وخلف ذات أخرى.
ولأجل ما في هذه الطريقة من التعقب الذي ذكرناه عن 1 ابن المواز إلى طريقة أخرى وهي إلحاق ذلك بحكم المزابنة.
وقد أشار مالك رحمه الله إلى هذه الطريقة فقال: إن في البصل والثوم الربا لأنهما مما يدخران.
واختلف المذهب عندنا على قولين في التأويل 2 كالفلفل والكمُّون والكَرَوْيا هل هذه الأصناف مما يدخر في الربويات أم لا؟ على ما كنا قدمنا ذكره في بيع الطعام قبل أن يستوفى، فالاختلاف في هذا ينصرف أيضًا إلى ما قدمناه وهو النظر في هذه التأويل (2) هل هي مصلحة للقوت كالملح المنصوص عليه، ولهذا يراد في الاستعمال، أو إنما يستعمل في الغالب دواء.
وأما الزفيزف 3 فلا ربا فيه، لأنه وإن جفف رطبه وادخر فلا يدخر غالبًا للإدام أو التفكه، وإنما يدخر للتداوي.
وكذلك الفريك (3) وما في هذا المعنى مما يجفف ويطول بقاؤه فلا يفسد، مما لا يقصد بادخاره إلا التداوي به، وكذلك الحلبة، واختلف هل هي طعام؟ فقيل: هي طعام، وقيل: ليست بطعام، وقيل: أما الخضراء أو المبلولة فهي طعام.
وهذا أيضًا يعرض على ما قدمناه على القصد بها التداوي والعلاج، أو أكل.
ومن شرط في كونها طعامًا أن تكون خضراء فلأجل أن اليابسة لا تؤكل، ولا تدخر لتيبس 4، بخلاف الترمس الذي يدخر لييبس (4).
واختلف أيضًا في البيض فالمشهور أن فيه الربا لأنه مما يؤكل ويحفظ الحياة ويكون بمعنى القوت، ويدخر أيضًا مدة طويلة.
وإنما يفسد إذا مرّ عليها الصيف لأجل حرارة الصيف.
وذكر ابن شعبان قولًا آخر بإجازة التفاضل فيه.
وذكر حماد أنه سمع أن محمَّد بن عبد الحكم يذكر أنه لا ربا فيه كالفاكهة.
فقلت: أرأيت لو رطبه 1 محرم أليس عليه الجزاء والفاكهة لا جزاء فيها؟ قال: فسكت.
وذكر ابن حارث عقيب هذا الذي نقل عن حماد أن ما ناقضه به لا يلزم؛ لأن الحيوان في الجزاء إذا قتله المحرم وإن كان مما لا ربا فيه.
وأما الزفيزف فإنه لا ربا فيه.
واعتل ابن المواز لهذا بأنه إن كان جفف ويبس فإنه لا يُفعل ذلك للعيش والأكل لكن للعلاج.
وهذا تنبيه على صحة ما قدمناه من ذكر الثلاثة التي يدور عليها فرض هذا الباب، وهي اعتبار الغرض في مقتضى العادة في الطعام هل يدخر ذلك وارى 2 العلاج أو الاقتيات والأدم وإصلاح القوت على حسب ما تقدم بسط القول فيه.
والعين الذي هو الإجاص اختار بعض أشياخي كونه مما لا ربا فيه، لأنه إنما يجفف ويدخر للعلاج والتداوي لا اقتياتًا ولا تفكها.
وأما الألبان واللحوم فإنها يمنع الربا فيها، وإن كانت للغالب أنها لا تدخر لأجل أنها إنما تقتات غالبًا حال رطوبتها، وهو الغرض المقصود منها.
وكذلك اللُّحمان، وإن كان الغالب أنها لا تدخر، فالغرض المقصود منها هو المستعمل في الاقتيات.
وقد نبهنا على الاقتيات، وهو المعتمد عليه في التعليل على أنه قد تجفف اللحمان فتدخر.
وكذلك الألبان يصنع منها غالبًا ما يدخر كالجبن والأقِط والسمن، فأعطيت حال رطوبتها حكم ما نص عليه بالصنعة من الادخار والاقتيات.
لكن المخيض بالجبن وقع فيه قولان: هل يجوز ذلك لكون المخيض لا يكون منه جبن فلا يدخل في نوع بيع الرطب باليابس المنهي عنه، كما تقدم.
أو يمكن أن يعمل من المخيض أقِطًا فيكره بيع المخيض بالجبن، لأجل أنه يتكون منه بالصنعة الأقط، والأقط والجبن مُنع فيهما الربا.
وقد قال في المدونة: لا بأس ببيع المضروب بالسمن.
وقال بعض الأشياخ: هذا يشير إلى أنه لا يحرم في المخيض والمضروب التفاضل، إذا بيع بمثله، لكون
المضروب لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، بخلاف الحليب الذي يصنع منه ما يدخر كالجبن والسمن والأقط، وأجرى في جواز التفاضل في المخيض والمضروب اختلافًا في إثبات الربا، لكونهما نوعًا من جنسٍ الغالبُ ادخاره، أو يجوز فيهما الربا لكونهما في أنفسهما لا يدخران، فكذلك يكون حكم المخيض.
وقد ذكر القاضي أبو محمَّد رحمه الله في الكتاب الذي هذا شرحه وهو التلقين، اختلافًا في التين.
وذكر ذلك مطلقًا من غير تقييد شتوي ولا صيفي، ويبعد نفي الربا عن التين المدخر لكونه مما يقتات كالزبيب.
وإذا اتفق المذهب على منع الربا من الزبيب لكونه مقيسًا على الثمن 1 المنصوص عليه في الحديث.
فالتين كالزبيب في هذا المعنى.
وأما الزيوت فإنها مما منع فيها الربا، لكونها تدخر ويؤتدم بها.
لكنها تتنوع أنواعًا، فما تحقق فيها ادخاره للائتدام ويكمّل القوت، فإنه يتضح على أصلنا إثبات الربا فيه، وعلى أصل الشافعي الذي يراعي الطعْم، وعلى أصل أبي حنيفة.
لكن بعض أصحاب الشافعي قسمه على أربعة أنواع: أحدها: ما يدخر للائتدام كزيت الزيتون، وزيت الفجل وما أشبههما.
والثاني: ما يدخر للتداوي كدهن الخروع، والخوخ، فإنه يثبت فيه الربا عندهم لكونه مطعومًا، والمطعومات خلقت لحفظ الحياة، على ما تقدم، فما كان منها مطعومًا لكنه لا يستعمل إلا تداويًا، فإنه يثبت فيه الربا، لأن الدواء والصحة على البدن السقيم، كما أن الغذاء والقوت يحفظ الصحة على البدن الصحيح، فقد استويا في كونهما قوتين لكن أحدهما اختياري، والآخر ضروري.
وهكذا الهليلج 2 والبليلج يثبت فيهما الربا لكونهما من جملة الطعام ويَرُدّان الصحة على البدن السقيم، فكانا كما يحفظهما على البدن الصحيح.
ومن الادهان قسم ثالث، وهو ما يستعمل طيبًا كدهن الورد والبنفسج والزنبق فإن فيها لكونها تؤكل، وليس إمساكها لما هو أعلى، وهو التطيُّب، بالذي يخرجها عن كونها مطعومة.
ومنها قسم رابع وهو مما لا يؤتدم به، ولا يتداوى، ولا يكون طيبًا، كزيت البذر فإنه لا ربا فيه.
وهكذا اتفقوا الربا في الطين الأرميني لكونه مطعومًا يتداوي به.
ونَفَوْه عن الطين الخراساني وشبهه لكونه لا يتداوى به، وإنما يكون لشهوة فاسدة كما يؤكل سفها وعيبًا، وقد قال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: "لا تأكلي الطين فإنه يصفر اللون" 1. وعندنا نحن اختلاف في جواز أكل الطَّفل سنذكره في موضعه إن شاء الله.
وأما الماء، فإنه لا ربا فيه عندنا، هذا المعروف من مذهبنا.
وذكر القاضي أبو محمَّد أن 2 ابن نافع في الماء بالطعام إلى أجل لا يجوز، ليخرّج منها إثبات الربا فيه.
وفي هذا التخريج نظر لأن من المطعومات ما يحرم بيعه بالطعام إلى أجل، ويمنع بيعه قبل قبضه، كالفاكهة التي لا تقتات ولا تدخر، ومع هذا المنع يجوز الربا فيها إلا على رواية ابن وهب التي قدمنا ذكرها، من اعتبار منع بيع الطعام قبل أن يسْتوفى، أن يكون الطعام مما يمنع فيه الربا.
وأما أصحاب الشافعي فإنهم ذكروا أن من مذهبهم قولين في إثبات الربا في الماء، نفاه بعض أصحاب الشافعي وأثبته غيره من أصحاب الشافعي وهو الصحيح عند أبي حامد الإسفراييني، لكن أبا حامد خرّج من هذا الاختلاف اختلافًا في مسألة أخرى، وهو بيع دار بدار فيها بئران، وقلنا: إن الماء لا يملك، وإنما يمنع صاحبه منه لحيازته إياه، وكونه مستحقًّا للمنع من التطرق في داره، فإن بيع دار بدار جائز، لكون الماءين اللذين بهما غير مملوكين، فلم يقع عقد عليهما.
قال: وإن قلنا: إن الماء مملوك، وقلنا: إن الماء يثبت فيه الربا، منع من بيع دار بدار فيها بئران، لأجل اجتناب 1 هذا العقد على التعاوض بأمرين فيهما الربا وبأمرين لا ربا فيهما، وهذه أحجار الدار قبض هذا، كمن باع ثيابًا ودنانير بثياب ودنانير وهو الذي خرجه في بيع دار بدار فيهما ذهبنا نحن إلى الصحيح، فخرج القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب إخراج الربا فيه من الرواية التي ذكرناها عنه، وقلنا: الانتفاع مقصوده في العقود وجب منع بيع - دار بدار فيهما بئران حلوان، أو عينان كما قال أبو حامد.
وإن قلنا: إن الأتباع لا حصة لها من الثمن، وغير مقصودة في العقود جاز البيع، وإن كان الماء فيه الربا، لكن الماءين تَبع في الدارين.
وسنتكلم على هذا في بيع السيف المحلَّى بذهب يسير، أو بيع الشجر المثمر بشجر مثمر مثله.
وقد تقدمت إشارتنا إلى هذا في بيع الشجر المثمر بطعام إلى أجل، وذكرنا ما في ذلك من الخلاف.
فوجه قول من نفى الربا في الماء كونه خلق للامتهان والبذلة حتى ورد في الشرع النهي عنه عند بعض العلماء، وما ذلك إلا تنبيهًا على المسامحة به وبذله.
وقد قدمنا أن علة الربا مبنية على اكتساب الأقوات حرمة وشرفًا يجب أن يصان عن الامتهان إلا على خفة.
فلو قلنا: إن الماء فيه الربا لكان هذا.
مخالفًا لموضوع الأصل الذي قررناه وعللنا به الربا، ووجه القول بإثبات الربا فيه بأنه طعام قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 2 فسماه طعامًا، وإذا كان طعامًا فهو أيضًا مما يحفظ الحياة، والصبر عنه أقل من الصبر عن القوت، وفيه تكملة وتتميم القوت، فوجب أن يثبت فيه الربا.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: فكل مسمى مما يحرم التفاضل فيه فإنه صنف مفرد بنفسه لا يضم إليه
سوى أنواعه، إلا الحنطة والشعير والسلت فإنها كصنف واحد، واختلف قوله في القطنية.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة، منها أن يقال:
- ما الدليل على كون القمح والشعير نوعًا واحدًا؟ 1
- وهل القمح والشعير جنسان؟ 2
- وهل يضاف إلى القمح والشعير والسلت غيرها أم لا؟
- وما حكم ما مسته النار مما تفرع من هذه الحبوب؟
- وما حكم ما يستخرج مما فيه الربا؟
- وما حكم ثمر النخيل؟
- وما حكم اللحوم؟
- وما حكم ما صُنع منها؟
- وما حكم ثمنَ 3 صنع منها؟
- وما حكم ما تولد عنها؟ 4 وما حكم المراتبة؟ 5 والله المستعان.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في القمح والشعير هل هما جنس واحد أو جنسان؟ فذهب مالك إلى أنهما جنس واحد.
ورُوي أن معمر بن عبد الله بعث غلامًا له بصاع قمح، وأمره أن يبيعه ويشتري به شعيرًا، فأتاه بصاع ونصف، فقال له: ردّه، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" وطعامنا يومئذ الشعير 1. فهذا صاحب روى الحديث، وحمله على كونه يقتضي منع التفاضل بين القمح والشعير.
وأجاب المخالف عن هذا بأن لفظ الحديث لا يقتضيه؛ لأنه إن أراد بقوله "الطعام بالطعام" أي الشعير بالشعير لكونه طعامهم حينئذ، كما قال الراوي، فلا يختلف في تحريم التفاضل بين الشعير والشعير، وإن أراد الطعام بالطعام عمومًا، جنسًا كان أو جنسين، فإن هذا متفق على منع الذهاب إليه لكون التفاضل بين الجنسين جائزًا باتفاق إذا بيعا يدًا بيد.
وإذا كان هذا متفقًا عليه في الجنس الواحد أنه ممنوع التفاضل، افتقر إلى نظر آخر، هل القمح والشعير جنس واحد أو جنسان؟ على أنه قد روي في هذا الحديث أنه قيل لمعمر: إنه ليس مثله قال: أخاف أن يضارع 2. وهذه إشارة إلى توفي التفاضل استحبابًا لا إيجابًا.
وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهى عن التفاضل بين القمح والشعير، يمكن أن يكون ذلك استحبابًا لا إيجابًا.
وسعد بن أبي وقاص أنه ذهب إلى المنع من ذلك أيضًا فإن مذهبه وحده لا يكون كالإجماع، ويستدل مالك أيضًا على منع التفاضل بين القمح والشعير بأن ما تجانس من هذه الأطعمة منع التفاضل فيه وما اختلف جنسه جاز التفاضل فيه.
والمعتبر في الجنسية ها هنا تجانس المنفعة وتقاربها لأنه المطلوب من هذه الذوات ومراد الخلق بها والمقصود بملكها؛ وأما نفس الذات فمالكها على الحقيقة الله سبحانه وحده القادر على إيجادها وإعدامها، وإنما يملك الخلق على الحقيقة الانتفاع
بها فاقتضى هذا اعتبار تساوي المنفعة وتقاربها لا اختلاف الصور والأشكال.
والقمح والشعير قوتان متقاربان في القوتية، فوجب أن يكونا جنسًا واحدًا.
وأجيب عن هذا بأنهما غير متقاربين في القوتية لأنهما لا يقتاتان في بلد واحد على حد سواء، وإنما يقتاتان على جهات مختلفة، إما لعزة القمح وعدمه، فيرجع إلى الشعير، أو لاعتياد التقوت بأحدهما.
وقد أكد الشافعي هذا بأن قال: التمر والزبيب جنسان مع كونهما قوتين حلوين يخرصان، فكذلك القمح والشعير.
ومما يعتمد عليه من قال: هما جنسان، قوله عليه السلام "البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر" الحديث المذكور فيه "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" 1 فأفرد كل واحد من هذه بتسمية، وإفراده بها يدل على أنه جنس خارج عما سمى قبله وبعده من الأجناس، وأيضًا ففي بعض طرق الحديث "وبيعوا البر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدًا بيد" 2 الحديث كما وقع.
ولا يعترض بأن القمح الجيد بينه وبين القمح الرديئ من التفاوت مثل ما بين دنيئ القمح وجيد الشعير، ثم مع هذا لا يحل التفاضل بين جيد القمح ودنيئه.
ولا يتأول تسمية البر والشعير لأجل ما ذكرناه من دلالة هذا الحديث من كون اختلاف اسمائهما يشعر باختلاف أجناسهما.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف الناس في بيع ما فيه الربا من الحبوب بدقيقه، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى منع بيع البر بدقيقه.
واختلف الرواة عن مالك، فذكر ابن القصار أنه روي عنه المنع إذا بيع أحدهما بالآخر كيلًا.
ورواية الجواز على أنه إذا بيع أحدهما بالآخر وزنًا.
ومن أصحابنا من ذهب إلى حمل رواية الجواز على
مكيال الدقيق وزنًا، ولا يكون ربا.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الروايتين معمولتان على إطلاقهما.
وفي كتاب ابن حبيب أن الجواز فيما يكلفنا 1 بفعله الجيران على جهة المعروف، وأما ما كثر فلا يجوز، وقد قال رجل من أصحاب الشافعي: إن أبا عبد الله روي عنه أيضًا الجواز، فقال رجل من أصحابه: إنما أراد هذا الناقل بأن أبا عبد الله الشافعي فيكون على هذا أيضًا اختلاف قولٍ للشافعي.
وأنكر أصحاب الشافعي هذا التأويل، وقالوا: إنما أراد هذا الناقل أبا عبد الله مالكا أو أبا عبد الله أحمد بن حنبل.
وقد نقل عن ابن حنبل أنه يشترط في إجازة ذلك أن يكون التبايع وزنًا.
وذهب عبد العزيز بن أبي سلمة إلى أنهما جنسان يحل التفاضل بينهما.
فمن ذهب إلى أنهما جنسان يستدل بخلاف التسمية والصورة، كما تقدم الاستدلال بهذا على كون القمح والشعير جنسين مع اختلاف الغرض أيضًا في ادخار القمح والدقيق.
ومن ذهب إلى المنع يرى أن التفاضل بينهما ممنوع لكونهما نوعًا واحدًا.
لكن أحدهما تفرقت أجزاؤه وهو الدقيق، والآخر بقي على صورته وليس بين جوهريهما اختلاف، ولا في المراد منهما، وبيعهما من غير تفاضل يمنع لأن كل ما أريد 2 بصنعة آدمي عن أصله في صفة الادخار والغرض فإنه لا يجوز بيعه بأصله إذا كان مما فيه الربا، كبيع التمر بالنخل، والحيوان باللحم، كما قدمناه في هذا.
وأما من يشترط في إجازته المماثلة من جهة الوزن، كما حكيناه عن ابن حبيب، وذكرنا أن ابن القصار تأوله على ذلك في رواية الجواز على الإطلاق، فإنه يقتضي تقدير أصل يستند هذا إليه، وهو أن ما حرم فيه الربا وطلبت فيه المماثلة، ويوجب 3 فيها اعتبارها بالمعيار المعتاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحمل
خطاب أهل زمانه في أمرهم بالمساواة على ما كانوا يعرفون المساواة من وزن أو قيل، فذكر بعض الناس أن ما كان أصله حينئذ الوزن فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا باتفاق، لأن الوزن أخص من الكيل، فإذا عدل عما هو أضبط للمساواة إلى ما هو دونه في ضبطها منع من ذلك.
وأما بيع ما كان أصله حينئذ الكيل وزنًا فإن بعض الناس ذهب إلى جوازه اعتلالًا منه بأن غرض الشرع المساواة بين الطعامين المبيعين فبأي الأمرين اتفقت المساواة من قيل أو وزن فيما كان أصله حينئذ الكيل فإنه جائز.
وأجيب هؤلاء عن هذا بأن مطلوب الشرع حينئذ المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ، ألا تراه قال في الحديث "كيلا بكيل" فإذا كان مطلوب الشرع المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ وجب الاقتصار عليه وأن لا يعدل عنه إلى ما سواه، لأنهما لما عدل عنه أمكن أن يقعا في التفاضل والربا (لو تغير الطعامين بالمعيار المعتاد فيهما) 1. ومال ابن القصار إلى جواز بيع ما اعتبر فيه الكيل حينئذ بالوزن، لحصول المساواة به وكونه أضبط للمماثلة والمساواة من المكيال، وذكر أن القمح بالقمح لا يمنع من بيعه وزنًا بوزن، وإن كان مذكورًا في الحديث الكيل لأن مقصود صاحب الشرع المساواة.
وأنكر هذا بعض الأشياخ، وقال: المعروف من المذهب خلاف هذا، وأنه لا يجوز بيع القمح بالقمح وزنًا، لأنهما وإن تساويا في الوزن فقد يختلفان في المساواة إذا كِيلا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة" 2 ولم يرد بهذا أنه ليس في العالم سوى ميزان أهل مكة ومكيال أهل المدينة، وإنما أراد الرجوع إلى مكيال أهل المدينة وميزان أهل مكة.
وهذا يشير إلى منع تبديل ما كانوا عليه.
وأما ما لا أصل له في المجاز 3 فإن من الناس من ذهب إلى أنه يعتبر فيه عادة المتبايعين به في بلادهم.
فهذا فيه
مأخذ الخلاف في بيع القمح بالدقيق هل هما جنسان يحل التفاضل بينهما، أو جنس واحد يمكن المساواة أو لا يمكن.
وقد اعتل من ذهب إلى إمكانها ويطول 1 المساواة أن الدقيق فقد عين القمح، لكون أجزائه تفرقت وأجزاء القمح لم تتفرق، والتفرق والانضمام لا يخالف بين الشيئين.
وأجيب عن هذا بأن هذا التفرق في الأجزاء يوقع في التفاضل لكون الأجزاء التي هي ملء صاع أكثر من الأجزاء التي في الدقيقال في هو ملء صاع، فإذا تفاضلت الأجزاء وشوهد التماثل في المعيار عيانًا، فإن ذلك يمنع منه لتحقق الربا، كما منع التمر بالرطب، وإن تساويًا في المكيال، لما يحدث من تفاضل الأجزاء إذا جف الرطب، على ما سيرد بيانه بعد هذا، وذكر ما قيل فيه.
وقد أجرى بعض أشياخي هذا الاختلاف من بيع الدقيق بالقمح في بيع السميد بالدقيق لأن السميد إذا طحن زاد على مقدار الدقيق، فيختلف مذهبنا فيه على حسب ما اختلف المذهب في بيع القمح بالدقيق.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
لم يختلف أهل المذهب في كون القمح والشعير والسلت صنفًا واحدًا لا يحل التفاضل بين أحدهما وبين الآخر.
وقد قدمنا مخالفة أبي حنيفة والشافعي في هذا.
وأما العكس ففيه اختلاف في المذهب هل هو مما يضاف إلى القمح والشعير والسلت أيضًا، أو هو جنس خارج عنهما.
كما أن المعروف من المذهب كون الأرز والذرة والدُّخن لا يضاف أحد الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت.
لكن ابن وهب من أصحاب مالك نقل عنه إضافة هذه الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت.
وهو مذهب الليث بن سعد.
وإذا تقرر أن المذهب المشهور عندنا.
أن الأرز والذرة والدخن لا يضاف واحد منها إلى القمح والشعير والسلت، فإن المشهور أن كل واحد منهما أيضًا
صنف على حياله، لا يضاف أحدهما إلى الآخر.
وعلى ما ذكر عن ابن وهب والليث يجب إضافة هذه الثلاثة بعضها إلى بعض.
وأما القطنية كالفول والعدس والحمّص وما في معنى ذلك، فإن الخلاف في إضافة بعضها إلى بعض مشهور في المذهب.
ففي ذلك روايتان في إضافة بعضها إلى بعض على الجملة.
وقيل: إن الحمص واللوبيا يضاف أحدهما إلى الآخر.
وأما الجلبان والسلت فيضاف أحدهما إلى الآخر أيضًا.
وما سوى هذين لا يضاف فيه أحدهما إلى الآخر من بقية القطنية.
واعلم أن منشأ الخلاف في هذا كله على أصل المذهب حسب الغرض والمنفعة بالشيئين فما تباينت فيه الأغراض وتباعدت فيه المنافع عدَّا جنسين وما تشابهت فيه الأغراض وتقاربت فيه المنافع عد جنسًا واحدًا.
فاتضح عند أهل المذهب تقارب الأغراض والمنافع في القمح والشعير والسلت فعدوا ذلك جنسًا واحدًا.
واختلفت آراؤهم فيما ذكرنا عنهم الاختلاف فيه، فمن اعتقد في الشيئين أنهما تتباعد الأغراض فيهما وتختلف المنافع فيهما لم يضف أحدهما إلى الآخر.
ومن اعتقد تشابه الأغراض والمنافع عد الشيئين جنسًا واحدًا.
وقد
يستدل على صحة الاعتقاد في هذا تساوي الشيئين في المنبت 1 وكونهما يقتاتان في البلد الواحد عمومًا، كما اتفق ذلك في القمح والشعير عند أهل المذهب ...
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد تقرر أن مما يغير صورة من جهة الصنعة طحنه.
وقد تكلمنا على بيع الدقيق بالقمح.
ومما يغير الدقيق أيضًا عجنه.
وليس العجين صنعة تخرج العجين عن أصله.
كما أن الطحن ليس بصنعة تخرج الدقيق عن أصله، كما تقدم.
فلا يجوز التفاضل بين دقيق وقمح، ولا بين دقيق وعجين، ولا بين عجين 2. ومن شرط جواز بيع أحدهما بمثله أو بأصله المماثلة في المقدار.
ولكن المماثلة في المقدار لا يمكن فيما بين عجينين ودقيق وعجين.
لكن يختلف المذهب في جواز بيع أحدهما بالآخر تحريًا.
فيتحرى في العجينين أصل كل واحد منهما من دقيق، وما بين العجين والدقيق أصل العجين من دقيق.
فمن رأى التحري لا يوثق به، وأن كثيرًا ما يقع الغلط فيه منع من ذلك لأن الشك في الوقوع في الربا بمعنى تحقق الوقوع فيه.
ومن رأى أن التحري ها هنا يوثق به، والغلط فيه مما يندر، والضرورة تدعو إلى الرجوع إليه، أجاز التحري ها هنا.
وأمّا إذا كان المصنوع مسّته النار، فإن ذلك يكون بقلي القمح.
فبيع القمح النبي بالمقلو رأى مالك أن فيه معمرًا 1 حتى يطحن وأجازه ابن القاسم.
وأما إن طحن المقلو حتى صار سويقًا فإن السويق يجوز التفاضل بينه وبين أصله وبينه وبين دقيق أصله.
فسويق القمح يجوز التفاضل فيما بينه وبين القمح النبي وما بين دقيق القمح، لأن المنفعة فيه والغرض مخالف للقمح والدقيق والمنفعة مختلفة فوجب أيضًا أن يكونا جنسين بناء على ما تقدم تأصيله من اعتبار تشابه المنفعة والغرض أو اختلافهما.
والشافعي يمنع بيع السويق، ويرى أن ما صنع مما أصله الربا لا يجوز بيعه بأصله، ولا بيع المصنوعات منه بعضها ببعض، لاختلاف أجزاء الأصل فيها.
وكذلك يمنع بيع الدقيق.
وأجازه أبو حنيفة في الخشونة والنعومة.
والحديدة بالسويق صنف واحد لتقارب المنفعة والغرض وقال الأبهري: حليل السويق.
وأشار بعض أشياخي إلى إجراء هذا على ما كنا قدمناه من تخريج الخلاف في بيع السميد بالدقيق لكون السميد إذا طحن زاد مقداره إذا قيل على مقدار ما ساواه في الكيل من الدقيق، فكذلك الحديدة إذا طحنت زاد مقدارها على مقدار السويقال في كان مساويًا له في المقدار.
وسويق كل حب
لا يجوز التفاضل بين حب هذا وحب هذا.
لكن سويق القطنية لم يختلف المذهب في أن سويقها جنس واحد، لا يحل التفاضل ما بين سويق أحدها وسويق الآخر، لاعتقاد أهل المذهب أن المنفعة بسويق جميعها يتشابه والغرض فيها يتقارب.
وأما الخبز فإنه جنس مخالف للحب الذي صنع منه، والدقيق الذي عجن منه، لأن المنفعة والغرض قد اختلفا، بينه وبين أصله، فوجب أن يكون جنسًا مخالفًا لأصله أيضًا، متماثل 1 للخبز الذي صنع من أصله، فلا يحل التعامل 2 فيهما.
وإن اختلفت التسميات، مع تساوي المنفعة والغرض، لم ير ذلك، كالكعك والخبر فإنه لا يحل التفاضل بينهما إلا أن يكون في الكعك أَبزار أخرجته عن الغرض المطلوب من الخبز، والمنفعة المقصودة منه، فيجوز حينئذ التفاضل كما يجوز بين الخبز والأسفنجة لكون الغرض والمنفعة بينها وبين الخبز
مختلفًا.
واختلف المذهب في خبز القطنية مع القول، فإن حبها أجناس مختلفة، هل يكون خبزها أيضًا أجناسًا تابعًا إلى حبها، أو يكون جنسًا واحدًا بخلاف أصوله، لكون الغرض والمنفعة متساوية، فأشبهت السويق الذي اتفق المذهب على أنه جنس واحد إذا صنع من القطنية على اختلاف أنواعها، وإن كان في أنواع حبها من الخلاف ما قدمنا.
فذهب أشهب إلى كون خبزها صنفًا واحدًا كالسويق.
وابن القاسم يذهب إلى إلحاق أخبازها بحبوبهما، وإذا وجب التماثل بين الخبزين إذا بيع أحدهما بالآخر فإنه يعتبر في ذلك كون النار أخذت منها أخذًا واحدًا لتحصل الثقة، إذا بيعا جميعًا وزنًا بوزن، أنهما متماثلان في المقدار.
وإذا كان أحد الخبزين رطبًا والآخر يابسًا لم يحصل التماثل، وإن
تماثلا في الوزن، لكون الرطب إذا جف نقص عن مقدار وزن اليابس، والتفاضل في المآل يعتبر كبيع الرطب.
والتحري ها هنا يجري فيه من الخلاف ما قدمناه وما سنذكره بعدها.
وقد حمل بعض الأشياخ على المذهب على أن المماثلة ما بين الخبزين في المقدار يعتبر فيها الأصل الذي خُبِزا منه، فإن كان الأصلان مما لا يحل التفاضل بينهما، كخبز شعير وخبز قمح، فإنه يتحرى ها هنا الدقيق الذي عجن منه، ولا يعتبر الاتفاق في وزن الخبز، لأنهما قد يتفقان في ذلك، ويختلفان في أصل حبهما، أو دقيقهما.
كان 1 ما عجنا منه يجوز التفاضل فيه اعتبر تساويهما في الوزن.
وقد ذهب اْشهب إلى أن خبز الأرز والذرة 2 لا يحل التفاضل فيه بخلاف جمعه.
وقال أصحابنا: الخبز تابع للأصل، فإذا كانت الأصول أجناسًا كانت الأخباز أجناسًا.
ومقتضى قول ابن القاسم عند بعض الأشياخ كون خبز هذه الثلاثة مختلفًا كاختلاف أصولها.
فعلى رأي بعض الأشياخ يجري اعتبار المماثلة في هذه الأخباز وزنًا وتحريًا، على ما قدمنا ذكره من الخلاف في أصولها.
وقال بعض الأشياخ: إن اعتبار الوزن من غير التفات لحكم أصل الخبز لكون الخبز قد حكم بأنه جنس مخالف لأصله، فلا معنى بعد هذا للالتفات لتحري أصله.
وأما السلق للحب فإن بعض الأشياخ رأى أن القول إذا سلق صار بالسلق جنسًا آخر مخالفًا للنيء منه، فيجوز التفاضل بينهما.
ورأى بعض أشياخي أنهما صنف واحد، ولكنه لا يتضح هذا عنده اتضاح كون الترمس المسلوق جنسًا آخر مخالفًا لما لم يسلق، فيحل التفاضل بينهما لأجل السلق، لكون الترمس يطول
أمره إذا سلق، وتقصر المدة في سلق القول.
وأمّا السلق للحب من غير أن تمسه النار فلا يكون بذلك جنسًا مخالفًا للنيء، ولا يباع بالنيء، وإن تساويا في الكيل، لأنه ينقص الرطب إذا جف، ولا يباع مبلول بمبلول لاختلاف البلل، والشرع جاء بطلب المساواة في الحال، واعتبرها أيضًا في المآل، على ما سيرد بسط القول فيه في بيع الرطب بالتمر إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ، لا رب غيره ولا خير إلا من لدُنه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
أما الأدهان المستخرجة من أنواع فيها الربا، فإن منها ما يختص باسم الزيت، ومنها ما يختص باسم النبيذ.
ومنها ما يختص باسم النحل.
فأما الزيوت فأنواع كثيرة كزيت الزيتون أو حبّ الفجل أو حبّ القُرطم أو الجلجلان أو الخس، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده.
فما خرج منها من أصل واحد لم يحل فيه التفاضل كما لا يحل في أصله، كزيت الزيتون على اختلاف أنواعه وألوانه كما لا يحل التفاضل بين الزيتون بعضه ببعض، وإن اختلفت أنواعه.
واختلف قول الشافعي فروي عنه أن زيت الزيتون وزيت الفجل أصناف، كما قلناه؛ وروى عنه أنه صنف واحد.
وقد قدمنا أن ما يُصلح القوت أو يكون إداما للقوت فحكمه حكم القوت في تحريم الربا.
وأكثر هذه الزيوت يؤتدم بها لكن زيت زريعة الكتان ذكر ابن القاسم أنه لا ربا فيه لأنه لا يؤكل.
وذكر أشهب أنه لا يباع قبل أن يُستوفى؛ وهذا يقتضي عنده أنه مما يؤكل لأنه ما ليس بطعام لا يمنع من بيعه قبل قبضه في مذهبنا.
وأشار بعض المصنفين في نقله لهذه الرواية عن أشهب إلى أن مقتضى مذهبه إثبات الربا فيه مما يشير إلى سياق نقله للروايات، وقول أشهب: لا يباع قبل أن يستوفى، لا يتضمن كونه مما يمنع فيه الربا، إلا على رواية ابن وهب التي قدمناها، من أنه لا يمنع من بيع الطعام قبل استيفائه إلا أن يكون مما فيه الربا.
وبعض أشياخي مال إلى أن دهن اللوز لا يثبت فيه الربا لكونه عندنا لا يستعمل غالبًا إلا تداويًا.
وهذا بعيد عندي على أصل المذهب لأنه ربما كان الشيء قوتًا وإداما، ويترك في بعض البلاد الاقتيات به أو الائتدام لغلائه وعزّه، وإن كان مما يصلح عندهم قوتًا وإداما لو وجدوه، بل يؤثرونه على غيره.
وأما ما يختص باسم الدهن، في المعروف عندنا، كدهن الورد والبنفسج والياسمين، فإنها عندنا لا تتخذ للإدام بل للتداوي والعلاج، فتخرج بهذا عن حكم الأطعمة، عند بعض أشياخي، فيحل فيها التفاضل والنساء.
وللشافعية قولان: أحدهما: نفي الربا، والثاني: ثبوته، لأنه زيت 1 الجلجلان ولا تَعْلُق به سوى رائحة الورد أو البنفسج أو الياسمين، فلا يحل إلا مثلًا بمثل [على أن منهم من قال: لا تحل زيت الجلجلان مثلًا بمثل] 2 لأنه يستخرج بالملح فصار كجنسين مختلفين من طعام بيعا بمثلهما.
وأنكر أبو حامد الإسفراييني وقال: أن الملح يَبقى في الشرج.
وأما الدهن الذي ويتَدَاوى به ولا يكون طيبًا فمذهبهم أن الربا فيه لأجل رده الأجسام إلى الصحة من 3 الأقوات، كما تقدم في ذكر مذهبهم، كدهن الخروج ودهن اللوز المر.
وصنف واحد من الأدهان لا ربا فيه، لكونه ليس إداما ولا داوء، ولا طيبا، كدهن السمك.
هذا حكم الزيوت.
وأمّا حكم الأنبذة، كنبيذ التمر أو العنب، فإنه لا يحل التفاضل بين نبيذين أصلهما واحد، كنبيذي تمر أو نبيذي عنب.
وأمّا ما أصله مختلف، كنبيذ تمر ونبيذ عنب، ففيه عندنا قولان: المشهور أن ذلك صنف واحد.
وقال أبو الفرج: بل هما صنفان.
وأما الخلول فإنها صنف واحد عندنا، وأن اختلفت أصولها، كخل العنب أو التمر أو الزبيب، فلا يحل التفاضل إذا بيع بعضها ببعض، ويجوز بيعها مثلًا بمئل.
ووافقت الشافعية على جواز بيع خل الكُشْنَة 1 بمثله كيلًا بكيل مثله.
ومنعت من ذلك في خل التمر بالتمر 2 لكون خل التمر يصنع بالماء، فيختلف أحد التمر 3 باختلاف قلة الماء وكثرته.
والتفاضل في التمر حرام وكذلك التفاضل في الماء، على أحد القولين عندهم في إثبات الربا في الماء، وأما خل التمر بخل العنب فإنهما عندهم صنفان، كما أن أصوله صنفان.
وأما خل العنب بخل الغريث 4 فلا يباع أحدهما بالآخر: لكونهما تفرعا من أصل واحد، وكل ما فيه الربا فلا يجوز عندهم ما صنع بأصله، ولا المصنوعات بعضها ببعض، لاختلاف أجزاء الأصل.
وقد قال ابن القاسم في العتبية: إن النحل بالنبيذ صنف واحد لتقارب أمرهما؛ وأجرى النبيذ مع النحل مجرى الخلول، هذا مع أن النحل يطول أمره، ولهذا كان المشهور من المذهب جواز بيعه بالأصل الذي عمل منه، فيباع خل التمر بالتمر، ويباع خل العنب بالعنب، ولا يباع نبيذ العنب بالعنب ولا نبيذ التمر بالتمر.
وقد قال بعض الأشياخ منتصرًا لما حكيناه عن أبي الفرج في كون الأنبذة أصنافًا بخلاف الخلول، وعنده إذا كان النبي لا يجوز بيعه بأصله لقرب عهده، فكان حكمه حكم أصله، فكما لا 5 يجوز التفاضل بين العنب والتمر فيجوز التفاضل بين نبيذيهما.
وقد ذكر في ثمانية أبي زيد: لا يجوز بيع خل التمر بالتمر، ولا خل العنب بالعنب.
وأجرى ذلك مجرى نبيذ التمر، ولم يجعل الطول في الأزمنة يخرج النحل عن حكم أصله في منع بيعه به، بل يمنع
ذلك للمزابنة.
وهكذا ذكره في المدونة أن النبيذ والخل ليسا كزيت الزيتون وزيت الفجل، لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى.
وقال بعض الأشياخ يحتمل أن يريد هذا كون النبيذ والخل صنفًا واحدًا، كما قدمناه عن ابن القاسم.
ويمكن أن يريد أن الأنبذة وإن اختلفت أصولها صنف واحد، وكذلك الخلول، وإن اختلفت أصولها فإنها صنف واحد، ولم يرد أن النبيذ والخل صنف واحد.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
لثمرة النخيل حالات: يكون طلعًا، وبلحًا صغيرًا، وبلحًا كبيرًا، أو زهوًّا، أو بُسْرا، أو رطبًا، أو تمرًا.
فأمّا الطلع فإن الشيخ أبا إسحاق التونسي ذكر أن في المدونة ما يفهم منه أن الطلع ليس بطعام.
وفي هذا [ما] 1 يفهم منه أنه طعام يمنع الربا فيه.
وأما البلح الصغير فإنه ليس بطعام، بل هو صنف لا ربا فيه.
ولا يستبعد كون الطلع طعامًا، ثم ينتقل إلى كونه بلحًا صغيرًا فلا يكون طعامًا لاختلاف ما يركب الباري سبحانه من طعم ومنفعة.
وأما البلح الكبير فالمعروف من المذهب أن فيه الربا.
ووقع في مختصر ابن شعبان في بيع البلح الكبير بالبسر أو الرطب: تركُه أحبُّ إلى 2 أن يجوز.
ومال بعض أشياخي إلى هذا، لكونه لا يدّخر، فخرج بكونه غير مدخر عما فيه الربا.
وخرج الخلاف فيه من الاختلاف في إثبات الربا في العنب الشتوي، والبر 3 الشتوي، فمن نفى الربا فيهما فلكونهما لا يدخران، ومن أثبت الربا فيهما ألحقهما بالغالب من جنسهما وهو.
ما جد في الصيف فإنه يدخر وهو الغالب في هذه الثمرة.
وقد اختلف أيضًا في بيع الزيتون الذي لا يخرج منه الزيت بزيت الزيتون،
فالمشهور المنع، وأجازه ابن نافع.
وهذا أيضًا بناء على ما قدمناه من 1 لغالبه، وغالب الزيتون كون الزيت يخرج منه، ولا يجوز بيع الزيت بأصله الذي استخرج منه لما قدمناه.
وكذا يجري الأمر في بيع التين الشتوي بالصيفي، هل يراعى حكم نفسه، لكونه غير مدخر، أو يجري عليه حكم غالبه فيمنع التفاضل بسببه؟ ومن الغالب منه.
وأما الزيتون الذي لا زيت له فإنه يمنع فيه التفاضلَ كونُه مدخرًا، بخلاف التين الشتوي الذي لا يدخر.
وأما الرطب والبسر والتمر فإن التفاضل ممنوع في بيع شيء منها بنوعه.
فيمنع بيع البسر بالبسر متفاضلًا.
وكذلك الرطب بالرطب، والتمر بالتمر، وأما بيع الرطب بالتمر فقد اختلف الناس فيه.
مذهب مالك والشافعي المنع منه وإنما 2 تماثلا في الكيل.
ومذهب أبي حنيفة جواز البيع إذا تماثلا في الكيل.
وسبب هذا الاختلاف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم.
قال: "فلا، إذن" 3 فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على أنه قدم إليهم منع الربا في التمر في الحال، فكذلك ينبغي أن يعتبر في المآل.
وقد علموا أن الرطب بالتمر، إذا بيع أحدهما بالآخر مثلًا بمثل، فإن الرطب إذا جفّ نقص عن مقدار التمر في الكيل، ونقصه في المكيل الحادث بعد النقد كأنه نقص موجود في حال العقد.
والمخالف يقول: قد قال عليه السلام: التمر بالتمر كيلًا بكيل.
وثمرة النخل تسمى تمرًا في اختلاف أحوالها، وإن خصت بعض الحالات باسم رطب أو بسر، كما أن الصبى والشاب والكهل والشيخ إنسانٌ، وإن اختص بعض شيء من عمره باسم شاب وكهل.
ويبين هذا أن الرطب بالتمر بينهما تفاضل في جنس العقد لا يجوز باتفاق إذا تحقق الفضل في
الحال.
والمآل أن الرطب يسمى تمرًا لما منع التفاضل بينه وبين التمر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أجناسًا فيها البر والشعير والتمر، وقال في آخر الحديث المتقدم ذكره فلولا أن الرطب تمر لم يمنع التفاضل بينه وبين التمر، كما لا يمنع التفاضل بين التمر والبر، لكونه عليه السلام خص كل واحد منهما باسمه.
ويدفعون عن التعلق بحديث "أينقص الرطب إذا يبس"؟ بأن يقولوا: الحديث الصادر بإباحة بيع التمر بالتمر كيلًا بكيل معلوم صحته لكثرة رواته، لأن الأمة تلقته بالقبول، وعملت بموجبه لأجله، والحديثُ المذكور فيه نقص الرطب إذا جفّ، خبرُ واحدٍ يظن صحته ظنًا، فلا يوازن بصحة الحديث المقطوع بصحته.
وأيضًا فإنه زيادةٌ على قوله "التمر بالتمر كيلًا بكيل"، والزيادة على النص نسخ، ولا ينسخ مقطوع به بمظنون.
وندافعهم نحن عن هذا بأن هذا ليس بنسخ، إذ لا منافاة بينه وبين قوله في التمر بالتمر كيلًا بكيل، بل هو بيان حكم واحد، وهو اعتبار المساواة التي علق الإباحة بها في المآل، كما يعتبر في الحال، لا سيما إذا قلنا بالطريقة التي قدمناها في كلامنا على علة الربا، أن قوله: "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل" الحديثَ إنه نَهْيٌ عامّ على سائر أحوال بيع البر بالبر، إلا ما ثبت فيه المساواة التي جعلها سببًا للتخلص مما حرم، فيكون الأصلُ المنعَ إلا ما استثناه دليل، ولم يستثن الدليل إلا ما تساوى في الحال والمآل، على ما أفاده تنبيهه عليه السلام "أينقص الرطب إذا جفّ" وقد علمنا على هذا أن التحليل عند المساواة هنا رخصة؛ لأن العلة الطعم أو القوت، وهما موجودان حال المساواة، فصارت الإباحة المعلقة كالرخصة، لأجل الحاجة إليها، والحاجة إنما تعلق عند الجفاف وإمكان الإدخار وتكامل الصنعة، فوجب تعليق المساواة بحالة الكمال التي تكمل بها المنافع، وتتحقق الحاجة حينئذ إلى الرخصة.
وهم يقابلون هذا بأن يقولوا: علّق التحليل بالمساواة، وإنما تمكن
الإنسان 1 المساواة ها هنا حال العقد، وبحال العقد تتعلق الأحكام ويتوجه الخطاب.
وأما اعتبار المساواة بين الرطب والتمر إذا جف الرطب فلا يتصور لأنه إذا جف صار تمرأولم يكن رطبًا، وإذا لم يكن رطبًا استحالت المساواة حينئذ بين التمر والرطب.
ولا يُنقَضُ هذا بمعنى بيع القمح بالدقيق كيلًا، لأنا لم نمنع ذلك اعتبارًا بما يحدث في المآل من زيادة في الكيل، لكن لكون الإنسان مخاطبًا في بيع الحنطة بالحنطة بالمساواة قبل أن يطحن، فإذا طحن فقد منع نفسه من إمكان المساواة، فصار هو الذي جنى على نفسه في منع قدرته على المساواة، فلم يرخص له في هذا.
والرطب بالتمر لا اكتساب له في نقص أو زيادة ولا جناية وقعت منه، فحسن الترخيص له، مع أنا قدمنا أن الرطب يُسمّى تمرًا، فدخل في عموم قوله عليه السلام في البرّ "كيلًا بكيل" والدقيق لا يسمّى برًا، فلم يدخل في عموم قوله "البر بالبر كيلًا بكيل" مع كون الدقيق هو أجزاء الحنطة التي تعلق بها الربا، ولكنها مفترقة، وأجزاء البر الذي لم يطحن مجتمعة، قبل حكم الربا فيهما على ما كانا عليه قبل الطحن.
وأما بيع الرطب بالرطب فإن المشهور عندنا جوازه.
ومنع منه عبد الملك بن الماجشون والشافعي، ذهابًا إلى أن الرطب إذا بيع برطب اختلف بعضها عند الجفاف، وقد ورد الشرع باعتبار المماثلة.
وكذلك المذهب عندنا على قولين في بيع جديد التمر بقديمه.
ومال بعض أشياخي إلى المنع من بيع الرطب بالرطب لاختلاف نقصه في المال، إذا كان جُني من صنفين من أنواع التمر.
وأما إن كان جني من صنف واحد فإن النقص فيه يتماثل.
وهذا المعنى الذي أشار إليه صحيح إن سلم له أن مَا جني من صنف واحد تساوَى نقصه، ولا يختلف لاختلاف ما باشرفه الشمس وكادت أن تنضجه، وما لم تباشره فتبقى رطوبته على الكمال.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن الرطب فيه أجزاء تمرية مازجها أجزاء من الرطوبة الحلوة، فصار هذا
تعاوضًا بجنسين عن جنس قبلها، لكون هذه الأجزاء التي انضافت إلى الأجزاء التمرية لما كانت هي المرادة والمقصودة في حال رطوبة هذه التمرة، وجب أن يكون للرطب حكم الجنس.
وكذلك يمنع عندنا بيع قصب السكر بعسله أو برُبّه الذي لم يدخله ابزار.
ويمنع من بيع عسله بربه لأجل المزابنة التي قدّرناها في بيع الرطب باليابس.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
اللحم فيه الربا، لأنه مما يقتات ويحفظ الحياة ويؤتدم به، ومما يمكن ادخاره بالتجفيف.
لكن المقصود في عادة الاستعمال أكله طريًا، اقتياتًا وائتدامًا، إيثارًا لما هو أشهى وأعذب في الطباع، مع كونه في نفسه صالحًا للإدخار.
وما تساوى جنسه حَرم فيه التفاضل.
فاللحوم عندنا ثلاثة أصناف، فتعلق به 1 الربا.
وقد قدمنا أن ما اختلفت أجناسه من الربويات حل فيه التفاضل.
فذوات الأربع صنف واحد، وحشيّها وإنسيّها، صغيرها وكبيرها، لا يجوز فيها التفاضل، فيمنع بيع شيء من لحمها بلحم الإبل أو الغنم أو الظباء أو الأرانب، متفاضلًا، ولا يجوز إلا مثلًا بمثل.
والصنف الثاني: ذوات الريش، وهي صنف واحد، داجنها وشاردها، صغيرها وكبيرها.
فيمنع من بيع شيء من لحم الدجاج بأكثر منه من لحم الحمام أو العصافير أو الإوز أو غير ذلك من سائر أنواع الطير.
والصنف الثالث: داوب الماء فيمنع بيع شيء من أصناف الحوت بأكثر منه من صنف آخر، تساويا في الجرْم أو الطعم، أو اختلفا، فيمنع بيع المتن أو القلقط، بالصند أو اللجمي 2، متفاضلًا.
وأما الجراد فإنه صنف رابع والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلًا جائز، وهكذا ذكر ابن المواز عن أشهب، وذكر ابن حارث عن سحنون أنه يمنع بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وإلى هذا مال بعض أشياخي، ورأى أنه مما يدخر.
واختلف قول الشافعي فذهب إلى أن جميع اللحوم على اختلاف أنواعها صنف واحد، وذهب أيضًا إلى أنها أصناف شتى، فلحم الإبل صنف، ولحم البقر صنف، ولحم الضأن صنف، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومنع ابن حنبل من بيع اللحم الطبري بمثله، واشترط في جواز البيع أن يكونا جميعًا جافين، فيجوز البيع حينئذٍ، مثلًا بمثل لا تفاضل بينهما.
وكأنه رأى اللحم إن كان طريًّا كالرطب.
وقد نبهنا نحن فيما مضى على أن المقصود في اللحم طراءته، والمقصود منه (إذا بيع التمر أو بيع بمثله على القول بالمنع من بيع رطب برطب بمثله) 1.
واعلم أنا قدمنا أن المعتبر في الجنسية تقارب المنفعة والأغراض.
ومن اعتقد خلاف ذلك في لحم البقر مع لحم الضأن أو البقر 2 عدهما جنسًا، كأحد قولي الشافعي، ومن رأى تقاربهما في المنفعة والغرض عدهما جنسًا واحدًا، كما ذهب إليه مالك.
وأما أحد قولي الشافعي فإن اللحوم كلها صنف واحد 3 في الاختلاف، فإنه اعتبر اشتراكها في تسمية لحم اسم خاص بجميعها يتناول جميع أنواعهما.
بخلاف تسمية أجزاء الثمر ثمرًا لأن لكل ثمر اسمًا يخصها كعنب وتسعين ورمان وتفاح، وليس لكل نوع من اللُّحمان اسم يخصه، وإنما يميَّز بإضافته هذه التسمية إلى تسمية أخرى، فيقال: لحم بقر أو لحم إبل.
وأما الجراد فإن فيه اختلافًا في الموازية أن التفاضل في بيع بعضه ببعض
جائز.
ومنع سحنون بيع بعضه ببعض متفاضلًا، ورآه مما يدّخر، فيكون على هذه الطريقة لاحقًا باللحمان، ولكنه صنف رابع.
فأحطت 1 علمًا بهذه الأجناس، فبيع لحم بلحم مما يعد من جنسه متفاضلًا لا يجوز كلحم بقر بلحم الضأن أو لحم إبل بلحم بقر أو لحم حيوان من ذوات الأربع الوحشي بلحم إنسي، وعلى هذا الأسلوب يجري في بقية الأجناس والله المستعان لا ربّ سواه ولا خير إلا منه.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إن اللحم إذا شوي أو قدّد من غير أبزار خالطته فإنه لا ينتقل عن حكم اللحم الطبري، ولا يجوز فيه التفاضل.
وأما التماثل في بيع الطبري بالقديد فيعْسر الوقوف على حقيقته وزنًا.
وهل يجوز الاقتصار في التماثل على تحري المساواة؟ هذا مما اختلف فيه المذهب، وهو اختلاف في صفة، فمن منع المبايعة على المساواة تحرّيًا رأى أن التحري لا يوثق به، وقد يغلط المتحري تارة، ويصيب أخرى، وقد قدمنا أن الشك في التفاضل في الربويات كاليقين به في المنع.
ومن أجاز ها هنا الاقتصار على التحري، وقدره بما يُبعد الغلط فيه غالبًا إذا كان من يتحرى عارفًا بالمقدار في هذا صحيحَ الحدس والتخمين فيها.
وكذلك بيع اللحم الطبري بالطري إذا بعد العهد بذبح أحدهما أو قرب عهد الذبح باللحم الآخر، لأن اللحم الأقدم ذبحًا أكثر جفافًا.
وكذلك رأى ابن حبيب في القديد بالقديد والمشوي بالمشوي أنه لا يجوز فيه المبايعة لاختلاف تجفيف الشمس في القديد وتجفيف النار في الشواء، وإن كان المشهور من المذهب جواز بيع القديد بالقديد بناء على أن ذلك يكاد لا يختلف غالبًا اختلافًا محسوسًا واختلافًا مقصودًا.
وبيع الطبري بالقديد ممنوع كما يمنع الرطب بالتمر وهو من المزابنة.
وأما إن صنع القديد بأبزار عظّمت فيه النفقة فإنه ينتقل حكمه عن حكم
اللحم الطبري، وعن حكم القديد الذي لا أبزار فيه، ويصير كجنس آخر من اللحمان يحل التفاضل بينه وبين ما ليس من جنسه.
وأما إن طبخ بالماء صِرفًا وبالملح، فإن هذا الطبخ لا ينقله عن حكم أصله فلا يجوز بيع اللحم المصلوق باللحم الذي تمسه النار ولا الشمس متفاضلًا، ولا يجوز متماثلًا بالوزن لكونه بيعَ الرطْب باليابس.
وأمّا ما ثبت فيه المساواة بالتحري فعلى القولين اللذين قدمناهما.
وأما ما طبخ بشيء من المياه المعتصرة كالخل، وماء الحصرم، وماء الليمون، فإنه ينتقل عن حكم اللحم الطبري الذي لم تمسه النار فيصير كجنس آخر يحل فيه التفاضل، فيجوز بيع السِّكباج والحصرمية والليمونية والسماقية والإجاصية بلحم لم تمسه النار ومتفاضلًا.
وكذلك غير هذا من الأنواع التي يكثر تعدادها.
لكن هذه الألوان التي ذكرنا بعضها كلها صنف واحد، وإن اختلفت المياه التي طبخت بها، فلا يجوز التفاضل بين حصرمية وليمونية وسماقية إلى غير ذلك من ضروب الألوان التي في هذا المعنى، لأن المطبوخات في هذه الأصناف تتقارب الأغراض فيها، وكأن المراد منها الائتدام، وهي من ناحية كونها إدامًا متقاربة في الأغراض والمقصود.
ومال بعض أشياخي إلى أن اختلاف هذه الألوان يصيّرها أجناسًا إذا تفاوت الغرض فيها، فليس الغرض في الإسفندباج كالغرض في السماقية والحصرمية.
وقد ذكر في الموازية أنه لا يحل التفاضل بين الأرز المطبوخ والهريسة.
فإن كان مراده الهريسة المصنوعة من الأرز ولكن خالطها اللحم وضرب معها الأرز، فإن هذا مبني على أن مخالطة اللحم الأرز، هذا النحو من المخالطة لا ينقله عن حكم الأرز المطبوخ بغير لحم.
فقدر أنهما جميعًا أرز ولحم مطبوخان، فلا يحل التفاضل بينهما.
وإن أراد بالفريسة ها هنا ما صنع من القمح واللحم، فكأنه رأى أن الطبخ للأرز والقمح ينقل كل واحد منهما عن أصله، فيجوز التفاضل بينه وبين أصله؛ ولكن لا يجوز التفاضل بين هذين المطبوخين من هذين الأصلين المختلفين، كما ذهب إليه أشهب في أن خبز الأرز وخبز القمح صنف واحد لا يحل التفاضل بين هذين الخبزين، وإن
كان أصلهما مختلفًا يحل التفاضل فيه.
وحكي هذا عن ابن القاسم، لكن مقتضى أصل ابن القاسم أن يكون أخبازهما صنفين، كما كانت أصولهما؛ كما وقفنا لك في أخباز القطنية أنها مختلفة لأجل اختلاف أصولها.
وأما بيع الخبز بالهريسة، فبعض أشياخنا يراه جائزًا متفاضلًا، وهما صنفان لاختلاف الغرض فيهما، وبعض الأشياخ يتردد في هذا إذا بني على الرواية التي ذكرنا عن الموازية في بيع الأرز المطبوخ بالهريسة وقدر بأن اللحم لم ينقل الأرز أو اللحم عن أصلهما مطبوخين والهريسة كذلك.
وإذا وضح أن المذهب إجراء المطبوخات مجرى واحدًا، لتقارب الأغراض فيها على حسب ما قدمناه، فإن التفاضل لا يحل فيها، والمساواة بالوزن، يصير موجب الرجوع إلى طلب المساواة بالتحري.
وتنازع المتأخرون في صفة هذا التحري، فقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: تجري المساواة في اللحوم وامْراقها، لأن حكم مرقها كحكم لحمها، وكذلك يكون التحري في الهريسة إذا بيعت بالهريسة.
ورأى غيره من الأشياخ أن التحري إنما يكون في اللحم خاصة، دون الأمراق.
فكيف جرت الحال على هذا الاختلاف فإن المسألة تتعلق بمسألة أخرى نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى، وهي بيع صاع قمح وصاع دقيق بصاع قمح وصاع دقيق، فإن المرق وإن عدّ حكمه كحكم أن الدقيق ليس هو صورة القمح وإن كان هو أجزاء القمح، كما قدمناه قبل هذا.
وإن قلنا: إن الأمراق، وإن كانت تبعًا، فلا بدّ أن ترعى 1 حكم الربا فيها في نفسها، جرت على ما ذكرناه من بيع قمح ودقيق بمثلهما.
ولا يكون بين المسألتين فرق إذا قيل: إن الاتباع تُراعى في نفسها في أحكام الربا.
وإذا علمت الحكم في التحري وما فيه من الاختلاف في بعض المسائل، فإن اللحم إذا بيع باللحم، طريًا بطري، تتحرى المساواة بين اللحمين على ما هما عليه.
وذهب ابن شعبان من أصحابنا إلى أن التحري إنما يكون بين
اللحمين على أنهما مجردان من العظم، ورأى أن الربا معلل بالقوت أو الإدام للقوت، وهذا المعنى مختص باللحم دون عظامه، وعظامه تختلف بالكبر والصغر والخشانة والرقة فيؤدي إختلافهما في هذا إلى عدم المساواة بين اللحمين.
ويجاب عن هذا بأن بيع التمر بالتمر جائز كيلًا بكيل، مع كون نَوَى كل واحد من التمر يختلف بوجوده في الوزن، واختلافهما أيضًا يتضمن اختلاف وزن التمر لوجود نواه، ولكن عُفي عن هذا الاختلاف للضرورة، وشدة الحاجة إليه، وكون هذا النوع خلق هذا من مصلحته، فلم يعتبر حكمه على حياله.
فكذلك العظام مع اللحم.
فلو أراد التبايع بشاتين مذبوحتين، وهما في جلدهما، فإن هذا فيه اختلافًا: قيل: إنه يجوز إذا تحرى المتبايعان المساواة بين اللحم.
وقيل: هذا لا يجوز إذ لا يقدر على تحري ما تُجِنّه الجلود مما لم يدركه البصر، وهو شراء اللحم المغيب ولا تعرف صفته.
وقيل: يجوز ذلك إذا استثنى صاحب كل شاة جلدها بموضع يجوز فيه استثناء الجلد، ولما كان الجلد ها هنا لا بدّ من سلخه ونزعه على اللحم لم يجر مجرى النوى في التمر، وكان له تأثير في بيع ما تحته من لحم على الخلاف فيه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
يخرج من الحيوان لبن وسمن.
فأما اللبن إذا بيع بلبن مثله في كل واحد منهما زبد فإن المعروف أن ذلك جائز، لحصول التماثل.
وروى أبو الفرج رواية أخرى وهي المنع فيهما لأجل ما فيهما من الزبد المجهول.
وهذا يحتمل أن يكون أراد أن الزبد مقصود، وهو مغيب لا يدرى مقداره، فبيْعه بزبد آخر أيضًا مغيّب لا يدرى مقداره من لبنه، غرر في عقد البيع، فوجب أن يمنع لأجل الغرر.
ويمكن أن يكون اعتبارًا بقوله: إن الزبدين مجهولان إلى الشك في حصول التماثل، والشك في حصول التماثل فيما فيه الربا ممنوع، كما يتحقق التفاضل فيه.
وإذا كان هذا الحليب وما فيه من الزبد في حكم التبع، وجب أن يعفى عن الغرر فيه، لتعذر الاطلاع على مقدار ذلك في حَالِ العقد، فأشبه
في قطن الجبة و 1 المَبيعة التي لا تعرف إلا بعد فتحها مع كونها في حكم التبع، وكذلك الزبد.
وإن حملنا قوله على أنه من (1) أشار إلى الشك في المماثلة، وقلنا: إنه بيع للحليب، والأتْباع تراعى في حكم الربا، فإنه يجب المنع منه لأنه قد يؤدي استخراجه من الحليب إلى عدم المماثلة بعد الاستخراج فأشبه بيع الرطب بالرطب على أحد القولين عندنا في عدمِه 2 لما يترقب من عدم المماثلة إذا جف الرطبان، ولم يعف عن هذا كما عفي عن نوى التمر.
ومعلوم أنه إذا نزع فقد يؤدّي إلى عدم المساواة في التمر نفسه، لكون النوى من مصلحة التمر، وكذلك يدخر بخلاف الزبد.
وأما ما يستخرج من الحليب من زبد، فلا بد من اعتبار التماثل فيه، والتماثل فيه يصح في المآل وكذلك إذا سير الزبد سمنا، فإن التماثل في السمن بالسمن يشترط في صحة العقد أيضًا، وكذلك الجبن بالجبن.
وأما الحليب إذا استخرج زبده وبقي مخيضًا لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، فإن الباب فيه على قولين، أحدهما: أن التفاضل فيه ممنوع لكونه، ملحقًا بالغالب من جنسه والقول الآخر اعتباره في نفسه، وكونه مما لا يدخر، فلم يكن مما يمنع فيه الربا، كأحد القولين في التين الشتوي أيضًا.
وإن أمكن أن يصنع منه ما يدخر مثل الأقط وما في معناه، فإنه يحسن إثبات الربا فيه إذا كان هذا مما يقصد إليه (فيه شيء) 3 كثير من الأحوال.
وقد أجاز في المدونة بيع الحليب المضروب بالسمن.
وهذا يشير عند بعض أشياخي إلى أنه مما لا ربا فيه عنده، وأنه يعتبر فيه حكم نفسه في كونه غير مدخر.
وأما لو لحق بغالبه، وكان فيه الربالمنع بيع المخيض بالسمن، لأنهما جميعًا مما فيه الربا، وما كان فيه الربا لا يباع منه رطب بيابس، كما لا يباع السمن بالزبد.
وقد منع في المدونة من بيع السمن بحليب لم يستخرج زبده، ورأى أن الزبد الذي
لم يستخرج كالمقصود، فيقتضي هذا البيع بيع الرطب باليابس، لأن الزبد كالرطب والسمن كاليابس.
وقد اختلف في بيع الحليب المضروب بالجبن، فمن أجازه رأى أنه مما لا يدخر، ولا مما يصنع منه ما يدخر، فلم يلحق بما فيه الربا.
ومن كرهه رأى أنه قد يصنع منه الأقِط، وبيع الأقط بالجبن لا يجوز، فكذلك بيع الحليب المضروب بالجبن، لكونه يتأتى منه أقط، والأقط لا يجوز التفاضل بينه وبين الجبن، وأما الجبن بالأقط والسمن فإن هذه مدخرات، والتماثل في بيعها واجب، وهو لا يتأتى معرفته فيها فلا يباع بعضها ببعض.
وأما البيض فقد قدمنا أنه فيه الربا، في المذهب المشهور عندنا.
وإذا أثبتنا فيه الربا، فكله صنف واحد.
فبيض الدجاج والإوز وغيرهما نوع واحد، لا يحل بعضه ببعض متفاضلًا، وإنما يجوز بشرط التحري في المساواة، وأن يكون قدرًا واحدًا.
وإذا اقتضى هذا التحري مساواة بيضة واحدة ببيضتين قال ابن المواز: وذلك بعد أن يستثني صاحب بيض النعام قشره لأنه له ثمن، فإذا اشتمل عليه عقد صار كبيع عرض وطعام بطعام.
وهذا الذي اشترطه ابن المواز لم يشترطه غيره، فيمكن أن يكون إنما أطلق الجواب لأنه لا يرى له ثمنًا مقصودًا، أو يراه من مصلحة هذا النوع، فأشبه النوى في التمر.
وقد قدمنا الكلام عليه.
وقد قال بعض الشافعية: لا يباع العسل بالعسل حتى يصفّيا من شمعهما، لئلا يتفاضل العسلان بعد تصفيتهما من شمعهما، ورأى أن الشمعين كعرضين بيعا معًا بعسلين، ولم يرهما كالنوى في التمر، لأن العسل إنما يدخر مصفّى غالبا، والتمر إنما يدخر بنواه.
والله المستعان.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله.
والجنس الآخر مما يحرم التفاضل في عينه هو الذهب والفضة، على اختلاف صفتيهما، من تبر ومضروب ومهمل ومصوغ، فلا يجوز التفاضل في
الجنس الواحد منه بجنسه.
وما غيرته الصنعة من المأكول صار كجنس آخر، فيجوز التفاضل بينه وبين ما بقي على صفته.
وذلك كالحنطة والدقيق والعجين بخبزهما، واللحم النيّىء بمطبوخه، والرطب والتمر والزبيب بخلّها.
وأما التفاضل في المعنى فمثل صاع مَعقِليّ وصاع دَقَل بصاعين برْنيٍّ لأن المعْقلى أعْلى من البرني، والدقل أجود منه، والبرني وسط بينهما.
وكل ما حرم التفاضل فيه جاز البيع فيه مع التماثل.
والجهل بالتماثل في المنع كتحقق التفاضل 1.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى:
هذا الفصل تكلمنا عليه، وإنما أوردناه ها هنا لأجل أنه افتتحه بالكلام على الربا في الذهب والفضة، ورأينا تأخير الكلام على الربا في الذهب والفضة إلى أن نتكلم على كتاب الصرف، كما رأينا الكلام على ما يمنع فيه الربا مضافًا إلى ما أضفناه إليه، ولا 2 لأنه مقتضى ما رتبناه نحن.
وقد تكلم ها هنا على الربا وجعله نوعين: تفاضل في العين وتفاضل في القيمة.
والتفاضل في العين قد تكلمنا عليه.
والتفاضل في القيمة رأينا تأخير الكلام عليه إلى كتاب الصرف، لأنه لما ذكر منه ها هنا هذه المسألة، وهي بيع صاع 3 بصعين من التمر من جنس واحد بصاعين مختلفين من التمر، وقد وجدنا في المدونة الكلام على مسألة بيع مدّ قمح ومدّ دقيق بمد قمح ومد دقيق في كتاب السلم.
رأينا أن نتكلم ها هنا (على ما في كتاب السلم من هذا المعنى خاصة في كتاب الصرف مبسوطًا) 4 إن شاء الله تعالى.
فاعلم أن كل جنس فيه الربا فإنه لا يباع شيء منه بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما جنس آخر مثل أن يبيع صاع تمر بدينار وبصَاعَيْ تمر من جنسه.
وكذلك لا يباع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح أو قفيزي دقيق، ولا قفيزًا قمح بقفيز قمح وبقفيز دقيق.
وكذلك لو كان بدل الدقيق شعيرًا أو جنسًا آخر من الأطعمة، أو عَرْضًا من العروض.
وقد منع في كتاب السلم الثالث من المدونة بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق.
وأجاز ذلك ابن المواز لأنه قال بجواز بيع قفيزي قمح وقفيز دقيق إذا كان قفيز القمح مثل القمح والدقيق أو أدنى منهما، أو مثل أحدهما أو أعلى من الآخر وأدنى، على حسب ما نجيزه في المراطلة ما بين ذهبين مختلفين بذهب واحد منفرد.
فلما قيل لابن المواز: إن مالكًا يمنع من بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق، قال: إنما منعه للذريعة ولا بأس به عندي.
وقال ابن ميسر: لا يعجبني ما قال ابن المواز.
فصارت المسألة عندنا على قولين، والمشهور المنع، إذا انضاف جنس مع أحد العوضين، أو انضاف مع كل واحد منهما جنس آخر.
وبالمنع قال الشافعي: وبالجواز قال أبو حنيفة.
وأشار بعض أشياخي إلى أن هذه المسألة خارجة عن أحكام المراطلة بين الذهوب؛ لأن الذهب مما يتساوى ما كان منه من سكة واحدة قطعًا.
والتساوي في الأطعمة طريقه الاجتهاد، ولهذا عدل ابن القاسم في التمثيل في المدونة عن المراطلة إلى مثل بيع دينار ودرهم بدينار ودرهم، لكون الدراهم المقابلة للدنانير إنما يعرف مقدارها منها بالتقويم، والتقويم طريقه الاجتهاد، وما طريقه الاجتهاد يغلط فيه ويضاف.
وقد خرج في الصحيح أنه عليه السلام أتي في خيبر بقلادة فيها خرز وذهب فأمر - صلى الله عليه وسلم - بالذهب الذي في القلادة فنزع، ثم قال عليه السلام: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" وفي بعض طرق هذا الحديث أنه قال: "اشتريت قلادة فيها خرز وذهب باثنى عشيا دينارًا، ففصلتها فوجدت فيها أكثر
من اثنى عشر دينارًا فقال عليه السلام: "لا يباع حتى يفصل" 1 وظاهر هذا يقتضي المنع من بيع الذهب مع جنس آخر بذهب منفرد، لأنه نهى عن ذلك وعن 2 الإباحة بالتفصيل وقال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" 3. وهذه إشارة إلى الرجوع إلى المساواة قطعًا ويقينًا، ولا يكون ذلك إلا بالميزان.
وأبو حنيفة يشترط في جواز هذا أن يكون الذهب الذي أضيف إليه غيره من الذهب المنفرد عوضًا عن الجنس المضاف إلى الذهب، وتغالى في ذلك حتى يجيز درهمًا في قرطاس بمائة درهم، ويجعل درهمًا من المائة مقابلة الدرهم الذي في القرطاس، والتسعة وتسعون درهمًا في مقابلة القرطاس وعوض عنه.
وقد ذكر عنه في هذا الحديث: أنها لما فصلت وجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا.
فيتعلق أبو حنيفة بهذه الرواية، ويقول: إني مشترط في الجواز أن يكون الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضاف إليه جنس آخر لتحصل المساواة بين الذهبين، ويكون ما زاد من المنفرد عوض الجنس المضاف إلى الذهب حتى يقدّر العقد الواحد كعقدين منفردين.
وها هنا قد ذكر أن الذهب الذي في القلادة أكثر من المنفرد، وإنما يمنع من هذا البيع إلا بشرط كون الذهب المنفرد أكثر من المضاف إليه غيره.
ويجاب عن هذا بأنه عليه السلام أشار إلى علة المنع وقال: الذهب بالذهب وزنًا بوزن، وإذا بيع ذهب منفرد بذهب وسلعة أخرى فإن الذهب المنفرد لم يبع بالذهب وزنًا بوزن، لأنه إنما قابل الذهب المنفرد شيئان يفترقان إلى أن يعلم فيه كل واحد منهما بالنسبة إلى صاحبه.
فإذا احتيج إلى ذلك، ونظر في التقويم، والنص على الذهب المنفرد، فقد يقابل الذهب المنفرد من الذهب المضاف إليه غيره ما هو أكثر أو أقل أو ما يساويه والخروج عن المساواة بين الذهبين أو الجهل في المساواة يمنع من صحة البيع.
وإلى هذا أشار مالك
رضي الله عنه بقوله: قد يترك فضل شيء على غيره لما أخذ عن فضيلته في الأخذ.
وبهذا علل الشافعي أيضًا، وقال: إن كل معاوضة تفتقر للتقويم لا تتحقق فيها المقابلة للمفرد إلا بعد النظر والتقويم، والنظر والتقويم قد يخرج إلى التفاضل، أو يمنع تيقن المساواة، فوجب المنع.
ألا ترى أن من باع شِقصًا بدابة وثوب فإنه لا يدري ما يقابل الشقص من الثوب والدابة إلا بعد التقويم، فإذا قوم ذلك بقي عليه ما يستحق من شفعة أو رجوع بثمن مغيَّب أو ثمن مستحق وهذا يؤكد ما قلناه من الوقوع 1 والتفاضل أو الجهل بالمساواة.
وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأن الحديث ذكر في بعض طرقه أنه وجد في القلادة على حسب ما ذكرنا عنه.
وقد قال الطحاوي إن حديث فضالة بن عبيد فيه اضطراب، وقد روي موقوفًا عليه، فإن صح أن الحديث مَرْفوع، فإنما نهى عن ذلك لئلا يغبن أهل المغنم فيما يبيع لهم.
وقد كشف الغيب وجه الغبن لأنه وجد في القلادة من الذهب أكثر من وزنها.
عندي أنه إنما أشار بوقف هذا الحديث على فضالة بن عبيد بما خرجه مسلم عن عمر 2 أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذنّ إلا مثلًا بمثل، سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل" 3.
ويجيب أصحاب أبي حنيفة عما ذكرناه من طرق الاعتبار، بأن ها هنا العقد لا بدّ من اعتبار أنواع الاقتسام فيه، فاعتبرتم أنتم الاقتسام من ناحية التوزيع والفصل، ليحصل لكم التفاضل من ناحية التقويم بين الذهبين أو الطعامين.
واعتبرنا نحن التقسيم من جهة أخرى، وهو أن العقد إن قصد فيه إلى مقابلة الفرد بالفرد، بأن يجعل صاع التمر قبالة أحد الصاعين، والدينار الذي مع
صاع التمر قبالة الدينار، صحّ التعاوض على هذه الصفة، والجمع إذا قوبل بالجمع قوبل الفرد بالفرد، كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم.
فالمراد مقابلة الفرد بالفرد، وهو أن كل رجل ركب دابته ولبس ثوبه، وإن صرفنا هذا الانقسام إلى مقابلة الجمع بالجمع على التوزيع والشياع، اقتضى ذلك فساد العقد، كما قلتم، وإذا احتمل العقد وجهين جهة صحة وفساد، صرفت عقود المسلمين إلى الوجه الصحيح الذي يتدينون به.
ألا ترى أن من باع سلعة بدنانير ولم بسم سكتها، وفي ذلك العقد سكك مختلفة، لكن العرف تبايعهم بسكة معينة، وبكون البلد لا سكة فيه سوى سكة واحدة، فإن لفظ الدنانير يحمل عليها، وما ذلك إلا لأجل وجوب حمل عقود المسلمين على الوجه الجائز.
وأما وجوب التوزيع والفصل فيمن باع شِقصًا وسبعًا بدابة وثوب، فإنما ذلك لأنه ليس له وجهًا صحة وفساد يجب حمله على أحد الوجهين، وهو وجه الصحة.
فلا مرَجِّحَ يقع بين احتمال واحتم الذي نفس أحد العوضين للشقص.
(ولو فرضنا فيه مقابلة الفرد بالفرد لم يجز فرقًا بين حملنا كون الشقص في مقابلة الثوب حملنا له على أن يكون في مقابلة الدابة لا صحة وفساد ها هنا يتقابلان يقع الترجيح بينهما ولهذا استغنى إلى موافقتهم ها هنا على وجوب التوزيع والقصر) 1.
ولا ينقض هذا علينا بأنا نمنع من بيع دينار بدينارين مع احتمال أن يكون أحد الدينارين مقابل الدينار الفرد، والدينار الثاني هبة، لأن هذا خلاف نص اللفظ لأنهما جعلا الدينارين جميعًا بيعا وعوضا، فصرف أحدهما إلى كونه هبة إبطال عقد المتعاقدين.
وإذا باع دينارًا وصاعًا من تمر بصاعين من تمر، هما جنس التمر، لما صاف 2 إلى الدينار، فإن مقابلة الفرد ها هنا وصرف المعاوضة إلى مقابلة الصالح بالصاع ومقابلة الصالح الآخر بالدينار وليس فيه
إبطال النص الذي تعاقدا عليه.
وكذلك أيضًا إذا نوقض مخالف أبي حنيفة بإيجازهم 1 بيع درهمين جيدين بدرهمين رديئين، مع إمكان العض 2 ها هنا أجابوا عن هذا بأن هذا لا يتصور فيه الفضل من جهة التقويم والعض (2) ولأنه معلوم أن الدرهمين الرديئين دون الدرهمين الجيدين في القيمة، ولكن كل درهم من الجيدين أو الرديئين مثل صاحبة فلا يقع اختلاف ها هنا من جهة التقويم والعصر (2) لتساوي الدرهمين في كل واحد من الجانبين وإنما يقع الاختلاف والتفاضل من ناحية التقويم وإذا 3 اختلف العوضان المقومان، وكانا في حكم الجنسين، ألا ترى أن من باع قمحًا بمثله فاستُحِق بعضه فإنه يرجع فيما باع فصعد أن 4 المستحق بنسبة التجزئة لا بنسبة التقويم.
وكذلك أيضًا يجاب أصحاب أبي حنيفة عن استشهادهم في وجوب حمل العقد على الصحة إذا تقابلت الاحتمالات في العقد، بإن كل سكة يجوز العقد بها، فما تردد هذا العقد إلا من وجوه كلها صحيحة ولكن إنما يحمل العقد على نقد البلد لأجل العرف والعادة التي تقوم مقام النطق والاشتراط.
ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة في كتاب الصرف ونصف به ما تعلق به منه.
فصل
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المزابنة:
والمزابنة يجمعها بيع معلوم بمجهول من جنسه، كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ورطْب كل تمرة بيابسها، أو حَبَّ كالحنطة المبلولة باليابسة، والدقيق بالعجين؛ والحي الذي يراد للحم، كالكبش، باللحم من جنسه، والمشوي 1 (فلا يجوز) (1) والمالح بالطري والسمسم بالشيرج 2. وهذا فيما بعده 3 الربا ومنع 4 مجهول بمجهول من جنسه كصبرة بصبرة أو جزاف بجزاف، وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى.
وأمّا فيما يجوز التفاضل في بعده (3) فإن تحققت الزيادة جاز أو إن لم تتحقق دخله الحَظر.
ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا وكذلك البر بالبر 5 وقسمة اللحم والسمن 6 على التحري 7.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله:
هذا فصل قد تكلمنا على أكثر المسائل التي ذكرها القاضي أبو محمَّد في هذا الفصل للقدر الذي قدمنا من أنا توخينا ترتيب المدونة.
ولكنه تكلم ها هنا على المزابنة.
فاعلم أن أصل هذه اللفظة مأخوذة من الدفع، يقال: ناقة زبون، إذا منعت من حِلابها.
وقال معاوية: ربما زبنت، يعني الناقة، فكسرت أنف حالبها.
ويقال للحرب: زبون لأنها تدفع بنيها للموت، ومنه سمي ملائكة العذاب زبانية لأنهم يدفعون الكفرة إلى النار.
ومنه سمي الرجل المغبون زبونًا لأنه كالمدفوع عن وجه الصلاح له في البيع.
وقد ثبّت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - النهي عن المزابنة.
فذكر في الصحيح أنه عليه السلام نهى عن المزابنة.
قال: والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع القمح بالزرع كيلًا 1. وهذا لأجل أن هذه الأجناس إذا بيعَ بمثله كيلًا لم تستحق 2 المساواة إلا مع كَيْلِهِمَا جميعًا، وإذا كان أحدهما جزافًا أو هما جميعًا جزافان أمكن أن يكون بينهما تفاضل.
وقد قدمنا أن تحقق الربا في المنع مثل الشك فيه.
فإذا كان التعاوض بما فيه الربا منع لأجل الشك في الربا، ومنع أيضًا لأجل الغرر والتدافع الذي هو المزابنة، وكل واحد من المتعاقدين يقدّر أنه غبن صاحبه.
وهذا من الغرر والتخاطر.
فإن كان هذا التعاوض مما لا ربا فيه منع أيضًا لأجل التخاطر والغرر، حتى يتبين الفضل في أحد العوضين فيرتفع الخطر والغرر ها هنا عند تبين الفضل يكون أحدهما أكثر من الآخر.
فإذا كان التعاوض بجنسين مختلفين انتقلت الأغراض إلى اختلاف منافع الأعْواض فلم يقع التخاطر.
فإذا كان العوضان من جنس واحد لم ينصرف الغرض إلا إلى القلة والكثرة.
وقد قال في المدونة في آخر كتاب السلم الشاك: كل شيء لا يجوز أن يباع منهما 3 مجهول بمجهول ولا مجهول بمعلوم حتى يتبين الفضل، ولو كان ذلك ترابًا.
وقد عارض بعض الأشياخ هذا الذي وقع ها هنا فقال: إن بيع، ما فيه الربا محرم، يجوز إذا كان مما يكال.
وهذا المنصوص عليه في المذهب، وإنما كان ذلك كذلك لأجل أن الميزان قد يتعذر في كثير من الأماكن فتدعو
الضرورة إلى العدول عنه إلى غيره، وما ذلك إلا بأن يتحرى أن يكون الشيئان يتقابلان في الوزن، وأما المكيال فلا يتعذر وجوده أو وجود ما ينوب 1، ولو أن يكتال 2 أحدهما أو بجفنة فالعدول عن المساواة (لا من يشاهد إلى التحرز غررًا) 3. من غير ضرورة تدعو إليه.
ولكن هذا إنما يجوز في القليل لا الكثير، لأنه لا يضبطه التحري ضبطًا يوثق به.
ويشترط أيضًا في جواز القليل أن يكون المتعاقدان بحيث يتعذر عليهما الميزان حتى يضطر إلى التحري.
لكن ذكر في كتاب السلم من المدونة أنه أجاز السلم في اللحم تحريًا، وقد بينّا هناك معنى هذا التَحري، والسلم إنما يقبض إلى أجل يتأخر عن العقد، ولا يعلم المتعاقدان حينئذٍ هل يتعذر الميزان عند حلول الأجل أم لا، إلا أن يريد إذا أمكن تصوره عند الأجل سومح باشتراط العدول عنه حين العقد، لأجل هذه الضرورة التي تُتَرقَّبُ.
ومن الناس من أبقى هذه المسألة على ظاهرها وقال: لا يجوز الاقتصار على التحري إذا تبايعا ما يجوز فيه الربا، لأنهما لا يتحفّظان في التحري لاعتقادهما أنه لا إثم عليهما 4 في التفاضل.
ولم يتكلم ها هنا إلا على ما يجوز التفاضل فيه، ويتكلم في إباحة التحري فيما يوزن من لحم أو خبز فيما فيه الربا، فلا تعارض بين الجوابين، وهذا ضعيف لأنهما يؤمران بالتحري ها هنا، لئلا يقعا في الغرر الذي نهى عنه بطاعتهما للأمر باجتناب الغرر لإطاعتهما للأمر باجتناب الربا.
ومن الأشياخ من قال: لم يقصد بهذه المسألة التي ذكرها في آخر كتاب السلم الثالث منع بيع مجهول بمجهول إذا تحريا ذلك كما يجب، وإنما يتكلم على بيع الجزاف بالجزاف لم يقصدا فيه إلى تحري المساواة.
وقد ذكرنا أن المزابنة والغرر إنما يتصور بتجانس العوضين، وإذا اختلفا انصرفت الأغراض لاختلاف الأعواض، على حسب ما بيناه، وقد حكموا ببيع المصنوع بالأصل
الذي صنع منه، بأنهما جنسان إذا كان المصنوع لا يمكن أن يعود إلى أصله، كبيع غزل بثوب منسوج، فإن ذلك يجوز، وإن لم يتبين الفضل، إلا أن يكون الثوب من خزّ فلا يباع بخز، لأن ثوب الخز قد ينفش فيرجع خزًا كما كان، وإذا كان المصنوع يعود إلى أصله اعتبر فيه تبين الفضل، وجرت فيه أحكام المزابنة، كبيع طست نحاس، لأنه قد يسبك الطست فيعود نحاسًا كما كان.
وأجاز في المدونة بيع المصنوع بالمصنوع وإن تجانس أصلاهما وأمكن أن يعودا لأصلهما، كطست من نحاس بمنارة من نحاس، ورأى أن المقصود اختلاف الصنائع، وكذلك العُروض المختلفة.
وأجاز في المدونة التفاضل ما بين الفلوس والنحاس، وإن كان النحاس أصلًا للفلوس، ولم يُجْر النحاس مجرى التبر الذي يصنع منه الدنانير، لكون الربا في الدنانير محرمًا باتفاق، والربا في الفلوس غير متفق عليه على ما سنبينه في كتاب الصرف إن شاء الله.
وأما القسمة إذا وقعت بالتحري تجري على ما قلناه، ويتضح هذا فيها إذا قيل: إنها بيع من البيوع.
ويتكلم على هذا في موضعه إن شاء الله، ونذكر الخلاف فيه: هل القسمة بيع من البيوع أو تمييز الحقوق؟ وبالله التوفيق.