اختلافهما (مما) 1 يؤدي إلى فساد العقد مثل أن يقول أحدهما 2 بعت لك هذه السلعة ولم ترها ولم أصفها لك أو بثمن إلى أجل مجهول 3 وما أشبه ذلك، ويدعي الآخر أنه قد رآها ووصفت له وأن الأجل في الثمن معلوم، فالقول قول مدعي الصحة منهما مع يمينه.
وإن كان اختلافهما فيما ينفي اللزوم مثل أن يدعي أحدهما أنه شرط الخيار لنفسه وينكر إلآخر ذلك، فالقول قوْل من ينكر، وعلى مدعي اشتراطه البينة.
وإن كان ذلك في حق من حقوق العقد فإن كان ذلك في عين الثمن وجنسه تحالفا وتفاسخا.
وإن كان في مقداره فالأظهر من المذهب أنه إن كان قبل القبض تحالفا وتفاسخا.
وإن كان بعده فالقول قول المشتري مع يمينه 4. وإن كان الاختلاف في قبض الثمن رُجِع إلى العرف في موضعهما وحلف من يشهد له العرف منهما.
وإن لم يكن عرف فالقول قول البائع مع يمينه.
قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال 5:
- الاختلاف في الأعواض يكون في الماهية والكمية والكيفية والزمان والمكان والايصال والأحكام،
- فالماهية اختلاف المتبايعين في جنسين، مثل أن يقول البائع: بعتك بمائة دينار مائة قفيز تمرًا، ويقول المشتري: بل اشتريت منك بها مائة قفيز قمحًا.
- والاختلاف في الكمية أن يقول البائع: بعتك ثوبي هذا بعشرة دراهم، ويقول المشتري: بل بعته منّي بثمانية دراهم.
- والاختلاف في الكيفية أن يقول اليائع: أسلمت إليَّ عشرة دنانير في عشرة أقفزة محمولة، ويقول المشتري: بل بعته منّي إلى شهرين، أو يقول البائع: بعته منك بثمن حالٍّ، ويقول المشتري: بل إلى شهر.
- والاختلاف في المكان، مثل أن يقول البائع: أسلمت إليّ في عشرة أقفزة قمحًا نأخذها بمكة، ويقول المشتري: بل بالمدينة.
- والاختلاف في الأيصال أن يقول المشتري: دفعت الثمن، ويقول البائع: لَم أقبضه، أو يقول البائع: سلمت لك السلعة، ويقول المشتري: لم تسلمها إليّ.
- والاختلاف في الأحكام أن يقول المشتري: عقدنا حلال ويقول البائع: بل حرام.
فكان مقتضى هذا الترتيب أن نبدأ بالكلام على اختلافهما في الماهية، وهي قوله: ما الشيء، قبل الكلام في الكمية وهي قولنا (...) 1 كيف الشيء؟ وللسؤال عن الماهية قبل الكمية والكيفيّة، وهو قد بدأ فيها بالكلام في الاختلاف في الكمية.
واعلم أنّ اختلاف المتبايعين 2 لا يخلو أن يختلفا في ذلك والسلعة بيد البائع 3 أو قبضها وانصرف بهالأولم تتغير في نفسها ولا سوقها أو تغيرت 4 أو سوقها.
فهذه الأربعة أقسام في كل قسم في المذهب عندنا قولان، هل يجب 5 أو يصدق فيه المشتري سوى اختلافهما 6 والسلعة في يد البائع فإنه لا خلاف عندنا وعند فقهاء الأمصار أن الحكم التحالف والتفاسخ.
وذهب أبو ثور إلى أن القول
قول المشتري في مقدار الثمن.
وهذا نوع يضبط به الخلاف في هذه المسألة.
وإن شئت أن تقول: في المذهب خمسة أقوالذي هذه المسألة:
أحدها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان فا لم يقبضها المشتري.
وإذا قبضها صُدق في الثمن.
والقول الثاني: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يَبِينَ بها المشتري فيصدق.
وهذه الرواية مذكررة عن مالك في كتاب المكاتب من المدونة.
ويشير بعض الأشياخ إلى أن قوله في كتاب الرواحل والدواب حكايته عن قول غير ابن القاسم إذا قال: بعت منك بهذه المائة التي قبضتها مائة إردبّ إلى سنة.
وقال المشتري: أكثر من ذلك.
أن قوله: بهذه المائة، يشير إلى أنهما لم يفترقا حتى اختلفا؛ ولم يجعلهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا التعليل إن كان هو الذي أراد بما أشار إليه في كلامه فإن فيه احتمالًا وقد يكون افترقا ثم عاد القابض فأشار إلى المائة وخالف في المشتري بها.
والقول الثالث: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها المشتري وبأن بهما، إلا أن يفوت بتغير سوق أو بدن فيكون القول قول المشتري.
هذه رواية ابن القاسم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم، وهي مذهب أبي حنيفة وتبعه تلميذه القاضي أبو يوسف.
والقول الرابع: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن فاتت.
روى هذا أشهب عن مالك، وبه أخذ أشهب، وهو مذهب الشافعي، وتابعه محمَّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة.
وهذا المذهب الذي كان يفتي به شيخنا رحمه الله، وأنا أمَّتي به أيضًا.
والقول الخامس: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كانت السلعة قائمة وادعيا جميعًا ما يشبه.
فأما إن ادعى أحدهما ما لا يشبه وادعى الآخر ما يشبه، فإن الذي ادعى ما يشبه هو المصدق فصار هذا قولًا خامسًا إذا ادعى أحدهما ما يشبه والآخر ما لا يشبه.
فأما إذا ادعيا جميعًا ما يشبه فليس في المذهب سوى
الأربعة أقوال التي ذكرنا.
وسبب هذا الخلاف تعارض آثار وطرق أعيان.
فأمّا الآثار فإنه عليه السلام قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 1 وهذا وإن لم يرد فيما نحن فيه من هذه المسألة فإن عمومه يحسن أن ينطبق عليها، فيقول مالك في أحد أقواله، والشافعي الموافق له على هذا القول: كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، فالمشتري يدعي البائع عليه زيادة في الثمن، فإذا قال البائع: بعتك هذه السلعة بمائة، وقال.
المشتري: بل بخمسين فلا شك أن المشتري مدعى عليه بخمسين وهو ينكرها، فعلى البائع البينة لكونه هو المدعي لها، وعلى المشتري اليمين في إنكارها.
وكذلك حال البائع فإنه مدعى عليه أنه باع سلعة بخمسين، ونقل ملكه عنها بهذا المقدار، وهو يقول: لم أبعها إلا.
بمائة، وإنما نصفها هو المبيع بخمسين، والملك قد ثبت في الأصل له، فهو مدعى عليه فيه فيكون القول قوله فيما أنكر من ذلك، وعلى المشتري المدعي 2 أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه.
وقد ورد هذا الحديث 3 هذا تحليفهما جميعًا على ما أنكراه وتبقى كل منكر مصدقًا فيما أنكره 4 يقتضي الفسخ.
وهذا التصوير واضح معقول المعنى وواضح دخوله 5 عند من قال بالعموم.
وإذا تقرر هذا التصوير واشتمال الحديث عليه، فهذا في حال فوت السلعة على حسب ما تصور في قيامها من غير فرق بينهما 6 التحالف والتفاسخ وإن فاتت السلعة.
ويعضد هذا الاستدلال الاتفاق على أن رجلًا إذا قال لآخر: بعت منك سلعتك بكذا وكذا،
وقال صاحب السلعة: لم أبعها منك أصلًا، فإن القول قول صاحبها في إنكار بيعها جملة، فكذلك إنكاره في بيعها، إلا على الصفة التي ذكرها.
وأيضًا فإنهما لو اختلفا في جنسين لتحالفا لأن البائع إذا قال: بعت منك تمرًا، وقال المشتري: ما اشتريت منك إلا قمحًا، وكل واحد منهما ينكر صاحبه فيحلف على ما أنكر، فكذلك اختلافهما في الثمن لأن البيع بمائة غير البع بخمسين، فصار ذلك كعقدين مفترقين اختلفا فيهما، فلابد من تحالفهما، فيحلف كل واحد منهما على ما أنكر من العقد الذي ادعى عليه به.
على أن هذا قد يجاب عنه بأن يقال: هما متفقان على أن لم يكن بينهما سوى عقد واحد، فلم يتضمن اختلافهما (سواه عزى) 1 البائع على المشتري عمارة ذمته بدراهم لم يقر بهما فيجب تصديق المشتري المدعى عليه وهذا المعنى الذي قاد أبا ثور إلى أن جعل القول قول المشتري بمجرد اتفاقهما على أن العقد قد وقع، ويزعم أنهما متفقان على أن الملك انتقل للمشتري وما اتفقا عليه لا يقدر فيه تحالف بينهما.
وإذا علم من ناحية العقل، عند تتبع أصول الشرع، أن اليمين إنما يكون فيما اختلفا فيه لا فيما اتفقا عليه، وعُلم ها هنا أنهما متفقان على انتقال الملك لم يتصور بينهما الاختلاف إلا في تعمير ذمة المشتري بدراهم، وهو ينكرها، فيصدق في إنكاره.
وكذلك أيضًا يجاب عن استبعاد حال الفسخ مع القيام، وإسقاطه مع الفوت؛ لأن المطلع على عيب فيما اشتراه له الفسخ مع قيام السلعة، ولا فسخ له مع فوتها، وإنما له الأرش.
وينفصل عن هذا بأن العيب الغرض منه استدراك المشتري ظلامة ظلم بها، فمنع 2 القيام يتجه استدراكها بالفسخ، ورد المبيع، ومع الفوت يتجه استدراكها بأخذ قيمة العيب، إذ لا يتصور استدراك ظلامة في رد قيمة السالم من هذه السلعة، بل ربما كان في هذا ضرر عليه، والتحالف في اختلاف المتبايعين في اليمين ليس طريقه طريق
استدراك الظلامة، ولا يعرف مَن الظالم منهما فلا ترتفع الظلامة إلا بأن تراث 1 العقد ويفسخاه.
هذه طريقة من رأى الفسخ وإن فاتت السلعة قد أبّنا وجه الحجة فيه من جهة الأثر وطرق العِبر، وأدرجنا في ذلك قول أبي ثور وهو طرف نقيض مع هذا المذهب؛ وما سوى هذين من أهل المذاهب المذكورة يتعلقون أيضًا بأثر آخر وهو ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه باع من الأشعث شيئًا فاختلفا في ثمنه فحكم المشتري ابن مسعود في المسألة، فقال ابن مسعود: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان" 2. وفي بعض الروايات في هذا الخبر تقييد بقوله: والسلعة قائمة.
ودليل هذا الخطاب يقتضي أنهما لا يتحالفان مع فوتها، مع القول بإثبات دليل الخطاب، ويكون هذا المستفاد من دليل الخطاب مخصصًا لعموم قوله "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 3. وهذا ينظر فيه من جهة أصول الفقه، من القول بدليل الخطاب.
وفي تخصيص العموم بدليل الخطاب اضطراب.
وهذا مبسوط في كتب أصول الفقه.
على أن الحديث قدح في سنده، وذكر أنه مرسل.
لكن قد روي أنهما إذا كانت السلعة قائمة؛ وإن فاتت فالقول قول المشتري.
وروي إذًا اختلف المتبايعان أستُحلف البائع، فلو ثبت قوله: فإن استهلكت فالقول قول المشتري، لم يكن هذا تخصيصًا بدليل الخطاب.
وروي أنه عليه السلام قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار" (3) ولم يذكر في هذه الرواية أنهما يترادان.
وأما الرواية التي فيها "ويترادان" فإنها أيضًا تؤكد الرواية المشترط فيها قيام السلعة؛ لأن الترادّ تفاعل إنما يكون بين إثنين، وهذا لا يتصور إلا مع كون السلعة قائمة يتأتى ردها ويرد الآخر الثمن، فيكون ترادًا.
وأمّا إذا فاتت فإنما يرد المشتري القيمة، وليست القيمة هي عين السلعة، فينطلق
عليها حقيقة قوله "ويترادان".
فهذا طريقة من منع من التحالف مع الفوت.
لكن ما قيل عندنا: إن قبض المشتري يوجب تصديقه وإن لم ينصرف بالسلعة، إنما صار إلى ذلك من قال به، لأجل أنه ترجحت عنده جهة المشتري بالقبض؛ لأنها لو هلكت في يديه بعد قبضها لضمنها، وضمانه إياها يوجب قوة جهته في هذا الاختلاف.
كما قيل: إن من باع سلعة من واحد ثم من آخر، أن الآخر أحق بها إذا قبضهلالأجل ضمانه لها أيضًا، فإن تسليمها للمشتري كالائتمان له على الثمن، لكن القول الآخر أنه إنما يصدق إذا بأن بها، قدر حقيقة الائتمان في الثمن إنما يتصور إذا ترك البائعُ المشتريَ ينصرف بها، ثم يطلبه بالثمن، ولعل اشتراط الانصراف بها التفاتٌ لقول من قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.
فكأن البيع لم ينعقد إلا بالافتراق.
وأما من ذهب إلى تصديق من ادعى ما يشبه مع قيام السلعة، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون واختاره أصبغ، وحكى ابن المواز عن أشهب في اختلافهما في المقدار والجنس: أنه إن عرف صدق أحدهما وكذب الآخر كان القول قول من عرف صدقه.
وهذا موافقة لما حكيناه عن هؤلاء، وهو الذي يسبق إلى النفس عند اعتبار أصخول المذهب؛ لأن المذهب مبني على تصديق من شهد بصدقه العرف والعاهة 1، كما قالوا في اختلاف الزوجين في متاع البيت: إن ما يعرف بالرجال دون النساء يكون للرجل، وما يعرف للنساء دون الرجال يكون للمرأة.
واستدل على ملك الحائط الفاصل بين دارين بما تدل عليه العوائد من شواهد القُمُط وغيره 2؛ فكذلك إذا اختلفا في الثمن يجب أن يصدق من ادعى الثمن الذي الغالبُ التبايع به، دون من ادعى ما لا يتبايع به غالبًا في تلك السلعة.
ومن خالف هذا المذهب من أصحابنا يرى أن العوائد إنما تجعل أدلة على التصديق عند التنازع إذا لم يترجح أحد المتنازعين على صاحبه بدلالة ينفرد بها؛ والبائع ها هنا قد ترجح جانبه، فإن مِلْك السلعة سابق لهْ وهو يُدَّعَى عليه أنه انتقل عنه بثمن
ينكر البيعَ به، فصار دلالة سبق ملكه وحيازته أَرجَحَ من دلالة العرف، لا سيما إن ثبت الحديث بإيجاب التحالف عند التنازع، على حسب ما قدمناه عند ذكرنا الأحاديث.
فإنه إن ثبت لم يعدَل عنه، ولم يردّ شواهد أصول قد أُرسِيَ وجة القدح في التعلق بها.
وبعض أشياخنا يشير إلى أن هذا الاختلاف في تصديق من ادعى ما يشبه إنما يتصور إذا كانت دعوى من ادعى ما يشبه مما يمكن، لكن الغالِبَ خلافها.
وأما إذا كانتْ من الوضوح في الاستبعاد تكاد تلحق بالمحال، فإنه لا يختلف ها هنا أن من ادعى ما لا يمكن، لا يصدق، بل يصدق صاحبه، كمن زعم أنه اشترى سلعة قيمتها ألف دينار بدينار، وهو والبائع عارفان بالقيمة، فإن هذا يكاد يلحق بما لا يمكن، بل يلحق بمن أقر بالبيع والشراء وكتم الثمن، فإنه يصدق من ادعى معرفة الثمن، ويختلف في استحلافه.
وقد أشار بعض الشيوخ إلى أن الذي تقرر من الروايات عن مالَك ثلاث روايات:
- تصديق المشتري إذا قبض السلعة وبأن بها.
وأن هذه رواية ابن وهب. - وتصديقه إذا فاتت بحوالة سوق أو تغيُّر بدنٍ ..
- والتحالف وإن فاتت.
وهذه الثلاث روايات رواها اين القاسم بن مالك.
وغيرُه يشير إلى أنها أربع روايات، وأن ابن وهب روى عنه: أن المشتري إذا قبضها صدّق.
فهذا ضبط الخلاف والكشف عن الطرق التي من أجلها وقع الخلاف.
وإذا وضح لك الحكم في الاختلاف في مقدار الثمن المقصود منه النزاع فيما يجب على المشتري فلنذكر الاختلاف في الثَّمن المقصود منه ما يجب على البائع رده.
وذلك يكون بثلاثة وجوه: أحدها أن يكون بفساد عقدهما ورد الثمن المقبوض، فيقول البائع: إنما كان الثمن ثمانية دنانير وهي التي قبضتُ.
ويقول المشتري: بل عشرة، وهي التي دفعتُ إليك.
فها هنا يصدق البائع لأن العقد منحلّ، فصار محصول هذا التنازع أن المشتري يدعي على البائع دينًا يستحق أخذه منه، والبائع ينكر ذلك، والمنكر هو المصدق مع يمينه.
والثاني: أن يختلفا في الثمن فيتحالفان ويتفاسخان، ويدعي المشتري على البائع أنه دفع إليه أكثر مما أقر به البائع، فيصدق البائع ها هنا أيضًا، لكون المشتري يدعي دينًا عليه وهو ينكره.
والوجه الثالث: أن يتقايلا في بيع صحيح، ويختلفا في الثمن، فها هنا قال في المدونة: إذا تناقضا السلم واختلفا في رأس المال، فالقول قول البائع.
وهذه مسألة تنازع الأشياخ في تأويلها، فقال بعضهم: محمل هذا الذي ذكر في المدونة على أنهما تناقضا البيع لكونه منقوضا في الشرع لأجل فساده، فيكون القول قول البائع، لما قدمناه في القسم الأول، ولا يكون في المسألة تعقّب؛ لأن العقد منتقض وردّ ما نقض واجب، والقول قول غارمه.
وأشار بعضهم إلى أن قوله: تناقضا السلم؛ ظاهره أنها إقالة وقعت باختيارهما؛ لأن قوله: تفاعلا، يقتضي أن كل واحد مثهما دخل في العقد كما دخل فيه الآخر باختياره، كما يقال: تضاربا وتقاتلا.
لكن حمل المسألة على أنها إقالة يكون قوله: تناقضا السلم، يشير إلى كونها إقالة تتعقب، لقول سحنون: إذا أسلم إليه في طعام فتقايلا واختلفا في رأس المال أن الإقالة منفسخة.
وقال بعض الأشياخ إنما ذكر سحنون كونها منفسخة لأجل النزاع في الثمن الذي وقع به العقد 1 بحكم التقايل بل رده يفتقر فيه إلى خصام وترافع إلى الأحكام 2، ومن شرط الإقالة في السلم أن يتناجزا في رأس المال، ولا يجوز تأخيره ولا تأجيله لئلا يقع في فسخ دين في دين، وهذا التعليل الذي عللوا به ما قاله سحنون إنما يطرد حيث لا يحضر الخصمين الحكام؛ فلو صورت المسألة في مختلفين في رأس المال وقد تقايلا، والحاكم حاضر يقضي بينهما في الحال من غير تأخير، لبطل هذا التعليل، ومن حق التعليل أن يكون متصورًا في سائر فروع المسألة وأحوالها.
فإذا وضح ارتفاع هذه العلة حيث يحضر الحكام لا سيما أن التأخير ها هنا بغلبة أحدهما وجحوده الحق، فيصير الآخر مغلوبًا
على ترك التناجز.
وسنذكر الغلبة على المناجزة في الصرف في موضعه إن شاء الله.
تطلبنا النظر في وجه آخر قد تُعقَّب به المسألة.
وذلك أن الإقالة في الطعام على أقل من رأس المال لا تجوز لكونها بيع الطعام قبل قبضه، والشرع إنما رخص في الإقالة لكون الثمن إذا رُدّ على ما هو عليه صار ذلك حَلاّ للعقد الأول، فإذا رد أقل من ذلك أو أكثر، صار ذلك ابتداء بيع الطعام قبل قبضه، فلم يجز ذلك.
فيقتضي هذا كون الإقالة فاسدة على مقتضى دعوى المشتري؛ لأنه يقول: أسلمت عشرة دنانير في طعام، ثم أقلْتُ منه، ومن شرط إقالتي وجوازها كوني لا آخذ أقل من رأس المال، (فإذن قضيتم عليّ بإمضاء الفساد وإِتمام ما لا يجوز على مقتضى قولي) 1.
وهذا التعقب دعا بعض الأشياخ إلى أن قال: يمكن أن يكون ما وقع في المدونة المراد به أن السلم وقع في عروض، والعروض يجوز بيعها قبل قبضها، والإقالة على أقل من رأس المال.
فلهذا لم يشر في المدونة إلى تعقب المسألة من جهة دعوى المشتري، ويتضمن دعواه كون فعلهما فاسدًا.
ويشير أيضًا إلى أن الإقالة وقعت على الصحة والجواز، وإنما تعاقدا على لأرأس المال لا أكثر ولا أقل.
فبعد فردت 2 الإقالة الصحيحة جحد البائع بعض الثمن فلا يؤثر ذلك في صحة الإقالة.
وهذا قد يجاب عنه بأن الإقالة ها هنا يعتبر مع صحة عقدها صحة التقابض فيهلالما قدمناه من منع تأخير رد رأس المال وإن لم يشترط في أصل الإقالة تأخيره.
وإذا كان القبض فيها معتبرًا والعقد موقوفًا على صحته اقتضى ذلك تعقب هذه الإقالة من جهة دعوى المشتري، لكونها تتضمن أن كونه فاسدًا لا يجوز العقد عليه، لكن لا يجب تصديقه في الفساد مع دعوى البائع
صحة الإقالة، إذ المختلفان في صحة العقد وفساده لا يصدق مدعي الحرام ويكذب مدعي الحلال، على ما سيرد بيانه.
وإذا لم يجب تصديق المشتري على البائع وجب أخذ كل واحد منهما بمقتضى قوله، فيترك البائع وما هو عليه لكونه لم يقرّ على نفسه بفساد.
ويقال للمشتري: أنت أقررت على نفسك بفساد الإقالة، وإذا فسدت وجب ردّكما إلى انعقاد السلم على ما كان عليه، فيوقف المقبوض من الثمن حتى يحل الأجل فيشتري له مثل مالَه في ذمة البائع من السلم، فإن وفَّى فلا مطالبة له ولا عليه، وإن قصر ما قبض على ثمن ما لَه في الذمة من السلم، كان ذلك جائحة عليه لكونه لا يصدق على البائع لما قدمناه.
وإن فضلت فضلة مما قبض، بعد أن اشتريت له المكيلة التي له في الذمة، كانت تلك الفضلة على قوله للبائع توقف له حتى يرجع إلى تصديق المشتري، فيأخذها أو يتصدق بها.
وقد أشار بعض الشيوخ إلى ما قدمناه من حمل مسألة المدونة على أن الإقالة كانت صحيحة لقوله: تناقضا السلم؛ وأنه قد يمكن أن يكون ذلك في العروض فلا يكون في المسألة تعقب، أو في الطعام فيعتبر يكون الإقالة انعقدت على الصحة، ووقع الجحود بعد ذلك.
لكنه بعد هذا أشار إلى أنهما في الإقالة الصحيحة يتحالفان ويتفاسخان.
وأشار بعض أشياخي إلى أن التحالف والتفاسخ هو البخاري على أصل ابن القاسم، على حسب ما يراه في اختلاف المتبايعين في الثمن، وأن القول قول البائع، كما ذكر في المدونة على رواية من يرى أن القبض فوت؛ لأن البائع قابض لرأس المال ولما عليه من السلم.
وهذا عندي يستند إلى أن الإقالة كابتداء بيع فيجري فيهما من الخلاف ما قدمناه، أو الإقالة حلّ بيع فيصدَّق الغارم، وهذا مما ينظر فيه.
وإذا تقررت أحكام الاختلاف في الثمن فإن الاختلاف في المثمون جار عليه، إذ لا فرق ها هنا بين ثمن ومثمون، بل كل واحد منهما ثمن لصاحبه ومثمونًا له، لكن العرف بتسمية الدنانير والدراهم ثمنًا، والعروض والمكيلات والموزونات مثمونات.
ومع هذه فإن البيع في هذه المثمونات ربما كان نقدأوربما كان نساء.
فأما إذا كان نقدًا فمثال إجرائه على ما قدمناه من الاختلاف في التنازع في الثمن أنه لو باع ثيابًا معينة من رجل وهي عشرة، فقال البائع: بعتك منها تسعة بمائة دينار، وهذا العاشر باق على ملكي.
وقال المشتري: بل اشتريت العشرة كلها بالمائة دينار.
فإن الثوب العاشر، الذي لم يقر البائع ببيعه ولا انتقال ملكه عنه، هو مصدق فيه، والمشتري مدع عليه أنه باعه منه.
ومن ادعى على رجل أنه باع منه ثوبه فإن القول قول صاحب الثوب: إني لم أبعه، باتفاقٍ.
وهذا الحكم لا يتغير في هذا العاشر بكونه مضافُ اإلى التسعة أثواب أخر.
وأما التسعة أثواب فإنها إذا كانت قائمة في يد البائع، لم يقبضها المشتري، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، لكونهما مختلفين في ثمنها، فالمشتري يقول: إنا نحب أن ندفع في السلعة تسعين دينارًا؛ لأني اشتريت عشرة بمائة، فكل ثوب ثمنه عشرة.
والبائع يقول: بل ثمن السلعة مائة دينار.
فهما مختلفان في ثمن السلعة فيتحالفان ويتفاسخان.
فإن قبض المشتري الثياب ولم يبِنْ بها صدّق، على رواية ابن وهب، إن بأن بها صدق على الرواية التي وقعت في كتاب المكاتَب.
وإن حال سوقها أو تغيرت في نفسها، على حسب ما بيناه في الرواية المتقدمة.
وأما الثوب العاشر فيردّ إلى بائعه، وإن تغير أو حال سوقه، وينظر في أحكام تغييره، ومَن غيّره، على حسب ما يبين في كتاب الاستحقاق.
وهذا الذي مثلنا به الاختلاف في المثمون، وصورناه في اختلافهما في عدد ثياب بيعت جار في سائر العروض والمكيلات والموزونات على حسب ما نص عليه في الموازية وغيرها.
لكن ذكر ابن حبيب عن مطرف عن مالك أنه قال، في رجلين تبايعا طعامًا، فقال البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينارة وقال المشتري: بل أربعة بدينار، إن البائع لا يؤخذ منه من الطعام بأكثر مما أقرّ به، فيؤدي في الثلاثة
أرادب ثلاثة أرباع دينار.
وهذا اختلاف في المثمون لم يوجب فيه التحالف والتفاسخ مع القيام، وعدم القبض، على ظاهر هذه الرواية.
وهذا مذهب من ذكرنا أن فقهاء الأمصار على التحالف والتفاسخ إذا لم تفت السلعة ولا قبضت، إلا أبا ثور فإنه يذهب إلى أن القول قول المشتري وإن كانت السلعة في يد البائع.
ودعا بعضَ المتأخرين شذوذُ هذه الرواية إلى أن رأى أن العذر عنها كون الاختلاف بين المتبايعين وقع في مكيل، والمكيل والموزون عنده بخلاف العروض؛ لأنه مما يعرف بعينه.
واستند في هذا التأويل إلى قوله في المدونة في اختلاف المتبايعين في السلم، هل وقع السلم في ثمانية أرادب أو في عشرة: إن القول قول البائع إذا حل الأجل؛ مع كون هذا الطعام المسلم فيه لم يقبض، لكنه لما كان مما يعرف بعينه لم يرل القبض.
وكذلك عقده لو كان الاختلاف في عروض في الذمة لجرت مجرى المكيل والموزون.
ولما كان ما في الذمة لا يتعين وهذا الذي استند إليه غير صحيح لأنه ذكر في المدونة في هذه المسألة أن اختلافهما إذا وقع بقرب العقد أو بعد أيام.
يسيرة فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وطرْد ما اعتذر به يقتضي أن يكون القول قول البائع، وإن اختلفا بقرب العقد أو بعده، إذ المسلّم فيه لا يختلف كونه غير معين بقرب العقد أو بعده.
وهذا واضح.
على أن هذا الرجل أشار إلى أن البائع إنما صدق إذا حل الأجل لكون القبض مستحقًا إذا حل الأجل.
وهكذا المعينات لما كان القبض مستحقًا فيها في بياعات النقود جعل استحقاق القبض كالقبض.
وهذا يشير إلى اعتذار آخر عما حكيناه من رواية ابن حبيب لكن هذا أيضًا ينتقض بقوله في الرواية: إن الأجل إذا طال أو حل فإن القول قول البائع، وإذا طال ولم يحل الأجل فالقبض غير مستحق.
وسننبه الآن على وجه التفرقة بين القرب والبعد.
فهذا القول في الاختلاف في المثمونات إذا بيعت نقدًا.
وأما إذا بيعت نساء فإنها أيضًا تجرى على ما قدمناه من الاختلاف في اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن.
فرواية ابن حبيب أن قبض السلعة فوت يوجب تصديق المشتري في مقدار الثمن، يقتضي أيضًا تصديقال في عليه السلم في مقدار ما عليه إذا
قبض رأس مال السلم وإن لم يَبِنْ به.
وعلى الرواية الأخرى إنما يصدق إذا قبضه وبأن به.
وعلى رواية ابن القاسم لا يصدق وإن بأن به حتى يقع الفوت.
فرأى ها هنا أن المسلم إليه إذا قبض رأس مال السلم، وطالت الأيام، فإنه قد حصل لديه انتفاع من تَجْرٍ به، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع، فصار انتفاعه به كالفوت في السلعة المقبوضة؛ لأن السوق إذا ح الذي السلعة المعينة صدق المشتري، لما يقع من الضرر بالفسخ عند التحالف.
وكذلك ها هنا إذا أوجبنا التحالف والتفاسخ لَحِق المسلم ضرر لكون مالِه انتفع به زمنًا طويلًا، ثم رُدَّ عليه من غير عوض، والمسلم إنما يعجل النقد ليحصل للمسلم إليه الانتفاع به، ولهذا يبيعه ما عليه من الطعام نسيئة برخص.
وقد قدمنا أن هذا المعنى هو العلة في جواز السلم، فوجب اعتبار طول الانتفاع برأس المال (وأن نقد وذلك فوتًا) 1. وكان بعض أشياخنا يرى هذا التعليل صحيحًالأولكنه يقل 2 الأمر إلى المسلم، فإن شاء أسقط حقه في هذا الضرر، وطلب أن يحكم بينهما بالتحالف والتفاسخ، ويرد إليه رأس ماله بعوإلانتفاع به.
وإن شاء لا يسقط حقه في الضرر فيه، وطلب أحكام الفوت، فيصدق البائع ويدفع من العوض ما أقرّ به.
وهذا ينظر إلى أحد القولين فيمن اشترى سلعة فاطلع فيها على عيب، وقد حدث عنده عيب آخر، أنه بالخيار من أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يناله من ضرر بغرامة قيمة ما حدث عنده، أو يرد ويرد ما نقص.
فإذا قال البائع: أنا أرفع عنك غرامة ما نقص فيزول عنك الضرر الموجب لك أخذ قيمة العيب مني.
فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب.
وفي قول آخر عندنا أنه يمكن.
فأنت تراه في أحد القولين كيف أوجب له خيارًا لأجل الضرر، فإذا ارتفع الضرر زال تخييره.
فهذا فيه ملاحظة لهذا الذي اختاره بعض أشياخنا.
ولو كان رأس مال السلم ثوبًا وتغير سوقه من غير انتفاع لكان ذلك فوتًا يوجب تصديق البائع فيما عليه من السلم.
وهكذا لو حال سوق السلعة في بيع
النقد، واختلف في الثمن، لكان ذلك فوتًا.
لكن قد يقال ها هنا أيضًا: هلا جعلت الخيار لمن عليه الضرر في فوت السلعة! فإن حال سوقهم ابن قص كان من حق البائع أن يقول: إنما أتحمل الضرر بنقص السوق، ولا يلزمني بيع سلعتي بأقل مما أقررت به، فنتحالف ونتفاسخ.
وشيخنا هذا لم يطرد مقاله في هذا الذي اعترضنا به وهذا مما ينظر فيه.
وأما على رواية أشهب الذي يوجب التحالف والتفاسخ وإن فات المبيع، فإن شيخنا هذا كان يرى أن الأجل إذا حل ووقع الانتفاع برأس المال، فإنهما يُحمَلان على الوسط من سلم الناس في عقدهما، لئلا يظلم المسلم برد رأس المال عليه بعد التحالف، على حسب ما قدمناه عنه.
وهذا أيضًا مما ينظر فيه على أصل أشهب.
وقد قال بعض الأشياخ: لا معنى للتفرقة التي وقعت في المدونة بين قرب زمن العقد أو بعده.
وذكرنا عن غيره أن الأجل إذا حل استحق القبض، بخلاف كونه لم يحل.
وذكرنا هذه الطريقة الثانية من اعتبار الانتفاع برأس المال وتقدير ذلك فوتا.
فعلى هذه الطريقة قد يحسن ما قاله هذا الشيخ من حملها على أصل أشهب على الوسط من سلم الناس في عقدهما.
وقد قررنا اختلاف الروايات عن مالك وكون ابن القاسم اختار منها تصديق المشتري مع فوت السلعة في يديه بتغير سوق أو ذات، فيبقى النظر في هذا الفوت لو وقع، والسلعة في يد البائع، هل يكون هذا الفوت في يد البائع يوجب تصديق المشتري أم لا؟ هذا مما أخرجه أصحابنا على اختلاف قول مالك في المحبوسة بالثمن هل ضمانها من البائع أو من المشتري؟ إذ لا غرامة عليه فيما حدث بها فيكون عليه ضرر في إلزامه القيمة فيبقى الحكم على ما هو عليه من التحالف والتفاسخ.
ولو كان هذا التغيير 1 بعيب حدث لكان للمشتري الرد به من غير تحالف لكون البائع ضامنًا لهذا العيب الحادث في حال احتباسه إياها بالثمن.
وإن لم يقم المشتري بهذا العيب ورضي به، وقام بالاختلاف في الثمن، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وإن قلنا: إن ضمانها من المشتري، وهي في يد البائع
كالرهن بالثمن، فإن التغيير (6) ها هنا في سوقها أو ذاتها يوجب تصديق المشتري في الثمن، كما لو فاتت في يده.
لكن يعرض في هذه المسألة حكم آخر، وهو كون المشتري، الذي صار ها هنا راهنًا، لا يصدق في مبلغ الدين إذا ادعى منه دون قيمة الرهن، والمرتهن لا يعمر ذمة الراهن بما لم يقر له به، وإنما له حبس الثمن حتى يُفتك منه بقيمته التي ادعاها وزعم أنها دين له على المشتري والسلعة رهينة بها، ويكون الرهن شاهدًا على نفسه لا على الذمة، على إحدى الطريقتين؛ فإذا كان المبيع جارية، وحدث بها في أيام احتباسها بالثمن عور، وهو في التقدير ربع قيمتها، صار هذا الربع قد فات في يد المشتري، فيصدق في مقدار ثمنه، كما يصدق في ثمن سلعة فات جميعها في يديه.
وقد قررنا على هذه الطريقة التي يحكم فيه 1 بكونه ضامنًا لما حدث من عيوب أن هذا الحادث في يد البائع يقدر أنه حدث في يده، وما فات في يديه صدق في ثمنه، ويبقى ما يقدر أنه ثلاثة أرباع هذه الجارية في القيمة، يقِع فيه التحالف والتفاسخ، فيحلف المشتري لينفي عن ذمته ما يطلب البائع أن يقضى له به عليه، ويحلف البائع لئلا يؤخذ من يده الرهن بما لم يقر به مما هو مصدق في كون الرهن ليس برهن فيما هو أقل منه، على ما سنوضح هذه الإشارات في كتاب الرهن إذا تكلمنا على اختلاف الراهن والمرتهن إن شاء الله تعالى.
وهذه الطريقة القياسلك ابن عبدوس في هذه المسألة من تصديق المشتري في ثمن ما فات، والتحالف فيما لم يفت.
وقد ذكر بعض البغداديين من أصحابنا في مرافعته للخلاف من تأويل الحديث الذي تقدم ذكره، واشترط فيه كون السلعة قائمة، لما قال المخالف: إنما اشترط أنها إذا فاتت في يد البائع لم يكن تحالف لكونه ضامنًا لهما.
فهذا فائت ذكر اشتراط قيام السلعة الواقع في هذا الخبر.
فقال هذا الرجل من أصحابنا، وأظنه ابن القصار: ضمانها عندنا من المشتري، وفوتها في يد البائع كفوتها في يد
المشتري، فيصدق المشتري في فوتها، كان 1 هذا الفوت في يد البائع.
ورأيت القاضي إسماعيل ذكر ما يشير إلى خلاف هذا، فقال: إذا اختلفا في الثمن فإن للبائع حبسها حتى يأخذ الثمن، ولا يلزمه تسليمها بما لم يقر به، ولا يصدق على الشزي في تعمير ذمته بما لم يقر به، وفوتهما في يد البائع الحكم فيه التحالف والتفاسخ.
فلم يصدق المشتري ها هنا بهذا الفوت الواقع في يد البائع، فيمكن أن يكون بناء ذلك على أحد القولين في كون البائع ضامنًا لها، على حسب ما بيناه لما خرجنا الخلاف المذكور.
وإذا جعلنا الفوت في يد المشتري يوجب تصديقه، على ما اختاره ابن القاسم، فإن ذلك إذا ادعى ما يشبه أن يكون ثمنًا للسلعة التي فاتت في يديه.
فإن ادعى ما لا يشبه صدق البائع فيما يدعيه من الثمن إذا ادعى ما يشبه.
فإن ادعيا جميعًا ما لا يشبه رد إلى قيمة السلعة، وصار دفع قيمتها كدفع عينها.
وقد كنا قدمنا أن اختلافهما مع قيام السلعة يقتضي التحالف والتفاسخ جميعًا، لكون كل واحد منهما لا مزية له على صاحبه.
وكذلك إذا ادعيا ما لا يشبه تحالفُ اوتفاسخًا أيضًا لكونهما لا مزية لأحدهما على صاحبه.
فإذا انفرد أحدهما بدعوى ما يشبه دون الآخر كان فيه الخلاف الذي ذكرناه عن عبد الملك وغيره، والأشهر أنه لا يراعيَ دعوى الشبه مع القيام.
وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم.
فإذا فاتت السلعة فلم يقع نص خلاف عندنا في مراعاة دعوى الشبه، فيصدق من ادعاه دون صاحبه المدعي ما لا يشبه، لكون الحديث ورد فيه اشتراط قيام السلعة في التحالف والتفاسخ على الإطلاق من غير مراعاة دعوى شبه، ولكون السلعة قائمة يمكن ردها بعينها إلى مالكها، حتى إذا وقع الفوت صارت المنازعة في غرامة مال من الذمة، فلا يصدق فيه من إدعى ما لا يشبه.
وأما لو كان الاختلاف في بيع نَساء كاختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار المكيلة التي عقد السلم عليها، فإنهما إذًا ادعيا ما يشبه جرى ذلك على الخلاف المتقدم الذي بينّاه.
وإن ادعيا ما لا يشبه فإن ابن القاسم اختلف قوله في هذا، والمشهور عنه أنهما على الوسط من سلم الناس من يوم تعاقدا السلم.
ولكن في الأسدية أنه اختلف قوله.
فقال مرة بهذا، وقال مرة أخرى: بل يتحالفان ويتفاسخان.
ورأى بعض الإشياخ أن هذا القول هو البخاري على أصلهم، لقولهم، في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مكان قضاء السلم فادعى كل واحد منهما أنه شرط القضاء في بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد، ولكنهما ادعيا بلادًا بعيدة لا يشبه أن يشترط قضاء السلم فيها لبعدها، أو لمعنى آخر يستنكر معه دعوى كل واحد منهما ما لا يشبه.
وهذا عندي لا يشبه اختلافهما في المكيلة وقد ادعى كل واحد منهما ما لا يشبه لأن مقدار المكيلة ربما ضبط من جهة العوائد، فيسأل أهل المعرفة بهذا السلم، ومقتضى العادة في كم يسلم مائة دينار في قمح يوجد عند حلول سنة من يوم العقد؟.
فإذا قالوا: قول البائع: أسلمت إليه في قفيز واحد، مستنكر لا يشبه، وقول المسلم: في ألف قفيز، مستنكر لا يشبه، وإنما يشبه في العوائد أن تسلم المائة في مائة قفيز من القمح.
فهذا مما يضبطه التجار.
وأما تعيين بلد لقضاء السلم مع كثرة البلاد وتقاربها في المسافة، مشرقة عن بلدهما أو مغربة، فإن هذا مما يضبط 1 فيه تعيين بلد فلهذا قالوا فيه بالتحالف.
وألحق بعض الأشياخ بهذا الذي استشهد به من اختلافهما في البلد اختلافَهما في أجل السلم، وسنتكلم على اختلافهما في أجل السلم في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن ادعى أحدهما ما يشبه، والآخر ما لا يشبه، فإن كان من ادعى ما لا يشبه هو الذي عليه السلم فالقول قوله إذا حل الأجل، على الاختلاف الذي قدمنا بيانه وذكرناه في كونهما جميعًا ادعيا ما يشبه فكيف إذا كان الغارم هو الذي ادعى ما يشبه والآخر ادعى ما لا يشبه.
وأما إن كان المدعي ما لا يشبه هو الذي عليه السلم، والمسلم ادعى ما يشبه، فإنه ذكر في كتاب السلم من المدونة أن المسلم مصدق ويقضى على المسلم إليه بالمكيلة التي ادعاها المسلم، مع كون المسلم إليه لم يقرّ ببيع المقدار الذي ادعاه المسلم؛ خلاف ما صنع في
كتاب الأكرية في اختلاف المكري والمكتري في المسافة التي وقع العقد عليها، فقال المكرَى منه: اكتريت بمائة دينار إلى برقة.
وقال المكتري: بل إلى إفريقية.
وكانت دعوى المكري لا تشبه، فإنه لم يقض على المكري بأن يبلغ المكتري إلى إفريقية لما كانت المسافة التي زادت على برقة لم يقر بيعهالأولا يقضى على رجل ببيع سلعة لم يقر بأنه باعها.
وكان بعض أشياخي يشير إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق محقق، وبعضهم يشير إلى فرق ليس بالواضح، فيقول: إن أجزاء المسافة كسلع منفردة ادعى رجل شراء جميعها، ووهم 1 مالكها أنه لم يبع منه إلا بعضها، فإنه لا يصدق على المالك في دعواه.
وإن كان مقدار الثمن الذي اتفقا عليه لا تشبه معه دعوى البائع، مثل أن يقول المشتري: بعت منّي ثوبك هذا، وعبدك، بمائة دينار.
ويقول البائع: لم أبع منك بالمائة دينار سوى الثوب.
ويقول أهل المعرفة: لا يشبه أن تكون المائة دينار ثمنًا للثوب خاصة، ويشبه أن تكون ثمنًا للثوب والعبد.
فإنه لا ينفع المشتري كونُ البائع ادعى ما لا يشبه، في تصديقه عليه في إخراج ملكه الذي لم يقرّ ببيعه.
وكذلك الزائد من المسافة على برقة، وهو كسلعة أخرى لا يقضى على المكري بأنه باعها لكون الثمن الذي وقع به الكراء لا يشبه أن يَكون ثمنًا لمسافة نهايتها برقة، وإنما ينفع المشتريَ كونُ البائع ادعى ما لا يشبه في تصديقه في غرامة ما يغرم من الثمن في إيصاله إلى برقة، وبعض ثمن الكراء على دعوى المكتري، فيلزمه منه ما ينوب إيصاله إلى برقة، على أن نهاية المسافة إفريقية.
ورأى أن اختلافهما في مقدار المكيلة المسلم فيها اختلاف في عقد واحد عقد على ما في الذمة، وما في الذمة شيء متحد، وهو المعقود عليه، فمن ادعى في هذا المتحد ما لا يشبه لم يقبل قوله.
وهذا تخييل فيه بعد، وعدد الأقفزة يمكن أن يتصور فيه أنه كسلع مختلفة، كما صور في أجزاء المسافة، فلهذا أشار بعض أشياخي إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق.
وقال غيرهم من الأشياخ: يمكن أن يكون توقّى في السلم، إذا لم يغرم المسلم إليه ما ادعاه المسلم من المكيلة، وقضى عليه برد بعض رأس المال، أن يوقع هذين المتعاقدين في بيع وسلف، وقد علم أنه لا يجيز الإقالة من بعض رأس مال السلم، على ما يرد بيانه في موضعه، مخافة أن يكونا أظهرا كون الثمن سلما، وأبطنا كون بعضه سلفًا يرد عند أمر اتفقا عليه في الباطن، وهو وقت إظهار هذا الخلاف بينهما ليتوصلا به إلى بيع وسلف.
وهذا الذي أشار إليه الشيخ أبو إسحاق التونسي، ولكنه ذكر أنه ليس بالبيّن، وكيف جرت الحال فهو أبين من الفرقال في حكيته عن بعض الأشياخ.
وأنت إذا علمت جميع ما قدمناه من حكم اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن، وأحكمت إجراء ما شذّ عنه من فروع هذا الباب على الروايات المذكورة أمكن أن يعرف منه الحكم في نقد بعض الثمن أو بعض المثمون أو نقد البعض من هذا وهذا.
فلنذكر مثالًا لنقد بعض الثمن أو بعض المثمون يعرف منه حكم نقد بعض أحدهما دون الآخر:
فذكر ابن المواز اختلاف رجلين في بيع طعام، فقال البائع: بعتك صاعين بدينار؛ وقال المشتري: بل اشتريت منك ثلاثة آصع بدينار.
وقد قبض المشتري صاعًا وقبض البائع نصف دينار، فقال ابن المواز: عليهما اليمين ويُعطي البائع بربع دينار نصف صاع.
وهذا جواب فيه إجحاف، ونحن نبينه، ونقدم لك أن هذا الجواب الذي ذكر، إنما يجري على أحد الروايات، وهو تصديق القابض، وكون النقد المقبوض فوتا.
وأمّا من لم ير القبض فوتا فإن الحكم عنده التحالف والتفاسخ ورد ما قبض هذا وهذا.
لكن من يرى النقد المقبوض فوتا يقول: إن نصف دينار المقبوضَ مقبوضٌ على ما قبض من الطعام وما لم يقبض، فالذي ينوب الصالح المقبوضَ من النصف دينار المقبوضِ، ربعُ دينار، على مقتضى دعوى البائع؛ لأن البائع يقول: سلمت نصف الطعام على نصف ما قبضت من الذهب.
وينوب الصاعَ المقبوضَ عن دعوى المشتري سدسُ دينار؛ لأنه يقول: النصف دينار، الذي سلمتُ، يُفَضقُ على ثلاثة آصع، فينوب الصاعَ الذي قبضتُ نصفُ دينار.
وهو يحاول أن يسترد من البائع قيراطين من الربع دينار الذي ناب الصالح، على قول البائع، والبائع قد حافي هذا الربع دينار وقبضه، والنقد المقبوض فوت فيصدق القابض.
لكن يقول البائع: يبقى لي من حق الصالح الذي دفعتُ ربعُ دينار آخرُ، ويقول المشتري: لا يبقى لك سوى سدس دينار على فضّ النصف دينار، على دعوى 1 والمشتري حائز لما في ذمته، فلا يلزمه أن يغرم الزيادة على سدس دينار، وهو لم يقرّ يكون ذلك في ذمته.
فلا يقال ها هنا: هلا قلتم: لا يغرم المشتري سوى قيراطين، وهي نصف سدس، لكون البائع ظلمه في قيراطين من الربع دينار الذي صدقنا البائع فيه، على مقتضى الفض على دعوى المشتري.
قيل: لو أسقطنا على المشتري، فيما يغرم، هذين القيراطين، لم ينفع البائع كونه حائزأ للربع دينار، الذي صدقناه في كونه استحقه؛ والمسألة إنم ابن بن علي كون القابض مصدقًا فيما قبض، فلو عدنا إلى محاسبة المشتري بما يقول: إن البائع ظلمني، بجحوده له، مع اعترافه بأنه يستحق ذلك في ذمته، ودعواه أنه ظلمه البائع لبطل هذا الذي أصلناه.
وإذا اتضح حكم هذا الصالح المقبوض، فإن الصالح الذي لم يقبض ينوبه مما قبض البائع ربع دينار، فيصدق البائع في مقدار.
ما يُستحقَ عليه به الطعام، والذي يستحق عليه به من الطعام، على مقتضى دعوى 2 نصفُ صاع، فيقضى عليه بربع نصف صاع للمشتري، فيحصل للمشتري من هذه الصفقة صاع ونصف، ويحصل للبائع ثلثا دينار.
فهذا بسط ما أشار إليه ابن المواز من جواب هذه المسألة.
ولِمَا يجرُّ القول في اختلاف المتبايعين في الثمن والمثمون، مشتملًا 3
على فروع كثيرة تكرر في أجوبتها أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وجب أن نبين
حكم هذا التحالف والتفاسخ.
والكلام فيه من خمسة أوجه:
أحدها: صفة هذا التحالف، والثاني: من يبدأ فيه.
والثالث: حكم
النكول عن هذه اليمين.
والرابع: متى يقع الفسخ.
والخامس: هل يقع الفسخ ظاهرًا أو 1 باطنًا أو ظاهرًا خاصة.
أمّا الوجه الأول، وهو صفة التحالف، فإنا قد قررنا لك أوّلًا أن هذين المتبايعين كل واحد منهما مدع ومدعىً عليه، وبهذا علل مالك رضي الله عنه في موطئه كونهما يتحالفان ويتفاسخان، بأن قال: وذلك أن كل واحد منهما مدع على صاحبه.
فإذا وضح لك قول مالك: إن كل واحد مدع، ومدعىً عليه؛ وتقرر في أصل السماع بالحديث المشهور واتفاق العلماء أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والمدعى عليه منكر، فهو الذي يكون عليه اليمين، والمدعي مثبت، والمثبت عليه البينة.
ولا يكتفى بيمينه في مجرد دعواه دون عرض اليمين على المدعى عليه.
فإذا تقرر هذا الأصل فقد صار كل واحد من المتبايعين المختلفين في الثمن مدعيًا، فيكون الحكم من هذه الجهة استحلافَه، فقد صارت دعواه تتضمن نفيًا، وهو أنه لم يبع سلعته من المشتري بعشرة دنانير، كما زعم، ويتضمن إثباتًا، وهو أنه باعها منه بإثنى عشر دينارًا فوجب أن يستحلف على ما أنكر، دون ما أثبت، على ما قررناه من أصل الشرع الوارد في هذا الكتاب، لكن لما كان ها هنا مطلوب أبي مين من جهة إنكار حسن أن يضيف إليه اليمينَ على ما أثبت، لئلا ينكل صاحبه فيفتقر إلى يمين أخرى على ما أثبت، وتكرير اليمين مما يشق، والأصول تقتضي تقليل الأيمان ما أمكن.
وهذا المعنى هو الذي ننفصل به عن اعتراض من اعترض علينا في هذا فقال: لو ادعى رجل على رجل بعشرة دنانير لم يستحلفوا إلا المدعى عليه، فإنْ طلبكم المدعي المثبتُ أن تستحلفوه قبل نكول المدعى عليه لم تفعلوا، فلم
استحلفتم أحد المتبايعين على ما أثبت وهو فيه مدع قبل نكول المدعى عليه؟! وذلك أن المدعي والمدعى عليه شخصان انفرد هذا بإثبات محض، وانفرد الآخر بنفي محض، فلم يحسن، على ما قررناه من أصل الشرع، أن يستحلفه على ما أثبته أوَّلًا، وحسن ذلك في المتبايعين لما كان من إثبات قوإنضاف إلى إثباته إنكار ونفي، وهو المبدَّأُ فيه باليمين، فحسن أن يُسْنَدَ إلى هذه التبدئة وجه آخر ليس من حقه أن يبدّأ به ليرفع عن نفسه الضرر بتكرير اليمين.
وهذا فرق واضح لا إشك الذيه.
وعلى هذه الطريقة جرى أهل المذهب في تحليف من بيده الرهن على ما ادعاه من الدين، فإن كان ما ادعاه أكثر من قيمة الرهن، وهو لا يصدق فيما زاد على قيمة الرهن، وإنما يصدق في قدر قيمته مع يمينه، فلما توجهت عليه هذه اليمين على قيمة الرهن، التي هو مبدَّأ فيها على الراهن، حسن أن نضيف إليها ما ادعاه من الزيادة على قيمة الرهن، لئلا ينكل الراهن عن اليمين فيحتاج إلى يمين أخرى على ما زاد على قيمة الرهن.
وقد حكى شيخنا أبو الحسن اللخمي اختلافًا في صفة اليمين: هل يحلف على النفي أو على الإثبات؟ واختار هو أن يخير هذا المستحلَف، فإن شاء حلف على النفي، وهي اليمين التي يقضى بها عليه، ويؤخر يمينه على الإثبات إلى أن ينكل صاحبه، فيحلف حينئذ يمينًا أخرى.
فقضى عليه باليمين التي هي الواجبة في الأصل، وخيّره في اليمين التي لا تجب عليه.
وإنما مُكِّن منها لإزالة الضرر بتكرير اليمين عليه.
وهذا هو من حقوقه، فإن شاء التزم هذا الضرر، وقدم يمين الإثبات مع النفي، وحلف عليهما جميعًا.
وهذا الذي اختاره لم يبعد فيه على ما قدمناه لك من تأصيل الشرع.
لكن هذا الخلاف الذي حكاه لا أحفظ الآن نص أحدٍ من أصحابنا عليه، لكن أحفظ عن الشافعية فيه اختلافًا، فمنهم من يرى أن مذهب الشافعي أنه يحلف يمينًا واحدة على النفي والإثبات، قول واحد.
ومنهم من يخرّج له قولًا آخر، أنه يحلف يمينين: على النفي يمين، ويمين أخرى على الإثبات.
واستقراء ذلك من قوله، في رجلين أيديهما جميعًا على دار، فزعم كل واحد منهما أن جميع الدار له، فقال: يحلف على نصفها الذي حازه أنه لا حقَّ
للآخر فيه.
فإن نكل الآخر عن اليمين على النصف الذي في يده حلف الأول يمينًا أخرى: أنه لهه، بعد نكول الحائز.
ومنهم من منع هذا التخريج والاستقراء، وقال بأن كل واحد حائز لما في يديه، فلا يحسن أن يحلف أحدهما على النصف الذي في يد الآخر قبل نكول الآخر عن اليمين عليه، والمتبايعان إنما يحلفان في صفة عقد، وهما متساويان في كون كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فحسن ها هنا أن يُلزم يمينًا واحدة على النفي والإثبات، على حسب ما قدمناه.
فأنت ترى اختلاف الشافعية هل يحلف يمينًا واحدة يجمع فيها بين نفي وإثبات، أو يحلف يمينين: الأولى منهما على النفي، فإذا نكل صاحبه عن اليمين حلف يمينًا أخرى على ما أثبت.
فيقول أوَّلًا: بالله ما بعتك بعشرة.
لأنه هو الذي نفى من قول صاحبه، ويَقتصر على هذا.
ثم يقال لصاحبه: احلفْ أنت أيضًا على أنه ما باعك بإثني عشر.
فإن حلف، قيل للبائع: احلفْ على أنك بعت بإثني عشر، ثم يقال للمشتري: احلفْ على أنك اشتريت بعشرة؛ ويتفاسخان.
ومن نكل منهفا عن اليمين عاد صاحبه إلى اليمين على ما نكل هذا عنه.
وشيخنا أبو الحسن لم يورد هذا الخلاف الذي أشار إلى إسناده إلى أصحابنا، على مقتضى عادته، على هذه الصفة التي أوردناها عن أصحاب الشافعي، وإنما قال: واختلف هل يحلف أحدهما على النفي أو على الإثبات؟ وبيْن أصحاب الشافعي أيضًا اختلاف فيما تقدم في اليمين مرة واحدة، واليمينين: هل اليمين على النفي أو على الإثبات؟ فانفروإلاصطخري منهم بأن قال: يبدّأ بيمين الإثبات؛ لأن الله تعالى بدأ في اللعان بها، وهو عندنا أيْمان الزوج، وهو المثبت للزنا على زوجته.
وقال أكثر أصحاب الشافعي: بل يبدأ بيمين النفي؛ لأنها هي التي يقضى بها في الأصل لورود الشرع بتحليف المنكر، وتكليف المثبت البينة.
وهذا عندي أولى على ما فرضته من التعليل من كون يمينه على الإثبات
خارجةً عن الأصول؛ واعتذرنا عنها بأنها.
إنما حسن إخراجها عن الأصول لإسنادها إلى يمين النفي، لئلا يلحقه ضرر بتكرير اليمين، فاقتضى هذا كون اليمين على الإثبات تبعًا، ومستندةً إلى تمييز النفي، ومن المستنكر أن يبدأ بالتابع على المتبوع.
وأمّا ما احتج به الاصطخري من بداية الله سبحانه في اللعان بالزوج فقد ينفصل عنه عندي بأن اللعان فيه اختلاف: هل هو قائم مقام الشهادات، ولهذا كرر أربع مرات حتى يكون كأربعة شهود على الزنا، أو قائم مقام الأيمان؟ وإن قلنا: إنه قائم مقام الأيمان، فقد يقال في هذا: إن اللعان إنما ورد به الشرع لحفظ الإنساب، وكون الزوج لا يلحق به ولد ليس من ظهره.
وإذا كان لهذا شُرعَ، وهو مقصود الشرع، فالزوجة كالمدعية على الزوج إلحاق نسب به، وهو ينكره، فلهذا بُدِّىء لكونه مدعىً عليه في النسب.
فلم تخرج هذه المسألة عن الأصول.
هذا الذي يظهر لي، وللنظر في هذا مجال، ولعلنا أن نبسط هذا عند كلامنا على قذف الزوج، ولعانه لنفي الحد لا لنفي النسب، فإن هذا الوجه إذا قيل بأحد القولين فيه تطلبنا انفصالًا آخر عمّا قاله الاصطخري.
أو يقال: إن المقصود في الشرع ما ذكرناه من نفي النسب، وهذا الوجه الذي هو نفي الحد تبع له.
وأما الوجه الثاني وهو الكلام على من يبدأ باليمين من هذين المتبايعين المختلفين، فإن المذهب عندنا على قولين: بدّأ في المدونة البائع باليمين: وفي كتاب تضمين الصناع من المدونة تبدية ورثة المشتري باليمين إذا تجاهلا هم ورثة 1 البائع الثمن.
وهكذا بدّأ في المستخرجة باليمين إذا اختلف هو والبائع في الثمن.
وبتبدئة المشتري قال أبو حنيفة.
والمشهور عن الشافعي تبدية البائع، وهكذا ذكر الشافعي في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار السلم أن البائع، وهو المسلم إليه، يبدأ.
وهكذا ذكر في اختلاف السيد مع عبده في الكتابة أن السيد يبدأ باليمين.
لكن ذكر في اختلاف الزوجين في مقدار الصداق أن الزوج يبدأ.
فبعض أصحابه أضاف إليه قولًا آخر في اختلاف المتبايعين أن المشتري يبدأ باليمين، كما حكينا ذلك على أحد القولين في المذهب عندناة وبعضهم منع من هذا الاستقراء وقال: بأن الشافعي إنما بدأ البائع لأنهما إذا تحالفا رجعت سلعته إليه، فكان أوْلى بالتبدية لرجوع المبيع إليه، والزوجان إذا اختلفا في مقدار الصداق وتحالفا فإن الزوج يقضى عليه بصداق المثل ويبقى البضع له كما بقيت السلعة للبائع بعد التحالف.
وهذا فرق يصح على أصلهم، ولو كانوا يقولون بمذهبنا أنهما إذا اختلفا في مقدار الصداق قبل الدخول تحالفا وتفاسخا النكاحَ، ويبقى البضع على ملك المرأة، على حسب ما كان قبل عقد النكاح، لكان هذا الاستقراء صحيحًا.
وقد وقع للشافعي كلام ذهب بعض أصحابه إلى أنه قول ثالث في هذه المسألة وهو قوله: إن استحلف الحاكم البائع قيل للمشتري: أتقبل منه أم تحلف؟ وإن بدأ بالمشتري قيل للبائع: أتقبل منه أم تحلف؟
وقال بعض أصحابه: هذا لا ينبغي أن يكون يجعل له قولًا ثالثًا؛ لأنه يمكن أن يكون أراد أن يحكم 1 الحاكم بتبدية البائع، وهو مذهبه، قيل للمشتري؛ كذا.
أو حكم بتبدية المشتري، لما كان ذلك مذهبه، قيل للبائع: كذا.
فأنت ترى أن الشافعي ينسب إليه بعض أصحابه ثلاثة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، وتخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما.
وبعض أصحابه ينكر أن يكون له إلا قول واحد، وهو تبدية البائع.
وهذا الذي ينسب إليه بعض أصحابه من تخيير الحاكم يضارع ما ذهب إليه أشياخي من أن الصحيح في هذا أن يقرع بينهما مَن الذي يبدأ منهما؛ لأن
الشافعي إنما ذهب إلى تخيير الحاكم، على ما نسب إليه بعض أصحابه، لكون البائع والمشتري لا مزية لأحدهما على الآخر توجب تبديته.
وكذلك رأى أشياخي أن كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، وليس أحدهما أحق بالتبدية من الآخر، فوجب تخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما.
ورأى أشياخي أن صرف ذلك إلى القرعة أطيب لنفوسهما، وأقرب إلى ما ورد به الشرع في مثل هذا من القرعة في العتق، لما عتق أحد الصحابة ستة أعبد له.
الحديثَ المشهور 1.
فتلخص من هذا أن في المسألة أربعة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، والتخيير، على رأي من ذكرناه، والقرعة على رأي أشياخي.
فأمّا من ذهب إلى التعبدية بالبائع فإنه يرتجح جَنْبة البائع بظاهر الحديث وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، أو يترادان" 2 وظاهر الحديث قبول قول البائع من غير يمين، ومن كان قوله هو المقبول هو المبدأ.
وإنما أثبتنا اليمين بظواهر أُخَر في هذا الخبر وغيره.
وأيضًا فلأن البائع أقدم ملكًا، ومن كان ملكه أقدم وأسبق كان جانبه أوضح.
وأيضًا فإنهما إذا تحالفا رجعت السلعة إلى يد البائع، على حسب ما كانت عليه قبل البيع، ورجوعها إليه بعد التحالف: يشعر بأن جانبه أقوى من جانب المشتري لرجوعها إليه دونه.
وأما من ذهب إلى تبدية المشتري فإنه يرى أن الأصل قبول قوله لكونه مدعى عليه زيادة ثمن بعد إقرار البائع له بانتقال الملك إليه، وإذا اتفقا على انتقال الملك إليه واختلفا في المستحق في ذمة المشتري، فقال البائع: بعتك بعشرة.
وقال المشتري: بل بخمسة.
صارت الخمسة الزائدة كمال انفرد بالدعوى فيه البائع دون المشتري، فيصدق المدعى عليه.
ولهذا ذهب أبو ثور
إلى تصديق المشتري على حسب ما كنا قدمناه 1 لذكره عنه.
لكن فقهاء الأمصار لم يساعدوه على هذا المذهب لأجل ورود الخبر الذي قدمناه.
وإذا كان الأصل قبول قول المشتري أشعر ذلك بأنه أقوى جنبة من البائع، فاستحق لأجل هذا الترجيح أن يقدم على البائع.
ويجيب هؤلاء عن ترجيح جنبة البائع يكون ما له أسبق، بأن المشتري متفق على انتقال الملك إليه، فكان أيضًا أرجح من هذه الجهة.
ويجيبون، عن ترجيح البائع يكون السلعة ترجع إلى ملكه، بإن المشتري أيضًا يبقى الثمن عن 2 ملكه.
فإذا كانت الترجيحات قد تعارضت على ما أريناك استوت 3 مزية البائع والمشتري، فلم يكن أحدهما أحق بالتبدية من صاحبه، فوجب تخيير الحاكم أو القرعة، كما ذهب إليه أشياخي.
فهذا تلخيص المذاهب في هذه المسألة وضبطها وبيان منشأ الخلاف فيها.
وأمّا الوجه الثالث، وهو حكم النكول فلا يخلو من أن ينفرد البائع بالنكول، أو ينفرد المشتري، أو يجتمعان عليه، والسلعة في جميع هذه الأقسام قائمة أو فائتة.
فأمّا انفراد أحدهما بالنكول فإنه يوجب تصديق الحالف، والقضاء له بما حلف عليه بائِعًا كان أو مشتريًا.
وأما اجتماعهما على النكول، والسلغة قائمة، فإن ابن القاسم ذهب إلى أن البيع يفسخ، كما يفسخ إذا تحالفا، إذ لا فرق بين أن يتحالفا فيستويان لأجل اليمين، أو ينكلا فيستويان لأجل النكول، وقد شرع الشرع بأن تساويهما يوجب رجوعهما إلى ما كانا عليه قبل العقد، لكونهما إذا تحالفا تفاسخا، فهكذا يكون حكمهما إذا تناكلا.
وإلى هذا ذهب شريح.
وذكر ابن حبيب أنهما إذا تناكلا كان القول قول البائع؛ ورأى أنه لما كان مقدما على المشتري باليمين عاد الأمر عند نكولهما جميعًا إلى تصديق من بدئ باليمين، كرجل ادعى على رجل بمال، فإن المدعى عليه المبدأُ باليمين على نفي دعوى المدعي، فإن حلف برىء من دعوى المدير، وإن نكل وحلف المدعي استحق ما ادعاه.
وإن لم يحلف المدعي سقطت دعواه، وبرىء منها المدعى عليه، كما يبرأ لو حلف اليمين التي بدّأناه فيها.
وهذا لا يلزم.
وليس هذه القاعدة تطرب إلا إذا كانت اليمين التي بدأت بها أحد الخصمين يفيده إيقاعها بطلان دعوى صاحبه واستحقاقه لما حلف عليه.
والمدعى عليه بمال إذا حلف فقد استقر بيمينه الحكم له ببراءته مما ادعاه عليه الآخر، ولا قدرة للآخر على مقاومة هذه اليمين وردها.
والبائع إذا خالف المشتري في الثمن، وبدأناه باليمين، فإنه لا يستحق بيمينه على المشتري ما ادعاه وحلف عليه؛ لأن للمشتري أن يقاوم يمينَه ويردها، بأن يحلف على صحة ما يقول فتسقط يمين البائع التي يحاول بها استحقاق شيء عليه، فلهذا كان المدعى عليه بمال إذا نكل ونكل المدعي عاد التصديق إليه في كونه بريئًا من الدعوى؛ لأنه لو حلف لاستحق براءته من الدعوى، ولم يقدر المدعي على مدافعته عن هذه البراءة.
فإذا نكل هو والمدعي عاد الحكم إلى ما يحكم به لو حلف اليمين التي بدأنا به فيها.
وكذلك من أقام شاهدًا بمال له على رجل، ونكل عن اليمين مع شاهده، وطلب يمين المشهود عليه، فنكل أيضًا عن اليمين، فإن الطالب يستحق هذا المال من غير مطالبته بيمين؛ لأنه لو حلف أوَّلًا مع شاهده لاستقر له هذا الم الذي ذمة المطلوب، فإذا نكل ونكل المطلوب استحق الحق، وحكم له بالحكم الذي حكم له به لو حلف اليمين التي بدّأناه بهما.
فقد اتضح مخالفة تبدية البائع المخالفِ للمشتري في الثمن باليمين، وهو الذي حكيناه من رواية ابن حبيب من كون البائع يقبل قوله، هل مراده أنه يقبل قوله ويأخذ ما ادعاه من الثمن من غير أن يحلف، أو لا يأخذه إلا بعد اليمين عليه؟ الذي يشير إليه أشياخنا أجمعون: أنه يأخذ الثمن من غير يمين.
وقال أبو الوليد الباجي: لا بد من يمينه؛ جنوحًا منه إلى الطريقة التي ردَدْنا بها ما حكاه ابن حبيب لأجل أن اليمين التي عرضت على البائع أوَّلًا لو أوقعها لم يستحق بها على المشتري الثمن الذي يدعيه، بل أمرها مترقَّب هل يحلف المشتري فلا تفيده يمينه شيئًا، ولأجل ترقب عدم هذه الفائدة 1 يقع التشاح في من يبدأ باليمين؛ لأن كل واحد من المتبايعين قد يريد أن يؤخر رجاءَ أن ينكل صاحبه فيحلف هو يمينًا تفيده تصديقه والقضاءَ له بمضمون ما يدعيه.
وإذا كانت هذه اليمين يترقب رفع حكمها بيمين المشتري لم يلحق باليمين التي يستقر الحكم بإيقاعها ولا يترقب ارتفاعه.
وإذا كانت لو أُوقعت لم توجب على المشتري غرامة ما يدعيه موقعها، فكذلك إذا نكل عنها ذلك أَوَّلًا لا توجب على المشتري غرامة ما يدعيه الناكل؛ لأن إيقاعها آكد في تصديقه من النكول عنها، فإذا لم يستفد لإيقاعها غرامة المشتري ما يدعيه لم يستفد بالنكول عنها.
وهذه الطريقة التي سلك أبو الوليد الباجي مقتضية 2 من الطريق الذي رددنا به قول ابن حبيب.
فإذا حمل على ابن حبيب مخالفة هذه الطريقة التي نبهنا عليها، وحمل عليه أنه يُجري الدعاوي كلها مجرى واحدًا فيحكم بتصديق المبدّأ باليمين، ولا فرق بين يمين توقع يترقب رفع حكمها، أو يمين توقع لا يترقب رفع حكمها، اقتضى هذا أن يصذق البائع إذا تناكلا جميعًا، من غير أن يطلب منه يمين، على حسب ما صورناه في مدع ومدعى عليه تناكلا، أو رجل قام له شاهد فنكل عن اليمين هو والمطلوب.
ولو لم يسلك هذه الطريقة ويُجري هذه الدعاوى مجرى واحدًا في حكم النكول لوجب عليه أن يقول بما قاله ابن القاسم: إن البيع يرد، لأجل ما نبهنا عليه من الفرق بين هذه الدعوى وغيرها من الدعاوي.
وقد كنا ذكرنا لك قبل هذا اختلاف أصحاب الشافعي في
يمين البائع والمشتري، هل يطلب من كل واحد منهما يمين على النفي إذا نكلا عنها جميعًا طلب من كل واحد منهما يمين على الإثبات، على حسب ما بيناه فيما تقدم.
فعلى هذه الطريقة يصح ما قاله أبو الوليد الباجي، ولكن تكون صورة اليمين الأولى أن يحلف كل واحد فنهما على النفي فإذا تناكلا استُحلفا بعد ذلك على الإثبات، على حسب بيناه فيما تقدم.
وما أحد من أهل المذهب يقول ها هنا بتكرير اليمين على البائع، وقد قدمنا أن البائع إنما أضاف إلى يمين النفي يمين الإثبات لأجل ما يتوقعه من الضرر بتكرير اليمين إذا نكل المشتري.
فإذا كانت العلة عند أهل المذهب في استحلافه على الإثبات قبل نكول المدعى عليه رفع الضرر عنه بتكرير اليمين عليه من الحرص على تقليل الأيمان ما أمكن، كانت هذه العلة تنقض على أبي الوليد قولَه؛ لأنه إذا طلبه باليمين بعد تناكلهما جميعًا صار تكرير اليمين على الإثبات بعد أن قدمها مخافة ألا يتكرر عليه، وهذا كالمناقض، وإن ما لاح لأبي الوليد ما قدمناه من كون هذه اليمين مترقب ارتفاعها فلا توجب غرامة لو أوقعت فأحرى أن لا توجب غرامة إذا لي توقع ونكل عنها.
وقد بينا عزْوَ أهل المذهب في تقدمتهم هذه اليمين، وأن العلة عندهم خوف التكرار، وأن الحالف لما وجب أن يقدم في يمين النفي أُسند إليه يمين الإثبات فصار ذلك كجزء من يمين النفي وصار بمعنى واحد.
وإذا كانت يمين النفي تفيده البراءة، وهذه اليمين التي أسندت إليها تفيده الإثبات، واستحقاق الطلب بحكم إسنادها إلى يمين النفي، وجب أن يجري مجرى الأيمان التي لو أوقعت لم يقدر على رفعها بيمين أخرى.
وهذا الذي قلناه في رد ما ذهب إليه أبو الوليد الباجي واضح لمن تأمله.
وقد قدمنا أن مراعاة الأشبه مع قيام السلعة فيه الاختلاف الذي ذكرناه.
وأمّا مع فوتها فإنه لا خلاف فيه عندنا أنه يراعَى دعوى الأشبه، فإذا فاتت السلعة في يد المشتري صُدق في مقدار الثمن إن ادعى ما يشبه، فإن ادعى ما لا يشبه صُدق البائع في مبلغ الثمن الذي ادعى، إن ادعى أيضًا ما يشبه.
فإن ادعيا جميعًا، البائع والمشتري، ما لا يشبه، تحالفا وقضي على المشتري بالقيمة، وتكون
القيمة بدلًا من العين يجب ردها إذا كانت قائمة وادعيا ما لا يشبه، وقد تحالفا وتناكلا.
ولو ادعيا جميعًا ما لا يشبه، مع فوت السلعة، ونكل أحدهما عن اليمين ولم ينكل الآخر، يقضى للحالف منهما بما ادعاه وإن كان ذلك مِمَّا لا يشبه، ذكر ذلك ابن مزين عن مالك.
ووجهه أن الناكل قَدَر أن يحلف، وينفي عن نفسه طلب الآخر، فلما نكل عن اليمين ومكّن الآخر منها صار كالراضي بما ادعاه الحالف، وإن كانت دعوى الحالف لا تشبه.
ولو نكلا جميعًا عن اليمين، مع فوت السلعة في يد المشتري، وقد ادعيا ما لا يشبه، فإن الواجب على مقتضى الأصول التي قررناها القضاء بقيمتها.
ورأى ابن أبي زمنين أنه يتخرج في ذلك من الخلاف بما كنا قدمناه من تناكل المتبايعين، والسلعة قائمة، أن ابن القاسم يقضي بنقض البيع، وابن حبيب ذكر عن مالك أن البائع يصدق لكونه قد استحق أن يبدّأ به قياسًا على سائر الدعاوي في تصديق المبدّأ باليمين على حسب ما كنا بسطنا القول فيه، ودفعنا ابن حبيب عن قياسه على سائر الدعاوي لكون اليمين ها هنا التي بدَّأنا بها يترقب دفعها بيمين الآخر، فكذلك يجب ها هنا إذا تناكلا مع فوت السلعة وقد ادعيا ما لا يشبه أن يكون الواجب ردَّ القيمة بدل العين، على مذهب ابن القاسم، ويكون الواجب تصديق المشتري المبدإ باليمين مع فوت السلعة ها هنا، على ما حكاه ابن حبيب.
وهذا التخريج مما يفتقر إلى بسط؛ لأنه إذا ادّعيا ما يشبه، والسلعة قائمة، استحق البائع أن يبدّأ باليمين، لظاهر الحديث على حسب ما قدمناه.
فإن ادعى ما لا يشبه فقد صارت دعواه مدفوعة بكونه ادعى ما لا يشبه، ولم يستحق أن يحلف على هذه الدعوى التي لا تشبه، وهذا مما يفتقر إلى بسط.
وأما الوجه الرابع وهو بيان زمن الفسخ إذا تحالفا، فإنه اختلف فيه عندنا: هل يقع الفسخ بنفس التحالف، كما ذهب إليه سحنون، أوْ لاَ يقع إلا بحكم، لقول ابن القاسم: إذا تحالفالأولم يحكم بالفسخ فللمشتري قبولها بما ادعاه البائع.
وبعض أشياخي يحكي قولًا ثالثًا وهو وقوع الفسخ بتراضيهما عليه.
وفائدة هذا الاختلاف تمكين أحد المتبايعين من الرجوع إلى تصديق صاحبه، وإلزامه موجب ما ادعاه.
فإذا قيل: إن الفسخ يقع بنفس التحالف لم يكن للمشتري أن يقبل السلعة بما قال البائع، ولا للبائع أن يُلزِم المشتري السلعَة بما قال المشتري.
وإن قلنا: إن الفسخ لا يقع إلا بحكم، كان للبائع أن يرجع إلى تصديق المشتري، وللمشتري أن يرجع إلى تصديق البائع ما لم يقع الحكم بالفسخ، أو يتراضيا به على القول الثالث الذي أشار إليه بعض أشياخي.
وقد أشار بعض المتأخرين في مقتضى ظاهر كلامه على هذه المسألة التي أبقى كل رواية على ظاهرها، فقال: إذا تحالفا كان للمشتري أن يقبل بما قال البائع قبل وقوع الحكم على مذهب ابن القاسم.
وأشار إلى أن المشتري إنما كان له ذلك لقوة جنبته، ولظاهر الخبر الذي نذكره.
وحكى عن محمَّد بن عبد الحكم أنه يقول: للبائع بعد التحالف أن يرجع إلى تصديق المشتري، على حسب ما حكاه عنه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في نوادره، وأشار إلى أن البائع كان له الخيار، قبل أن يحلف، في إلزام المشتري البيع بما ادعاه، فلا يسقط هذا الخيار الثابت له بتحالفهما.
والذي عليه الحذاق من أصحابنا وأصحاب الشافعي أن هذه الفائدة التي أشرنا إليها تطّرد في البائع والمشتري.
فإن قلنا: إن الفسخ يقع بنفس التحالف كان ذلك في حق البائع والمشتري، وإن قلنا: لا يقع حتى يقع بحكم الحاكم به، كان ذلك في حق البائع والمشتري أيضًا، ووجه هذا: أن الاختلاف للتنازع في ظاهر الخبر وطرق العبرة فأما الخبر فإنه قال عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان ولا بينة لكل واحد منهما والسلعة قائمة تحالفا وترادا" 1 فأمر بالترادد، وأمْره بذلك يقتضي الوجوب، والرد هو النقض للعقد، فلولا أنه منتقض بنفس التحالف لما أوجب النقض.
ويجيب الآخرون عن هذا بأن المراد به أنهما يستأنفان بعد التحالف والفسخِ ردَّ السلعة وردَّ الثمن، ويستدلون على ما
يقولون بالرواية الأخرى: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وللمبتاع الخيار" 1 فقد جعل المشتري بالخيار بعد التحالف.
وهكذا نص الشافعي فقال: "إذا تحالفا فللمبتاع أن يقبل بما قال البائع.
ولعل هذا الذي 2 عن بعض المتأخرين الذي أشرنا به حتى قال ما ظاهره يقع الفسخ بعد التحالف على البائع دون المشتري.
وبعض أصحاب الشافعي يذهب إلى أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد فتفتقر إلى حكم، كالطلاق بالعنة، وعدم النفقة.
وبعضهم يرى أنه يقع الفسخ بعد التحالف بفسخ أحدهما، كابرد بالعيب؛ لأن هذا العقد دخل فيه نقض، لكون البائع ممنوعًا من الثمن، وكون المشتري ممنوعًا من البيع، فصار ذلك كالعيب الموجود فيما حصل في يد كل واحد من المتبايعين، (والعيب إذا وقع على صفة ما ذكرناه بل يكتفي في نقض بالبيع بفسخ من يده السلعة المعينة) 3. ومن ذهب من أصحابنا إلى وقوع الفسخ بنفس التحالف قاس على اللعان الذي يقع بنفس تلاعن الزوجين، وهو أيمان كهذه الإيمان الواقعة بين المتبايعين.
ويحتج أيضًا بأن البائع لما حلف فقد حقق صدقه بيمينه، فكذلك المشتري حقق صدقه بيمينه، فصار من 4 الثمن مجهولأوجهالة الثمن توجب فسخ البيع.
وهذا الاستدلال لا يصح لأن كل واحد منهما لو أقام البينة على صحة ما يدعيه لتحقق صدقه بما يقيم من البينة، ثم مع هذا لا تكون إقامة البينة المقتضية صدقه توجب جهل الثمن المقتضي فسخ البيع، وهذا واضح.
وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يشير إلى رفع الخلاف الواقع عندنا ويقول: لو قام 5
المشتري والبائع قبل يمينهما إنا إنما نحلف لتنتفي الريبة عن أنفسنا، ونزيل الشك في صدقنا؛ فإنه لا ينفسخ الييع بنفس التحالف الواقع على هذا.
ولو قدما أنهما يتحالفان لينفسخ البيع لا نفسخ بنفس التحالف 1 (فعلى كل واحد من المذهبين صرف كل منهما إلى ما لا يليق بمذهبه) 2.
وأمّا الوجه الخامس، وهو بيان حكم الفسخ إذا وقع ها هنا، هل يقع ظاهرًا وباطنًا أو ظاهرًا خاصة، ففيه اختلاف.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا.
وزاد بعضهم مذهبًا ثالثًا فيه وهو أن البائع إن كان ظالمًا وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن، لأجل أنه يعتقد أن السلعة التي رجعت إليه بعد التحالف هو في إمساكها عن مشتريها منه ظالم غاصب، لكون المشتري ممكن 3 له من الثمن الذي يعلم أنه باع به، فلم يقبله منه، ومسك سلعته غصبًا وتعديًا، والغاصب لا يحل له التصرف فيما غصب.
وإن كان البائع مظلومًا انفسخ البيع في الظاهر والباطن لكون البائع قد مُنع من الثمن، ولا يلزمه تسليم سلعته بغير ثمن، وقد ردها المشترى عليه، فصار بردها كناقض حقه في عقدها، فتعود إلى ملك البائع ظاهرًا وباطنا.
وفائدة هذا الخلاف أن الفسخ إن وقع في الظاهر والباطن حل للبائع التصرف فيها بما شاء من وطء وعتق وبيع وغير ذلك.
وإن وقع في الظاهر خاصة لم يحل للبائع التصرف فيها بعتق ولا وطء؛ لأنه وطء لملك غيره، وعتق لملك غيره، وهو يقول: لي قِبَل المشتري دين منعني منه، وقد عثرت له على سلعة، فلا يمكّن من أخذها عوض دينه، لكن يمكن من بيعها في الدين الذي له عليه.
فإن سَوِيَتْ مثلَ الثمن الذي له عليه فلا كلام، وإن سويت أقل من ذلك ففي 4 بقية الثمن دينًا له عليه، وإن سويت أكثر من ذلك رد الفضلة عليه.
وبين أصحاب الشافعي اختلاف: هل يبيع ذلك بنفسه، لأجل تعذر الرفع للحكام في مثل هذا، أو يتولى الحاكم البيع عليه؟ والأشبه بظاهر مذهبنا نحن أن نرفع للحاكم فيتولى البيع عليه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد أشرنا إلى العذر في تقدمة الكلام على حكم الاختلاف في الكمية قبل الكلام على الاختلاف في الماهية.
فاعلم أن المتبايعين إذا اختلفا في ماهية المبيع، فقال المسلم: أسلمت إليك في بُرّ، وقال المسلم إليه: بل أسلمت في تمرْ أو قال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير، فإن مالكا رضي الله عنه ذهب إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولو كان اختلافهما عند حلول أجل السلم.
وذكر أبو الفرج في الحاوي عن مالك رضي الله عنه مثل ما ذكرناه ها هنا.
وذكر أن عبد الملك قال: إنهما لا يتحالفان لأنهما اتفقا على جنس واحد، إذا كان اختلافهما ما بين حنطة وشعير.
وتقييده نقل الخلاف عن عبد الملك في أحد المثالين اللذين مثلنا بهما بقوله: وقال عبد الملك إذا اختلفا، فقال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير.
ولم يحك ذلك عنه إذا اختلفا في تمر وحنطة، مع تعليله ما ذهب إليه: بأن اختلافهما في قمح أو شعير اتفاق منهما على جنس واحد يقتضي أنه لا يخالف مالكًا رحمه الله فيما ذهب إليه إذا اختلفا في جنسين متباينين كبُرّ وتمرْ.
والتحالف والتفاسخ في اختلافهما في جنسين لم يختلف فيه أحد من أصحاب مالك رضي الله عنه لكن شيخنا أبا محمَّد عبد الحميد يخرج في هذا اختلافًا من قوله في المدونة، في صبّاغ صبغ لرجل ثوبًا أسود، فقال صاحب الثوب: إنما أمرتك أن تصبغه أحمر أن القول قول الصباغ، ولم يقل: يتحالفان ويتفاسخان، مع كون محصول اختلافهما أن الصباغ يقول: إنما بعتك نيلا، وهو الذي صبغتُ به ثوبك، ويقول صاحب الثوب: إنما اشتريت منك عُصفُرًا أمرتك أن تصبغ به ثوبي.
وهذا الذي ذكره في المدونة، في مسألة الصباغ، يوجب أن يكون اختلاف المسلم والمسلم إليه في برّ أو تمر، يصدّق المسلم إليه فيما ذكر أنه عليه.
وهذا الذي خرجه رحمه الله فيه نظر، وذلك أن الصباغ لما أسلم إليه الثوب وأمر بصبغه صار مؤتمنًا على ما يفعل فيه، مصدق فيما ادعاه من الصِّباغ، كما صدق في أحد القولين مالك المشتريَ في مبلغ ثمن السلعة، إذا سلمها البائع إليه.
وعلّل ذلك بأنه اؤتمن على ما دفع إليه، مع كون صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديًا قد يوجب عليه غرامة قيمة الثوب، والأصل براءة ذمته، فلم يقبل قول صاحب الثوب في دعواه دينًا في ذمة المشتري كما لم تقبل دعواه، على الرواية المشهورة، إذا فاتت السلعة ووجب على المشتري غرامة الثمن في إلزام المشتري غرامة ما يدعيه عليه؛ وكما قيل، في الوكيل إذا قال: أمرتني أن أشتري لك تمرًا، وقد فعلت.
وقال الموكل: بل برّا ... إنه لا يصدف الموكِّل لأنه يدعي إيجاب غرامة على الوكيل، والأصل براءة ذمته، على ما سيرد بيانه في كتاب الوكالات.
وأما عبد الملك فإنه إنما استلوح ما ذهب إليه، في اختلاف المتبايعين، في هل كان السلم في قمح أو شعير؛ فإنما صار إلى ذلك لأنه لما رأى أن التفاضل بين القمح والشعير لا يجوز، استشعر من ذلك أنهما كصنف واحد اختلف المسلم والمسلم إليه هل عقد السلم على جيد ذلك الصنف أو رديئه، ولا معنى لاعتبار حكم الربا ها هنا لأن عِلل الربا غيرُ علل التداعي.
وإنما وجب التحالف والتفاسخ في الجنسين لأن المتبايعين لم يقر أحدهما بما ادعاه عليه الآخر من انتقال الملك فإذا قال المسلم: أسلمت إليك في برّ، وقال المسلم إليه: بل في تمر.
وقال: بعتك هذه الجارية بمائة دينار.
وقال الآخر: بل اشتريتها بمائة قفيز بر.
فصاحب الجارية يدعي أن ثمنها دنانير أو عَرْض غير البر، والمشتري لم يقرّ له بذلك، فصار بمنزلة رجل قال لآخر: بعت منّي ثوبك، ويقول صاحبه: لم أبعه، فإن القول قول المدعَى عليه البيعُ
إجماعًا.
فقوله في مسألتنا: وكذلك المشتري يدعي على البائع ما لم يقر له به، فإذا قال البائع: بعت جاريتي منك بثوبك، وقال المشتري: بل بعبد.
وهكذا فإن البائع لم يقز له بانتقال الملك عن الجارية إلا بشرط أن يعطيه ثوبه عوضها، فلا يلزم نقل ملكه بجنس أمر 1 غير الجنس الذي أقر بأنه إنما باع به.
وإذا اختلف الجنسان فلم 2 يقع اتفاق في نقل الملك، ولا على انعقاد البيع؛ بخلاف الاختلاف في مقدار الثمن فإنهما اتفقا على جنسه وعلى مبلني مّا منه، وانفرد البائع بطلب غرامة المشتري زيادة على المبلغ الذي اتفقا على جنسه واستحقاق البائع له.
وكذلك في السلم إذا قال المسلم: أسلمت إليك في تمر.
فإنه يدعي على المسلم إليه أنه باع منه تمرًا، فلا تقبل دعواه، ويدعي المسلم إليه أنه اشترى منه برًّا فلا تقبل دعواه.
وإذا تقرر أن المذهب التحالف والتفاسخ في هذا، فسواء قيام السلعة فيه وفوتهما، لأجل ما بيناه من كون هذين المتبايعين لم يتفقا على جنس، ولا على انتقال ملك، لبهن يجب رد القيمة ها هنا مع فوت السلعة المقبوضة.
وقد قال في المدونة: إذا قال بعتك جاريتي بمائة دينار، وقال المشتري: بل اشتريتها منك بخمسين دينارًا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن فاتت الجارية قضي على المشتري بقيمتها يوم قبضها.
وتنازع الأشياخ في هذه اللفظة هل هي متأولة أم لا؟ فذهب ابن شبلون إلى إبقائها على ظاهرها، ورأى أن القيمة التي يقضى بها، في هذا الاختلاف، يعتبر فيها يوم القبض، سواء كان التنازع في جارية أو عرض آخر سواها.
ورأى الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن القيمة إنما تعتبر يوم العقد، لكن الجارية لما كانت فيها المواضعة أشار فيها إلى يوم القبض، وهو خروجها من المواضعة، وإن تقدم العقد أيامًا.
وإلى هذا التأويل ذهب الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمن،
وذكر أنه ناظره الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في مجلس الشيخ أبي الحسن بن القابسي رضي الله عنهم في هذه المسألة.
وسبب هذا التنازع الذي وقع بين هؤلاء الأشياخ أنه قد تقرر أن البيع الصحيح إذا وجب رد العرض فيه، وقد فات، فإنما تعتبر فيه القيمة يوم العقد؛ لأن يوم العقد تحقق انتقال الملك، فيطلب قيمة الملك الذي انتقل إليه إذا لم يقدر على رده لفوته.
وتقرر أيضًا أن البيع الفاسد لما كان لا يجب إمضاؤه بل يجب نقضه ورده، ولم يتقرر فيه انتقال الملك انتقالًا محققًا، فاعتبر فيه يوم القبض ووضع اليد عليه، فاعتبر فيه قيمة ما وضَع عليه يده يوم وضعه يدَه وقبضه له.
فقد رأى الشيخ أبو القاسم بن شبلون أن هذين المتبايعين لما اختلفا في جنسين تضمن ذلك كون الملك لم ينتقل على حسب ما صورناه أو لا، وإذا لم يتحقق انتقاله اعتبر فيه يوم القبض كالبيع الفاسد.
ورأى الشيخ أبو محمَّد أنه لما كان عقدًا لا فساد فيه، ولو رجع أحدهما إلى تصديق الآخر لم يمنع من ذلك ونفذ البيع بينهما، اعتبرَ في القيمة يوم العقد كما يعتير في العقد الصحيح.
وإذا تقرر أن الحكم في اختلاف المتبايعين في جنسين التحالفُ والتفاسخ، فإنه لو حلف أحدهما ونكل الآخر، لكان الحالف يقضى له بما حلف عليه.
لكن اعتبر الأشياخ ها هنا حق الله سبحانه فيما نهى عنه من أحكام الربا، وبيع الطعام قبل قبضه وما كان في معنى ذلك، فأَمَروا المقضيَّ عليه أن يتحيَّل على تخليصه 1 من الربا وما في معناه مما حرم.
وإذا 2 اختلفا في قمح وشعير، والمكيلة فيهما سواء، وقد حل الأجل، فإنه إذا كان الحالف مَن له السلم قضي له بما حلف عليه، وحلّ للآخر أن يعطيه أن 3 يقول: إنه لا يستحقه لأن المبادلة في مثل هذا، قمحًا بشعير كيلًا واحدًا، سائغ.
ولو كان
اختلافهما في هذين الجنسين، والمكيلة مختلفة، فزعم المسلم أنه أسلم في مائة قفيز قمحًا-.
وقال المسلم إليه: بل في مائتي قفيز شعيرًا، فإنه إذا حلف المسلم كان على المسلم إليه أن يخرج من ذمته الشعير، الذي يزعم أنه هو الذي له عليه، ويبيعَه ويشتري بثمنه قمحًا فيسلّمه للمخالف عليه.
فإن تخلص، فيما باع، من خسارة أو ربح فلا كلام، وإن لم يوفّ ثمنُ الشعير الذي باعه بالقمح الذي يزعم أنه عليه أُمر أن يُكمل للحالف ما بقي له من القمح.
وإن باع الشعير بزيادة على ما يشترى له به القمح، وُوقِفَتْ هذه الزيادة حتى يطلبها مستحقها، فإن لم يطلبها، وسلمها 1 تُصدِّق بها عنه.
وقد قدمنا في كتاب السلم الأول ما يجوز أخذه عن الأطعمة المسلم فيها إذا حل الأجل، وإذا لم يحل، فمن هناك تعلم ما يجوز له أن يدفعه للحالف وما لا يجوز له أن يدفعه فيؤمر ببيعه، على حسب ما فصلناه.
وراعى الأشياخ في هذا حق الله سبحانه في التخليص 2 من الربا وغيره مما يحرم في هذه المعاوضات وَالمبادلات، ولم يلتفتوا إلى النظر في العهدة، وكون ما علم المسلم إليه إذا بيع فقد يضيع الثمن فيتكلف خسارة أخرى، وكذلك إذا حلف المسلم إليه ونكل المسلم أمر المسلم أيضًا يأن لا يأخذ ما حلف عليه المسلم إليه بل يبيعه ليتخلص من الربا، ويشتري بثمنه ما يدعيه، على حسب ما فصلناه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
المعروف من المذهب أن اختلاف المتبايعين في كيفية المسلم فيه، بأن يقول المسلم: أسلمت إليك في مائة قفيز قمحًا طيبًا من جنس كذا.
ويقول المسلم إليه: بل دنيئًا.
وقد اتفقا في جنس القمح، أنهما يجري أمرهما على ما قدمناه من اختلافهما في الكمية، بأن يقول أحدهما: بعتك ثوبي هذا بعشرة