ترفعه على الفاعلية، فنُصب لذلك.
فالصفة مشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، ومنصوبها يشبه مفعول اسم الفاعل.
ثم لك بعد ذلك أن تخفضه بالإضافة، وتكون الصفة حينئذ مشبهة أيضا، لأن الخفض ناشئ على الأصح عن النصب، لا عن الرفع، لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، إذ الصفة أبداً عين مرفوعها وغير منصوبها.." ثم ذكر بعد ذلك الفوارق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل.
ثم قال: "ثم بينت أن الخفض له وجه واحد وهو الإضافة، وأن الرفع له وجهان، أحدهما أن يكون فاعلا، والثاني أن يكون بدلا من ضمير

مستتر في الصفة، وأن النصب فيه تفصيل، وذلك أن المنصوب إن كان نكرة ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون انتصابه على التشبيه بالمفعول به، والثاني: أن يكون تمييزاً.
وإن كان معرفة امتنع كونه تمييزا، وتعيَّن كونه مشبها بالمفعول به، لأن التمييز لا يكون إلا نكرة.
ثم بينت أن جواز الرفع والنصب مطلق، وأن جواز الخفض مقيد بألاّ تكون الصفة بأل والمعمول مجرد منها ومن الإضافة لتاليها، وتضمن ذلك امتناع الجر في (زيد الحسنُ وجهَه) و (الحسن وجهُ أبيه) و (الحسنُ وجها) و (الحسنُ وجهُ أبٍ") . وقال الجوجري في باب الصفة المشبهة1: "هذا هو الخامس مما يعمل عمل الفعل، وهي الصفة المشبهة باسم الفاعل، وميزها الشيخ بقوله: (كل صفة صح..) إلى آخره، فقوله: (كل صفة) بمثابة الجنس، يدخل فيه اسم الفاعل والمفعول والمثال وغيرها.
وقوله: (صح تحويل إسنادها..) إلى آخره بمثابة الفصل، ويخرج ما عداها من الصفات.
واعلم أن اسم المفعول يصح أن يضاف إلى مرفوعه معنى، وإضافته تستلزم تحويل إسناده إلى ضمير موصوفه، نحو (زيد محمود المقاصد) والأصل: محمودة مقاصده، ثم حولت الإسناد إلى ضمير (زيد) ثم أضفت

فقلت: محمود المقاصد، وهو حينئذ جار مجرى الصفة المشبهة، فلا يضر دخوله في مميز الصفة.
وقد اقتضى كلام المصنف أن اسم الفاعل لا يصح تحويل إسناده إلى ضمير موصوفه".
ثم أحال القارئ في هذه القضية على ما ذكره في باب المشبه بالمفعول به.
بعد ذلك ذكر الأمور التي خالفت الصفة المشبهة فيها اسم الفاعل كما ذكرها ابن هشام، ثم زاد على ما ذكره وجهين آخرين، فقال: "ومن وجوه الافتراق غير ما ذكره الشيخ، أنها تصاغ من اللازم دون المتعدي، وهو يصاغ منهما.
ومنها أنها تكون مجارية للفعل كطاهر، وغير مجارية له وهو الغالب في المبنية من الثلاثي كحسن وجميل وضخم، واسم الفاعل لا يكون إلا مجاريا".
ثم ذكر بعد ذلك أوجه الاشتراك والموافقة بين الصفة المشبهة واسم الفاعل فقال: "وذلك من أوجه: أحدها: أن كلاً منهما يدل على حدث ومن قام به.
الثاني: أنهما يذكّران ويؤنثان.
الثالث: أن كلاً منهما يُثنَّى ويجمع.
الرابع: أن عملهما مشروط بالاعتماد المشروط في عمله، على ما تقدم فيه، من غير فرق.
لأنه إذا شرط في اسم الفاعل الذي هو الأصل المشبه به ففي الفرع المشبه الذي هو الصفة أولى.

ثم تابع شرحه للصفة المشبهة بعد أن ذكر فقرة من الشذور، فقال: "الصفة المشبهة واسم الفاعل مشتركان في العمل، ومختلفان في التوجيه في الجملة.
فوجه الرفع فيها الفاعلية أو الإبدال من الضمير، ووجه النصب في المعرفة التشبيه بالمفعول به، وفي النكرة التمييز، ووجه الجر الإضافة.
فقوله: (فاعلا أو بدلا) أي في كل مرفوع.
وقوله: (مشبها أو تمييزا) أي مشبها في المعرفة وتمييزا في النكرة.
وقوله: (بالإضافة) أي أن الجر بسبب الإضافة، فلا ينافي ذلك كون العامل الإضافة، وهذه العبارة تكررت للمصنف ولغيره من النحاة، واعتُرض على ظاهرها، وقد علمت اندفاعه.
وقوله: (إلا..) إلى آخره بيان لما يستوفى من عمل الصفة للجرّ وهو يحتاج إلى تمهيد، فنقول: إن الصفة تارة تكون بأل، وتارة تكون مجردة منها، وهي إما رافعة أو ناصبة أو جارة.
فهذه ثلاثة أحوال مضروبة في حالتي اقترانها بأل وتجردها منها، تصير ستة، والمعمول له مع كل من هذه الستة ست حالات، لأنه إما بأل كالوجه، أو مضاف لما هو بأل كوجه الأب، أو مضاف للضمير كوجهه، أو مضاف لمضاف للضمير كوجه أبيه، أو مجرد كوجه، أو مضاف إلى المجرد كوجه أب، فتصير الصور ستا وثلاثين صورة، كلها تؤخذ من إطلاقه.
إذا علمت ذلك، فقوله: (إلا إن كانت بأل وهو عار منها) استثناء من قوله: (أو تجره) فقط، أي أنك ترفع معمول الصفة وتنصبه مطلقا وتجره إلا إن كان.. إلى آخره.

فدخل تحته أربع صور ممنوعة: الأولى: أن تكون الصفة بأل والمعمول مجرور مضاف إلى ضمير، نحو (الحسن وجهه) . الثانية: أن تكون بأل والمعمول مجرور مضاف إلى مضاف إلى الضمير، نحو (الحسن وجه أبيه) . الثالثة: أن تكون بأل والمعمول مجرور مجرد من أل والإضافة، نحو (الحسن وجهٍ) . الرابعة: أن تكون بأل والمعمول مجرور مضاف إلى المجرد من أل والإضافة، نحو (الحسن وجهِ أبٍ) لأن الصفة في كل من هذه الصور بأل والمعمول في كل منها عارٍ من أل.
ثم نقل عن بعض المتأخرين أنه أوصل الصور الحاصلة من الصفة ومعمولها إلى أربعة عشر ألف صورة ومائتين وست وخمسين صورة.
ثم أخذ في تفصيل هذه الصور وذكر حالاتها مستشهدا لكل حالة ببعض الشواهد الشعرية والنثرية أو مُمثِّلاً لها بالأمثلة.
ولو نظرنا إلى الشواهد في هذا الموضع لرأينا أن ابن هشام لم يستشهد فيه بأي شاهد، بينما استشهد فيه الجوجري بثلاثة شواهد شعرية وقولين من أقوال العرب.

المطلب الثامن: أثر هذا الشرح فيمن بعده

شرح شذور الذهب للجوجري مصدر مهم لكثير من المؤلفين الذين جاؤوا بعده، خصوصا الذين قاموا بشرح شذور الذهب أو كتبوا حواشي على شروحه، وكذلك تلاميذ الجوجري الذين اهتموا بشرح كتب ابن هشام، ونستطيع أن نتبين تأثر هؤلاء المؤلفين بكتاب الجوجري على النحو التالي: 1- الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه على شذور الذهب، المسمى (بلوغ الأرب في شرح شذور الذهب) نقل نصوصا كثيرة عن هذا الكتاب، لكنه لم يصرح باسم الجوجري.
من ذلك ما ورد في (بلوغ الأرب) الورقة 37/ أ: ". لأن الصفة لا تضاف إلى مرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها، لأنهم لو لم يقدروا ذلك لزم إضافة الشيء لنفسه، ولأنهم يؤنثون الصفة في نحو (هند حسنة الوجه) . الخ.. وهذا النص بتمامه في شرح الشذور للجوجري.
2- معمر بن يحيى المكي وهو تلميذ للجوجري ويظهر بوضوح أثر هذا الشرح في كتابه (التعليقة المفيدة في العربية) فقد نقل عنه عشرة نصوص صرّح فيها بالنقل من كتاب شيخه (شرح شذور الذهب) ، ونقل منه في مواضع غيرها دون تصريح، فمن هذه النصوص: قوله في ص 131: "وأما تقديرا فقال شيخنا المحقق شمس الدين

الجوجري في شرحه على الشذور: كأنه أراد بقوله: (تقديراً) نحو سيبويه من الأعلام المبنية إذا كانت مناداة فإن ضمة النداء وهي حركة بناء مقدرة فيه.
انتهى".
وهذا النص في شرح الشذور للجوجري ص 227. وكذلك نقل عنه في الصفحات 136 و147 و193 و228 و254 و331و 614و 685 و743. 3- الشيخ خالد الأزهري وهو أيضا من تلاميذ الجوجري نقل عن كتاب شيخه (شرح الشذور) نصين كاملين، إلا أنه لم يصرح باسمه وإنما قال (قال بعضهم) ، وهذان النصان وردا في كتابه (التصريح) وهما: أ- قال في التصريح 1/319 في باب التنازع: "قال بعضهم: وفيه نظر لأن هذا يأتي فيما لو كان السببي منصوبا، نحو (زيدا ضربت وأكرمت أخاه) لأن أحد العامِلَين يعمل في السببي والآخر يعمل في ضميره فيلزم عدم ارتباط ناصب الضمير بالمبتدأ، فلا معنى لتقييد السببي بالمرفوع.
قال: ولعل الوجه ما ذكره أبو محمد بن السيد البطليوسي من أن (غريمها) إن رُفع بمعنّى يكون (ممطول) قد جرى على غير من هو له، فيلزم ظهور الضمير، وإن رفع بممطول فهو خطأ، لأنه قد وُصف بمعنّى، والاسم الذي يعمل عمل الفعل إذا وصف لا يعمل شيئا، فلا يجوز مررت بضارب ظريف زيدا".
انتهى.
وقائل هذا النص هو الجوجري في (شرح الشذور) ص 741. ب- جاء في التصريح 2/85 في باب إعمال الصفة المشبهة أن

بعض المتأخرين قد أوصل الصور الحاصلة من الصفة ومعمولها إلى أربعة عشر ألف صورة ومائتين وست وخمسين صورة.
ثم أخذ في تفصيل ذلك.
وفي (شرح الشذور للجوجري) نجد هذا النص كاملا من ص 700 إلى 705. فيظهر أن الشيخ خالد الأزهري قد نقله عن كتاب شيخه الجوجري، ولم يصّرح بذلك.

الخاتمة وبعد هذه الدراسة المفصلة عن العلامة (شمس الدين الجوجري) وكتابه (شرح شذور الذهب) أريد أن أثبت في هذه الخاتمة أهم الأمور والنتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة، وهي كما يلي: 1- اهتمام علمائنا السابقين بتأليف كتب مختصرة في النحو، ليسهل حفظها على المبتدئين، ومن ذلك كتاب (شذور الذهب) لابن هشام.
وقد اهتم العلماء بهذه المختصرات، فأقاموا حولها الشروح والحواشي والتقريرات، ومن ذلك (شرح شذور الذهب) للجوجري.
2- أن هذا الكتاب، الذي بين أيدينا وهو شرح شذور الذهب هو لمحمد بن عبد المنعم الجوجري الشافعي المتوفى سنة (889) هـ وليس لابن الهائم، وقد أثبت ذلك بالأدلة الظاهرة في مبحث توثيق نسبة الكتاب.
3- كثرة تلاميذ الجوجري الذين تلقوا العلوم على يديه، وقد ذكرت منهم خمسين تلميذا، وأكثرهم من العلماء الذين لهم باع طويل في التأليف.
4- أن كتاب (شرح شذور الذهب) للجوجري هو أول شرح كامل لشذور الذهب يصل إلينا بعد شرح ابن هشام نفسه، ويتميز (شرح الجوجري) بالبسط والتوسع في استيعاب المسائل النحوية، وذكر مناسبة كل نص لما قبله.

5- اعتماد كثير من المؤلفين المتأخرين على (شرح شذور الذهب للجوجري) وتأثرهم به، والنقل عنه في مواضع كثيرة من كتبهم.
منهم الشيخ خالد الأزهري في التصريح ويحيى بن معمر المكي في التعليقة.

جارٍ التحميل