شرح التلقينصفحات 878-917
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 878-917

أبوال الأنعام طاهرة وقد صلّى عليه الصلاة والسلام إلى بعيره.
وقال مالك لا يصلي إلى الخيل والحمير فإن أبوالها نجسة، وأبوال الإبل والبقر والغنم طاهرة.
قال ابن القاسم كأنه لا يرى بأسًا بالسترة إلى البقرة والشاة.
ويكره أن يصلي إلى الحجر الواحد ولا بأس بالحجارة يكومها ويصلي إليها.
ولا يصلي إلى ظهر امرأة وإن كانت امرأته.
واختار بعض أشياخي إذا صلى إلى مثل الرمح والحَرْبة أن يجعله على جانبه الأيمن لقوله عليه الصلاة والسلام إذا قام أحدكم إلى عمود أو خشبة فلا يجعله نصب عينيه ولكن على جانبه الأيمن 1. وقال المقداد ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عمود أو عود أو شجرة إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر، لا يصمُده صمدًا 2. ولا يكون الخط عندنا سترة.
قال مالك: الخط باطل لا أعرفه.
وذهب بعض الناس إلى جوازه.
واختلفوا في صفته قال ابن حنبل يخط عرضًا.
وقال مسدد يخط طولًا.
قال ابن أبي زيد صورة الخط عند من يذهب إليه أن يخط خطًا من القبلة إلى الدبور عوضًا من السترة.
ويؤمر المصلي بالدنوّ من سترته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن إلى سترته.
فإن الشيطان يمر بينه وبينها 3. قال مالك ليس من الصواب أن يصلي بينه وبين سترته قدر صفين.
واختلف في القدر الذي يكون بين المصلي وبين 4 سترته.
فقيل قدر شبر، وكان الشيخ أبو الطيب عبد المنعم إذا قام للصلاة دنا من الجدار قدر الشبر.
وقيل قدر ثلاثة أذرع.
وقال الداودي ذلك واسع.
أكثره ثلاثة أذرع وأقله ممر شاة.
واختلفت ظواهر الأحاديث فقال سهل بن سعد كان بين مصلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار قدر ممر الشاة 5 وقدر ذلك شبر.
وقال بلال رضي الله عنه: صلّى عليه الصلاة والسلام في الكعبة وجعل بينه

وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع 1. وقد قيل معنى ممر الشاة إذا كان ساجدًا وثلاثة أذرع إذا كان قائمًا.
ولو كان قدر ممر الشاة وهو قائم لاحتاج إلى أن يتأخر للسجود وذلك عمل في الصلاة مستغنى عنه.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما المصلي الذي لا يأمن المرور بين يديه فإنه مأمور بالسترة.
واختلف فيه إذا أمن من المرور بين يديه.
فقال مالك لا بأس أن يصلي في السفر لغير سترة.
وقد صلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الفضاء.
وقال ابن القاسم في الحضر إذا أمن أن يمر بين يديه فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة.
وحكى ابن حبيب عن مالك 2 أنه قال: لا يصلي المصلي إلا إلى السترة في حضر أو سفر.
أمن أن يمر بين يديه مارّ أو لم يأمن.
وكأنه رأى أن السترة من سنة الصلاة لا لأجل المار خاصة.
والسترة إنما يؤمر بها الإِمام أو الفذ.
وأما المأموم فلا سترة عليه.
وقد اختلف في وجه سقوط السترة عن المأمومين فقال مالك لا بأس أن يمر الرجل بين يدي الصفوف لأن الإِمام سترة لهم.
وقال القاضي أبو محمَّد لأن سترة الإِمام سترة له ولمن خلفه.
وهكذا قال البخاري أن سترة الإِمام سترة لمن خلفه 3. ومن صلّى في مكان مشرف فقد قال مالك إن كان تغيب عنه رؤوس الناس وإلا جعل سترة.
والسترة أحب إلى إلا أن لا يجد.
وإذا سقطت السترة فقد قال مالك إذا استتر الإِمام برمح فسقط فليقمه إذا كان ذلك خفيفأوإن شغله فليدعْه.
وأما التأثيم في المرور بين يدي المصلي فقال ابن حبيب بلغني عن بعض التابعين أنه من مر بين يدي من صلّى إلى غير سترة فإثم ذلك على المارّ.
قال بعضهم إنما نُهي أن يمرّ بين يدي من صلى إلى سترة.
واعلم أن التأثيم قد يتعلق

بالمارّ والمصلي وقد يسقط عنهما وقد يسقط عن المصلي دون المارّ أو المارّ دون المصلي.
فإن صلى إلى غير سترة في موضع يغلب على ظنه المرور بين يديه أثم المصلي لما تعرض إليه.
والمارّ لارتكابه المحظور.
هكذا قال بعض المتأخرين.
وقال بعضهم إن لم تكن للمارّ مندوحة عن السير بين يديه وكان صبره إلى أن يفرغ المصلي يشق عليه لم يكن على المار إثم وانفرد المصلي به.
وأما سقوطه عنهما فبان يصلي إلى موضع يأمن المرور فيه فطرأ من اضطر إلى الجواز بين يديه وكان الصبر يشق عليه فها هنا يسقط الإثم عنهما.
أما المصلي فلأنه لم يتعرض وأما المارّ فللضرورة.
وأما سقوطه عن المصلي دون المارّ فبأن يصلي إلى سترة فإن المار ينفرد بالإثم لتعديه دون المصلي فإنه فعل ما يؤمر به، وبأن يصلي إلى غير سترة بموضع يأمن المرور فيطرأ عليه من يمرّ بين يديه ولا ضرورة به للمرور وله عنه مندوحة.
وأما سقوطه عن المارّ دون المصلي فبأن يصلي إلى غير سترة في موضع لا يأمن المرور، وبالمارّ ضرورة إلى المرور لا يمكنه معها الصبر إلى أن يفرغ.
ويُنهي المصلي عن أن يناول غيره شيئًا وكذلك يُنهى من على يمينه أن يناول من على شماله شيئًا.
ومرور سائر الأشياء بين يدي المصلي كمرور الإنسان.
وكره مالك أن يحدّث من على يمينه من على شماله.
قال وحسن أن يتأخر عنهما.
وكأنه رأى أن في المحادثة إشغالًا له كما في المرور، فلهذا نهى عنها.
وقد تقدم الكلام على ما افتتح القاضي أبو محمَّد به في هذا الفصل من مقام المصلي وحده خلف الصفوف فيما سلف من كتابنا هذا ووسعنا القول فيه وفي فروعه بما أغنى عن إعادة الكلام عليه على هذا المقدار ها هنا.

باب في قصر الصلاة في السفر

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: القصر في الصلاة الرباعية أن المغرب لا تتنضّف.
والفجر لو قصرت لكانت ركعة وذلك ممنوع.
وأداؤها على صفة أداء 1 التامة إلا في الإتمام.

قال الإمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما معني قوله لأن المغرب لا تتنصف؟.
2 - وما معنى استحالة الفجر إلى ركعة؟.
3 - وما معنى قوله على صفة أداء التامة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما قوله لأن المغرب لا تنصف فلأن التنصف إنما يكون في عدد الزوج.
وأما عدد الفرد فإنه لا ينتصف إلا بتبعيض الواحد.
ولم يقم دليل على جواز تبعيض الركعة الواحدة فتنصف.
كيف وقد أشعر الشرع بأنها في حكم الجزء الواحد وإن كانت ذات أفعال مختلفة.
فالجزء الواحد لا يصح تنصفه.
وقد جاء الشرع يكون العبد على النصف من الحرّ في أحكام شتّى.
ولما نُصف طلاق العبد جعل طلقتان لما لم يمكن تنصف الطلقة الواحدة.
وكذلك عدة الأمة قَرْءان لما لم يمكن 2 أن تنصف.
ولو جعلت المغرب ركعتان وأكمل (2) الواحدة المنكسرة لزادت على الشطر في الحقيقة 3 وخرجت عن حد التخفيف المراد.
وبالجملة فإن هذا مما لا يلزم

تعليله.
والاتفاق عليه يغني عن بسط القول فيه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما رده صلاة الفجر إلى ركعة فإن ذلك لا يستحيل عقلًا.
كيف وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة في الخوف ترد إلى ركعة واحدة ولكن قد تقرر الإجماع أن الصلاة في حال الأمن لا يقتصر فيها على ركعة واحدة.
وإلى هذا أشار القاضي أبو محمَّد بقوله: وذلك ممنوع.
وكأن الصبح خففت عن الصلاة الرباعية والسفر جاء بالتخفيف والحذف من العدد.
والتخفيف والحذف إذا دخل الأصل روعي أعلى مبالغه، وأعلى مبالغ الصلاة الرباعية.
فإذا شُطرت صارت كالثنائية الأصحلية من الفروض.
وصار التخفيف في العدد متناسبًا، وإن كان في الصبح أصليًا وفي الرباعية طارئًا.
وقد أشارت عائشة رضي الله عنها إلى طريقة أخرى فقالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين فلما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة صلّى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب فإنها وتر وإلاصلاة الصبح لطول قراءتها 1.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما قوله وأداؤها على صفة أداء التامة إلا في الإتمام.
فإن التغيير دخل الصلاة في الشرع على ضروب شتّى فغيرت من القيام إلى الجلوس.
ومن الركوع والسجود إلى الإيماء إليهما عند المرض.
وغير حكم القبلة في التنفل على الدابة في السفر، وغيرت الهيئة في صلاة الخوف دون العدد.
فلما اختلف التغيير هكذا أخبر القاضي أبو محمَّد أن التعْيير لم يدخل في هذه الصلاة إلا في حذف العدد خاصة دون ما سواه من قيام وركوع وسجود واستقبال القبلة ومراعاة ترتيب وهيئة.
والتخفيف إذا جاء الشرع به في جهة واحدة فليس لنا أن نجعله في جهات غيرها إلا بدليل.
ومع هذا فقد أشار مالك إلى أن السفر يؤثر في إجازة تخفيف القراءة فيما الأفضل فيه الإطالة.
قال في المدونة: في صلاة الصبح واسع أن يقرأ فيها بسبح ونحوها في السفر.
والأكرياء يُعْجِلون في صلاة الناس.
وكذلك قال أيضًا في المدونة في صلاة المغرب: وأما المسافر فلا بأس أن يُمِدّ الميل ونحوه ثم ينزل ويصلي.

إشارة إلى أن للسفر تاثيرًا في إزاحتها عن وقتها المعتاد قليلًا.
وقد كنا قدمنا الكلام في جمع الصلاتين في السفر، وإزاحتهما عن وقتيهما المختارين لهما، وإزاحة إحداهما.
وذلك مما أثره السفر.
ولكن القاضي أبا محمَّد لم يردْ هذا، لأن الجمع بين الصلاتين في معنى الرخص، وكذلك ما ذكرناه في مسألة المدونة كأنه لا حق بهذا الأسلوب.
وهو إنما تعرض إلى الكلام على نفس أدائها لا على الرخصة الداخلة في أوقاتها، لأن ذلك أمر قد بينه عند كلامه على الأوقات.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وحَدُّ صلاة السفر 1 ثمانية وأربعون ميلًا وفي البحر يوم تام وليلة.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على اعتبار ما قال من المسافة؟.
2 - وكيف تفسر هذه المسافة إن اختلفت جهات التصرف؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في مقدار السفر المبيح للقصر.
فمذهبنا ومذهب الشافعي أنه أربعة بُرُد.
قال مالك يقصر في مسيرة يومين.
وقال أيضًا يوم وليلة.
قال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق عن بعض الأشياخ أن المراد يوم وليلة يُسار فيهما.
وإذا كان هذا هكذا كما قاله بعض الأشياخ فالقولان يرجعان إلى معنى واحد.
لأن يومًا وليلة كيومين بلا ليل.
وإن كان الزمان يختلف حتى يصير اليومان أقصر من يوم وليلة فإن المراد زمن يعتدل فيه ذلك أو يختلف اختلافًا لا يتحسس إليه في المسير.
وقال مالك أيضًا يقصر في ثمانية وأربعين ميلًا.
وهذا أيضًا موافق لما تقدم إن كان أراد بمسير اليومين مشي الإبل بالأحمال لأن سيرها متوسط أربعة وعشرين ميلًا كل يوم.
وهكذا حكى القاضي أبو محمَّد عن بعض أصحابنا أن اليوم والليلة والأربعة بُرُد واحد.
ومعنى قول ابن القاسم رجع عنه أن يترك 2 التحديد باليوم والليلة.
وقال مالك أيضًا رضي

الله عنه في العتبية يقصر في خمسة وأربعين ميلًا.
وقال في المبسوط يقصر في أربعين ميلًا.
وقال في المبسوط أيضًا في مسافر البحر لا يقصر حتى ينوي اليوم التام لأن الأميال والبُرُد لا تُعرف في البحر.
وهذا الذي قاله في البحر كانه مخالف لما تقدم من التقدير.
وقد اعتذر ها هنا بان الأميال لا تعرف في البحر.
وهذا الاعتذار لا يخرج هذه الرواية عن مخالفة ما تقدم.
لأن اليومين أو اليوم والليلة لا يختلف قدرهما في سفر البر أو البحر.
ولو كان مراده بقوله فيما تقدم يومًا وليلة أن اليوم يسار فيه دون الليل لكان موافقًا لهذا الذي حكيناه عن المبسوط في تحديد سفر البحر باليوم التام.
وقد قال الشيخ أبو محمَّد عبد الحق: قال بعض شيوخنا إنما قال في البحر يوم دون الليل لأن قطعه في البحر أكثر من قطعه في سير البر، قلت فلعل معنى قولهم في البر يوم وليلة إنما هو ليوم يبات فيه فعبر عنه بيوم وليلة فقال بل المعنى: يوم وليلة سيرًا.
وهذا الاعتذار من بعض الأشياخ لسرعة حركة السفينة في البحر.
وأنها تقطع في اليوم قطع سفر البر في يومين، يتضح معه تفرقته بين سفر البر والبحر.
وبما قلناه من اعتبار مسيرة يومين، وهي ستة عشر فرسخًا.
قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما.
وقال أبو حنيفة المعتبر في سفر القصر ثلاثة أيام وهي أربعة وعشرون فرسخًا.
وبه قال ابن جبير والثوري والنخعي.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وقال الأوزاعي يقصر في مسيرة يوم.
وروي ذلك عن أنس أيضًا أنه يقصر في خمسة فراسخ.
وقال الزهري يقصر في يوم تام وهو ثلاثون ميلًا.
وروي ذلك عن ابن عمر 1. وقال داود وأهل الظاهر يقصر في طويل السفر وقصيره.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف ظواهر منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 2. وظاهر هذا يحيى القصر في قليل السفر وكثيره.
كما قال داود وقال عليه السلام: لا تسافر المرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم 3. فاشعر هذا: أن هذا المقدار من الزمان سفر تتغير فيه

الأحوال.
وما دونه في حكم الإقامة.
وأيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة بُرُد من مكة إلى عُسْفان 1. ولأن مشقة الحمل والترحال والسير الذي يحصل مقدار يومين فجعل ذلك حدًا للقصر.
فاقتضت هذه الظواهر ما قال مالك والشافعي وخصت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ على أن الضرب في الأرض فيه إشعار سفر مالًا ولا يقتضي أقل الضرب وأقصره.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن 2. وهذا يقتضي مسح المسافر هذه المدة.
ولا يمكن ذلك إلا إذا قدّر السفر بثلاثة أيام.
وبقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها 3. وهذا يشعر بتحديد الثلاثة أيام على حسب ما قلناه نحن في الحديث المروي فيه النهي عن سفرها يومًا وليلة.
وبهذه الظواهر أخذ أبو حنيفة.
وأما ما أضربنا عن توجيهه من الأقوال فمأخوذ من هذا الإسلوب لأن المفهوم أن القصر لأجل المشقة فكل من أولئك 4 يُقدّر المشقة بالتقدير الذي حكينا عنه.
وإذا ثبت ما قلناه بن اعتبار القصر بأربعة برد.
فمن قصر في أقل منها فقال ابن القاسم في العتبية إنْ قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه.
وقال يحيى بن عمر يعيد أبدًا.
وقال عبد الله بن عبد الحكم يعيد في الوقت.
وإن قصر في أقل منها فقد قال ابن القاسم من قصر دون ذلك أعاد أبدًا.
لأنه غير مسافر ولم يعتبر اختلاف الناس في ذلك.
وكان ما دون ذلك يتضح أن معاني السفر مفقودة 5 فيه فلم يتعلق به حكم السفر.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: المعتبر عندنا في مقدار السفر أن تكون الأربعة برد سيرًا محضًا ولا تلفق من سير ورجوع.
فمن خرج لسفر نهايته = معها محرم.
فتح الباري ج 1 ص 222.

أربعة وعشرون ميلًا ونيته أن يعود من فوره 1 إلى وطنه لم يقصر.
وقد سئل في المدونة عن السعاة.
فقال ما أدري ما السعاة؟ وذكر أن مغ يدور في القرى وفي دورانه أربعة برد يقصر.
وإنما امتنع عن الجواب في السعاة لأنهم قد يخرجون لأخذ الزكاة على غير وجهها فيكون سفرهم سفر معصية.
وسفر المعصية لا يقصر فيه على أحد القولين.
فلما في سفرهم من التفصيل عدل عنه إلى ذكر ما لاتفصيل فيه.
وهذا الذي ذكره في الدائر في القرى، وليس بين منزله وأقصاها أربعة برد، محمول على أنه يلفق الأربعة برد من تطواف لا يَعُد منه ما كان 2 رجوعًا إلى البلد.
فإذا ضرب يمينًا وأمامًا وشمالًا احتسب ذلك كله.
فإذا استدبر وجهته راجعًا في طريق بلده قاصدًا الرجوع إليها لم يحتسب بذلك في الأربعة برد.
ولو كان سير المسافر في بر وبحر فقد قال عبد الملك من توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه باتصال البر مع البحر ما يقصر قصر.
قال ابن المواز وإن كان ليس بينه وبين البحر ما يقصر فيه، وهو يجري في البحر بالريح وغير الريح فإنه يقصر.
فإن كان لا يجري في البحر إلا بريح فلا يقصر حتى يبرز عن موضع إقلاعه.
ولو كان في سفره طريقان أحدهما لا يبلغ مسافة القصر والآخر يبلغها، فان سلك الطريق الأقصر لم يقصر لقصورها عن مسافة القصر.
وإن سلك الطريق الأبعد، فان كان لغرض فيها كالأمن أو السهولة أو حاجة لا بد منها فإنه يقصر.
وإن كان لغير غرض ففي السليمانية لا ينبغي له أن يقصر.
لأن تركه القاصرة وأخذه بغيرها لغير معنى عبث.
ومن كان عابثًا لا يقصر.
وهو أحد قولي الشافعية.
والقول الثاني عندهم القصر.
وبه قال أبو حنيفة.
فوجه منع القصر ما علل به في السليمانية.
قال بعض أصحاب الشافعي قياسًا على ما لو مشى في الطريق يمينًا وشمالًا حتى طال سفره.
قال ووجه القول الآخر أنه سفر مباح، فجاز فيه القصر، كما لو سلك هذا الطريق لغرض.
قالت طائفة منهم هذا ليس بصحيح لأنا لا نسلم أنه السفر المباح.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال إن الله سبحانه وتعالى يبغض المشائين من غير إرب.
يعني من غير حاجة.

ويراعى مقدار السفر من حيث يخاطب بالصلاة.
ففي السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقلشانه أنه يتم.
قال لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه.
وإذا وجب عليه الإتمام من قلشانه فطرد هذا يقتضي أن يراعي مقدار السفر من حين البلوغ، في حق من بلغ في أثناء السفر.
وكذلك يراعى في حق المجنون إذا عقل في أثناء السفر.
قال بعض أشياخي في طهر الحائض في أثناء السفر نظر وعندي أنه لا يتضح فرق بينهما وبين ما تقدم لأنها غير مخاطبة بالصلاة أيام حيضتها إجماعًا، والكافر مخاطب بالصلاة وبغيرها من فروع الشريعة بشرط تقدمة الإيمان عند جماعة من أهل الأصول.
وإذا لم يعتبر ما مضى من سفره مع الاختلاف في خطابه فالحائض أولى بذلك لكونها لم يختلف في سقوط الخطاب عنها إلا أن يقال إن الحائض كانت قبل حيضتها مخاطبة بالصلاة وإنما ارتفع الخطاب عنها لمانع والمانع يتوقع ارتفاعه في كل جزء من أجزاء السفر فخالفت بهذا من ذكر معها فهذا مما ينظر فيه.
ومن شرط مقدار السفر أن يكون معزومًا عليه لا مترددًا فيه فمن خرج لبيع سلعة وهو شاك في مقدار مسافة بيعها فإنه لا يقصر الصلاة لأن الأصل الإتمام والقصر طارئ فلا يصار إليه إلا بعد تحقق السبب المبيح له.
وكذلك قال مالك في المدونة فيمن خرج في طلب آبق أو حاجة فقيل له بين يديك على بريدين فمشى كذلك أيامًا ولا يدري غاية سفره فليتم في سيره ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر.
وقال مالك في المدونة فيمن واعد قومًا للسفر يمر بهم، وبينه وبين موضعهم ما لا تقصرُ فيه الصلاة في مثله أو تقدمهم حتى يلحقوه فإن كان عازمًا على السفر خرج القوم أم لا فليقصر إذا برز عن قريته.
وإن كان لا يخرج إلا بخروجهم فليتم حتى يبرز عن موضعهم أو عن الموضع الذي يلحقونه فيه.
واختلف 1 قول مالك فيمن خرج من الفسطاط إلى بئر عميرة يقيم به اليومين كما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس فقال أحب إلى أن يتموا إذا كان الاكرياء يحبسون الناس.
وقال أيضًا يقصرون.
وقال يحيي ولم ير

ذلك إلا في الأمير يخرج على الميلين ويقيم حتى يجتمع بقية جيشه بل قال يتم، فقال بعض المتأخرين إنما ذلك لأجل أن الأمير هو مختار للإقامة لأن السفر بحكمه.
والخارج إلى بئر عميرة غير مختار للإقامة بل قاصد للسفر والغالب لحاق سائر الناس به فكان له القصر وأنكر بعضهم هذا الفرق وقال يطرد الاختلاف في السؤالين.
واستضعف الفرق لأجل كون المسير للأمير يقتضي القصر لأن عزمه لا أحد يثنيه بخلاف الخارج لبئر عميرة.
وليس من شرط مقدار السفر أن يكون سيرًا متصلًا.
وقد قال مالك فيمن سافر من مصر إلى مكة يسير يومًا ويقيم يومًا أنه يقصر في سيره وإقامته.
ولم ير تخليل ما دون زمان الإقامة مانعًا من تلفيق السير بعضه إلى بعض.
فلو كان يقيم يومين أو ثلاثًا لقصر أيضًا، وكان حكم الإِمام حكمًا واحدًا.
ولو كان يقيم أربعة أيام لأتم فيها.
وأما السير الذي قبلها فإن كان فيه ما تقصر الصلاة فيه قصَرَ.
وإن كان لا تقصُر الصلاة فيه فاختلف في تلفيق بعضه إلى بعض.
وسنعيد الكلام عليه إن شاء الله تعَالى.
فقد وقع بين المتأخرين تنازع فيمن خرج في طلب آبق لا يعلَم موضعه فأتم في سفره فحكمه أن يقصر في رجوعه إذا كان قد بلغ أربعة برد على ما قاله مالك في المدونة.
لو كان لما بلغ أربعة برد فقيل له إن الآبق على بريد بين يديك أو عن يمينك أو عن يسارك فعزم على البلوغ إلى الموضع المشار إليه وينقلب منه إلى منزله على كل حال.
هل يضاف هذا البريد إلى حكم ما قبله، فيتم فيه الصلاة ويكون مبدأ القصر من حيث رجوعه لأجل أنه في البريد المزيد سائر وفي انقلابه راجع، فلا يضم سير إلى انقلاب أو يقصر صلاته في هذا البريد ويضاف إلى انقلابه لأنه في حكم الراجع.
وإن كان طالبًا فيه لحاجته.
ويكون ذلك كما لو آثر الرجوع من حيث بلغ الأربعة برد على هذه الطريقة المشتملة على هذا البريد لسهولتها.
أو كمن خرج مسافرًا 1 ضاربًا في جهة قبلة بلدته، فعرض له بعد خروجه حاجة في دبرها على بريد فعزم على سيره وانعطافه إلى طريقه الأولى 2 من غير رجوع إلى بلده فإنه يقصرُ في هذا البريد فكذلك حكم

البريد الزائد على الأربعة في مسألتنا 1.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والأظهر من المذهب أن القصر سنّة والإتمام مكروه.
فإن كان خلف مقيم فليتبعه وإن كان خلف مسافر فاتم فلا يتبعه.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - هل القصر سنّة أو فرض؟.
2 - وما حكم صلاة المسافر خلف المقيم؟.
3 - وما حكم المسافر إذا دخل على عدد ففعل خلافه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اضطرب المذهب في حكم القصر فروى أشهب عن مالك أنه فرض.
وبه قال إسماعيل القاضي وابن سحنون ومال ابن المواز إليه.
وقال ابن سحنون في كتابه قال مالك ومن قال بقوله: فرض الصلاة في السفر ركعتان.
فمن صلاها أربعًا أعاد الصلاة ولم يُعزم عليه لقول مالك وأصحابه: إن المتم في السفر يعيد في الوقت.
قال القاضي أبو محمَّد: جماعة من البغداديين يرون القصر فرضًا ووافق أبو حنيفة هذه الرواية عن مالك.
وذهب إلى أن القصر فرض.
وروي عن مالك في المبسوط أن القصر سنّة.
قال القاضي أبو محمَّد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن فرض المسافر التخيير إلا أن القصر أفضل وهو سنة.
وقاله ابن وهب عن مالك.
قال ابن القصار قال الأبهري وغيره: هو مخيّر والقصر أفضل.
وحكى أبو جعفر الأبهري أن أبا بكر الأبهري يقول هو غير بين القصر والإتمام.
وقال الشافعي هو غير بين القصر والإتمام.
واختلف قول مالك في أيهما أفضل، وذكر أبو الوليد أن أصحابنا اختلفوا في القصر هل هو واجب أو مندوب إليه أو مباح؟ وما أضافه إلى المذهب من الإباحة لا يكاد يوجد لاتفاق المذهب على أن القصر مأمور به إما إيجابًا وإما ندبًا.
إلا أن يكون أبو الوليد تعلق بما نقل عن الأبهري من التخيير

من غير تقييد بالأفضل.
فانه قد حُكي لنا عنه أنه قد قتد في بعض ما نقلناه عنه.
فأما من قال إنه فرض فإنه يحتج بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: إن الله تعالى فرض للحاضر أربعًا وفرض للمسافر ركعتين 1. وأجيب عنه بأن معناه: فرضه ذلك إذا اختار.
لقول عائشة رضي الله عنها: فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في الحضر فزيدت في صلاة الحضر وأقرت في صلاة السفر 2. وأجيب عن هذا بأن المراد بأنها أقرت في السفر في حق في اختار القصر.
وأنكر أبو المعالي هذا الخبر وقال من زعم أن صلاة الإقامة كانت ركعتين ركعتين ثم زيد فيها فقد جحد الضرورة والبديهة.
فإنا نعلم بالتواتر والنقل المستفيض أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر في الحضر أربع ركعات كما نعلم أنه كان يركع في كل ركعة ركوعًا.
ومن أبدى في هذا المراء طرق القدح إلى نقل التواتر.
فالأولى تضعيف الرواية أو نسبة رواتها إلى الوهم.
وهذا الذي قاله طريقة انفرد بها.
والحديث أشهر من أن ينكر.
والصلوات وإن كانت مما ينقل تواترًا في العادة وأعلام الدين متكررة المتابعة في المسلمين شأنها أن تنقل تواترًا فإن ذلك إنما يكون مع حصول الأسباب والدواعي الباعثة على النقل، فإذا تبدلت الأسباب والدواعي تبدل هذا الحكم.
وما كان من الشريعة في أول الإِسلام ثم طرأ عليه النسخ بعد قليل من العمل به وألف الناس خلافه، واستمروا على الإضراب عنه، وحرم عليهم فعله، فإن الدواعي الباعثة على نقله قد فقدت.
فلا يستنكر فيما هذا شأنه ذهابه واندراسه لعدم الحاجة إلى نقله.
والحاجة إليه هي سبب توافر الدواعي عليه.
فإذا استغني عنه فلا معنى للتشاغل بنقله.
وقد أشار أبو المعالي في بعض كتبه 3 إلأصولية إلى مثل هذا المعنى الذي قلناه.
وأشار القاضي أبو محمَّد رحمه الله إلى نحو هذه الطريقة.
ومثله 4 كيف يهجم هذا الهجوم على خبر رواه مالك في موطئه.
ورواه البخاري أيضًا في صحيحه

وغيرهما من مدوني السنن.
فإذا كذّب بخبر رواه مثل هؤلاء فما ظنك بمن سواهم؟ وقد قال أبو بشر الدولابي قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهو يصلي ركعتين ثم نزل تمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء لإثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر بعد مقدمه بشهر وأقرت صلاة السفر ركعتين.
وقالت عائشة رضي الله عنها: أول ما فرضت الصلاة ركعتين فلما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لي صلّى لكل صلاة مثلها إلا المغرب فإنها وتر وصلاة الصبح لطول قراءتها 1. فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر سفرًا عاد إلى صلاته الأولى.
أي ركعتين.
واحتج أيضًا بقول عمر: صلاة الأضحى وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وتمام غير قصر على لسان نبيكم 2. وأجيب عن هذا بأنه محمول على من اختار القصر مع أنه قرنه بالسنن فدل على أنه سنّة.
ويقول عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سافر إلا صلّى ركعتين 3. وبقول ابن عباس إن الله تعالى فرض على لسان نبيكم للمقيم أربعًا وللمسافر اثنتين.
وبقول ابن عباس أيضًا إن من صلى في السفر أربعًا كمن صلّى في الحضر ركعتين وبأن عثمان لما أتم الصلاة في الموسم أنكروا عليه الإتمام حتى اعتذر عنه ولو كان الإتمام سائغًا لما أنكروه.
ولا احتاج إلى الاعتذار.
وقد أكثر الناس من الاعتذار على إتمام عثمان وعائشة.
فذكر ابن سنجر أن عثمان رضي الله عنه صلّى بأهل مني أربعًا فأنكر الناس عليه ذلك فقال: يا أيها الناس إني لما قدمت مني تأهلت.
وأنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا تأهل الرجل ببلد فليصل به صلاة المقيم.
4 فذكر ابن حبيب أنه إنما أتم بمنى خاصة من أجل أنه

كان له بها أرض وأهل.
فتأول أنه غير مسافر.
وقيل أنه تأول أنه أمير المؤمنين فحيث ما كان من البلاد فهو في عمله.
وقيل إنما أتم لأنه كان معه الجند والأعراب ومن لا يعقل فخاف أن يعتقدوا أن الصلاة عددها ركعتان لا أكثر.
وقيل تأول أن القصر إنما هو لمن يناله تعب السفر دون الترفه.
وقال الزهري: بلغني أن عثمان إنما أتم لأنه أزمع المقام بعد الحج فلعله يريد أزمع المقام أربعة أيام لضرورة دعته إلى ذلك.
وقد قال ابن عمر صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين في السفر حتى قبضه الله تعالى.
قال بعضهم هذه إشارة منه إلى أن عثمان رأى مكانه مكانًا يمنع القصر.
وإنما يصح هذا بأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم بمكة قبل الخروج إلى مني مدة توجب الإتمام.
وأقام عثمان بها مدة توجب الإتمام، واعتقد أن مسافة الخروج إلى عرفة إذا انفصلت مما قبلها من السفر لا تبيح القصر.
وهذا اعتذار بمقام قبل الخروج خلاف اعتذار الزهري بمقام بعد الخروج.
وهذا التأويل بأن الإقامة قبل الخروج إلى مني تمنع القصر إنما يذكر على جهة إمكان أن يكون ذهب إليه 1. وإلا فالمكي يقصر بمنى وعرفة وإن لم يكن بينه وبينها ما يوجب القصر.
وعلل ذلك بأن عمل الحاج لا ينقضي إلا في أكثر من يوم وليلة مع الانتقال اللازم فيه.
والمشي من موضع إلى موضع لا يوجب الإخلال به فجرى ذلك مجرى مشي الأربعة برد.
ولا يلزم عليه التنقل من موضع إلى موضع في مسافة قصيرة لأن ذلك لا يلزم بالشروع 2. وهذا تنقل لازم فكان حكمه حكم السير المتصل.
وعلل أيضًا بأن الخارج من مكة إلى عرفة أنه لا بد له من الرجوع إلى مكة بحكم الشرع فصار في مجموع السير والرجوع مقدار ما تقصر فيه الصلاة ولا يلزم على هذا من خرج إلى خمسة وعشرين ميلًا قاصدًا إذا بلغها أن يرجع إلى حيث خرج منه.
لأن رجوعه هناك ليس بلازم.
وفي الحج الرجوع لازم.
فكان السير والرجوع يقدران تقدير سير واحد في جهة واحدة.
ولعلنا أن نبسط هذا في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.

ويمكن عندي أن يكون عثمان أتم لاعتقاد 1 التخيير وجواز الإتمام 2 في السفر وقد حكينا أن الشافعي يرى في أحد قوليه أن الإتمام هو الأفضل فخرج من مجموع ذلك ثماني 3 تأويلات لما فعله عثمان.
وأما التأويل على إتمام عائشة فقد قال ابن الجهم قيل لعروة ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: أراها تأولت ما تأوله عثمان.
قال ابن الجهم ويقال أن الذي تأول عثمان أنه كان يقول: أنا أمير المؤمنين فحيثما كنت من البلاد فأنا في عملي.
وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا أم المؤمنين فحيثما كنت فأنا عند ولدي وفي بيتي.
وقد أجيب عن هذا بأن وطن ولدها ليس بوطن لها، فلا يكون هذا عذرًا.
وقال سحنون يقولون إنما أتمت لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: إنما هي هذه ثم ظهور الحضر.
وأنكر بعض المتأخرين هذا وقال إنه حديث شيعي لا يصح، وإنما أدخله من قصده الطعن على عائشة رضي الله عنها.
وعندي أن الأولى أن يظن بسحنون أنه إنما نقل ذلك منكرًا له، ولعله أورده في سياق كلام يفهم منه ذم من سلك هذا التأويل.
فنقل الراوي لفظه مجردًا من القرائن الدالة على قصده.
والذي أشار إليه.
ومما يعتمد عليه من قال أن القصر فرض إن 4 الركعتين في السفر يُجزيان قطعًا ولم يقم على إثبات الزيادة دليل، والزيادة في الصلاة من المبطلات.
وأجيب عن هذا بأن الزيادة إنما تكون من المبطلات إذا ثبت المنع منها، كالزيادة في صلاة الصبح.
وهي 5 في صلاة المسافر جائزة عند من ذهب إلى ذلك.
فكونها من المبطلات غير مسلم.
ومنع من ذهب إلى أن القصر فرض أن الركعتين المزيدتين في حكم النافلة، لأن من تركهما 6 لم يأثم.
وما كان يجوز تركه إلى غير بدل من غير مأثم يلحق بذلك فليس بواجب.
وهذا له يجعل الركعتين ليستا بواجبتين.
وإذا لم يكونا واجبتين لم يصح إثباتهما إلا أن يكونا بمعنى النفل.
وقد قال أبو حنيفة إن صلى أربع ركعات فإن جلس للتشهد الأول أجزأته الركعتان الأوليان وإن لم

يجلس للتشهد أعاد الصلاة 1 ورأى أن الزيادة على ركعتين تطوع.
فإذا خلط المكتوبة بالتطوع قبل أن يتشهد في الركعتين بطلت صلاته.
ومن أنكر كون القصر فرضًا فلا يعتقد في الركعتين المزيدتين النافلة المحضة.
وإذا لم يعتقد ذلك بطل قوله.
وثبت أن القصر فرض.
وأجيب عن هذا بأن الأصل إيجاب أربع ركعات.
والقصر طارئ.
فوجب أن للمكلف الخيار في إسقاطه الركعتين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام صدقة تصدق الله بها عليكم 2 فإذا لم تقبل الصدقة بقيت الأربع على أصل الوجوب ولم تصِرْ الركعتان نافلة.
وهذا بخلاف ما ليس له حكم في الأصل فإنه متى قيل فيما لا أصل له إن 3 لم يفعله فلا عهدة عليه فإنه لا يكون واجبًا.
وما نحن فيه له أصل.
فإذا لم يختر المكلف قبول ما تصدق به عليه بقيت الأربع على أصل الوجوب.
وهذا كمن له على رجل أربعة دنانير فوهبه دينارين فلم يقبلهما فإن الأربعة دنانير توصف بأنها باقية على أصل الثبوت ومتى أداها من هي عليه فإنما أداها بحكم أصل المعاملة، وثبوتها في الذمة.
ولا يقدر بقضائها كمبتدىء تمليك الدينارين اللذين لم يقبلهما.
وهذا يوضح: إن اختار المسافر أربع ركعات لا تخرج الأربع عن أصل الوجوب.
وأجيب عن هذا بأن الأسباب من سفر وإقامة مفوضة إلى رأي العبد.
وأما الفعل المأمور به 4 مفوض أيضًا إلى رأي العبد.
والأحكام لا تصح إلا أن تفوض إلى رأي العبد لأنها تكون كنصف شريعة من قبل العبد والتفويض إلى مشيئته تمليك.
والعبد لا يملك إقامة الشرع 5. فإذا كان هذا هكذا فالأسباب المعلق عليها الأحكام من سفر وإقامة ففعل العبد فيها ما اختار.
والأداء الذي هو فعل الصلاة المرتب على الأحكام من اكتساب العبد إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ولكنه واجب عليه الفعل.
وجعل الصلاة أربعًا أو اثنتين حكم من الأحكام لا يضاف إلى العبد، بخلاف ما تمثلوا به في الدين فإن واهب بعض الدين لا يملك ولاية على الموهوب ولا

يلزم الموهوب طاعته.
فكان للموهوب الرد.
ورد الركعتين من الصلاة لا يصح لأن الله سبحانه واهبها يملك 1 الولاية على العبد ولا يسوغ رد ما شرع.
ولا يناقض هذا يكون المملوك مخيرًا بين الظهر وصلاة الجمعة، وصلاة الجمعة ركعتان، والظهر أربع.
لأن ذلك في معنى عبادتين مختلفتين كالثلاث خص الذي كفارة الأيمان التي خيّر العبد منها في الشرع لا في الشروع.
ووجه الاختلاف بين الظهر وصلاة الجمعة أن في الجمعة سعيًا وخطبة وليس ذلك في صلاة الظهر.
فكان الركعتين من الظهر تقابل السعي والخطبة 2. ولا شك في اختلاف ذلك ولا يناقض هذا بتخيير المسافر بين الصوم والفطر وتفويض ذلك إلى مشيئته لأنه لا إسقاط ها هنا، والعبادة ثابتة.
وإنما خيّر المكلف بين تعجيل يستفيد منه طيبَ نفسه بمساواة المسلمين في الصوم، 3 وتأخير يستفيد منه تخفيف مؤونة السفر.
وهذا أيضًا كالمختلف.
والرخصة في السفر إسقاط عدد.
وحقيقة الإسقاط من العدد ينافي إكمال المعدود.
فكان ظاهر إسقاط الشرع ببعض العدد وجوب الاقتصار على الباقي منه لأن العدول عن 4 إيجاب الاقتصار لا يمكن إلا برد الإسقاط.
وإسقاط الشرع لا سبيل إلى رده.
وهذا المعنى المفرق بين إسقاط العدد والتقديم والتأخير يورد جوابًا أيضًا لمن قال بتخيير المسافر في الصلاة قياسًا منه ذلك على الصوم والفطر.
ومما يعتمد عليه أيضًا من قال إن القصر فرض، إن التخير ما بين أقل الشيء وأكثره لا يمكن.
لأن الأول حاصل على كل حال.
والزيادة لا معنى لها.
ولو جرى هذا في حقوق العباد لعُدّ مختار الأثقل مع الإباحة للاقتصار على الأقل خارجًا عن الحكمة.
وحقوق الله سبحانه مبنية على الحكمة.
فكان لا معنى للتخيير بين الأقل والأكثر.
وإن نوقض هذا بالتخيير بين الجمعة والظهر في حق المملوك فقد أجبنا بأن ذلك ليس بتخيير بين أقل وأكثر بل بين مختلفين.

وكذلك إن نوقض هذا بالتخيير بين الصوم والفطر فقد أجبنا أنه ليس، بإسقاط، والتعجيل ليس بردّ.
وإكمال الأربع كالرد لما شرع من الإسقاط.
ألا ترى أنا قدمنا أن الأحكام لا يصح تفويض شرعها إلى العباد.
وتعجيلها قد فوض 1 إليهم عند سبب ما كما جعل الله للحالف قبل حِنْثه لوجود سبب الحنث وهو اليمين.
وكما جعل للمزكي المقدم زكاته قبل الحول عند من رأى ذلك.
فأنت ترى كيف جاء الشرع بأن تعجيل الأحكام بخلاف شرعها ابتداء.
وأجيب عن هذا أيضًا بأن إكمال الأربع زيادة ثواب وزيادة مشقة.
وفي القصر زيادة تخفيف ونقصان ثواب فصار ذلك في معنى مختلف.
وبعض من قال إن القصر فرض لم يسلم هذا.
وقال لا يسلم أن صلاة المسافر أقل ثوابًا من صلاة الحاضر لأن الثواب التام في فعل العبد كل ما عليه.
وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الصدقة قال: جهد المقل أي طاقته 2. وإذا سقطت عبرة الثواب لم يبق للأكثر فائدة.
فهذه عمدة القائلين بأن القصر فرض.
وأما القائلون بأن القصر ليس بفرض فإنهم يعتمدون على قوله: تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 3. فلو كان القصر فرضًا لم يقل فيه فلا جناح عليكم إذ لا يعبر عن الواجب بأنه لا جناح فيه.
وإنما يعبر ذلك عما يجوز العدول عنه وأن لا يفعل.
وقد اختلف الناس في هذه الآية هل المراد بها قصر العدد أو قصر الوصف؟ فذهب بعضهم إلى أن المراد بها قصر العدد.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بها قصر الوصف، ثم اختلفت طريقة هؤلاء في قصر العدد ما مقداره في الآية؟ هل هي 4 جملة واحدة أو مركبة من جملتين؟ وذهب آخرون إلى أن المراد بها قصر الوصف.
وسبب هذا الاختلاف أن الله سبحانه قال عقب ذلك: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
فقال بعضهم المراد بقضيتم أردتم

قضاءها كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي أردت تراءته.
وإذا كان المراد هذا.
وقد قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
فإنما القعود إنما يجوز لعذر الخوف.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناه فإذا أمنتم فأدوها قيامًا.
وهذا التأويل يصحح 1 حملها على قصر الهيئة.
وقال بعضهم حمل قضيتم أردتم القضاء تجوّزٌ.
أو المراد أن الله أمركم بالذكر بعد الفراغ من الصلاة ليكون ذكر الله سببًا لنصرتكم.
وقد قال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ 2. والمراد بهذا وبقوله تعالى: فإذا اطمأننتم في أمصاركم فأقيموا الصلاة تامة العدد.
ويرجح من يحملها على قصر الوصف مذهبه بأن القصر في الوصف تخفيف الركوع والسجود لخوف العدو.
وهو القصر الحقيقي.
وأما صلاة المسافر ركعتين.
فإذا قيل إنّ ذلك فرضه وأن هذا هو أصل الفرض فلا حقيقة للقصر.
ولا يطلق إلا توسعًا.
كما لا يقال في صلاة الفجر إنها صلاة مقصورة لما كان أصل الفرض فيها ركعتين.
ويرجح من يحملها على قصر العدد مذهبه بأن المسافر لما خيّر بين القصر والإتمام كان اختياره لركعتين قصرًا حقيقة.
لأنه حذف من العدد اللازم له في الحضر شطره.
والاقتصار على بعض العدد هو أولى أن يسمى قصرًا من تخفيف الركوع والسجود.
ولأن الإطالة في الركوع والسجود لا تجب.
والإطالة وإن شرعت فليست بمحدودة، وكذلك ما يباح في صلاة الخوف من مخالفة الهيثة لا يسمى قصرًا حقيقة.
وإذا كان هذا هكذا كان العمل على قصر العدد أولى لا سيما وقد جرى لعمر رضي الله عنه في الآية ما يؤكد هذه الطريقة.
فقد خرّج مسلم عن يعلي بن أمية أنه قال لعمر قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.
فقد أمن الناس.
فقال عمر: عجبت مما عجبت منه.
فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته 3. وظاهر هذا أن عمر فهم من الآية قصر

العدد إذ عُلّق بالخوف وأن مقتضاها أن القصر مع الأمن لا يكون حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال.
وذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم.
فقالوا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين فقالت إنه كان في خوف فهل تخافون أنتم؟ 1 وظاهر هذا إشارة إلى حمل الآية على قصر العدد في الخوف.
ولكنه قد فهم من إشارتها أنها فهمت ما فهم عمر رضي الله عنهما.
ولم تعلم ما علم من إسقاط حكم التعليق بالخوف.
ويجب عندي أن يتأول أن قولها هذا على أنها أرادت تفضيل الإتمام على القصر أو أرادت إعلامهم بجوازه في السفر كي لا يظنوا أن القصر فرض كما ظن ذلك من ذهب إليه من العلماء.
وإنما دعا إلى تأويل قولها هذا إن الإتمام في السفر لا أعلم أحدًا يقول بوجوبه.
ومما تجاذبه الفريقان من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ 2. فهذان تعليقان الأول منهما الضرب في الأرض.
وقصر الوصف يجوز مع الضرب في الأرض ومع عدمه.
والثاني منهما الخوف وقصر العدد يجوز مع الخوف والأمن في السفر.
فمن حمل الآية على قصر الوصف التفت إلى جانب التعليق الثاني وهو الخوف وجعل التعليق الأول كأنه لبيان الحال ولمطابقة العدد.
فإن الخوف لا يكون في القرار، وإنما يكون في الأسفار.
ويستدل بأن القائل إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدًا.
فإن الطلاق يتعلق بالكلام.
وإنما الدخول لبيان الحال.
والطلاق إنما يقع بالكلام ولكن بعد الدخول.
هذا إن كان حامل هذه الآية على قصر الوصف ممن يجيز صلاة الخوف في الحضر كما يجيزها في السفر فحينئذ يحتاج إلى الاعتذار عن التعليق بالضرب في الأرض.
وأما إن كان ممن يمنع صلاة الخوف في الحضر فلا حاجة به إلى الاعتذار عن التعليق الأول، بل التعليقان عنده مستعملان.
إلى هذه الطريقة ذهب ابن الماجشون من أصحابنا.
فقال في المبسوط في صلاة الخوف إنما تأولها أهل العلم في السفر.
لقوله = ماجة وغيرهم.
الدر المنثور ج 2 ص 109.

تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
لأن صلاته عليه الصلاة والسلام كانت على تلك الهيئة في السفر.
ومن حمل الآية على قصر العدد التفت إلى التعليق الأول.. 1. التعليق الثاني بحديث عمر وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدقة تصدق الله بها عليكم.
الحديث المتقدم 2. هذا جملة القول في سبب الاختلاف في حمل الآية على قصر الوصف أو قصر العدد.
فإن قلنا محملها على قصر الوصف فبيانه يرد في بابه.
وإن قلنا محملها على قصر العدد فقد اختلف الناس في العدد ما المراد بها؟ فقال بعضهم هو الاقتصار على ركعتين من أربع، وهو الذي يشير إليه ما قدمناه من حديث عمر وعائشة رضي الله عنهما.
ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن صلاة الخوف ركعة فقالوا فرض الله على المقيم أربعًا وعلى المسافر ركعتين، وقالوا فقصر الصلاة في الخوف أن يصلي ركعة لأنهم مسافرون فصلاتهم ركعتان.
وقصر الركعتين لا يكون إلا ركعة 3 وهذه إشارة إلى حمل الآية على قصر العدد إلى ركعة مع اشتراط الضرب في الأرض والخوف، فخرج من مجموع ذلك أن هؤلاء يحملون الآية على قصر العدد فيستعملون التعليقين جميعًا.
كما أن ابن الماجشون يحمل على قصر الوصف ويستعمل التعليقين جميعًا.
فهذا أيضًا مما يتعلق بالكلام في اختلافهم في قصر العدد.
وسنوسع في بابه إن شاء الله تعالى.
وأما الاختلاف في الآية هل هي مركبة من جملة واحدة أو جملتين؟ فذهب الأكثرون إلى أنها جملة واحدة وقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ اشتراط يعود إلى ما قبله لا إلى ما بعده على ما مضى من اختلافهم في صفة عودته، وحقيقة القصر المراد.
وذهب بعضهم إلى أن الآية مركبة من جملتين إحداهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
فهذا يقتضي قصر المسافر في العدد.
وقوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ ابتداء جملة أخرى لتعليم صلاة الخوف.
ويقدر هؤلاء الآية على معنى إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا أي يحملون عليكم وأنتم

ساجدون وراكعون.
ويكون قوله إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا اعتراض فصل من الكلام في صلاة الخوف بعضه عن بعض.
والواو زائدة في قوله وإذا كنتَ.
وكأن تقدير حمل الآية إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إذا كنت فيهم.
قال بعضهم وجواب الشرط ها هنا فأقمت لهم الصلاة.
ويصح عندي أن يكون جواب الشرط على هذا التأويل فلتقم طائفة منهم معك.
وقول من قال فأقمت لهم الصلاة ممكن أيضًا.
رحمل هؤلاء الآيتين على جملتين تأويل فيه تعسف.
وإن كان قد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: سأل قوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 1. ثم انقطع الوحى.
فلما كان بعد ذلك بحول، غزا النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم هو وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم! فقال قائل منهم إن لهم أخرى مثلها، في أثرها.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله "عذابًا مهينًا".
فنزلت صلاة الخوف بكيفيتها.
وهذا الخبر يعضد ما قاله هؤلاء من كون الآية مركبة من جملتين وأن قوله إن خفتم ابتداء جملة أخرى.
وقصد بها بيان صلاة الخوف.
هكذا ظاهر هذا الخبر وإن كان للآخرين أن يقولوا بأن الشرط يصح أن يعود على ما تقدم وإن تأخر نزوله.
وقد يتأخر التخصيص عن المخَصَّص مدة من الزمان.
وهذا قد يعترض عليه بأنه، لو كان حكم الأصل ثابتًا في سفر الخوف والأمن فلا يعجب عمر من القصر في سفر الأمن.
وقد جاء عموم القرآن به على هذا التأويل.
وهذا أيضًا يفتقر إلى الخوض في بحر عظيم من الكلام على أحكام التخصيص، والفرق بينه وبين النسخ.
والفرق بين تأخير الاستثناء وما في معناه من ضروب الكلام وما سواه من أنواع التخصيص.
والقول في صيغة التعميم إذا لم يوجد له مخصص هل يقطع على تعميمها أم لا؟ والقول في جواز تأخير البيان أو منعه.
هذه جمل كلها تستعمل في النظر في هذا التأويل ولا سبيل إلى إيراده ها هنا لا سيما أنا قد

أشبعنا الكلام على الآية بما 1 كتب التفسير والمعاني أولى به.
لأنا لما رأيناها يكثر دورها على ألسنة الفقهاء ويكئر استدلالهم بها أحببنا أن نُطلع الفقيه على جميع ما قاله أهل المعاني فيها ونذكر له سبب اختلافهم ليصير إلى ما يصير إليه من المذاهب على بصيرة.
على أنا أوردناها إيرادًا لم أقف عليه لأحد من المصنفين وفيه غاية الإيضاح لما يتعلق من القول بها.
ومما يحتج به من قال إن القصر ليس بفرض.
أن المفهوم من الشريعة أن القصر إنما شرع لتخفيف كلف السفر.
ولهذا اعتبر فيه مبلغ سياق.
وإن كان فهم ذلك عن الشريعة فيما يكاد أن يلحق بالنصوص كان التخفيف موكولًا إلى رأى المخفف عنه.
لأن التخفيف والمسامحة والتسهيل كمناقض العزيمة والختم.
وهكذا جرى الأمر في رخص الشريعة من فطر ومسح على الخفين وغير ذلك.
وأيضًا فإن أصل الوقت يقتضي أربعًا والسفر سبب القصر.
وقد وجه لا على معنى أنه الأولى.
ألا تري أن المسافر يلزمه أربع إذا اقتدي بالمقيم.
ولو كان ارتفع حكم الأربع لما لزم الإتمام.
فإذا وقع كان السفر سببًا واحدًا يقتضي القصر لا على رفع حكم الأصل، وجب أن لا يكون القصر فرضًا 2. وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يقصر في السفر ويتم 3 قال أنس كنا نسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمنا من يقصر ومنا من يتم فلا يعيب بعضنا على بعض.
قال ابن جريج قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم الصلاة في السفر؟ 4 فقال: عائشة وسعد ابن أبي وقاص.
ولو كان الإتمام غير جائز لما خفي عن هذين وعن غيرهما كحذيفة والمسور وعبد الرحمن بن يغوث.
ولا يحسن أن يتأول أنه عليه الصلاة والسلام كان يقصر ويتم على قصر

الوصف، لأن الأظهر في هذا التأويل لخلاف هذا التأويل.
هذا جملة ما يتعلق بما قدمناه من الخلاف في كون القصر فرضًا أو ليس بفرض وما قدمناه من اختلاف عبارة من لم يره بأنه سنّة، وأفضل من الإتمام، وما حكيناه من التخيير مطلقًا مأخوذ توجيهه مما قدمناه.
فقدم يتأكد فضل القصر عندهم على الإتمام تكدًا يعد به من باب السنن فيعبرون عنه بأنه سنّة.
وقوم لا يبلغ هذا المبلغ عندهم فيعبرون عنه بأنه أفضل.
والنظر فيما قدمناه من الادلة يُستلوح منه سبب اختلاف هذه الطرق أيضًا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما صلاة المسافر خلف المقيم فلا يخلو القول فيها أما أن يُبنى جملى أن القصر فرض أو على أنه سنة.
فإن بنينا على القول بأنه فرض فقد اضطربت طريقة المتأخرين.
فذهب بعضهم إلى منع ائتمام المسافر بالمقيم وأن الصلاة لا تجزي وتعاد أبدًا وإلى هذه الطريقة أشار أبو محمَّد عبد الوهاب في غير كتابه هذا فقال: لو كان فرض المسافر القصر لما جاز له الإتمام.
كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يجز له القصر خلف المسافر.
وقال بعضهم لا يمتنع أن يكون القصر فرضًا فإذا ائتم المسافر بمقيم انتقل فرضه لفرض المقيم كالعبد والمرأة فرضهما أربعٌ، فإذا صليا الجمعة خلف الإِمام صار ذلك فرضهما.
وانفصل الأبهري عن هذا بان العبد والمرأة دخلا في الخطاب بالجمعة وعذرا بالتخلف لاشتغالهما بخدمة السيد 1 والزوج.
وكون المرأة عورة فصارت كالمريض والمسافر المخاطبين في الأصل المعذورين بما طرأ عليهما.
وإن بنينا على القول بأنه سنة، وقع الترجيح بين فضيلة القصر وفضيلة الجِماعة فايهما أولى كان بالتقدمة أحق.
وهذا مما اضطرب المذهب فيه هل الجماعة أفضل للاتفاق على فضلها على الجملة والاختلاف في تفضيل القصر وما اتفق عليه أولى مما اختلف فيه.
أو يقدم القصر لأن الجماعة متى أن إلى تغيير عدد الصلاة كان تركها أولى؟ ألا ترى أن من عليه الجمعة لا يجوز أن يأْتَئَّم بمن يصلي الظهر أربعًا.
وقد يُشْكل طريق الترجيح فيعتضد الفقيه بزيادة أوصاف فيرجح جانبًا على جانب.
هذا هو الأصل الذي تدور عليه

الروايات التي نوردها.
قال ابن الحارث اتفقوا على أن من دخل في صلاة المقيم في المساجد الثلاثة العظام أو في جوامع الأمصار ومع الإِمام أكبر أنه يتم ولا تجب عليه إعادة.
واختلفوا فيما سوى ذلك فروى 1 ابن القاسم وابن الماجشون تقدمة القصر فإن ائتم بمقيم أعاد عند ابن الماجشون في الوقت ولم يعد عند ابن القاسم.
وروى ابن شعبان في مختصره لا بأس بصلاة المسافر خلف المقيم لفضله وسِنه وفهمه.
وقال مالك في المستخرجة إن قدموا المقيم لسنه وفضله أو لأنه صاحب المنزل فليصلوا بصلاته صلاة مقيم.
وقال مالك أيضًا صلاة المسافر وحده أو مع أصحابه خير له 2 من صلاته مع المقيمين إلا في المساجد الجامعة التي يرجى فضلها، أو ينزل المسافر بالرجل في منزله فلا أرى بأسًا أن يصلي في منزله؛ لأن الرجل أحق بالإمامة في منزله.
فأنت ترى كيف أشار ابن الحارث إلى الاتفاق على أن فضيلة القصر لا ترجح على فضيلة الجماعة إذا كثرت الجماعة الكثرة التي أشار إليها.
وهذا كنحو ما ذكره ابن حبيب من أن فضل الجماعة يختلف.
وأنه كلما كثرت الجماعة كان أكثر أجرًا.
وكذلك أيضًا ما أشار إليه من أن الإِمام الأكبر إنما خصّ بذلك لأن الإِمام الأكبر ومن في معناه من الأمراء تلزم طاعتهم، والإجماع عليهم.
والانفراد بالصلاة دونهم إظهار الخلاف عليهم فالصلاة خلفهم أفضل من الإنفراد.
وكذلك أيضًا ما ذكرناه من تخير صاحب المنزل، والأفضل الأسن، إنما ذلك لاستحقاق صاحب المنزل وفضيلة الصلاة خلف الأفضل والأسن.
وهذا كله يشعر بأن فضيلته ترجحت على الجماعة حتى غلب 3 بجواز الخروج منه أحد الأعذار المذكررة.
وحكى بعض الأشياخ أن الظاهر من قول مالك تقدم فضيلة الجماعة.
وأورد ذلك مطلقًا.
وإذا ائتم المسافر بالمقيم على الصفة التي أشرنا إلى النهي عنها فقد ذكرنا ما حكاه ابن الحارث من اختلاف ابن القاسم وابن الماجشون في الإعادة.
وروى مطرّف عن مالك أنه كره للمسافر أن يدخل في صلاة المقيم ورأى أن صلاته وحده خير له.
فإن دخل معه فلا إعادة عليه.
وقال مالك أيضًا في

رواية ابن الماجشون وأشهب لا يصلي خلف المقيم فإن كان في مسجد فإن فعل أعاد في الوقت.
إلا أن يكون بمسجد الحرمين أو مساجد الأمصار الكبار.
فمن نفى الإعادة فلخفَّة الكراهة ومن أثبتها في الوقت فليأتي بالصلاة على أكمل فضيلة.
وقد قيل لسحنون أن عبد الملك روى عن مالك في المسافر يدخل خلف المقيم أنه يعبد فقال ما سمعت خلقًا قال هذا.
وهذا خلاف المسائل وإبطال 1. وهذا الذي استبعده سحنون لا معنى لاستبعاده.
لأن إعادة الصلاة في الوقت لتقع على الوجه الأكمل طريقة مشهورة.
وقد- ذكرنا اضطراب المتأخرين في البناء على أن القصر فرض.
وذلك يُحسّن الإعادْة.
وقد وقع في بعض نسخ التفريع لابن الجلاب في مسافر ائتم بحضري أنه يتم معه أربعًا ثم يعيد في الوقت وبعده.
وكأنه رأى أن مقتضى القول بان القصر ليس بفرض يدعو إلى إتمام الصلاة.
والقول بأنه فرض يمنع من الاعتداد بها، ويوجب إعادتها أبدًا.
فإذا كان هذا قد أعادها أبدًا فما ظنك بما أنكره سحنون من إعادتها في الوقت؟ وهذا الذي ذكره ابن الجلاب من الإعادة أبدًا يشير إلى صحة إحدى الطريقتين من أن المصمم على أن القصر فرض يمنع من ائتمام المسافر بالمقيم ويوجب الإعادة أبدًا.
ولما كان ابن الجلاب لم يصمم في هذا الذي نقلناه عنه، جمع بين المذهبين.
وإن كان في قبالة هذا أن أبا حنيفة ممن يرى القصر فرضًا وهو يرى الائتمام خلف المقيم.
يستظهر بهذا من قال من أصحابنا من الإتمام بناء على أن القصر فرض.
وإذا ائتم مسافر بمقيم، على القول بان القصر فرض، وسلكنا طريقة من قال إنه لا يتم فلينو في أول صلاته ركعتين فإذا فرغ مع الإِمام منها فلا يتبعه في الركعتين الأخيرتين بل يسلم أو يجلس حتى يسلّم بسلامه على ما مضى من القول فيه في حكم انتظار المأموم في مثل هذا فيما تقدم من كتابنا.
وقد اختلف قول أشهب وقول سحنون أيضًا في رجلين ذكرا صلاة واحدة من يوم واحد إلا أن أحدهم سفري فائتم السفري بالحضري هل يثبت السفري حتى يتم الحضري ويسلم بسلامه أو يتم معه؟ فقدلهما بالجلوس على اتّباعه وانتظاره لسلامه تصريح بان البناء على القول بان القصر فرض يقتضي أن لا يكمّل الصلاة

خلف المقيم كإحدى طريقتي المتأخرين.
لأنهما إذا قالا ذلك في صلاة سفرية فات وقتها، مع اختلاف الناس فيها، هل تقضى تامة سواء ذكرها في حضر أو سفر، فأحرى أن يقولا ذلك في صلاة لم يفت وقتها.
وأما قولهما بالإتمام فتردد بين الثلاثة طرق: أحدها البناء على أن القصر ليس بفرض.
والثاني على أنه فرض ولكن يتعين الفرض بالاقتداء.
والثالث وهو أبعدها أن يكونا رأيًا أن ما يقضيه المسافر لما اختلف الناس في إتمامه خفّ اتباعُ الإِمام في الإتمام، بخلاف ما حضر وقته من صلاة المسافر.
وإذا قلنا بان المسافر يُتِم خلف المقيم فإنما يكون ذلك إذا أدرك ركعة فأكثر.
فاما إن أدرك أقل من ركعة فإنه يكمل على إحرامه صلاة سفر.
وقال أبو حنيفة والشافعي يتم وإن لم يدرك مع الإِمام إلا التشهد.
فاما نحن فنحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" 1. دليل هذا الخطاب أنه لا يكون مدركًا بأقل من ركعة قياسًا على صلاة الجمعة فإنها لا تدرك بأقل من ركعة عندنا وعند الشافعي دون أبي حنيفة وقد فرقت الشافعية بين الجمعة وبين ما نحن فيه بأن مدرك بعض الجمعة يتقل إلى عدد أقل لأن الظهر أربع والجمعة ركعتان.
فلم يتقل إلى الأقل بإدراك ما دون الركعة.
والمسافر يتقل من ركعتين إلى أكثر.
والانتقال من الأقل إلى أكثر يكون بدون الركعة.
وغير بعيد أن يكون التخفيف معلقًا بإدراك ما له قدْر.
والزيادة معلقة بما لا قذر له.
وأما المخالف فإنه يحتج بأن ابن عباس سئل فقيل له ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الإنفراد وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟ فقال تلك السنّة.
ولم يقيد ما قال بإدراك ركعة.
وبأنه عليه الصلاة والسلام قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" 2. وبقوله: "وما فاتكم فاقضوا" 3. وأجيب عن هذا بأن الائتمام إنما يكون مع الإِمام.
ومسألتنا إنما تتصور بعد فراغ الإِمام.
وكذلك قوله فاقضوا معناه ما وجب، وفي الواجب اختلفنا.
وأما خبر ابن عباس

فالغرض منه السؤال عن تعليل الحكم ببيان ما يكون به مدركًا.
واحتجوا أيضًا بأنه قد ألزم نفسه موجب تحريم الإِمام بدخوله معه فلزمه ما التزم.
وأجيبوا عن هذا بأنه إنما يكون ملتزمًا إذا أدرك الصلاة ولا يدركها بأقل من ركعة.
واحتجوا أيضأ بأنه قد أخذه حكم الإِمام لأن الإِمام لو أحدث متعمدًا لأبطل عليه.
وأجاب ابن القصار عن هذا بأن ظاهره لأ يسلمه بل يقول يبني على إحرامه.
وهذا حكم المسافر إذا صلّى خلف مقيم وهو عالم أن الإِمام مقيم.
وإن صلّى خلف من لا يعرف حاله فإن صلاته مجزية قاله سحنون.
وقالت الشافعية يلزم الإتمام وإن قصّر إمامه.
وكان سحنونًا رأى أن ليس من شرط صحة الصلاة التعرض لعدد ركعاتها ها هنا.
وأجاز 1 اعتقاد مطابقة الإِمام في نيته 2 على الجملة لا يعلم 3 تفصيلها مع اعتقاد الوجوب على الجملة.
وهذا كطريقة أشهب فإنه قال في الموازية فيمن صلّى مع الإِمام وهو لا يدري يومه ذلك أيَوْمَ جمعة أم يوم خميس فإنه يجزيه ما صادف من ذلك.
فإن دخل على إحداهما فصادف الأخرى فإنه لا يجزئ.
فأنت ترى كيف فرّق بين نية الإجمال وبين نية التفصيل إذا أخطأ فيها.
وهذا كما وقع في الحج: فإن أبا موسى أحرم وأهل بالتلبية ثم قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة في حجة الوداع فقال - صلى الله عليه وسلم -: بم أهللت؟ فقال له: بما أهل به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - 4. فقال: قد أحسنت.
وقدم عَليٌّ من سقايته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بم أهللت؟ فقال بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: أهل وآمكث حرامًا.
فأنت ترى كيف وقعت نية هذين رضي الله عنهما في الحج محالة على نية النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر ذلك عليهما مع كون أفعال الحج لا تلزم فيها المتابعة كما تلزم في الصلاة خلف الإِمام.
وأما قول الشافعية يلزم الإتمام وإن قصر إمامه، فلعلهم رأوه ل ماجهل حال 5 الإِمام ودخل مع الإِمام على الإتمام لأن الأصل

صلاة الحضر.
وإنما ينتقل عنها عند اعتقاد السفر.
وهذا لما لم يعتقد لزمه الوفاء بما دخل عليه.
ولو صلّى المسافر خلف من اعتقد فيه حالة فظهر له خلافها، فقد إختلف المذهب فقال سحنون إذا ظن أنه مسافر أو أنه مقيم فأخطا في ظنه فإن صلاته لا تجزيه.
وقال أشهب بل تجزيه.
وسبب هذا الاختلاف مراعاة عدد الركعات في أصل عقد النية وسنتكلم عليه.
وقد قال ابن حبيب في المسافر الظان في مسافر فإذا به مقيم فأتم أنه يعيد في الوقت كمسافر أتم صلاته.
وسنتكلم على إتمام المسافر.
ولو تبدلت على المسافر حال الإِمام بان تتغير نية الإِمام 1 أو تفسد صلاته، فإن كانت نية الإِمام تغيرت بأن يكون نوى الإقامة في أثناء صلاته فإنه لا يتم بالمسافرين الذين خلفه الصلاة.
لأن صلاته قد انتقضت.
واختلف هل يسري انتقاضه إلى من خلفه فيبطل عليهم أم لا يسري ذلك إليهم فيستخلف عليهم؟ اختلف في ذلك قول ابن القاسم، وبالاستخلاف قال مالك.
أما الاستخلاف فقياسًا على الحدث.
قال ابن القاسم كنت أرى أن يبطل على المأمومين ثم رأيت أن لا يكون أسوأ حالًا من الحدث.
وأما نفي الاستخلاف فأنه كالقاطع محمدًا 2. قال بعض أصحابنا الحدث بالغلبة، وإحداث النية في المقام تعمدًا وإن كانت نية الإِمام لم تتبدل ولكن فسدت صلاته يحدث غلب عليه 3 أو ذكر أنه على غير وضوء فإنه يستخلف، كإمام صلى بمقيمين.
وإذا وضح جميع ما قدمناه في حكم ائتمام المسافر فقد قال ابن حبيبَ: صلاة المقيم بإمامة المسافر أيسر من صلاة المسافر بإمامة المقيم بالكراهة 4. لأن المسافر إذا صلّى بإمامة المقيم تغيرت صلاته عن سنتها.
وإذا ائتم المقيم بالمسافر أتم لنفسه بعد فرك إمامه.
وقال ابن حبيب أيضًا: اتفقت الروايات عن مالك أنه إذا

اجتمع مسافرون ومقيمون أنه يؤم المسافرين مسافر والمقيمين مقيم، ولا مقيم مسافرين إلا أن يكون ذلك في المساجد الجامعة التي تصلي فيها الأئمة يعني الأمراء، فإن الإِمام يصلي بصلاته.
فإن أم مقيم أتم معه المسافرون.
وإن كان مسافرأ أتم من خلفه من المقيمين.
فأنت تراه ها هنا كيف أشار إلى كراهية ائتمام المقيم بالمسافر مع أنه لا يخالفه في الفعل إلا بعد فراغه على ما أشار إليه.
ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأهل مكة: "أتموا الصلاة فإنا قوم سَفْرٌ" 1. لكن استثناءه الصلاة خلف الأمراء يسقط عنه الحجة لصلاة النبي عليه السلام بأهل مكة.
ولعله أشار إلى الكراهة فيما سوى ذلك لاختلاف نية الإِمام والمأموم في عدد الركعات.
وإذا كان المحاولون للصلاة صنفين: مسافرين وحضريين، فقد قدمنا أن المأمور به انفراد كل طائفة بإمام يساويها 2 في حكمها.
فإن صلّى مسافر بمقيمين فذكر أنه على غير طهارة أو أحدث مغلوبًا فأنه يؤمر أن يستخلف مسافرًا فإن لم يفعل وقدم مقيمًا فلا يقبل استخلافه ويقدم مسافرًا.
فإن جهل وقبل الاستخلاف وأتم صلاة الإِمام، فإن المسافرين يتمون لأنفسهم وقيل يستخلف مسافرًا يتم بهم 3. وقيل بل يثبت المسافرون حتى يسلموا بسلامه بعد فراغه وكذلك المقيمون أيضًا اختلف فيهم هل يتمون أفذاذًا بعد فراغ صلاة إمامهم أو بعد سلام المستخلف؟ وبَسْطُ هذا الاختلاف وتوجيهه قد مضى في باب السهو.
وكذلك لو نوى 4 الإِمام المسافر الإقامة في أثناء صلاته وخلفه الصنفان فقال عيسى أحب إليّ أن تنتقض عليهم أجمع.
وقال في الاستخلاف قال ابن القاسم وإذا استخلف هذا الخارج فلا يضيف إليه ركعة ويجعلها نافلة بمنزلة ما لو كان وحده ولم يدخل معهم وليتم بنية الصلاة وتجزيه.
وقد تأول بعض المتأخرين هذا على أنه يريد أن يقطع ما كان فيه ويدخل بإحرام جديد فإذا سلم الإِمام أتم هذا بقية صلاته وتجزيه.
وهذا التأويل

تعرف حقيقته من كلامنا على حكم تبدل النية في أثناء الصلاة.
وقد أشار هذا المتأخر إلى أن وجه قول عيسى: ينتقض عليهم أجمع أنه قد حصل للمسافرين، في هذه الصلاة إمامان مسافر ومقيم.
وحكم الصلاة خلف كل واحد منهما يختلف، واتباع حكم أحدهما مخالفة على الآخر.
وقد كنا قدمنا نحن خلاف هذا التعليل، وأن التعليل هو كون القطع ها هنا كالتعمد لقطع الصلاة وهو أولى؛ لأنه تعليل يعم من خلفه من الحاضرين 1 والمسافرين.
وقالت الشافعية إذا نوى الإِمام الإقامة في أثناء الصلاة أتم ولزم من خلفه الإئتمام، 2 كما لو ائتموا بمقيم أول الصلاة.
وقد اختلف الناس في مسافر صلّى خلف مقيم ففسدت صلاة الإِمام، فقال أبو حنيفة لا يلزم المأموم الإتمام لأنه إنما لزمه حكم الاقتداء فإن زال الاقتداء سقط حكمه كما إذا صلّى الجمعة.
وقالت الشافعية الفرق بينهما أن الجمعة لا تقضى.
ومسالتنا مما يصح فيها القضاء فيلزم المأموم إتمامها على الوجه الذي دخل عليه.
وهكذا قالت الشافعية إذا ائتم مسافر بمقيم ثم أفسد صلاته فإنه يلزمه الإتمام كما لم تفسد صلاته.
وقال الثوري يصلي ركعتين.
وهذا يعلم حقيقة القول فيه من كلامنا على نية المسافر.
والتزامه لما يلتزم من العدد 3.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا قلنا إن القصر فرض المسافر فيما ينويه كالحاضر لأن كل واحد فرضه متعين، إما ركعتان أو أربع.
ولهذا قال أبو حنيفة لا يفتقر إلى نية القصر لأنه كان يراه فرضًا.
وإذا قلنا إن القصر ليس بفرض قيل من شرط جوازه أن ينويه عند عقد الإحرام.
قال بعض أشياخي لا يصح أن يلتزم القصر أو الإتمام قبل الشروع في الصلاة ويصح أن يدخل في الصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام، وكأنه رأى أن عدد الركعات لا يلزم المصلي أن يعقد في نيته حين الإحرام.
وقد أشرنا إلى هذا حين تكلمنا على مسافر، ائتم بإمام لم يعلم هل هو مسافر أو مقيم.
ولا شك أن المصلي إذن لم

يلزمه التعرض لعدد الركعات، حين شروعه في الصلاة، على الخيار.
وقالت الشافعية لا يجوز له القصر حتى ينوي القصر عند الأحرام بالصلاة، فيمكن أن يكون قالوا ذلك إيجابًا على المصلي التعرض لعدد الركعات في أصل نيته.
ويمكن أن يكون قالوه بناء على أن الأصل في الفروض المستقرة الأربع.
وهو صلاة الحاضر.
والسفر طار على هذا الأصل أباح الترخص بصلاة ركعتين.
فإذا لم يقصد إلا الترخص حين الإحرام خوطب بما هو الأصل المستقر وهو صلاة الحاضر.
وهذا التعليل الثاني هو الذي عللوا به 1. وقال المُزني منهم لا تختص نية القصر عند الإحرام، وينوي في أثناء الصلاة.
وكأنه رأى أن عِدة الركعات لا يلزم التعرض لها حين الإحرام.
وإحرامه مطلقًا ليس بالتزام للإتمام.
ولو سُلم أنه هو الأصل.
هذا حكم نيته وصفة إيقاعها حين شروعه.
وأما إذا أوقعها 2 على عدد أكثر أو أقل فهل له أن يفعل خلافه؟ الظاهر من مذهبنا أنه ينهي عن ذلك.
وقال بعض الناس يجوز له القصر وإن نوى الإتمام 3. واحتج بأنه إذا 4 خير في العبادات قبل الدخول فيها خير فيها بعد الدخول، كالصوم عند من أباح الإفطار في صوم التطوع بعد الشروع فيه.
وأجيب عن هذا بأن حج التطوع لا يخير فيه بعد الشروع فيه بخلاف ما قبل الشروع.
فدل على أن ذلك أصل غير مطرد بعد تسليم التخيير في الصوم.
وهذا التعليل إلى ي اعتل به لهذا الرجل يوجب جواز الإتمام، وإن دخل بنية القصر.
ولو أنه اقتصر على جواز الرجوع إلى القصر بعد نية الإتمام لكان له وجهة في النظر لأن القصر هو الأفضل.
فكانه سُومح أن يرجع عن النية المكروهة إلى النية الفاضلة.
وإذا قلنا بقول من قال من أصحابنا أن القصر فرض ففي تماديه إلى الأربع نظر، فضلًا عن إجازة تحويل نية القصر.
فإن فعل خلاف ما دخل عليه من العدد فإن المذهب اختلف في هذا

الأصل في مسائل كثيرة.
منها اختلافهم فيمن دخل يوم الجمعة يظنه يوم الخميس أو يوم الخميس يظنه الجمعة.
فقال أشهب لا تجزئه الصلاة 1. وقال في المدونة إن نوى الجمعة فكان الخميس أجزأ.
وإن نوى الخميس فكانت الجمعة لم تجزه.
ففي السليمانية تجزيه الصلاة والإعادة أحوط.
وقد قدمنا الاختلاف في مسافر ائتم بمن ظنه مقيمًا فإذا به مسافر أو بمن ظنه مسافرًا فإذا به مقيم.
وهذا كله جار على الاسلوب الذي قلناه فيمن دخل على عدد ففعل خلافه.
وعلى هذا الأصل يجري القول في المسافر إذا فعل خلاف ما دخل عليه ثم المسافر إن أحرم على أربع وفعلها ساهيًا عن السفر أو التقصير فقال ابن المواز يعيد في الوقت.
وقد كان ابن القاسم يجيز في هذا سجدتي السهو حين تبين له واستبصر فرجع عن ذلك.
وذكر عن ابن حبيب عن مالك إذا أتم المسافر ناسيًا أنه يسجد للسهو.
وقال ابن حبيب على الساهي سجود السهو 2 إلا على قول ابن الماجشون الذي يقول إذا كثر السهو أعاد.
وقال سحنون إن كان ناسيًا لسفره فإنما عليه الإعادة في الوقت وهو كالعامد والجاهل.
فإن كان ذاكرًا لسفره 3 فصلى أربعًا ناسيأوهو يظن أنها ركعتان أعاد أبدًا، لكثرة السهو.
وذكر ابن نافع اختلاف قول مالك في المسافر إذا أتم ساهياَ هل يعيد في الوقت أو يسجد لسهوه.
وقال ابن المواز الذي رجع إليه ابن القاسم أنه يعيد في الوقت عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا.
وقال ابن المواز إذا عقد إحرامه على أربع فليعد في الوقت ساهيًا أو عامدًا.
وإن عقد على ركعتين فأكمل أربعاً فإنه يسجد للسهو ويعيد أبدًا في العمد.
وقال سحنون يعيد أبدًا لكثرة السهو.
قال ابن المواز ليس كسهو مجتمع عليه.
فأما الإعادة في الوقت مع نية الأربع 4 وفعلها فليأت بالصلاة على ما هو أكمل.
وأما اختلافهم في إبطال هذه الصلاة لكثرة السهو فقد قدمنا في باب السهو حكم السهو إذا كثر والاختلاف فيه.
ولكن هذا السهو ها هنا لما كان مختلفًا فيه وفي إباحة زيادته انخفضت رتبته عن السهو المجتمع عليه كما أشار إليه ابن

المواز.
وكان سحنونًا لم يعرج على هذا الاختلاف وأجراه على حكم كثرة السهو المجمع عليه.
وقد يحتج لجواز التنقل عن العدد الذي دخل عليه بفطر النبي عليه الصلاة والسلام مخيرًا بين أن يصوم أو يفطر بنية العزم على القضاء في المستقبل.
فإن اختار الصوم وتلبس به فإنه كاختيار المسافر القصر وتلبسه به، أو الإتمام وتلبسه به 1. فإذا انتقل إلى خلاف ما دخل عليه صحت صلاته قياسأ على إفطاره - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تلبس بالصوم.
فكانه أشار إلى أن المخيَّر في العبادة له التخيير في انتهائها كما في ابتدائها.
وقد أجاز مطرت من أصحابنا للصائم رمضان في السفر أن يُفطر بعد تلبسه بالصوم.
واحتج بهذا الحديث وإن كان مالك 2 قد منعه من الفطر.
وقيل إن إفطار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الناس أصابهم العطش وأبوا أن يفطروا حتى رأوه - صلى الله عليه وسلم - أفطر.
وهو يفطر في تبدل نية المسافر من 3 وجه آخر وهو ما كنا قدمنا الإشارة إليه من كون 4 الركعتين في حكم النافلة كان للمسافر تركها إلى غير بدل من غير ماثم يلحقه.
وإذا كان في معنى النافلة افتتح الصلاة على أربع كمفترض بركعتين ومتنفل بركعتين، والتنفل لا يلزم بالنية حتى يقارنها شروع في الفعل فينظر 5 في الزكعتين الأخيرتين لما كانتا متصلتين بالأوليين.
هل يقال إن الشروع في أول الصلاة كالشروع في آخرها كما نوى ركعتين نافلة وأحرم بهما فإن الشروع في الأولى شروع في الآخرة أو يقال إن الركعتين الأخيرتين لما اختلف حكمهما مع الأوليين لم يكن الشروع في أول الصلاة شروعًا فيهما.
وصار ذلك كمن نوى التطوع بصلاة وبحج 6 فإن الشروع في إحدى العبادتين لا يكون شروعًا في الأخرى لاختلافهما جنسًا.
وكذلك الركعتان الآخرتان لاختلافهما مع الأوليين حكمًا.
هذا مما ينظر فيه على هذه

الطريقة.
فإن قلنا ليستا بمعنى النافلة بل هما واجبتان كوجوب الأولى إلا أن يختار المكلف سقوط الوجوب.
ومنهم من لم يختر سقوط الوجوب نفيًا 1 على الأصل، فلا شك ها هنا في المصلي إذا نوى الأربع لم يكن له التنفل لأنه لما شرع في الوجوب لزمه على حسب ما شرع فيه.
وكذلك أيضًا ما حكيناه من كون المسافر إذا صلى أربعًا يعيد في الوقت وإن كان عامدًا، ينبغي أن ينظر في تعمده لذلك.
فإن كان قصد إليه لاعتقاده التخيير أو أن الإتمام 2 أفضل لاجتهاده أو تقليده في ذلك من يسوغ تقليده فإنه لا معنى للإعادة ها هنا.
أما المجتهد فإنا لو أمرناه ما أطاع، لأن الأمر له مثله.
وأما العامي فإنا نبيح له تقليد من قلده، لكنه لو فعل ذلك جهلًا بحكم صلاة المسافر لحسُن أن يقال بالإعادة في الوقت على القول بأن القصر سنة.
وأما على القول بأنه فرض أو أنه غير فقد أشرنا إلى ترديد القول في ذلك فيما تقدم ونبهنا على ما يجب أن يكون مقتضى المذهبين.
وإذا قلنا بالإعادة في الوقت فهل يكون الوقت وقت الاختيار أو وقت الضرورة؟ قال الأبياني وقته وقت الصلاة المفروضة.
وقال أبو محمَّد في صلاة النهار وقت النهار كله.
وقد قدمنا سبب الاختلاف في مثل هذا في مواضع.
وذلك أن إيقاع الصلاة في الوقت الضروري إيقاع فيه نقص وإيقاعها في السفر أربعاً إيقاع فيه نقص فأي النقصين أولى أن يعتبر؟ هذا هو موضع الاختلاف.
ومما يجري على ما قدمنا فيمن نوى شيئًا فاحب أن يفعل خلافه كمسافر صلّى بمسافرين فقام من اثنين فسبحوا به فتمادى وجهل، فإن الإِمام يعيد في الوقت.
واختلف في المأمومين ففي المدونة.
أنهم يقعدون فإذا سلم الإِمام سلموا بسلامه وتجزيهم صلاتهم.
وروي عن مالك أيضًا أنهم يسلمون وينصرفون.
ولمالك أيضًا أنهم يصلون معه ويعيدون.
فأمرهم بالتمادي معه.
وظاهر أمرهم أنهم أحرموا على ركعتين.
وقال سحنون إن أتم ناسيًا لسفره أو لإقصاره أو متأولًا فإنه يعيد هو ومن اتبعه في الوقت ويعيد من لم يتبعه أبدًا.
ألا ترى أنهم لو سبحوا به حين قام من الركعتين فرجع إليهم وسلم لكانت عليهم

الإعادة أبدًا لأن صلاته على أول نيته.
وأما إن أحرم على اثنتين فتمادى سهوًا فليسبحوا به إلى وقت لو سبح 1 وسلم لأجزاته.
فإن زاد سلموا أو قدموا من يسلم بهم وصاروا كإمام أحدث بغلبة.
قال ابن عبدوس يسبحون به إلى أن يرفع رأسه من الركعة فحينئذ يبطل على نفسه ويخرج القوم من إمامته.
وإن كان في القوم مقيمون أتموا لأنفسهم.
فأما اختلاف قول مالك فيهم فهل يسلمون الآن أو ينتظرونه حتى يسلموا بسلامه؟.. 2. اختلف قول مالك في ائتمام المأمومين فإن قلنا بصحة ذلك إتبعوه وإن قلنا بمنعه لم يتبعوه.
فإنما اختلف قول مالك فيهم هل يسلمون الآن أو ينتظرونه حتى يسلموا بسلامه، لأن النظر في تعديه وزيادته هل يكون بها كمفسد الصلاة فينعزل بذلك عنه ويسلمون دونه أو لا يكون كالمفسد فلا ينعزل عن السلام الذي يؤمرون به كما يؤمر به الإِمام.
وأما قول سحنون بإعادته وإعادة من اتبعه في الوقت إذا كان متأولًا أو ناسيًا لسفره.
فبناء على ما تقدم من توجيهنا إعادة المسافر في الوقت إذا أتم.
وأما إعادة من لم يتبعه أبدًا فلأجل أنه قدرهم كالخارج على الائتمام بإمامته متعمدًا.
فأما قوله فيه إذا كان زاد الركعتين سهوًا فإنه يعيد أبدًا، فقد قدمنا نقل ذلك عنه.
وأشرنا إلى أنه يرى أن كثرة السهو يبطل الصلاة، وإن كان مختلفًا فيه.
وإذا كان هذا هكذا فما 3 قاله من أن القوم لا يتبعونه صحيح.
ولكن لا ينعزل حتى يصير إلى حالة تبطل بها صلاته فيعزل حينئذ.
وأما تحديد ابن عبدوس ذلك برفع رأسه من الثالثة فبناء على أن صلاة المسافر ركعتان.
وأن زيادة ركعة 4 هي نصف صلاته تبطل الصلاة على طريقة من قال أن زيادة نصف الصلاة سهوًا يبطل الصلاة.
ومما يجري على هذا الأصل أيضًا مسافر أمّ بمقيمين وأتم بهم الصلاة، فإن المذهب اختلف فيه لما كان من حقهم أن يتموا أفذاذًا فأتموا بإمامة المسافر.
فروى ابن زياد أن المأمومين تجزيهم صلاتهم.
وقال ابن المواز: إذا

صلى مسافر بمسافرين ومقيمين، فأتم بهم فليعد الإِمام والمسافرون في الوقت واختلف في الحضريين فقيل لا يعيدون أيضًا إلا في الوقت.
وقال ابن القاسم يعيدون في الوقت 1 وبعده.
وقال ابن المواز: من أجل أن الركعتين اللتين كان ينبغي أن يصلوهما أفذاذًا صلوهما بإمام.
ولابن كنانة في غير الموازية أن الإِمام يسجد سجدتي السهو ولا شيء على المأمومين.
قال سحنون أصل هذه المسألة صلاة عمرو رضي الله عنه بالقوم جنباً فأجزأتهم الصلاة ولم تجزه.
وحمل ابن عبدوس كلام سحنون على أن الإِمام ابتدأ الصلاة ناويًا الإكمال ناسيًا لسفره.
قال وأما لو ابتدأها وهو عالم أو جاهل فإنها لا تجزيه ولا تجزيهم.
ألا ترى أن الجنب لو تعمد لأبطل على من خلفه.
قال وليس الجنب هكذا.
لأن الجنب ابتدأ الصلاة وهو ينوي أن يأتي بها بكمالها.
فأتى بها على ما نوى.
وهذا المسافر صلى ركعتين سهوًا فلا يعتد بهما أحد.
كالأمام يصلي خامسة فلا يعتد بها من فاتته الركعة الأولى.
وهذا الذي وقع في هذه المسألة من الاضطراب مأخوذ توجيهه مما قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب في كلامنا على من وجب عليه أن يصلي فذا فصقى بإمام.
وقد مضى فيه كلام مقنع، ومما أشرنا إليه ها هنا من أحكام الزيادة إذا كانت مختلفًا فيها هل تكون كالمتفق عليها.
وقول ابن كنانة بالسجود للسهو ينبني على هذا كما قدمنا الإشارة إليه وفصلنا القول فيه.
فمن تأمل ما أحلناه عليه علم وجه ما قيل في هذه المسألة.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويستمر المسافر على القصر وإن عرضت له إقامة ما لم يبلغ بعزيمته أربعة أيام بلياليهن فإن 2 بلغته أتم.

قال الفقيه الإمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن هذا القدر من الإقامة يبطل حكم السفر؟.
2 - وهل يحل غير هذا المقدار محله في قطع حكم السفر؟.

3 - وما حكم الشك في الأسباب القاطعة لحكم السفر؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة عشر قولًا، فقالت عائشة رضي الله عنها: إذا وضع المسافر رحله سواء كان في البلد أو خارجًا مثله.
وقال الحسن البصري: إذا دخل المسافر البلد أتم.
وقال ربيعة: إذا عزم على إقامة يوم وليلة أتم.
وعن ابن المسيب أربع روايات إحداها: إذا وطن نفسه على 1 أكثر من ثلاثة أتم.
والرواية الثانية: إذا أقام ثلاثة أتم.
والرواية الرابعة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتم 2. والرواية الثالثة: إذا نوى إقامة أربعة أتم.
وبه قال عمر وعثمان رضي الله عنهما ومالك والشافعي وأبو ثور.
وقال ابن حنبل: إن نوى إقامة مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة أتم.
وهذا كنحو التحديد بأربعة أيام 3. وقال ابن المواز وسحنون من أصحابنا: إن نوى إقامة يصلي فيها عشرين صلاة أتم.
وروي عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهما: إن نوى إقامة عشرة أيام أتم 4 وعن ابن عمر رضي الله عنه ثلاث روايات يروي عنه إن نوى إقامة ثلاثة إثني عشر يومًا أتم وبه قال الأوزاعي - والرواية الثانية إن نوى إقامة ثلاثة عشر يومًا أتم.
والرواية الثالثة 5 إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتم.
وروى ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة.
وهي الرواية الرابعة عن ابن المسيب وبها قال المزني.
وقال ابن جبير إن نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يومًا أتم.
وبه قال الليث.
وروي عن ابن عباس إن نوى إقامة تسعة عشر يومًا أتم.
وبه قال إسحاق.
فأما التحديد بأربعة أيام فوجهه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: يقيم المهاجر بمكة بعد

قضاء نسكه ثلاثاً 1. وقد كان المسلمون، لما هاجروا من مكة إلى المدينة حرم عليهم المقام بمكة لأنها دار شرك فلما صارت دار إسلام حرموا على أنفسهم المقام بها فأذن لهم - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أيام.
فأشعر ذلك بكونها في حكم السفر.
وأن ما زاد في حكم الإقامة، وجعل عمر رضي الله عنه لأهل الذمة لما أجلاهم من الحجاز إذا قدموا أن يقيموا ثلاثاً فدل على أن ما زاد على الثلاث في حكم الإقامة.
وقد جعل الله الثلاثة قريبًا.
قال ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ 2 فعقروها فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ 3. وأما دخوله - صلى الله عليه وسلم - مكة صبيحة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة وقد كان صلى الصبح قبل دخوله.
فأقام بها بقية الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح بها في اليوم الثامن ثم خرج إلى مني وكان يقصر في هذه الأيام.
وهذه المدة يصلى فيها عشرون صلاة 4، فإنه دخل بعد أن أصبح.
وإذا مضى بعض النهار لم يحتسب به.
وسيأتي ذكره علَى أنه لم ينقل أنه نوى إقامة هذا المقدار ونحن إنما نجعل الأربعة مؤثرة من حق من عزم على إقامتها.
ومن حد من أصحابنا بالعشرين صلاة.
فهذا الحديث حجة عليه، إلا أن يتأول أنه لم ينو إقامة هذا المقدار حين دخوله.
فإن تأول ذلك منع نفسه بأن يتعلق بهذا الحديث وطولب في تحديد العشرين صلاة بدليل آخر ولا يجد سوى ما قدمناه من الدلالة على اعتبار أربعة أيام.
فلما كان المسافر لا بد له من إقامة تتخلل سفره سقط اعتداد قليل الإقامة وافتقر إلى حد فاصل بين القليل منها والكثير، فكان التحديد بالثلاث أولى لما قدمناه من الأدلة.
وأما أبو حنيفة فانه رأى أن تحديد القليل بما دون الخمسة عشر إذ الأغلب أنه لا يقيم الخمسة عشر يومًا وهو عازم على السفر.
ويحتج أبو حنيفة أيضًا بقول ابن عباس وابن عمر: إذا قدمت بلدًا وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا فأكمل الصلاة.
والظاهر أنهما لا يقولان ذلك إلا عن توقيف.
وأجيب عن هذا بأن عثمان رضي الله عنه قال: من أجمع على إقامة أربعة

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل