شرح التلقينصفحات 74-113
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنانز*

صفحات 74-113

دراهم.
ويقول الآخر: بل بتسعة دراهم.
وجميع ما جرى من اختلاف الروايات عن مالك مما بيناه هناك، يجري ها هنا.
لكن ربما وقع إشك الذي بعض المسائل: هل يعود اختلافهما إلى جنسين، أو إلى صفة الجنس الواحد، كما كنا قدمنا مذهب مالك وعبد الملك، في اختلافها في قمح وشعير، أن مالكا ذهب إلى التحالف والتفاسخ، لكون الشعير 1 ها هنا جنسين.
وذهب عبد الملك إلى أنهما كجنس واحد، واختلفا في جودته أو دناءته.
وكذلك اختلف أصحابنا أيضًا في اختلاف المتبايعين في سمراء ومحمولة، فذهب ابن حبيب إلى أن هذا الاختلاف يعود إلى اختلاف في صفة المسلم فيه فكأن من قال: أسلمت في سمراء، قال: أسلمت في قمح جيّد؛ ومن قال: إِنما السلمَ على محمولة؛ قال: إنما أسلم إليّ في قمح دنيء.
وقد كنا قدمنا عنه أنه يقول في السلم الفاسد إذا فسخ: لا بأس أن يأخذ محمولة من سمراء.
وهذا قد يشير به إلى أنهما كصنفين، إن كان يمنع بعد الفسخ أخذ الصنف بعينه الذي وقع الفسخ فيه.
وذهب فضل بن سلمة إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وحمل بعض الأشياخ عليه أنه يرى هذا الاختلاف كاختلاف في جنسين، ويمكن أن يكون سلك في هذا طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في الاختلاف في مقدار الثمن، وإن فات المبيع.
ونقل هذا عن فضل بن سلمة بكلام يوهم أنه كذلك يقول: لو كان اختلافهما: هل وقع السلم في سمراء جيدة أو وَسَطة؛ وهذا النقل إنما يصح على ما أشرنا إليه بأنه سلك طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في مقدار الثمن وإن فات المبيع.
ولو كان اختلاف المتبايعين، وقد وقع السلم في الخيل، هل وقع عقد السلم على ذُكْرانِها أو إناثهلالكان هذا اختلافًا في جنسين، لكون الأنثى تراد للنسل، والذكر لا يراد له.
ولو كان هذا الاختلاف في بغال، لكان اختلافهما

في الذكررية والأنوثية اختلافًا في الصفة والجودة والدناءة؛ لأن الأنثى لا تراد للنسل.
وهذا ينحصر الفقه فيه إلى مقتضى العوائد، وما يتعارف الناس في مثل هذا.
وإنما ذكرنا هذا لأنه أنموذج لهذه المسائل.
وبالله التوفيق.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أن كل معنى يؤدي إلى الاختلاف في المثمن حكمه حكم الاختلاف في الثمن.
قال: وذلك كاختلاف المتبايعين في الأجل، واشتراط.
رهن، أو حميل، أو يقول: أحدهما اشترطت الخيار، ويقول الآخر: أنا اشترطت الخيار دونك، أو عقدنا البيع بتْلا.
وهذا الذي مثل به فيما 1 يؤدي إلى الاختلاف في الثمن الصحيح.
لكن قوله: في اختلافهما في شرط الخيار، ووقوع البيع بتلا، مما يفتقر إلى تحقيق، وهو النظر فيما يختاره مدعي الخيار، هل الإمضاء؟ فيوافق دعوى من يدعي البتل، فلا يفتقر إلى يمين، أو يختار رد البيع، فيختلف هل يكون القول قولَه، أو قولَ من يدعي البتل، على ما يدعي.
سيبسط الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن اختلاف المتبايعين في الأجل، لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتفقا على أن البيع وقع إلى أجل محدود، واختلف في هذا الأجل، هل تقضّى أم لا؟ و 2 يختلفان في مقدار الأجل، هل شهر أو شهران؟ أو يختلفان في نَفيه أصلًا، أو ثبوته، فيقول البائع: بعت على أن آخذ الثمن حالًا.
ويقول المشتري: بل إلى شهر.
فأمّا القسم الأول، وهو اتفاقهما على مدة الأجل واختلافهما هل تقضّى أم لا؛ فإن القول فيه قول من أنكر تقضّيَه؛ لأنا نعلم أن هذا الاختلاف بينهما يرجع

إلى الاختلاف في زمن العقد متى كان؟ ولو اتفقا على زمن العقد؛ لأنكرت العقول عليهما اختلافهما في تقضيه؛ فإذا قال البائع: وقع العقد في أول يوم من شهر شعبان، والثمن يحل إلى شهرين.
وقال المشتري: بل إني أدفع إليك الثمن بعوإنقضاء شوال.
مع موافقته له على أن البيع انعقد إلى شهرين.
عُلِم أنه كَذَب في قوله: إن الأجل لم ينقضِ إذا استهل هلال شوال.
وإن قال البائع: وقع العقد في أول شعبان والأجل شهران.
وقال المشتري: بل في أول رمضان والأجل شهران.
كان القول قولَ المشتري؛ لأن الأصل أن لا معاملة .. بينهما فيما مضى من غيرهما 1، فهما باقيان على هذا الأصل مستصحبان له، حتى يثبت أنهما تعاقدا هذا البيع في زمن معلوم، ببينة، أو بإقرار، فيزول حكم استصحاب الحال.
وأما القسم الثاني، وهو أن يختلفا في مقدار الأجل مع اتفاقهما على ثبوته واشتراطه في أصل العقد على الجملة؛ فإن هذا الحكمُ فيه كالحكم في الاختلاف في الثمن، يجري فيه من الاختلاف ما قدمناه من الروايات عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
فيتحالفان إذا كانت السلعة في يد البائع، وإن فاتت بالقبض جرى ذلك على الاختلاف هل القبض فوت فيصدّق المشتري، كما روى ابن وهب في هذه المسألة بعينها في اختلافهما في الثمن؛ ويراعى في الفوت مع القبض أن يَبِينَ بالسلعة، أو يتغير سوقها أو ذاتها، على ما مضى بيانه، فيصدق المشتري في مقدار الأجل مع حصول الفوت، على الاختلاف المذكور فيه، أن ادعى ما يشبه.
وهذا لم يختلف فيه المذهب، وكذلك مذهب الشافعي أجرى هذه المسألة على حكم الاختلاف في الثمن.
وخالف في ذلك أبو حنيفة: أن التحالف والتفاسخ مختص بالاختلاف في الثمن، وأما هذه الصفات الملحقة بالعقد التي لا تثبت فيه إلا باشتراط القول، فالقول قول من نفاها لكون حقيقة البيع لغةً وشرعًا تحصل، وإن لم يشترط أجل

أو ضمين أو رهن، فمن ادعى تغير هذه الحقيقة وإضافة شرط إليها لم يقبل قوله، وكان الأصل أن يصدق المشتري في مقدار الثمن، على حسب ما كنا قدمناه.
لكن ورد الخبر المتقدم ذكره وبيانه، فنقلنا عن مقتضى هذا الأصل والقياس، فلا يبعد ما اقتضاه الخبر.
نجيب عن هذا بأن قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع وللمبتاع الخيار" 1 يقتضي عمومه إجراء هذا الحكم في سائر الاختلافات، على اختلاف أنواعها، إلا ما خصه دليل.
وإن زعموا أن هذا اللفظ مجمل لا يحتج به، قلنا: بل هو عموم.
فإن قالوا: هو عموم من جهة المعنى لا من جهة الصيغة؛ لأنه لم يقل: كل مختلفين في أمر أو في حكم، أو في شيء، فيدعَى العموم في هذه اللفظة التي هي: أمر أو شيء أو حكم؛ ولكنه لما قال: "إذا اختلف المتبايعان" ولم يذكر ما اختلفا فيه نصًّا ولا عمومًا، صار من ناحية العموم في المعاني.
قيل لهم: جماعةٌ من الفقهاء يقولون بالعموم في المعنى كما يقولون به في الصيغ.
فإن قالوا: مرور الزمن ليس بثمن ولا في معنى الثمن، فلا يجب إلحاقه بالاختلاف في الثمن.
قيل لهم: الصبر على المشتري حتى ينقضي الأجل هو الذي له رخصة 2 من الثمن.
فالاختلاف في الأجل اختلاف في هذه الحصة، فجرى الحكم على الاختلاف في الثمن.
وإن قالوا: لو ادعى البائع شرط البراءة من العيوب حين العقد، لم يتحالفا، وكان البائع مدعيًا؛ فكذلك الأجل، إذا ادعاه المشتري.
فأما بعض أصحابنا فأشار إلى الفرق أن الأصل في الشرع القيام بالعيوب، وهو من مقتضى العقد، فمن ادعى خلاف هذا الأصل وخلاف مقتضى العقد، كان عليه الإثبات.

وبعض أصحاب الشافعي يرى أن دعوى الشرط بالبراءة من العيوب الباطنة في الحيوان التي يجوز اشتراط البراءة منهلالو اختلفا فيه لتحالفا كما يتحالفان في الاختلاف في الأجل.
وأما القسم الثالث، وهو دعوى البائع انعقاد البيع على كون الثمن حالًا، ودعوى المشتري أنه إلى شهر.
فإنه ذكر في تضمين الصناع من المدونة أنهما يتحالفان مع قيام السلعة؛ وإن فاتت صدق البائع في دعواه الحلول.
وفي رواية غير يحيى تصديق المشتري مع الفوت.
وذكر في كتاب الوكالات وكتاب الرهن من المدونة تصديق المشتري مع الفوت، إذا ادعى حدًا قريبًا لا يتهم فيه.
وهكذا قال ابن القاسم في كتاب الرهن: إنه يقبل قول البائع في دعوى الحلول.
وقد قدمنا لك اختلاف المذهب في مراعاة دعوى الشبه إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة.
وأما مع الفوت فيراعى دعوى الشبه، فكأن من صدق البائع في الحلول رأى أن من ادعى الحلول هو الذي ادعى ما يشبه فيصدّق، ومن لم يصدق رأى أن البيع يكون حالأوإلى أجل فيجري الأمر فيه على الاختلاف في الثمن مع فوت السلعة.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد قدمنا أن اشتراط تعيين المكان الذي يقبض فيه السلم ليس بشرط في صحة عقد السلم.
فإن اتفق المتبايعان على أنه اشترط في العقد القبض في بلد بعينه، فإنه يقضى على من عليه السلم بتسليمه في البلد الذي وقع فيه 1 العقد، على ما قدمنا بيانه.
وإن اتفقا على أن العقد وقع على شرط تعيين بلد، واختلفا في البلد المشترط، فلا يخلو أن يدعي أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، أو يدعي كل واحد منهما اشتراط بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد.
وإن ادعى أحدهما اشتراط البلد الذي وقع فيه العقد، وكان ذلك بقرب زمن العقد، تحالفا وتفاسخا؛ لأن (الاختلاف في مقدار الأجل) 2 على حسب ما بيناه.

ويجري في ذلك من الخلاف جميع ما قدمناه في أنواع الفوت، ومراعاة دعوى الشبه مع عدم الفوت؛ والاختلاف في ذلك لأجل أن مدعي موضع العقد ادعى ما يشبه، فإن وقع الفوت بطول الزمن، على المذهب المشهور المذكور في المدونة، صُدّق من ادعى موضع العقد، إن كان هو المسلم إليه، من غير خلاف عندنا.
وإن كان مدعى موضع العقد المسلم، ففيه قولان: ففي المدونة أنه يصدَّق.
وذهبَ سحنون إلى أنه إنما يصدق الغارم، وهو الذي عليه السلم، وإن كان مدعيًا لغير بلد العقد.
وسبب هذا الاختلاف في هذا الوجه دون ما قبله، أنه إذا ادعى المسلم إليه موضع العقد، وهو الغارم، فقد قوي جانبه من وجهين: أحدهما: كونه غارمًا، والغارم هو المدعى عليه.
والثاني: كونه ادعى ما يشبه، ودعوى ما يشبه توجب تصديق من ادعاه ها هنا.
فصار له ترجيحان، حتى إذا كان مدعي بلد العقد المسلمَ افترق هذان الترجيحان، فترجح جنبة المسلم إليه بكونه غارمًا، وتترجح جنبة المسلم بكونه ادعى ما يشبه وهو موضع العقد، فحسن ها هنا الخلاف؛ فرجح في المدونة المسلم لأجل انفراده بدعوى الشبه، ورجح سحنون المسلم إليه بكونه غارمًا.
وإن ادعى كل واحد منهما انعقاد السلم على القبض ببلد غير بلد العقد فإن المشهور من المذهب أن القول قول الغارم إذا ادعيا جميعًا من البلاد ما يشبه أن يُشترط قبض المسلم فيه.
وذهب أبو الفرج في الحاوي إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
فمن ذهب إلى أن القول قول الغارم رجح جانبه بكونه غارمًا، ومع الفوت يصدق الغارم.
وأما أبو الفرج فيمكن، عندي، أن يكون ذهب في هذا إلى طريقة أشهب، وهي التحالف والتفاسخ مع فوت المبيع، وهذا إذا ادعى كل واحد منهما بلدًا يشبه أن يشترط قبض السلم فيه، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
ولا يمكن أن يقال ها هنا ما قلناه في اختلافهما في مقدار المكيلة المسلم فيها، إذا ادعيا جميعًا ما لا يشبه فيها: إنهما يحملان على الوسط من سلم الناس،

على أحد القولين، كما قدمنا ذكر هذا، وذكْرَ الخلاف فيه لأجل أن البلاد كثيرةٌ، وكلُ بلد منها حكمه في نفسه يشبه اشتراط قبض المسلم فيه، كحكم بلد آخر في محاذاته، أو قريبًا منه.
والمكيلة مقدار الأسعار فيها معلوم، فإذا رُدَّ إلى الوسط من أسعارها حُملا على أمر معلوم.
وقد تقدم بيان هذا.
وقد قيل في الآجال: إذا تداعيا فيها ما لا يشبه، كما قيل في اختلاف الأمكنة التي لا يشبه القبض فيهالأولكن المعروف في اختلافهما في الأجل أن يحملا على الوسط من الأجل، لكون الأثمان يستدل بها من جهة الأسعار على مقدار الأجل، ويعرف الوسط منها.
ولو اتفقا على أنهما اشترطا بلدًا معينًا، وتراضيا عند حلول الأجل على قبض الطعام ببلد آخر تلاقيا به، فإن اشترط قابض الطعام أن يأخذ مع المكيلة التي له على الذي عليه السلم زيادةَ دراهم أو عرض، فإن ذلك لا يجوز، لكونه بيعَ الطعام قبل قبضه لما باع المكيلة التي له في الذمة بمثلها وزيادة دراهم، أو عرض عليها، مع التفاضل بين الطعامين، مع تقدير النساء في بيع هذين الطعامين، وهو مسافة ما بين البلدين.
وإن تراضيا على المكيلة مجردة من زيادة عليها، فإن ابن المواز وابن حبيب ذكرا إجازة ذلك.
وذكر أبو القاسم بن الكاتب أن الأشبه أنه لا يجوز، لكون اختلاف مسافة البلدين، وأسعارهما كزيادة مقبوضة مع الطعام الذي أخذ ببلد غير البلد الذي تعاقدا على القبض فيه، فلهذا امتنع في اشتراط قرض الطعام أن يدفعه مسلفه في غير البلد الذي قبضه فيه، لما تقرر من كون العمل في المسافة التي بين البلدين كزيادة مشترطة في السلف.
وإن لم يحل الأجل فلا يجوز التراضي بأخذ ذلك ببلد آخر، لكون التهمة ها هنا في حصول الزيادة متأكدة لكون الأجل لم يحل، ولم يلزم المسلم إليه أن يدفع السلم، فكأنه إنما يطوع لأجل حمل مؤونة المسافة.
وذكر بعض الأشياخ أنه لا فرق بين حلول الأجل وكونه قد حل، وقد نبهنا على الفرق بتأكد التهمة إذا لم يحل الأجل، وضعفها إذا حل.

ومما يلحق بالكلام على اختلاف المتبايعين في مكان القبض اختلافهما في جنس المكيلة.
فقد ذكر ابن حبيب أنهما إذا اتفقا على أن العقد وقع على مائة قفيز قمحًالأولم يشترط كل واحد منهما عيار بلد بعينه، إنهما يحملان على المكيلة التي يُكتال بها بالبلد الذي وقع العقد به.
وإن قال المسلم: بل شرطت مكيلة بلدي، وقال المسلم إليه: بل مكيلة بلدي.
فإن القول قول الغارم وهو الذي عليه السلم، وهذا لأجل أن هذا، الاختلاف يفضي بهما إلى اختلاف في مقدار المسلم فيه، هل هو مائة قفيز أو تسعون قفيزًا.
وقد قدمنا أن القول قول الذي عليه السلم إذا وقع الاختلاف بعد زمن العقد.
وكان بعض أشياخي يرى حملها على مكيلة البلد الذي اشترط قبض الطعام فيه، وهذا لأجل أنه يراه مقتضى العرف والعادة، وبالجملة فالمسألة راجعة إلى ما بسطنا القول فيه في اختلافهما في مقدار المسلم فيه.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: اختلاف المتبايعين في التسليم على وجهين: أحدهما: أن يختلفا من الذي يبدأ بتسليم ما عنده.
والثاني: أن يختلفا: هل وقع التسليم أو لم يقع.
فأمّا الوجه الأول، وهو تشاحهما فيمن يبدأ بالتسليم فإن هذه المسألة لا أعرف فيها نصًّا جليًّا لمالك ولا لمن تقدم من أصحابه.
لكن أبا حنيفة ذهب إلى أن المشتري يُجبر أن يبدأ بتسليم الثمن، فبعد تسليمه إياه يستحق قبض السلعة المبيعة.
وذهب الشافعي في الأظهر من كلامه إلى أن البائع يجبر على أن يبدأ بتسليم السلعة، فإذا أسلمها استحق قبض الثمن .. ومن أصحاب الشافعي من يضيف إليه قولين آخرين: أحدهما أنه لا يرى جبر هذا ولا هذالأولكن يُعرِض الحاكم عن النظر بينهما، كأنهما لم يتبايعا، ويمنعهما من التشاجر والتخاصم.

حتى إذا تطوع أحدهما بأن يبدأ بالتسليم وسلّم ما عنده قضى على الآخر بتسليم ما عنده.
والثاني: أن الحاكم يقبض الثمن والمثمون، ثم يسلم لكل واحد منهما ما يستحقه، ولا يبالي بمن يبدأ به منهما.
وأبو حامد الإسفراييني تردد في هذا النقل: هل ثبتت عن الشافعي هذه الثلاثة مذاهب أو لا يثبت عنه إلا البداية بجبر البائع على التسليم؟ وتردد في هذا الاحتمال كلام الشافعي.
فقد صار الخلاف بين هذين الإمامين هل يبدأ بالمشتري ويجبر على التسليم كما قاله أبو حنيفة، أو يبدأ بالبائع فيجبر على التسليم كما قال الشافعي في المذهب الذي اتُّفق على إضافته إليه؟ وأما مذهبنا نحن فإن ابن القصار قال: الذي يقْوَى في نفسي جبر المشتري على البداية بتسليم الثمن أو إعراض الحاكم عنهما، كما قال الشافعي في أحد أقواله، ومال إلى أن البداية بجبر المشتري، كما قاله أبو حنيفة أقوى.
وأما شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله، فإنه كان يرى أن المذهب عندنا على قولين: أحدهما: البداية بجبر المشتري على التسليم، كما قاله أبو حنيفة.
ويخرج هذا من كون الزوج مجبورًا عندنا على دفع الصداق قبل أن تمكنه المرأة من نفسها، وهو المشتري لمنافع البضع.
ويخرج ما قاله الشافعي من البداية بجبر البائع على التسليم، من قوله في المدونة: إذا اختلف المكتري وصاحب الدابة في تعجيل الكراء وتأخيره ولم يكن بينهما شرط ولا عادة، فإنه يقضى على المكتري أن يدفع لصاحب الدابة بقدر ما سار.
وهذا يقتضي البداية بالبائع في دفع السلعة، قبل أن يقبض الثمن الذي هو الكراء.
ونازع في هذا شيخنا أبو الحسن اللخمي فقال: إن المكتري ها هنا إنما لم يلزم بتعجيل الكراء قبل أن يركب، لأجل أنه لا يمكن أن يقسط الكراء على كل خطوة، لما في ذلك من الحرج والجهل بحقيقة التقسيط وأقل ما يقسط

الكراء على يوم يوم، يلزم المكتري أن يدفع نقدًا عند طلوع الشمس ويتأخر قبض العوض عنه إلى آخر النهار.
بخلاف إذا كان العقد على سلعة معينة يمكن تسليمها، وقبض الثمن بعد تسليمها في الحال، من غير تراخ، فإنا إذا أجبرنا المشتري على البداية بالنقد، على مذهب من ذهب إلى هذا، لم يكن في ذلك ضرر ولا إسقاط للمساواة بين البائع والمبتاع.
بخلاف جبر المكتري على دفع كراءٍ وعوضُه يتأخر قبضه.
وهذا هو مدافعة لشيخنا أبي محمَّد عن استقرائه 1، فيه نظر.
ولشيخنا أن يقول: إذا جعلت في هذه المسألة خصوصًا دون غيرها من عقود البياعات، لأجل أن المشتري إذا أجبرناه على الوزن تأخر قبض عوض ما يوزن، وهذا لا سبيل إليه، فهلا عكستم هذا؟ وقيل أيضًا: لا يلزم ربَّ الدابة أن يقطع بالمكتري مسافة يوم، وما قطعه في أول النهار يتأخر قصد عوضه، فهذا التعليل - لما وقع في المدونة، ينقلب كما بيناه، وإذا انقلب عدل عنه إلى أن العلة في هذا كون البائع يبدأ بالتسليم في هذا وفي غيره، لأجل العلل التي نذكرها في توجيه هذا المذهب.
ويذكر هذا أنه قد تقرر أن من باع سلعة بثمن إلى أجل فإنه ليس له حبس السلعة حتى يحِلَّ الأجل ويَقبض الثمن؛ لأنه لم يدخل على ذلك، لأجل 2 ما رضي به من التأجيل وقد أخذ عوض الصبر، فالثمن فيه زيادة على بيع النقود، فكذلك ها هنا المكتري قد علم أن ما اشتراه من المنافع لا يقبض دفعة واحدة بل يقبض شيئًا فشيئًا، فليس من حقه قبض الكراء حتى يفرغ آجال المشتري من المنافع.
وهذا يولد ضعف الاعتماد على ما أشار إليه شيخنا أبو الحسن من الفرق لما أريناك من كون النظر يقتضي البداية بتقديم المشتري في دفع الكراء قياسًا على بيع سلعة بثمن إلى أجل، فإن المؤجل يتأخر والمنقود يبدأ بتسليمه.

وقد أشار أبو الحسن المعروف باللخمي إلى طريقة أخرى فقال: إن المحتبسة بالثمن، إنما وقع الخلاف في ضمان البائع لها، وأن المبيع مما لا يغاب عليه، كعبد أو دابة، لأجل أن البيع يختلف فيه، هل هو مجرد العقد، أو البيعُ التقابضُ بعد العقد؛ فإن قلنا: إن البيع مجرد العقد كان الضمان من المشتري، لكونه (لم يقبض) 1. وإن قلنا: إنه التقابض لم يضمن المشتري ما احتبسه البائع من الثمن، لكونه لم يقبضه.
فمتى قلنا: إن البيع هو مجرد العقد جبر البائع على تسليم السلعة، لحصول حقيقة البيع فيها، ثم يجبر المشتري على إخراج الثمن الذي وقع العقد عليه في ذمته.
وإن قلنا: إن العقد هو التقابض حسن في ذلك ما قدمناه من الاختلاف بمن يبدأ بالتسليم، ويرى أن المتبايعين لا مزية لأحدهما على الآخر، وإذا لم يترجح أحدهما على الآخر ولم يكن له عليه مزية لم يتقدم أحدهما على صاحبه، ويؤمران بأن يخرج المشتري الثمن العين من ذمته فينقد ويوزن، ثم يمد يده به إلى البائع، ويمد البائع سلعته ويتقابضان معًا.
وهذا الذي ذكره هو النظر الصحيح إذا لم يكن لأحدهما على الآخر مزية ولا ترجيح، لكن يبعد تصور ذلك وخروجه إلى الوجود؛ لأنهما إذا تلاقت أيديهما فقد لا تمكن المساواة في التقابض في أضيق زمن، وقد يقول أحدهما: أزل يدك عن ثوبك قبل أن أزيل يدي عن كيسي.
ويقول الآخر: بل أنت تزيل يدك عن كيسك قبلُ.
وتصوّر تقابضهما معًا من غير سبق بحركة من الحركات في التسليم يبعد.
ولكن إذا بعُد هذا ولم يتصور، وثبت الأمر به لأحدهما على الآخر، كانت القرعة أَوْلى، كما قدمناه في اقتراع المختلفين في اليمين: من يبدأ منهما؟ ولكنه مع هذا قال: ولو كان المبيع عقارًا فأخلاه من شواغله بائعه، ورفع يده عنه، لكان برفع يده يستحق قبض الثمن.
وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن رفع يده عنه تمكينَ المشتري من قبضه، فإن

لم يمكنه فإنه لم يرفع يده، وإن مكّنه فقد برأ 1 بالتسليم، وهو غاية المقدور عليه في تسليم العقار وما لا ينتقل.
واختار أنه لو كان التعاقد على سلعة بسلعة لم يكن بدّ من تقابضهما معًا، إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
وقد أشار أبو حامد الإسفراييني إلى هذا الذي أشار إليه شيخنا من التفرقة بين أن يكون بيع السلعة بعين أو بسلعة أخرى، فقال: إذا كان المبيع سلعة بسلعة فإنه لا يتصور فيه ما حكيناه عن الشافعي من البداية بالبائع؛ لأن كل واحد من هذين بائع، لكن إنما يتصور فيه القولان الآخران، وهما إعراض الحاكم عن النظر ليهما، أو قبض العوضين منهما، على حسب ما بيناه من مذهب الشافعي.
واعلم أن مدار الخلاف في هذه المسألة على اعتبار ترجيح أحد المتبايعين على الآخر، فإن لم يكن ترجيح فليس إلا التقابض معًا كما قاله شيخنا أبو الحسن إن أمكن ذلك، على بعد إمكانه، أو القرعة بينهما.
وإن ترجّح أحدهما على الآخر قضي له على الآخر، فمن ذهب إلى ترجيح جنبة البائع وقضى له على المشتري بأن يبدأ المشتري بالدفع إليه يقول بأن البائع يقول: من حقنا أن تساويَ بيننا، وسلعتي المبيعة قد تعينت، وها أنا أسلمها، وما في الذمة من الثمن لم يتعين، وإن عينه في يده فله إبداله فلا يتعين إلا بتسليمه إليّ.
وهذا يقتضي ما ذهب إليه أبو حنيفة من البداية بالمشتري في التسليم.
ومن رجّح جنبة المشتري جبر البائع على التسليم أوَّلًا، ويقول: إن المشتري يزعم أن السلعة التي اشترى قد ملكها، وتعين حقه في عَينٍ معينة، وحق البائع عليه شيء في الذمة لم يتعين، فلا يؤخر عنه قبض ما تعين حقه فيه، فإذا لم يؤخر عنه قبض ما تعين حقه، وجب أن يبدَّأ بالبائع، ويقضَى على

المشتري بالثمن الذي لم يتعين حين العقد.
وأما من ذهب إلى إعراض الحاكم عنهما، فإنه يرى أنه لما لم يترجح جانب أحدهما على الآخر لم يصح القضاء لهذا على هذا، فأبقاهما على المشاركة، ومنعهما من المشاجرة، كما لو ادعى رجل على آخر بدين فنكل المدعَى عليه عن اليمين، وردها على المدعي فنكل، فإنهما يتشاركان، ويمنعهما الحاكم من المشاجرة والخصام 1. وعلى هذا الأسلوب جرى من ذهب إلى قبض الحاكم منهما الأعواض، ثم تولّي الدفع أوَّلًا لمن شاء منهما، لكون أحدهما لا مزية له على الآخر.
فصرف الخيار إلى الحاكم بعد قبضه ما في أيديهما جميعًا حتى يتساويا في الدفع إليه، ثم يخير هو فيمن يبدأ به.
هذا بيان اختلافهما فيمن يبدأ بالتسليم منهما.
وأما لو اختلفا: هل وقع التسليم والقبض أو لم يقعا، فإنه لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن ينكر المشتري تسليم البائع السلعة المبيعة إليه؛ أو ينكر البائع قبض ثمن ما باعه.
فأما إن أنكر المشتري قبض السلعة المبيعة، فإن القول قوله، إذا لم يقع إشهاد بينهما على كون الثمن في ذمة المشتري؛ لأن على البائع التمكين من المبيع وتسليمه لمشتريه.
والأصل كونه غيرَ فاعل لهذا، فإذا زعم أنه قد فعله فعليه إثباتٌ.
وأما إن وقع الإشهاد على المشتري بالثمن، فإن في ذلك قولين: المشهور منهما أن البائع مصدق في دفع السلعة.
وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أن البائع لا يصدق في دفع السلعة.
وهو ظاهر مذهب ابن أبي ليلى.
وهذا الذي قاله محمَّد بن عبد الحكم هو طرف التعليل الذي قدمناه؛ لأنا ذكرنا أن على البائع التمكينَ من المبيع والتسليم له.
وإن ادعى أنه فعله فعليه

إثبات ذلك.
وهذا التعليل جار في كون المشتري قد أُشهد عليه الثمنُ، على حسب ما هو جار في 1 إذا لم يشهد عليه بالثمن.
ومن ذهب إلى تصديق البائع يعتلُّ بأن الظاهر في العادة أن المشتري لا يسامِح بالإشهاد على عمارة ذمته بالثمن، وكونه مطلوبًا به، إلا وقد قبض السلعة التي هي عوض ما أشهد به على نفسه.
فأصحاب هذا المذهب إنما انتقلوا على هذا الأصل الذي قررناه لأجل اعتقادهم كون العادة ما ذكرناه، ولم تثبت عند الآخرين هذه العادة، فأبقوا الحكم على الأصل الذي قدمناه.
وإذا قرر هؤلاء أن التسليم يصدَّق فيه البائع ها هنا، إذا وقع الإشهاد على المشتري بالثمن، لدلالة العادة على صدقه، فإن في المستخرجة تصديقَه في ذلك، ويحلف على أنه سلم السلعة، إذا كان هذا التنازع بفور البيع.
وأما إن أخر المشتري طلب السلعة حتى طال، أو حلّ أجل الثمن، فإنه لا يمين على البائع، وقدّر أن المشتري إذا لم يطلب السلعة المبيعة، إلا بعد طول زمن وقت 2 العقد، فإنه تبين كذبه في أنه لم يقبضها واتضحت العادة الدالة على كذبه فوق اتضاحها إذا أشهد على نفسه بالثمن وطلب السلعة بفور البيع.
وهكذا ذكر ابن حبيب عن مالك وأصحابه في إشهاد البائع على نفسه بقبض الثمن، ثم عاد يطلبه، واعتذر عن الإشهاد على نفسه بقبض الثمن؛ لأنه وثق بالمشتري أنه لا يمنعه إياه ولا يجحده، أنه لا يمين على المشتري لكون البائع ادعى ما أكذبته فيه البينة التي شهدت على إقراره بقبض الثمن.
لكن ابن حبيب رأى اليمين على المشتري إذا ظهر سبب أو تهمة، وإن كان البائع قد أشهد على نفسه بقبض الثمن، لإمكان صحة ما اعتذر به عن ثقته بالمشتري مع وجود سبب أو تهمة تؤكد صحة اعتذاره.
وفي الموازية وإلزام المشتري اليمين على دعوة البائع؛ وكأنه قدر اعتذاره يشبه ويليق.

هذا حكم إنكار المشتري قبض السلعة المبيعة.
وأما إنكار البائع قبض الثمن، فإن الأصل في هذا المعتمد عليه ما كنا أشرنا إليه من استصحاب الحال، وكون ذمة المشتري عامرة بدين وهو الثمن، والأصل أنه لم يدفعه، ولا خلت ذمته منه، فإن ادعى أنه قد دفعه فعليه إثبات ذلك.
لكن أيضًا اتفق المذهب ها هنا على اعتبار حكم العادة، فصدق المشتري فيما العادة التبايع فيه بالنقد في الأسواق، كالخبز والزيت والبقل، وغير ذلك مما يباع على النقد.
فإذا تسلم المشتري المبيع، وبأن به، صدق في دفع الثمن بشهادة العادة له بصدقه، وأنه لا يمكّنه البائع من فراقه بعد القبض للمبيع إلا وقد دفع إليه الثمن.
وهذا لم يختلف فيه المذهب لاتضاح العادة الدالة عليه.
لكن اختلف ابن أبي زمنين ويحيى بن عمر في هذا الجنس الذي يباع فيه قليله بالنقد، لو اشترى منه الكثير هل يصدق المشتري في دفع الثمن، كما صدق في القليل أم لا؟ فذهب ابن أبي زمنين إلى تصديقه.
وذهب يبيح ابن عمر إلى أنه لا يصدق.
وهذا منهما اختلاف في شهادة بعادة فلو اتضحت العادة، بأن الكثير من الخبز والزيت والبقل لا يباع إلا بالنقد، كما يباع القليل من ذلك، لما اختلفا فيه.
وأمّا ما سوى هذا مما يباع على غير النقد، فإن القول قول البائع أنه لم يقبض الثمن، لما قدمناه من كون ذمة المشتري عامرة بالثمن، ولا بينة له على البراءة، ولا عادة تشهد وتصدقه، فوجب مطالبته بإثبات ما ادعاه من البراءة من الثمن المتقرر في ذمته، وهذا ما لم يطل الزمن بعد العقد طولًا تشهد العادة بكذب البائع في أنه لم يقبض الثمن، فيصدق حينئذ المشتري لشهادة العادة له.
والتحقيق أن هذا الطول غير محدود ولا مقدر إلا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات، ومن اختلاف أجناس التجارات.
وإن كان ابن حبيب ذكر عن مالك أن الحيوان والعقار بخلاف البَزّ وغيره مما يباع على التقاضي.

فرأى أن العام والعامين في الحيوان والرقيق طول يشهد بصدق المشتري في دفع الثمن.
وذكر عن ابن القاسم أنه ساوى بين العقار والحيوان والبز، ورأى أن البائع مصدق في أنه لم يقبض الثمن وإن طال الزمان، إلا أن يطول طولًا كثيرًا لا يجوز البيع إليه، فإنه لا يصدق البائع حينئذ.
وهذا كله مداره على ما قدمناه من اعتبار العوائد فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات فيه إذا كانت العادة في بعض البلاد بخلاف مقتضى هذه الروايات لأنها مبنية على شهادة بعادة وهذا واضح.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: لها 1 اختلاف المتبايعين في الأحكام بأن يدعي أحد المتبايعين صحة العقد، ويدير الآخر فساده.
فإنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة على الإطلاق.
ولم يفرق بين كون هذا الاختلاف يتضمن اختلافًا في الثمن أوْ لا يتضمنه، بل ذكر، في اختلافهما في السلم هل ضربا له أجلًا أم لا؟ وهل تأخر قبض رأس المال أو تقدم بشرط أم لا؟ أن القول قول مدعي الصحة.
وحمل الأشياخ ما وقع في المدونة على أن هذا الاختلاف لم يتضمن اختلافًا في الثمن، وإنما وقع بينهما اختلاف في صحة العقد أو فساده خاصة، مثل أن يقول أحدهما: عقدنا البيع يوم الجمعة والإمام يخطب، أو ما في معنى ذلك مما لا ينصرف الاختلاف فيه إلى الثمن.
ونوقضوا في هذا بأنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة وإن اختلفا: هل تأخر رأس مال السلم بشرط أو لا؛ وهذا يتضمن كونهما مختلفين في الثمن لأن اشتراط تأخير رأس المال يخالف اشتراط انتقاده في مقدار الثمن.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن هذه المسألة تحمل على أن اختلافهما في هذا وقع بعد أن فاتت السلعة، ونحن إنما قلنا أن القول قول مدعي الصحة لأنه ادعى

الأشبه؛ لأن الغالب في بياعات المسلمين الصحة، ومن ادعى الأشبه من المتبايعين صدّق مع فوت السلعة من غير خلاف، كما قدمناه قبل هذا في موضعه.
وإنما اختلف المذهب في تصديق مدعي الأشبه مع قيام السلعة، فالأكثر على أنه لا يصدق، بل يتحالفان ويتفاسخان.
وقال عبد الملك بن الماجشون: بل يصدق من ادعى الأشبه.
واختلف هذان 1 هل اشترطا في عقد السلم تأخير رأس المال أو لم يشترطاه، وإنما وقع عند حلول الأجل، وحلول الأجل في المسلم جرى مجرى الفوت في السلع المعينة، كما قدمناه.
وأما لو كان اختلافهما في هذا في فور عقد السلم لتحالفا وتفاسخا، على حسب ما قدمناه من إيجاب التحالف والتفاسخ مع قيام السلعة عند من لا يراعي الأشبه.
وأمّا من يراعيه فسواء عنده قيام السلعة وفوتها.
وهذا الذي ذكروه هو مقتضى أصل المذهب في الاختلاف في الثمن تصريحًا أو ضمنًا، على حسب ما قدمناه في موضعه، ونبهنا عليه من كون مراعاة دعوى الأشبه تجب مع فوت السلعة من غير خلاف.
واختلف فيها مع قيام السلعة.
وإذا اتضح أن العلة في تصديق مدعي الصحة كونه ادعى الأشبه، لأجل أن البياعات الصحيحة هي الغالب في بياعات المسلمين فقد كان شيخنا رحمه الله يذهب في هذا إلى أن بعض أجناس البياعات لو غلب على المتعاملين فيها الفساد لصدق مدعيه.
ونستشهد على هذا بأنه قد صدق الزوجة، إذا أرخى الزوج عليها الستر، أنه وطئهالأولو كان ذلك في نهار رمضان الذي لا يحل الوطء فيه، لمّا كان الغالب كون الستر لا يرخى على الزوجة إلا وهو مبادر إليها وإلى جماعها.
وهكذا قيل في المغارسة إذا غلب على أهلها التعاقد على الفساد أنه

يصدق من ادعاه.
وهذا الذي قاله صحيح على مقتضى أصل المذهب الذي قررناه مرارًا من الاستشهاد بالعوائد.
وقد نص ابن المواز على أنهما إذا اختلفا في الصحة والفساد، وفي مقدار الثمن، أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا هو الذي قدمناه عن المشهور من المذهب أنه لا يراعي دعوى الأشبه في الاختلاف في الثمن مع قيام السلعة، فأجراهما ابن المواز ها هنا على حكم الاختلاف في مقدار الثمن خاصة، مع اتفاقهما على صحة العقد، مع كون دعوى الأشبه لا تعتبر كما بيناه.
وقد وقع بين الأشياخ تنازع في هذا الذي قاله ابن المواز، فبعضهم رأى أنه مذهب صحيح، وهو البخاري على أصل المذهب، وهو الذي يدل على صحة عموم الحديث، وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع" الحديث الذي تقدم ذكره مرارًا.
ولم يفرق في هذا الحديث بين كون أحدهما ادعى مع هذا صحة أو فسادًا بل ذكر البداية بالبائع عمومًا.
وخالفه غيره في هذا، ورأى أن أصول الشرع تقتضي الطرد عن الأيمان عند التخاصم والتحاكم، ما أمكن، لئلا يكون من ألزمناه اليمين كاذبًا، فيحمله على الإثم.
فإذا كان البائع المخالف من الثمن هو مدعي الفساد وجب أن يبدأ به، أخذًا بعموم الحديث.
فإن حلف استحلف المشتري وانفسخ البيع بتحالفهما، وإن بدّأ بالبائع المدعي للفساد، على ظاهر الحديث، فنكل، حلف المشتري وصح البيع بالثمن الذي ذكر، ولم يفسخ.
وإن نكلا جميعًا فسخ البيع على حسب ما قدمناه في بيان حكم تناكلهما جميعًا.
وأمّا إذا كان البائع هو مدعي الصحة والمشتري هو مدعي الفساد، فإنا نبدأ ها هنا بالمشتري لأنه إن حلف فسخ البيع بمجرد يمينه من غير مطالبة للبائع باليمين؛ لأنه لو طلبناه بها فحلف فلم يفده إلا فسخ البيع، وفسخ البيع قد ثبت بيمين المشتري عليه، فلا يحسن إذا حلف المشتري المدعي للفساد أن يطالب البائع بيمين لا تفيد شيئًا، ويدعى إلى ما هو لغو غير مفيد، وقد يكون فيه آثمًا إن كان كاذبًا.
فلما تصور ها هنا أن البداية بمدعى الفساد، بائعًا كان أو مشتريًا،

يقتضي ألا يحلف سواه، إذا كان ذلك أولى من البداية بيمين من ادعى، استحلفنا غيره.
وهذا الذي نصره الشيخ أبو إسحاق.
ورأى غيره أن الأولى البداية بمدعي الصحة؛ لأنه قد ينكل عن اليمين فلا يحلف، فينفسخ البيع، حلف مدعي الفساد أو نكل، فيكون نكول مدعي الصحة مقتضيًا إسقاط اليمين عن الآخر، يحصل من هذا تقليل الأيمان كما قدمناه.
ولكن قدرها الشيخ أبو إسحاق من جهة وقوع اليمين مِمَنْ بدأنا به.
وقدرها غيره بنكول من بدأنا به، فحصل التقليل من الأيمان، ولكن هل بيمين أحدهما أو بنكوله؟ هذا الذي وقع فيه التنازع.
فصل ألحقناه لأجل ما توخيناه من الجري على ترتيب المدونة، وهو الكلام على الوكالة على السلم.
ثم الكلام على تعدي الوكيل.
وكانت الرتبة تقتضي تأخير هذا الكلام إلى كتاب الوكالات حق ذكرنا عذرنا في تقدمته ها هنا.
والكلام في الوكالات على السلم يشتمل على ستة أسئلة منها أن يقال:

  1. من المطلوب برأس مال السلم: الوكيل أم الموكل؟
  2. وهل يصح عقد السلم على كون الثمن مترددًا بين ذمة الوكيل والموكل؟
  3. وهل يجوز توكيل من ليس بمسلم؟
  4. وهل يباح للوكيل أن يسلم لنفسه أو لمن يتهم فيه؟
  5. وهل يتقيد مطلق الوكالة بالعادة؟
  6. وهل للوكيل أن يوكل غيره؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الوكالة على السلم جائزة، كما تجوز في سائر عقود المعاوضات ثم لا يخلو الوكيل من أن يصرح بأنه وكيل على العقد خاصة والثمن مطلوب به الموكِّل، أو يصرح بأن الثمن عليه، أوْ لا يصرّح بأحد الوجهين.
فإن صرح بأحد الوجهين قضي بموجب تصريحه من براءته من الثمن أن اشترط البراءة منه، أو إلزامه إياه إن اشترط التزامه.
كذلك المسلم فيه الذي

وكِّل على عقْدِه.
هكذا ينقسم الأمر في الوكالة على المعاملة بالنقد، فإنه إن وكل على بيع سلعة كان له قبض ثمنها، وإن وكل على شرائها، وأخبر البائع أنه وكيل لغيره، فإن ابن المواز رأى أن مجرد إخباره بأنه وكيل لغيره، أو أنه اشترى السلعة لغيره لا تسقط عنه المطالبة بالثمن.
وذكر أنه إذا قال البائع 1: فلان بعثني لأشتري له هذه السلعة منك.
فإن هذا لا يبرىء الوكيل من الثمن.
قال: لأنه يقول له البائع: أنت مشترٍ منّي، ولا أبالي هل شراؤك لنفسك أو لغيرك.
وذكر في المبسوط عن مالك: أنه إذا وجد البائع الدراهم زيوفا أنه لا يلزمه بدَلُها، وإنما يطالب بالمال الموكّلَ، إذا كان قد أخبر الوكيلُ البائعَ أنه إنما اشترى لغيره.
وهذا يقتضي عند بعض أشياخنا أن المذهب على قولين في مطالبة الوكيل بالثمن إذا لم يصرح بالتزامه ولا بالبراءة منه.
ورأى أن هذا الاختلاف ينبني على الاختلاف في البيع هل هو العقد بمجرده أو هو التقابضُ العِوَضِيُّ.
وعلى هذا أجرى اختلاف قول مالك في ضمان العبد المحتبس بالثمن، هل يضمنه المشتري؛ لأن البيع هو العقد، وقد حصل، أو لا يضمنه؛ لأن البيع هو القبض، وهو لم يحصل.
فكذلك يختلف في مطالبة الوكيل بالثمن.
فإذا قيل: إن البيع هو العقد، فقد نجز ما وكِّل عليه، وفرغ منه؛ لأنه إنما وكّل على البيع، وقد حصل.
وإن قلنا: إن البيع هو التقابض، فإن الوكيل يُطلب بالثمن؛ لأنه لا يحصل ما وكل عليه وعَقَده إلا بالتقابض.
وهو 2 الذي أسند إليه هذا الاختلاف في المحتبسة بالثمن في هذه المسألة لا يستقيم، إذا اعتبر بحقائق الأصول.
وسنبسط الكلام على هذا عند كلامنا على المحتبسة بالثمن، وذكرنا لما ذكره الشيخ أبو الحسن بن القابسي رحمه الله من كون الخلاف فيها مبنيًا على ضمان الحيوان، وما لا يغاب عليه في الرهبان، ولما ذكره غيره من الأشياخ من كون الخلاف في ذلك مبنيًا على مراعاة مضي قدر التسليم بعد زمن العقد.
ولكن

الضابط: الحقيقة في هذا أن الأصل براءة الذمة، ولا تعمر إلا بدليل يوجب تعميرها.
وقد علمت أن الطرفين اللذين ذكرناهما، وهما اشتراط الوكيل البراءة من الثمن أو التزامه له، متفق عليهما، ويبقى النظر فيما بين هذين الطرفين، فإن كانت العبارة الصادرة من الوكيل: بعثني إليك فلان لتبيع منه، فإن هذا يقتضي أنه غير مطلوب بالثمن، لكونه قد 1 أسند البيع إلى الموكِّل.
وإن عبر عن هذا بأنه قال: بعثني لأشتري منك.
كان مطلوبًا بالثمن؛ لأنه قد يراد بهذه العبارة أنه دلّنِي على الشراء منك لنفسي.
فلا يسقط عنه ما يوجبه مقتضى العقد من مطالبة المشتري بالثمن.
وإن كانت العبارة: لأشتري له؛ أو ما في معنى هذا، كان هذا على القولين المذكررين عن كتاب ابن المواز، وعن المبسوط.
على أنا إذا قلنا: إن الخلاف في هذا يستند إلى النظر في البيع، هل هو التعاقد أو التقابض، كان ما وقع في المبسوط خلافًا لما وقع في الموازية.
وإن قلنا: إنّه يلتفت في هذا إلى العرف والمقاصد، أمكن أن يقال: إنه إذا وكِّل على شراء بالنقد، فقد دفع إليه النقد على مقتضى غالب العادة، فلا يصدق في أنه لم يدفع إليه.
وإذا دفع النقد، وظهر فيه زيوف يمكن أن لا يكون علم بها، فإنه قد ادعى من هذا ما يمكن والبدل لم يقتضه حكم العقد في غالب العادة.
ولو أنكر المسلم قبض الثمن والعقدَ، فإنه يحلف ويبرأ، ويسقط عنه السلم.
واختلف في غرامة الوكيل الثمنَ الذي دفعه بغير إشهاد حتى جحده القابض، فقيل: يغرم؛ لأنه كمتلف رأس المال على من وكله.
وقيل: لا غرامة عليه.
وقد علم أنه لو شرط له أن لا يدفع إلا ببينة، فدفع بغير بينة، أنه ضامن، لتعَدِّيه ما أَذِن له فيه.
ولو شرط أنه يدفع بغير إشهاد لم يضمن لرِضا رَبِّ المال له بذلك.
فإذا لم يشترط أحدَ الوجهين فعلى ماذا يحمل أمر الوكيل منهما، هذا منشأ الخلاف.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا شرط المسلم في العقد أن الموكّل إن لم يُقرّ بالوكالة.
فالوكيل ضامن المسلّم فيه، ومطلوب به .. فإن هذا أجازه ابن القاسم في المدونة، ومنعه سحنون ورآه غررًا، ومنعه أشهب ورآه دينًا بدين.
وقد علم أن الغرر في العقود ممنوع.
وكذلك الدين بالدين.
ولكن وقع النزاع في تصور الغرر في هذا العقد.
فرأى ابن القاسم أنه لا غرر فيه فأجازه، وإن كان المسلم فيه مترددًا بين.
ذمتين لا يدري المسلم من يطلب منهما، كما أجيز البيع على الحميل والبائع يجهل مَن المطلوب بالثمن هل المشتري إن كان حين الطلب غنيًا أو الحميل إن كان المشتري حين الطلب فقيرًا.
ورأى سحنون أن هذا غرر وتخاطر في العقد، لكون دافع رأس مال السلم لا يدري أيّ الذمتين يطلب: أذمة الوكيل أم الموكل؟ ويعلم أن المسلّم فيه لم يستقر حين العقد في ذمة معلومة بل يتردد استقراره ما بين ذمتين، وهذا غرر ظاهر.
ولا يُنقض هذا بإجازة البيع على الحميل، لأجل أن المشتري مطلوب بالثمن، وهو مستقر في ذمته، وإن طرأ عليه فقر فإن ذلك لا يسقط الطلب عن ذمته متى أَيْسر.
ولا يبرىء فقرُه ذمتَه من الثمن.
لكن أخذ الحميل تقوية لذمة المشتري أو زيادة في الثقة بها.
والثمن لم يتردد في استقراره في ذمة المشتري في كل الأحوال، حين العقد وبعده، بخلاف البيع باشتراط حميل.
ومن الأشياخ من يشير إلى طريقة أخرى وهي المساواة بين تردد الثمن بين ذمتين كما صورناه في مسألتنا، وفي مسألة اشتراط الحميل.
فإن مسألتنا هذه ذكر في الكتاب أن المأمور قال: إن فلانا أمرني.
وكلامه محمول على الصدق، وأكد تصديقه بالتزام المبيع في ذمته إن جحد الآمر، وجحود الآمر بعد إقراره أم رنا در، والنوادر لا تراعى في العقود، وإمكان جحوده بعد إقراره كإمكان فقر الغريم بعد ملائه حتى يفتقر إلى طلب الحميل، والعقود لا يراعى فيها من الغرر

ما ليس بمقصود.
وما صور من غرر في مسألة الحميل، وتردد الثمن بين ذمتين.
الغرر في المسألتين غير مقصود، وإنما القصد، بما اشترط فيهما، التوثقة، فلم يمنع ذلك كما لم يمنع الرهبان.
وأمّا ما أشار إليه أشهب في تعليله من منع تردد الثمن بين ذمتين، فإن ذلك دين بدين، فإنه يقدِّر أن المبيع استقر في ذمة الآمر على مقتضى قول الوكيل، وتصديقه فيما قال، فيكون بجحوده يقتضي نقل ما في ذمته إلى ذمة الوكيل، وبيع الدين الذي عليه بدين يصير على الوكيل.
وهذا أيضًا قد يجاب عنه بما قدمناه من كون القصد ها هنا التوثقة وتأكيد ما في الذمة، لا التخاطر، ولا بيع ذمة بذمة.
قد استقر الدين في الأولى ثم عاوض عنها ذمة أخرى.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد تقرر في الشرع جواز التوكيل والاستنابة فيما يجوز النيابة فيه.
لكن قد يعرض عارض يمنع من الاستنابة التي هي جائزة في الأصل على الإطلاق، وذلك بأن تتضمن الوكالة الوقوع في فعل حرام، أو كونَ الغالب الوقوع فيه، ولهذا يصح الرجوع.
ولهذا يمنع من أن يوكل المسلم النصراني على بيع أو شراء يغيب عليه، لكون النصراني وغيره من الكفار يستحلون في شرائهم ما لا يستحله المسلم الموكل لهم.
ولهذا ينهى المسلم أن يقارض ذميًا، لكونه يُتخوف منه أن يعامل بالربا، وما لا تحل المعاوضة به.
وقد قال ابن المواز: إن نزل هذا تصدّق المسلم بالربح.
وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يخلّص فيما يتخوف من الحرام أن يكون فعله النصراني من الربا، (إلا من رأى نقض ما فعل وإن لم يعلم من عامله تصدق بالربح لكون الربح هو الحرام) 1 قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ 2، وأما لو وقع الوكيل الذمي أو المقارض الذمي في المعاوضة

بخمر أو خنزير وأتى الموكِّلَ بأثمان ذلك فإنه يتصدق بجميع ما أتى به؛ لأن العوض كله ثمن خمر وخنزير وذلك حرام.
وفي الربا إنما الحرام الزيادة، وهي التي تسمى ربا، فإذا تصدق بها ارتفع حقيقة الربا.
لكن لو كان الذمي عاوض بهذا عن علم بتحريمه على المسلم، وأن المسلم الذي وكّله لم يرد ذلك منه ولا أذن له فيه، فإنه يكون متعديًا على مال حلال أعطاه إياه المسلم، فأتلفه عليه بمال حرام، تجب الصدقة به، فيغرم للمسلم ما أتلف عليه من ذلك.
وقد منع في المدونة من توكيل الذمي على تقاضي الديون.
وما ذاك إلا أنه قد يُغلظ على المسلمين الذين وُكِّل عليهم في التقاضى، ويستعلي عليهم، قصدًا لإذلالهم، ولا يجوز للمسلم أن يُعينه على ذلك.
وقد ذكر في المدونة أنه ليس لسيد العبد الذمي أن يمنعه من شرب الخمر، وبيعها، والذهاب إلى الكنيسة؛ لأن ذلك من دينه، وقد أقره على دينه، فيقره على أحكامه لما أقره عليه.
وقد عارض الأشياخ ما وقع في الكتاب من قوله: لا يمنع عبده بيع الخمر وشراءها بأن السيد له أن يمنع عبده النصراني والمسلم عن التجارة في المباحات، وأن يبيعها أو يشتريها، ويحجِّر عليه ذلك، فكيف به إذا أراد التحجير عليه في المحرمات كبيع الخمر وشرائها.
وقد اعتذر بعضهم عن هذا بأن المراد بالعبد ها هنا المكاتب؛ لأن المكاتب لا يقدر سيده على منعه من التَّجْر في ماله، ولا التحجير عليه، ما دام مكاتبًا، فالمباح والمحرم في حق المكاتب النصراني سواءٌ في كون سيده ليس له أن يحجِّر عليه في ذلك.
وقال بعضهم: بل المراد، بما وقع في الكتاب، في المال اليسير الذي يعطيه سيده إياه لقوله: وليرفّه به نفسه.
فإن هذا يصير في حكم ما لا حق للسيد فيه، وما لا حق للسيد فيه ليس له أن يحجّر عليه فيه .. وهذا الاعتذار والاعتذار الأول يرجعان إلى معنى واحد وهو حمل المسألة على مال ليس من حق السيد أن يحجر عليه فيه.
لكن اختلفوا في التمثيل

فبعضهم مثل بالمكاتب لما كان ليس لسيده الحجر عليه، وبعضهم مثل بما يعطيه لقُوته لما كان ليس له أن يحجر عليه أيضًا فيه.
وصار بعضهم إلى اعتذار آخر سلك فيه طريقة أخرى، فقال: المراد بما وقع في الكتاب من هذا أن السيد لا يجب عليه أن يمنعه من هذا لكونه في حكمه.
وقد حاول فعلًا حرامًا، لأجل أن السيد لما رضي له بالمقام على دينه صار كالراضي له بالجري على أحكامه.
فأشار بهذا إلى نفي وجوب تغيير هذا المنكر على السيد، كما يجب ذلك عليه لو حاوله عبد له مسلم.
وهذا تأويل وإن لم يبعد في معناه فقد بعد عن مقتضى لفظ الكتاب؛ لأنه قال: ولا ينبغي للمسلم أن يمنع عبده النصراني من شرب الخمر وبيعها وشرائها.
وقوله: "لا ينبغي" كالنهي له عن أن يفعل.
وهؤلاء حملوا ذلك على أن المراد به: لا يجب عليه أن يفعل، وإن كان مباحًا له أن يفعل.
وهذا يبعد حمل هذا اللفظ عليه.
وقد اختلف القول عندنا في منع الزوج المسلم زوجته النصرانية من شرب الخمر، وأكل الخنزير، والخروج إلى الكنيسة.
فقيل: ليس له منعها من أحكام دينها وما هو من شرائعها؛ لأنه إنما نكحها على ذلك، وعلى ذلك تزوجته.
وقيل: له منعها من ذلك، ومن إتيان الكنيسة إلا في الفرض والأمر النادر.
وقد أجاز في الكتاب وكالة العبد.
ولكن لو وُكِّل عبد أجنبي والعبد الوكيل محجور عليه، لكان لسيده طلب إجارته فيما تولى من سعي في العقد، لكون سعيه ومنافعه يملكها عليه، فليس لغيره أن يتملكها ولا ينتفع بها دون إذن سيده، ولو كان العبد مأذونًا له في التجارة والسعي في مثل هذا، والنيابة فيه من مصالح تجارته ومن جملة ما تضمنه إذن السيد له فيه، فإنه لا أجرة على من وكله.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إنه قد تقرر أنه ليس لأحد أن

يتصرف في مال أحد إلا على حسب ما أذن له فيه الشرع، وإن أذن له فيه المالك.
وهذا يقتضي نص الوكيل على مقدار ما أذن له فيه.
فإذا وكِّل على أن يُسْلِم في طعام، فأسلم إلى نفسه، أو من في معنى نفسه، فإن هذا مما يتعقب عليه، لتطرق التهمة إليه.
فأمّا إسلامه إلى نفسه، فالمعروف من المذهب عندنا منعه من ذلك، لاتضاح التهمة فيه، وكون الموكل يستشعر منه أنه إنما وكله على إسلام ماله لمن يَستقْصِي في الاجتهاد في مماكسته، واستصلاح ما يعقد منه، ولا يمكن في العادة أن يؤثر أحد على 1 أحد على نفسه.
وقد اتفق على أن رب المال لو صرح حين الوكالة بأني إنما أوكلك على أن تُسْلم إلى من سواك، فإنه ممنوع أن يسلم إلى نفسه، ومتعدٍّ في ذلك إن فعله.
ولو صرَّح له، بأني وكلتك أن تسلم إلى من شئتَ حتى نفسك؛ لكان له أن يسلم إلى نفسه، ويكون الموكّل كالواهب له بعض ماله، إن نَقَصَ في الاجتهاد وحابى نفسه.
وإن لم يصرح بهذا ولا هذا وأطلق القول فَعلى ماذا يحمل؟ ها هنا يحسن الخلاف، فالمعروف من المذهب المنع كما قدمناه.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب في الوكيل إذا باع واشترى بأثمان لا محاباة فيها فإن ذلك جائز.
فلعلّه قدر أن إتيانه بثمن يُستدل به على أنه لو لم يبالغ في الاجتهاد لم يأت إلا بأقل منه يرفع عنه التهمة، وتطيب نفس الموكل عليه.
فلهذا أمضاه.
وقد وقع في المذهب ما يدل على اضطراب في هذا الأصل إذا فعل ذلك الموكل، هل هو يجري على أحكام الغاصب في فعله، أو على أحكام من فعل شيئًا بوجه شبهة؟ وضبط المذهب في هذا أنه إذا لم تفت السلعة التي باعها من نفسه، ولا تغيرت في ذاتهالأولا في سوقها، فإنه من حق الموكل أن يستردها، ويفسخ عقده فيها، إلا ما ذكرناه عن القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب من إمضاء ذلك، على التفصيل الذي حكيناه عنه.
وإن لم يشعر بذلك الموكّل حتى فاتت

السلعة وعُدِمت عينها فإنه يكون لربها الأكثرُ من الثمن الذي أتى به، أو قيمتُها.
وإن فاتت بتغير سوقها، أو ذاتها، ففي المذهب قولان: هل لصاحبها استرجاعها، وفسخ البيع فيها، كما له أن يسترجع سلعته من يد غاصب لها، وأن تغيرت ذاتها وأسواقها.
أو يمضي ذلك ولا يكون له أخذ عينها بل له الأكثر من الثمن أو القيمة؛ لأنه ليس كالغاصب.
والمتعدي فيما فعل من البيع من نفسه، لأجل ما في ذلك من الشبهة والتأويل.
وقد ذكر في كتاب القراض من المدونة، فيمن اشترى سلعة بدنانير، ثم بعد شرائها ذهب لرجل أخذ منه مالًا قراضًا، وأراد أن ينقده في تلك السلعة التي اشتراها: إنه يُنهى عن ذلك؛ لأنه يُخاف أن يكون استقلالها 1 بعد اشترائها، فأراد أن يصرف ما وقع من غبن فيها إلى مال القراض.
وهذا إشارة منه إلى أنه ليس كالمعزول عن البيع من نفسه، ولا كالغاصب الذي لا تأويل له ولا شبهة؛ لأنه إنما علل بتهمته فيما فعل، فإذا ارتفعت التهمة مضى فعله، على مقتضى ما حكيناه عن القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وقال أيضًا غير ابن القاسم في كتاب القراض: كل من وكِّل على بيع فباعه من نفسه، وأعتق العبد الذي اشتراه من نفسه، فإن عتقه مردود، إلاَّ المقارض إذا 2 كان له فيما أعتق شركة من ناحية الربح، فلم ير عتق الوكيل الذي اشترى من نفسه ماضيًا ولا أمضى العتق بحِرمته، بل جعله كالغاصب يعتق ما غصب، فإن عتقه غي رنا فذ إذا رده مالك العبد.
ولو أراد مالك العبد إلزام الغاصب قيمة العبد، لأجل عتقه إياه، فإن ابن شعبان ذكر في هذا قولين: أحدهما أن ذلك ليس من حقه، لكون العبد لم يتغير في نفسه ولا سوقه، ولم يُحدث الغاصب سوى كلام لا تأثير له في عين العبد المغصوب.
والقول الآخر أن ذلك من حقه، وما هذا إلا أنه قدر أن الغاصب لما أعتقه فكأنه التزم قيمته لربه، فلرب العبد أن يطلبه بما التزم.

وذكر ابن حبيب أن الوكيل على بيع سلعة فاشتراها وباعها بربح، أن الربح للموكِّل، وكذلك الوصي إذا اشترى لنفسه من مال الأيتام الذين في ولأنه شيئًا وباعه بربح، فإن الربح لهم.
وهذا الذي ذكره قد يهجس في النفس أنه أمضى شراءه من نفسه، فلهذا لم يقل: إن للموكل أن ينقض ما فعل، ويشتري ما باعه الوكيل بعد أن اشتراه لنفسه.
لكن يمكن أن يكون إنما لم يقل ذلك لأنه رأى أن بيعه من نفسه غير واقع ولا لازم وهو كالعدم، فبيعه بعد ذلك نافذ بحكم ما تقدم من وكالة رب السلعة، ولم تعتبر نيته وقصده فيما باع أنه إنما باعه على ملك نفسه لا على ملك من وكله.
فأنت ترى هذا الاضطراب المشعر بما ذكرناه من رد المسألة إلى كون الوكيل معزولًا عن البيع من نفسمعتى يكون متعديًا في ذلك إن فعل، أو ليس كالمعزول لأجل تأويله، وللشبهة التي يتعلق بها في هذا من الإذن له في البيع عمومًا، مع كون الموكل إنما غَرَضُه تحصيل الثمن لا النظر في أعيان من يشتري سلعته.
وإذا كان البيع وقع عن ملك أو شبهة الملك نُفِّذ كما ينفذ بيع من اشترى سلعة شراء فاسدًا ثم باعها بيعًا صحيحًا، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما بيعه مِمن تتطرق التهمة إليه في البيع منه، كبيعه من ولده الصغير الذي في ولايته أو يتيم في ولايته، فإنه منع ذلك في المدونة، ورأى ذلك يتنزل منزلة نفسه في تطرق التهمة إليه، وأجاز ذلك سحنون لما كانت العهدة في مال ابنه ويتيمه لا في مال نفسه، فلم يمنع من ذلك كما لم يمنع من بيعه من ولده الكبير ومن زوجته.
والنكتة التي تعتبر في هذا ما قدمناه من تطرق التهمة إليه وقربها منه أو بعدها عنه.
هذا سبب الاضطراب في بيع الوكيل ممن في ولايته.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: اعلم أن هذا السؤال جوابه يدور على ما قدمناه من اعتبار ما صرح به الموكّل، أو قام مقام التصريح بدلالة قرائن الأحوال أو العادة.
فإنا نقيد مطلق

الأقوال بقرائن الأحوال، فإذا وكل رجل رجلًا على شراء ثوب أو خادم، فاشترى له من الثياب أو الخدم ما يصلح للباسه وخدمتهء فإنه يلزمه ذلك.
وإن اشترى له ما لا يصلح له ولا يليق به من ذلك، فالمذهب على قولين: لم يُلزمه ابن القاسم ذلك.
وألزمه إياه أشهب.
وخلافهما راجع إلى ما قدمناه، فقد علمت أن قوله: اشتر لي ثوبًا؛ عموم ينطلق على كل ما يسمى ثوبًا، كان الثوب مما يصلح للموكِّل أو لا يصلح له.
لكن ربما اقتضت العوائد دلالة على قصده أنه أراد شراء ثوب يصلح للباسه.
فمن اعتبر عموم المقال، ولم يخصصه بالعوائد، قال بمذهب أشهب.
وبين الأصوليين خلاف في تخصيص العموم بالعادة.
والموكّل على شراء سلعة لا يخلو أن يكون يُقيِّد المثمون والثمن، أوْ لا يقيدهما جميعًا، أو يقيد المثمون دون الثمن، أو الثمن دون المثمون.
فإن قيدهما فخالف الوكيل ما قيّد له، كان متعديًا من غير خلاف، مثل أن يقول له: اشتر لي ثوبًا يصلح للباسي بأربعين دينارًا.
فاشترى له ثوبًا لا يصلح للباسه بخمسين دينارًا.
فإنه لا يلزم الموكل لكونه خالف ما قيد له في الثمن والمثمون.
وهذا لا خلاف فيه.
وإن أطلقهما جميعًا فقال: اشتر لي ثوبا.
فإنه إن اشترى ثوبًا يصلح للبالس الموكل بقيمة مثلِه، فإنه يلزم الموكِّلَ ذلك.
وإن اشترى له ثوبًا بثمن فاحش خارج عن العادة لم يلزم ذلك الموكلَ؛ لأنه كمُتْلِف مالِه عليه، ولم يوكّله على إضاعة ماله وإتلافه.
وسواء في هذا اشتري له ما يصلح للباسه، أو لا يصلح للباسه.
وإن قيد المثمون دون الثمن، فقال: اشتر لي ثوبا.
يصلح للباسي، فإنه إن اشتراه بقيمته لزم ذلك الموكلَ، وإن اشتراه بزيادة خارجة عن المعتاد على قيمته، لم يلزم ذلك الموكلَ.
وإن قيد الثمن دون المثمون، بأن يقول له: اشتر لي ثوبًا بأربعين دينارًا.

فها هنا.
اختلاف بين الأشياخ، ما الذي يقتضيه مذهب ابن القاسم ها هنا؟ فرأى بعضهم أن التقييد بالثمن يرفع التقييد في المثمون، وأنه إذا اشترى له بأربعين دينارًا ثوبًا يصلح للباسه أوْ لا يصلح للباسه، فإنه يلزمه؛ وإن كان ابن القاسم يرى أن الإطلاق في المثمون يتقيد بحكم العادة، ويُقصَر الوكيل على شراء ما يصلح للباس الموكِّل، لأجل أنه إذًا قيد الثمن ها هنا أشعر بأنه لم يقصد إلا 1 إلى تحصيل ما يساوي أربعين دينارًا على أي حال كان مما يصلح للباس الموكل أوْ لا يصلح.
ورأى بعضهم أن هذا التقييد في الثمن لا يدفع التقييد في المثمون الذي اقتضته العادة مما يصلح للباس الموكل.
واعلم أن التقييد في الثمن لا يوجب المنع من زيادة يسيرة عليه؛ لأنه قد علم في العادة أنه لا يتفق غالبًا شراء سلعة بما يحدَّد في شرائها من الثمن، ولا بدَّ عند المماكسة فيها من زيادة على ما حَدَّ من الثمن أو نقصان منه.
فأما النقصان منه فلا اعتبار به وإن كثر؛ لأن ذلك أبلغ في الاجتهاد للموكل وأنفع له.
وأما الزيادة الكثيرة فإنه لا يلزم الموكلَ الاستغناء 2 عنها.
وأما الزيادة اليسيرة كمن حد له أربعون دينارًا، فاشترى بأحد وأربعين، فإن ذلك يلزم الموكل للحاجة إلى مثل هذه الزيادة، وأنه لا يستغنى عنه.
فإن وقع الوكيل في زيادة كثيرة لم يلزم ذلك الموكل لكونه خارجًا عما حَدَّ له، وعما هو في حكم ما حد له، وإن زاد زيادة كبيرة كان الموكل بالخيار، إن شاء قبل ذلك منه ورضي به، وإن شاء ألزمَه غرامة الثمن الذي حَدّ له ودفعه إليه.
وأما الزيادة اليسيرة فإنها تلزم الموكل، على حسب ما قلناه، وبيّنا وجهه.
لكن هل يصدق الوكيل في أنه زادها، ويطلب ذمةَ الموكل بها؟ وإن هلكت السلعة التي اشتراها له هل يجري على قولين، وهما: من أمران يُخرج ما في ذمته إلى أمانته، هل يُقبل قوله، في أنه أخرج ذلك إلى أمانة،

حتى يكون مصدقًا في ضياعه، أو لا يصدق في إخراجه من ذمته؟ وسنبسط الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا وكل رجل رجلًا على أن يبيع له أو يشتري، فليس للوكيل أن يوكل غيره، لما قدمناه من كون أملاك المالكين لا يُتصرف فيها إلا على حسب ما أذنوا فيه، وهو إنما أذن لهذا الوكيل بعينه في التصرف في ماله، ورضي بأمانته دون أمانة غيره، فهو متعد إذا خالف ما رَسَم له مالك المال.
فإذا وكله على أن يُسلِم له في طعام، فوكّل الوكيل غيرَه على ذلك، فإنه لا يلزم الموكِّلَ ما فعله الوكيل الثاني، لكونه لم يُلْزَم ما عُقِدَ عليه إلا إذا فعله من أذن له فيه، وهو لم يأذن لوكيل الوكيل.
وذكر ابن حبيب أنه قد قيل: إن الوكيل الثاني إذا اجتهد، وتوثّق، وفعل ما يفعله الأول، فإن الموكل ليس له نقض هذا الفعل.
وهذا لا يصح إلا على اعتبار المفاسد، وأن رب المال قصده تحصيل عقدٍ على طعام بولغ في الاجتهاد فيه، وفي التوثق في عقده.
والمعروف من المذهب ما قدمناه، وأن ذلك لا يلزم الموكِّل الأولَ على الإطلاق.
فإذا قلنا بالمعروف من المذهب، فلا يخلو من أن يكون شعَر بذلك مالك المال، وهو لم يدفع إلى من عُقِد السلمُ عليه، أو أُسلِم إليه وهو قائم العين في يديه، أو أسلم إليه وقد ذهب الثمن من يديه وغاب عليه، أو لم يشعر بذلك إلا بعد أن حل أجل السلم وقبض المسلم فيه.
فإن شعر بذلك قبل أن يدفع الوكيل رأس المال كان رب المال بالخيار بين أن يجيز فعل هذا الوكيل الثاني، ويمضي عقده ويأمره بدفع الثمن، أو يرد عنه ويسترجع الثمن.
وكذلك إذا شعر بهذا بعد دفع الوكيل الثاني الثمن ولم يغب عليه من هو في يديه ممن أسلم إليه.
وأما إن غاب عليه فإنه صار دينًا على الوكيل الأول لتعدّيه ما أُذِن له فيه، فلرب المال، ها هنا، أن يرد فعله، ويطالبه بغرامة المال الذي دفع إليه.
وهل له أن يجيز فعله ويمضيه؟ منع ذلك في الكتاب، ورآه كفسخ دين في دين، لأجل أن هذا الثمن

كمًا 1 تعدّى فيه الوكيلُ الأول صار دينًا عليه لرب المال، له المطالبة به، فإذا عزل 2 عن المطالبة بهذا المال الذي صار له دينًا على الوكيل إلى الرضا بأخذ ما أسلم فيه، فإنه فسخ دينًا وهو رأس المال الذي استحقه على الوكيل المتعدي في طعام يقبضه إلى أجل من ذمة المسلم إليه.
وقيل: ذلك جائز له ولا يكون هذا فسخ دين في دين؛ لأنه لا يكون الثمن دينًا على الوكيل إلا إذا رضي رب المال بإغرامه إياه ولم يرض بإمضاء عقده، فحينئذ يكون دينًا على الوكيل فيمنع من فسخه في دين آخر.
وأما إذا لم يختر تضمين الوكيل، واختار إمضاء ما فعله، فلم يملك دينًا على الوكيل يقدَّر فيه الفسخ، فلا يمنع من الرضا بإمضاء ما فعله؛ لأنه لم يتحقق فسخُ الدين في الدين.
وهذا جَار على أصل تدور عليه فروع كثيرة تذكر في مواضعها، وهو من خُيِّر بين شيئين، وملك أن يملك، هل يُعدّ في اختياره أحد القسمين منتقلًا عن الآخر أم لا؟.
وهل يقدر فيمن ملك أن يملك كأنه استقر ملكه عليه حتى يَصير منتقلًا عنه إلى ما سواه، أم لا؟ يقدر أنه قد استقر ملكه عليه فلا يتصور فيه النقل من وجه إلى وجه؛ وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى 3 وأما إن لم يشعر بذلك حتى حل الأجل، وقُبض المسلم فيه، فإنه يكون بالخيار بين أن يطلب الوكيل برأس المال الذي تعدى فيه، أو يرضى بإمضاء فعله، ويكون الطعام له، ولا يتصور في هذا فسخ دين في دين، ولا يختلف فيه، لكون ما خير فيه قد حضر جميعُه وحل.
وقد قدمنا أن المعروف من المذهب منع الوكيل من أن يوكل غيره، لكن لو صورت المسألة في وكالة رجل مشهور بعلوّ المرتبة، وجلالة المقدار، ويعلم أنه لا يتولى مثل ما وكِّل عليه بنفسه، بل يستنيب فيه، فإنه إذا كان من وكله عالمًا بحالته هذه، فإنه لا يكون متعديًا بوكالة غيره، من غير خلاف؛ لأن الموكل لما علم حاله، وأنه لا يباشر هذه الأمور بنفسه، بل يستنيب فيها، صار

المقصود من وكالته أن يوكل على ما وكل عليه.
لكن لو كان الوكيل مشهورًا بهذا الحال من الجلالة المانعة من كونه مباشرًا لهذه الأمور بنفسه، ولم يعلم بذلك رب المال، فإن هذا مما تردد فيه كلام الشيخ أبي إسحاق، وقال: إن الأشبه ألا يضمن هذا الوكيل؛ لأنه يقول: ليس جهلُ من وكلني بالموجب عليَّ الخروجَ عن عادتي، فإنه 1 غير متعدٍّ بجرياني على عادتي.
ثم أشار إلى أن الوكيل لا يصدّق في أنه لم يعلم حاله لكونه ادعى ما يكذبه فيه العرف غالبًا.
وهذه إشارة إلى التعليل يكون الموكل عالمًا بحال الوكيل ونحن لو صورنا المسألة في علم الموكل بحالته لارتفع الإشكال.

فصل في تعدي الوكيل

إذا خالف الموكَل، فلا تخلو مخالفته له من أربعة أقسام: أحدها: أن يخالف في الجنسية أو في النقدية أو فيهما جميعًا، أو يخالف في العددية خاصة، مثل أن يأمره بأن يبيع له سلعة بدنانير، فباعها بطعام أو عرض، أو يأمره أن يبيعها بدنانير أو عرض نقدًا، فباعها بذلك إلى أجل، أو يأمره أن يبيع بعشرة فباعها بثمانية.
فأما إذا خالفه فيما أمره أن يبيع به من الأجناس، فإن الموكل لا يلزمه ما فعل الوكيل، وسلعته باقية على ملكه؛ لأنه لم يأذن بأن ينقل عن ملكه إلا على صفة شرطها على الوكيل، وإذا فعلها على صفة أخرى لم ينتقل ملك الموكل عنها، وأن شاء الموكِّل أجاز تعدِّيَهُ، وقَبِل الثمن الذي عقد الوكيل به وإن لم يكن تقدم إذنه فيه.
هذا هو الأصل لأن من تعدى له على سلعة، فبيعت بغير إذنه، فإن الخيار في إمضاء ما فعل المتعدي، من بيعها، أو نقض فعله، وإبقاه 1 على ملك نفسه، على حسب ما كانت عليه قبل الوكالة.
وقد ذكر في المدونة: أن من وُكِّل على بيع عرض أو طعام، فباعه بعرض أو طعام، فإن الوكيل ضامن، إلا أن يشاء الموكل أن يجيز فعله ومضيَّه 2، ويأخذ ما عقد به من الثمن.
ولكن أكثر القول في تعقيب هذا الجواب الذي ذكر في المدونة لأجل أنه

ذكر في السؤال أنه وكل على بيع طعام أو عرض فباعه بطعام أو عرض، ثم أجاب عن هذا بأن الوكيل 1 غير بين أن يرد ما فعل الموكِل 2 أو يمضيه، ويأخذ الثمن الذي باع به.
وقد اشتمل السؤال على وكالته على بيع طعام، فباعه بطعام وإذا كان بيعه بطعام لا يلزم الموكلَ لأنه وإن أطلق له الإذن فالعادة البيع بالدنانير والدراهم، فالمخالفة له فيما أطلق من هذا على مقتضى العادة كمخالفته فيما شرطه وأمران يباع به، نُطقًا، كان مشتري هذا الطعام من الوكيل اشترى طعامًا فيه خيار لمالك بطعام يدفعه لوكيله، ولا يجوز فيما من شرط صحة عقده التناجز أن يعقد على خيار.
وهذا يجاب عنه بأن يقال: أما لو علم المشتري بأن الوكيل متعد في هذا البيع وعقده معه على أن لمالك الطعام خيارًا في هذا العقد، إن شاء استرد طعامه من يد المشتري وإن شاء أبقاه له، وأخذ الطعام الن في دفعه المشتري ثمنًا عن طعام هذا الموكل.
فإن هذا العقد فاسد.
لأجل عدم التناجز.
وأن عقده على الخيار مانع من حصول التناجز.
وأمّا إن لم يعلم المشتري بتعدي هذا الوكيل، واعتقد أنه (عقدًا جائزًا له لازمًا) 3، فإن هذا جار على القولين المشهورين في هذا الأصل.
وابن القاسم يمنع هذا، وأشهب يجيزه.
وسبب هذا الاختلاف أن من قدّر أن العقد لم يزل منبرمًا جائزًا لما أجازه الموكل حين علم به، لم يتعقب هذا العقد، ورأى أن إجازة الموكل لفعل الوكيل يتضمن كون الوكيل لم يعقد إلا عقدًا ماضيًا جائزًا.
ومن قدر أن هذا العقد لم يُبرم ويَلزَمْ إلا الآن حين علم الموكل فأجاز، أبطل هذا العقد لأنه لم يحصل فيه التناجز حين عقده، وإنما حصل فيه التناجز حين أمضاه الموكل وأجازه.

وعلى هذا الأصل جرى الاختلاف في نكاح، حكم الولي فيه بالخيار في رده أو إمضائه، فأمضاه بعد أن وطيء الزوج زوجته، ثم زنت، فإن قدّرنا أنه لم يزل ماضيًا حين العقد لمّا أمضاه الولي الآن، كانت الزوجة بالوطء الذي تقدم إجازة الولي محصنة لأن الوطء وقع بعد عقد ماضٍ منبرم.
ومن لم يقدر ذلك، ورأى أنه إنما انعقد وانبرم حين أمضاه الولي، لم تكن بالوطء المتقدم 1 إجازته للولي محصنة؛ لأنه وطءُ "ليس بواقع في نكاح منعقد".
إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر جريانها على هذا الأصل.
فهذا بيان القول فيما تعقب من الجواب الواقع في المدونة في هذه المسألة متى بقيت دلالة ألفاظها على ظواهرها.
وأشار بعضهم إلى حملها على وجه يغني عن هذا الاعتذار، وأجراها على الخلاف، فقال: إن ما ذكر في المدونة في السؤال أنه وكل رجلًا على بيع عرض أو طعام، فباعه الوكيل بعرض أو طعام، فيمكن أن يكون لم يُرد أن البيع وقع بكل واحد من الجنسين المذكررين، في الجواب على أحد الجنسين المذكررين في السؤال، وإنما أراد به باع ما وكل عليه من العروض بطعام أو باع ما وكل عليه من طعام بعرض، فذكر هذا على جهة المقابلة، لكون نوع في الجواب لنوع خلافه وقع في السؤال.
فإذا كان المراد هذا لم يتصور في المسألة تعقب من ناحية بيع الطعام بطعام.
وقد ذكر في رواية الدباغ في المدونة جواب هذا السؤال، وقال: يباع العرض الذي أخذه الوكيل ثمنًا وإن كانت السلعة الموكَّل على بيعها قائمة.
فإن كان ثمن هذا العرض يفي بقيمة العرض الذي وكَّل الموكل على بيعه لم يبق للوكيل والموكل مطالبة، وإن زاد ثمن هذا العرض عن قيمة العرض الموكَّل على بيعه كانت هذه الزيادة للموكِّل؛ لأنها ثمن عرض يعتقد من هو في يديه أنه إنما اشتراه للموكل، وعاوض عنه بمال الموكل، فلا

يكون ربحه له مع تعديه أيضًا، وحرمان المتعدي الأرباحَ والفوائدَ قد يحسم مادة التعدي والغصب.
وقد طرح سحنون هذه الرواية لأجل أن الأصل ما قدمناه من كون المتعدي على سلعة رجل لا يضمنها ويغرم قيمتها مع قيام عينها وكونها لم تتغير في ذاتها ولا سوقها.
ولا معنى لتضمينه مع كون مِلك المالك لم يتغير بوجه من وجوه التغييه.
وقد وقع لابن القاسم في المستخرجة فيمن تعدى على طعام فباعه بعرض إلى أجل، أن هذا العرض الموكَّل لا يباع، فيأخذ صاحب الطعام ربحه.
وقال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إنما قال هذا لما كان الطعام مضمونًا بمثله، وما كان مضمونًا بمثله فعينه كالموجودة وإن ذهبت، لكون مثله يسد مسده وينوب منابه، وقدر الطعام ها هنا كالعين إذا تعدى فيه.
وذكر في كتاب ابن المواز، فيمن أودع دراهم فصارفها لربها بدنانير، فذكر أن الدنانير تباع ويشترى بها مثل الدراهم المودعة، فإن كان في الدنانير فضل كان ذلك لربها الذي أودعها، وإن قصرت الدنانير عن الدراهم غرم المودَع ما نقص من الدراهم.
وهذا أيضًا لأجل اعتقاد المودع أن الدنانير إنما صرفها لتكون ملكًا لرب الدراهم فلا يستبد بربح ما ليس بملكه، ولا يعطى ربحًا ولا فائدة مع تعديه، على حسب ما قدمناه.
وقد تعقب هذا بأنه إذا كان ممنوعًا من أخذ الدنانير التي صرفها المودع فكيف أبيح له ربحها؟ وكيف يسوغ له أخذ ربح ما يحرم عليه أخذ عينه؛ وهذا التعقب إنما ينبني على أحد القولين، وهو منع رب الدراهم المودعة إجازة صرفها له، وقد ذكرنا الخلافَ في هذا الأصل.
وسببَ الخلاف فيه.
على أنه يمكن أن يكون العذر عن هذا التعقب كونَ التحريم ليس بواضح، لأجل اختلاف أهل المذهب فيه، مع كون سبب التحريم على أحد القولين، الاحتياطَ من إمضاء عقد فضة بذهب لم يحصل فيه التناجز.
فإذا عُدِل برب المال عن قبض الدنانير التي صرفها المودَع له، وبيعت، ورد إليه رأس ماله

وهي الدراهم، فإنه لم يحصل في يديه عوض وقع فيه صرف مستأخر، وإنما أعطي ما زاد على رأس ماله لئلا يربح المتعدي، وقد بيّنا وجه منعه من الربح فيما تعدي فيه.
وقد قيل: إن قوله فيمن دفع إلى وكيلٍ دراهم ليُسْلمها له في سلعة، فصرفها بدنانير، ثم أسلم الدنانير، وكان فعله في الصرف مما لم يؤذن له فيه، لكونه غيرَ محتاج إليه، أنه إذا قبض المسلمَ فيه كان لرب رأس المال أن يقبض المسلم فيه.
وإن كان ممنوعًا من إجازة ما فعله الوكيل من الصرف له، لمنع من أخذ عوضه وهو المسلم فيه؛ لأنه إذا أسقط حقه في العوض عنه فكيف يقدّر أنه لا يباح له ملك شيء ويباح له ملك العوض عن ذلك الشيء؛ وهذا لا يصح فيه ما وقع من هذا الجواب إلا بعد أن يكون يباح له أخذ ما صرف له.
وهذا العذر عنه ما قدمناه من صرف الدراهم المودعة لربها من غير إذنه، والذي ذكرناه من رواية الدباغ من بيع العرض الذي باع به الوكيل، وأخذ الموكل ثمنه في القيمة التي وجبت له على الوكيل بتعديه.
وقد ذكره ابن المواز في كتابه وذهب إلى أن العرض الذي باع به الوكيل يباع به ليقضي ثمنه في قيمة العرض الذي تعدى الوكيل في بيعه بما لم يؤمر به، فإن كان ربح كان للموكل، وإن كانت خسارة ونقصٌ من القيمة كان ذلك على الوكيل، ورأى أن هذا هو الحكم.
وإن كانت سلعة الموكل قائمة بيد مشتريها لم تفت ولم تتغير في ذاتها ولا في سوقها فهذا الذي ذكرنا أن سحنونا أمر بطرحه في أكثر الروايات عنه، لخروجه عن الأصول هو الذي ذهب إليه ابن المواز.
وقد نص غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة على أن الوكيل لا يضمن مع قيام الطعام الذي وكل على بيعه فباعه بغير ما أذن له فيه.
ولما رأى بعض الأشياخ أن هذا الذي ذهب إليه غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة.
والذي اختاره سحنون، وأمر بطرح ما سواه، هو البخاري على الأصل، اعتذر عما وقع من القول الآخر من تضمين الوكيل وإن كانت السلعة التي باعها قائمة لم تتغير في سوقها ولا بدنها، فإن هذه الرواية محمولة على أن المشتري نازع في كون هذه

السلعة المبيعة للموكل، وزعم أن الوكيل مدع لها، وأنها للوكيل الذي باعها.
والحكم في هذا ألا يصدق الموكل أنها له إلا بإثبات، فإذا لم يمكنه الإثبات، ومنعه المشتري من استرجاعها، فقد صار الوكيل أفاتها عليه لتعديه، فلزمه قيمتها لفوتها.
وهذا التأويل إن صح حمل الرواية عليه وأن قصد من ذهب إلى هذا المذهب كون المسألة مبنية على أن الوكيل أتلفها على ربها، فإنه لا يختلف في تضمين الوكيل.
ولا يكون المذهب في هذا إلا على قول واحد، وهو سقوط تضمين الوكيل مع كون السلعة التي تعدى عليها قائمة لم تفت ولم تتغير.
هذا حكم تعدّيه في مخالفة الجنس فيما أمران يبيعه.
وأما ما أمران يشتريه فخالف في جنس الثمن، فإنه ذكر في المدونة أنه إذا أمره أن يشتري له سلعة فاشتراها بغير العين، من عرض أو مكيل أو موزون، فإن الموكل لا يلزمه ما عقد عليه من هذا، لكون الوكيل عقد عليه بخلاف ما أذن له فيه.
لكن للموكل أن يجيز فعله، أو يضمّنه 1 ويدفع إليه مثل ما أداه من الثمن.
وهذا ظاهره أن الموكل إذا أجاز فعله يعطيه مثل ما أدى من الثمن ولو كان عرضًا لا يكال ولا يوزن؛ لأنه ذكر في السؤال أنه خالف فاشترى بعرض أو بمكيل أو موزون.
فأجاب عن السؤال بقوله: إذا أجاز فعله دفع إليه مثل ما دفع ثمنًا.
ولم يفرق بين دفع الوكيل لعرض أو لمكيل أو موزون.
وقد ذكر في الأسدية عن ابن القاسم أنه إذا أجاز فعله، وقد دفع عرضًا، فإنما يدفع إليه قيمة العرض.
وقد ذكر في المدونة في كفيل صالَحَ عن دنانير بعرض، أن الذي عليه الدين إذا أجاز فعله فإنه يعطيه قيمة العرض.
وقد تردد بعض الأشياخ في هذا هل يتخرج من هذا الجواب كون الموكل

إنما تلزمه قيمة العرض الذي أداه الوكيل ثمنًا أم لا؛ وهذا التردد لأجل أن الموكل أمره أن يشتري له ويسلفه عينًا فاشترى له وأسلفه عرضًا.
فإذا أجاز فعله لزمه مثل العرض كما يلزم في السلف ردّ مثل العرض، وأجراها في السلف مجرى المكيل والموزون.
وأما الكفيل فإنه إذا صالح بغير علم مَن عليه الدين فإنه يقدر كبائع للعرض الذي دفعه عوضًا عن الدين وكأنه اشترى الدين به وإذا كان بائعًا لم يلزم من عليه الدين إلا قيمة العرض.
وقد يقدر أن العروض يقضى فيها في السلف بالمثل وفي التعدي والاستهلاك بالقيمة.
ووقع هذا الاختلاف في وكيل تعدى فاشترى بها، هل يقضى له بمثلها أو بقيمتها إذا أجاز فعله من وكله؛ وهذا ينبني على الاختلاف في المترقبات، فإن قلنا: إن الموكل إذا أجاز ما خُيِّر فيه لَمّا علم بتعدي الوكيل فإنه يقدر أنه لم يُلزَم جائزًا ولم يقع العقد إلا على إجازة الموكل ورضاه، فإنه يقضى ها هنا للموكل بمثل عرضه لأنه تحقق فيه أنه دفعه، وعقد عليه بإذن الموكل له في عقده به سلفًا له.
وإن قلنا: إنه إذا أجاز ما خُيِّر فيه، وما يترقب فيه أن يجيزه أو يردّه، فإنه إنما يقدر انبرام العقد وإجازته حين وقعت الإجازة منه، صار العرض المدفوع حين العقد.
لم يدفع عن إذن الموكل ولا رضاه، بأن يكون سلفًا عِنْدَهُ، فيكون لدافعه قيمته لا مثله.
ولو كان تعدي الوكيل في الجنسية في بيعه نسيئة، كمن يدفع إليه ذهبًا ليسلمه في ثوب فأسلمه في بساط.
فإنه لا يخلو هذا من أن يكون الموكل علم بمخالفة الوكيل له، ودنانيره بعينها قائمة في يد المسلم إليه، أو ليست بقائمة ولا معلومة العين.
فأما إن كانت قائمة بعينها، وثبت ذلك بالبينة، أو على إقرار الوكيل عند دفعها، بأنها للموكل، فإن من حق مالكها أن يسترجعها من يد المسلم إليه.
وقد ذكر في المدونة أنه لا طلب للموكل على المسلم إليه.
وهذا إنما يصح على أن الدنانير لم يثبت كونها هي عين ما دفعه الموكل، فإذا لم يثبت ذلك للموكل صارت في معْنَى ما فات عينه.
فإذا فات عين الدنانير لم يكن للموكل رجوع بها على المسلم إليه، وإنما يرجع بذلك على الوكيل الذي تعدى فيها عليه.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل