شرح التلقينصفحات 154-194
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنانز*

صفحات 154-194

التأخير لأجل استغنائه عن ذلك يكون من له 1 الدين لم يجب عليه طلب لوقوع هذه المكارمة قبل الأجل معلقًا قبضها بالأجل.
وهذا الاعتذار يقتضي جواز هذه الهبة إذا عجلت قبل الأجل، لكونها وقت تعجيلها لم يجب على دافعها طلب.
وقد ذكر في كتاب ابن المواز اختلافًا فيمن له سلم مائة قفيز محمولة فسأل من عليه أن يحولها سمراء يأخذها عند الأجل.
واعتذر بعضهم عن هذا بأن المكارمة ها هنا إنما وقعت في تحسين صفة ما يقضى، والشعبي عليه السلام قد ندب إلى ذلك وقال: بأن (خياركم أحسن قضاء) 2، والقرض يباح أن يقضى على صفة هي خير مما قبض، ويمنع في المشهور أن يقضى على عدد أكثر مما قبض، لكون الزيادة في الصفة حُسْنَ قضاءٍ، بخلاف زيادة العدد.
ومنهم من يشير إلى ما ذكرناه من كون الهبة معلق قبضها بالأجل قبل استحقاق الطلب فلم يمنع.
ولو وقعت الإقالة على رد رأس المال كله أو ردّ بعضه مع بقاء السلم على حاله إلى أجله، فإن ذلك ممنوع أنه لا يتصور فيه ما قدمناه من أن المردود من رأس السلم إنما قبض على جهة السلف، وتعاقدا على أن عوض المنفعة بالسلف ما أبقياه في الذمة برسم السلم، فيصير ما دفعه على أنه برسم السلم عوض الانتفاع لما رده من جميع رأس المال أو من بعضه.
ورأى عيسى بن دينار أن هذا إنما يمنع فيمن يتهم على القصد إليه، وأما إذا كان المتعاملان من أهل الصحة والبعد من التهمة فإنهما لا يمنعان من هذالأولا يتهمان على إبقاء جميع السلم في الذمة، وجعل ما سمياه رأس مال السلم قصدا به السلف.
وإذا تقرر أن الإقالة من بعض رأس المال، الذي هو دنانير أو دراهم وما في معناهما لا يجوز، لما صورناه من التحيل على البيع والسلف، فإن رأس مال

السلم لما 1 نقد بعضه ولم ينقد بعضه فإن ابن المواز ذكر أن الإقالة تجوز في المنقود كله لا في بعضه ويجوز في كل ما 2 لم ينقد وفي بعضه.
ويجوز فيما نقد وما لم ينقد وقد عارضه الشيخ أبو إسحاق في أحد هذه الأقسام الخمسة بأن قال: إذا أجاز الإقالة من جميع المنقود خاصة فإنه يتصور من التهمة فيها ما يتصور في الإقالة من بعض المنقود وهو قد منع منه، وقدر أن ما ارتجع من المنقود سلفًا 3 وما أمضاه منه بيعًا (3)، فكذلك تصور الإقالة من جميع المنقود؛ لأنه يقدر فيه أن المنقود إذا رد كله بالإقالة فيما قايله كان ما أمضاه من الصفقة مما لم ينقد بيعًا مستقرًا لا يعاد فيه، فبَعُد أنه 4 قارنه السلف، وهو الانتفاع بالمردود الذي نقد.
وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب في القول بحماية الذرائع والتهمة تتصور في رد المنقود كله كما تصورت في بعضه ولا يقدر أن المنقود كأنه عقد منقود 5 لأنا لو قدرنا ذلك لصح ما قاله ابن المواز، لأجل ما قدمناه من أن العقد الواجب إذا وقع المنقود فيه جازت الإقالة من كله لا بعضه، وهذا ها هنا المنقود هو بعض المعقود عليه، يجب أن يمنع الإقالة في المنقود كله لأنه بعض العقد كما منعت الإقالة في بعض المنقود.
ولو اعتذرنا عن هذا بأنه إذا أقال ها هنا من جميع المنقود لمن يمنع لأنه لا يسترجع المنقود بل يقاصّه به فيما لم ينقد، مثل أن يكون أسلم إليه مائة دينار في مائة ثوب فنقد خمسين دينارًا ثم أقال منها، فإنه إن طالب برد الخمسين دينارًا بحكم الإقالة طالبه من عليه السلم بإمساكها في الخمسين الدينار التي بقيت عليه ولم ينقدها، فتصير الإقالة كأنها وقعت فيما لم ينقد، والإقالة فيما لم

ينقد جائزة في كله أو بعضه على ما قدمناه فإن هذا القدر يتصور في الإقالة من بعض المنقود؛ لأنه إذا طالبه بارتجاعه طالبه بأن يقاصه به فيما بقي له عليه ما 1 لم ينقد، فتوجه ما عارض الشيخ أبو إسحاق، ولم يصح العذر عنه بأنه يقدّر المنقود وغير المنقود كالصفقتين، لكون العقد عقدًا واحدًا يشتمل عن الجميع، ولم يصح العذر عنه أيضًا بتقدير المقاصة التي صورناها لكونها تتصور في كل المنقود وفي بعضه تصورًا متساويًا وهذا اضح.
ومن هذا الأسلوب ما ذكر في المدونة في سلم أسلمه رجل 2 إلى رجل فأقال أحد الرجلين المسلم من جميع مالَه عليه فإنه في المدونة أجاز هذا وأجرى عقدهما مجرى عقدين منقودين 3، فيمنع أن يقيل أحدهما من بعض ماله ولا يمنع أن يقيله من كل ماله كما قدمناه في العقد الواحد المنقود (3) به رجل واحد.
وأنكر هذا الجواب سحنون ومنع من هذه الإقالة لما كان الشريك من حقه أن يدخل على شريكه فيما اقتضاه من دين بينهما، وإذا وجب دخوله عليه فيما اقتضاه من دين بينهما لم تجز هذه الإقالة لأجل أنه يكون مقيلًا من بعض ماله لا من كله.
وقد اختلف اعتذار الأشياخ عن هذه المسألة، فمنهم من يشير إلى أن هذا الجواب إنما يصح على ما أشار إليه غير ابن القاسم في المدونة من أن أحد الوليين إذا صالح عن نصيبه في دم عبد بعبد، أن شريكه في طلب هذا الدم لا حل عليه في العبد الذي أخذه.
ويقتضي هذا أن لا يدخل شريك على شريك فيما اقتضاه من سائر الديون من إثبات المشاركة فيما اقتضاه أحد الشريكين [من دين بينه وبين شريكه] 4، وأيضًا فإن الذي ألزم غير ابن القاسم أن يقول به في سائر الديون المشتركة لا يلزمه لأن هذا الدم ليس بمال، وإنما الحكم في قتل العمد القصاص أو ما تراضيا عليه من مال.
فإذا كان المال لا

يثبت في دم العمد إلا بتراضي ولي الدم والقاتل، فقد صار هذا العقد المأخوذ، وليس بمال مشترك بين وليّي الدم، ولا عوضًا عما لم يشترك.
ولو قلنا بمذهب أشهب أن لولي الدم أن يجبر على الدية وله أن يقتل، لكان في هذا أيضًانظر.
ويمكن أن يقال بأنه لا يكون مالًا حتى يختار الطالب بالدية، فكيف جرت الحال فإن الدين المستقر في الذمة عن معاملة رجلين شريكين في المعاملة، بخلاف مال لا يستحقه أحد الشريكين إلا برضاه ورضا القاتل، أو يستحقه ولكن بعد أن يختاره على ما سواه مما خير فيه وهو القصاص.
ولما لم يتضح هذا العذر قال بعض الأشياخ: إنما نفرض المسألة التي وقعت في المدونة على أن هذين الرجلين اللذين لهما السلم تقاسما الدين الذي على المسلم إليه، ورضي كل واحد أن ينفرد بنصيبه.
فإذا تقاسماه وتراضيا على ذلك لم يكن لأحدهما دخول على الآخر فيما اقتضاه، كما ذكر في المدونة أنه إذا اعتذر لشريكه فلم يقبض معه أنه لا يدخل معه فيما اقتضاه.
ورأى بعضهم أن هذا تعسف فعدل عنه، وقدر أن هذه الإقالة والشركة والتولية 1، وما ذلك إلا لكون الإقالة في هذا السلم وطريقها المعروف لم يجر مجرى سائر الديون المشتركة، ولم يدخل الشريك الذي لم يقل على شريكه المقيل.
وذكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن العذر في هذا أن الإقالة ها هنا إذا وجبت المشاركة فيها فسدت، فمنع من المشاركة فيها، فكأنها 2 يشير إلى أنه إذا كان دخول أحد الشريكين على شريكه في هذه الإقالة لأجل فقد ما يدخل عليه لفساد الإقالة وردها (فصار كفرع - يبطلان أصله وإذا كان الفرع يبطلان أصله كان هو الباطل دون أصله) 3، فدخول الشريك على شريكه في هذه الإقالة فرع عن ثبوتها، وإثبات دخوله عليه يمنع من ثبوتها فقد صار الفرع كرّ ببطلان أصله فوجب أن يبطل هذا القدر الذي أشار إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد.
ولكن لم ينص على وجه الفساد، وقد

نص عليه فضل بن سلمة لما قدمنا الإشارة إليه، وهو أن دخول الشريك الذي لم يقل على المقيل يصيّر المقيل مقيلًا على بعض ما أسلم فيه، وقد قدمنا أن الإقالة إنما تجوز على كل السلم لا على بعضه.
وأشار الشيخ أبو عمران إلى طريق أخرى في فساد الإقالة: إنما تجوز على كل 1 ها هنا يقتضي خيار الشريك الذي لم يقل بين أن يمضي الإقالة أو يشارك فيها، والإقالة على خيار لا تجوز لما تضمنته من التأخير، والتأخير في الإقالة ممنوع، وكلا الوجهين إذا فسدت لهما الإقالة كان عذر فيما قدح به سحنون في جواز الإقالة.
ونحا الشيخ أبو الحسن ابن القابسي إلى ناحية أخرى في الاعتذار، وسلكها بعده الشيخ أبو القاسم بن الكاتب، وهي أن الإقالة ها هنا كأنها سائغة لمن عليه السلم، فيصير من عليه السلم شريكًا لمن كان المقيل شريكه، فحل في ذلك محل بيع أحد الشريكين نصيبه من الدين من أجنبي لم يدخل عليه شريكه، لكون الذمة التي عوملت بالسلم إليها بقيت على حالها، بخلاف الاقتضاء فإن أحد الشريكين إذا اقتضى نصيبه فإنه قد أوهن ذمة الغريم المشتركة بينه وبين شريكه، وأخلاها مما أعطاه، فكان لشريكه في ذلك مقال مع كون الإقالة طريقها المعروف.
ولا ينتقض هذا بصلح أحد الشريكين عن نصيبه من الدين، فإنه ذكر في المدونة أنه إذا صالح على نصيبه من الدين كان لشريكه أن يدخل عليه فيما صالح به لكون الصلح ها هنا يحل محل الاقتضاء، وكان القصد به الاقتضاء لا المبالغة.
وهذه الطريقة قد لا يصح فيها وجه التفرقة بين صلح أحد الشريكين وبين إقالته؛ لأن الصلح يتصور أيضًا كون الشريك كبائع نصيبه من الدين من أجنبي.
(على أن ابن المواز ذهب إلى أن أحد الشريكين إذا باع نصيبه من الدين من أجنبي) 2 فإن لشريكه أن يدخل عليه ويشاركه في الثمن الذي باع به، مع كونه لم يخل ذمة غريمه ولا أوهنها، وإنما باع جزءًا منها ممن يحل محله.
فهذه طرق شتّى في الاعتذار عما وقع في هذا السؤال.

وعندي أنه لو سلك فيه طريقة أخرى لكانت سالمة من القدح، وهو أن يقال: قد علم من المذهب الاختلاف في الإقالة، هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؛ فإن قلنا: إنها حل بيع اتضح ما قاله ابن القاسم؛ لأن الشريك المقيل قد حل ما عقد على نفسه، وكأنه لم يكن شريكًا في هذا الدين قط.
وإذا لم يشارك فيه لم يستحق الآخر الدخول عليه.
وإن قلنا: إن الإقالة ابتداء بيع، اعبترتَ أصلًا آخر وهو إلحاق دخول الشريك على شريكه فيما اقتضاه لكونه أوهن الذمة المشتركة بما أخذ منها، وإذا وجب دخوله عليه صار الشريك المقيل كأنه [قال من بعض نصيبه هي ما وقع عند الإقالة، وعند الإقالة ها هنا إنما وقع على نصيب الشريك كله لا على بعضه.
لكن الأحكام علمته وأوجبت دخول شريكه، وهذا حكم توجه عليه بعوإنعقاد إقالته على وجه صحيح في ظاهره مما يوجبه الأحكام، هل يقدر كأنه كالمشترط في العقد أو لا يقدر أنه كالمشترط؟.
وهذا أصل اضطرب فيه المذهب، ألا ترى أنْ الوليّ الأبْعدَ إذا عقد، فإنه قد قيل: إن العقد يفسد لأجل ما أوجب الشرع من الخيار للولي الأقرب، فكأنه كالخيار المشترط في أصل العقدة وقيل: لا يفسد، إلى غير ذلك من المسائل المبنية على هذا الأصل.
فهذه طريقة إذا سلكت بعد منها القدح.
وقد ذكر في آخر كتاب السلم الثاني مسألة من أسلم في ثوب بذراع رجل بعينه فأجاز ذلك إذا أراه الذراع، ويؤمر أن يأخذ قياسه بعصاة على أنه عدل، أو يأخذه كل واحد منهما عنده.
ولو عقد السلم على ذراع مطلق لكان العقد جائزًا، ويقضى عليهما بالذراع الوسطى.
هكذا ذكر أصبغ عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: هذا استحسان، والقياس الفسخ.
ولو وقع العقد على ويبة وحفنة فإنه في المدونة قال: ذلك جائز إذا أراه الحفنة.
فاشترط ها هنا رؤية الحفنة، ومقتضى ما حكيناه عن ابن القاسم يقضى بحفنة وسطٍ.
وهنا عقد يقدح فيه بأنه اشتمل على مكيل وهو الويبة، وجزاف وهو الحفنة، وفي اشتمال العقد الواحد على مكيل وجزاف خلاف.
لكن هذا الاختلاف في جزاف مرئي وها هنا إنما

استُخِفَّ هذا، وإن كان غير مرئي، لكون المسألة شرط فيها أن العقد وقع على ويبة وحفنة، ولو وقع على ويبات كثيرة وحفنات كثيرة لفسد العقد لكثرة الغرر فيه بكثرة الجزاف الغير مرئي.
وقد رأينا أن نؤخر الكلام على الإقالة من أحد ثوبين أسلما في طعام، والكلام على تلف ثوب قبل قبضه أسلم في طعام، ونشرع في كتاب السلم الثالث، ونبدأ بالكلام على بيع الطعام قبل قبضه، ثم نجمع أحكام الإقالة، ونتكلم فيها على هاتين المسألتين من إقالة وقع فيها تلف الثوب أو إقالة على أحد ثوبين.

كتاب السلم الثالث

فصل

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: الأعيان المبيعة ضربان: طعام وغير طعام.
فغير الطعام 1 من سائر المبيعات 2 هي العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحوّل أو لا ينقل ولا يحوَّل، فبيعه جائز قبل قبضه 3، على الجملة، ما لم يعرض فيه ما يمنع منه.
وأما الطعام فلا يجوز فيما 4 يتعلق به حق توفية، من وزن أو قيل أو عدد، أن يباع قبل قبضه أو يعاوض عليه، إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة، كالهبة والصدقة، أو على وجه المعروف، كالقرض والبدل، فيجوز.
ثم لا يجوز لمن صار إليه ذلك أن يعاوض به 5 قبل قبضه.
وتجوز فيه الإقالة والشركة والتولية قبل قبضه.
وما بيع منه جزافًا أو مُصْبَرا فبيعه جائز قبل نقله أو أخذه 6 البائع بينه وبينه.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة فصول: أحدها: القول في بيع الطعام قبل قبضه.
والثاني: القول في صفة الملك للطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه.

والثالث: القول في الشركة والإقالة والتولية فيه.
فأما الفصل الأول فيتعلق به أربعة أسئلة منها أن يقال:

  1. ما الذي يمنع بيعه قبل قبضه؟
  2. وما سبب الاختلاف فيه؟
  3. وإلى أي شيء خص الطعام بالمنع؟
  4. وهل هذا المنع في سائر أنواع الأطعمة أم لا؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الذي يمنع بيعه قبل قبضه فذكر عن عثمان البتّي أنه أجاز بيع كل شيء قبل قبضه.
وذكر أبو الفرج من أصحابنا، يشير إلى التردد في هذا المذهب، فقال: يمنع من بيع الطعام قبل قبضه لأجل العينة، وهكذا كل شيء من السلع إذا قصد بها العينة منعت لها بمنع الطعام.
لكن العينة إن ارتفعت منع الطعام خاصة لأجل الحديث، وجاز ما سواه من السلع.
فجعل الطعام ممنوعًا للمعنى وهو العينة تارة، وتارة أخرى للخبر.
ثم قال: ووجه آخر أن استعمال العينة إنما يكثر في مبايعة الأطعمة.
ويقول، والله أعلم: لو سلم البيع فيه من العينة لجاز إذا بيع بنقد.
وهذا القول منه يشير إلى قريب من قول عثمان البتي.
والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب يعلل بيع الطعام قبل قبضه بالعينة ولم يجعله شرعًا غير معلل.
ومن ذهب من الناس إلى عكس هذا المذهب، فمنع من بيع كل شيء قبل قبضه، طعامًا كان أو غيره، مما ينقل ويحول كالعروض، أو مما لا ينقل كالعقار إلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنه.
وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة.
ومن الناس من قصر المنع على كل مكيل وموزون طعامًا كان أو غيره.
ذهب إلى هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه وابن المسيب والحسن البصري وربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال ابن حنبل.
وذهب مالك رضي الله عنه إلى قصر المنع على الطعام خاصة دون ما

سواه من سائر الأجناس.
وذهب أبو حنيفة إلى المنع في كل جنس كما قاله الشافعي لكنه انفرد فاستثنى منه ما لا ينقل ولا يحول.
فهذه خمسة مذاهب.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فروي في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعامًا (قبل النعمة) 1 حتى يستوفيه" وروى عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن ربح ما لم يضمن" 2 وروي عن حكيم بن حزام أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "بيّن لي ما يحل ويحرم" فقال: "إذا ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تستوفيه" 3 وذكر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "ابتعت زيتًا فلقيني رجل بالسوق فأعطاني فيه ربحًا حسنًا فمشيت وأنا آخذ بيده فإذا رجل أخذ بذراعي من وراء فالتفت فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لي: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلع، حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" 4. فأما عثمان البتي فإنه يترك النظر في هذا، ويتعلق بقوله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ 5. وبقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 6 فعم كل بيع، وكذلك عمّ كل تجارة عن تراض.
وأما من سواه، فإن مالكًا رضي الله عنه يتعلق بقوله: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" دليل الخطاب أن ما عدا الطعام يباع قبل أن يقبض.
وأما ابن حنبل ومن ذكرنا معه فإنه يقيس على الطعام كل مكيل أو موزون لمشاركته الطعام في الكيل أو الوزن، ويرى أن تخصيص الطعام هنا بالذكر تنبيه

على كل مكيل وموزون، ولم يرد به قصر الحكم على الطعام خاصة، ونفيه عما سواه، كما لم يرد بذكر الربا في البر والشعير وما ذكر معهما قصر الربا على ما سمي من هذه الأصناف، بل ذكرها لينبه على ما شاركها في علة الربا.
وكذلك ها هنا إنما ذكر الطعام لينبه به على ما شاركه في قيل أو وزن، وقد وقع في بعض طرق الحديث "من ابتاع طعامًا مكيلًا" فتقييده بالكيل تنبيه على أنه عليه الحكم.
وأما الشافعي ومن تعلق معه فإنه يتعلق بعموم نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن بعد 1 سائر أجناس المبيعات.
وكذلك يتعلق أبو حنيفة بعموم هذا الحديث، ولكنه خص العقار وما لا ينقل بوجه من النظر سنذكره إذا خضنا في طريق النظر إن شاء الله تعالى.
وأما اختلاف هذه الظواهر فإن مالكًا رضي الله عنه يتأول النهي عن ربح ما لم يضمن على أن المراد به بيع ما ليس عندك فيجعل هذا الحديث مطابقًا للآخر.
وكذلك ذكر ابن المواز.
ومن ساوم إنسانًا في سلعة وذهب بها فباعها بأكثر مما ساومه أن ذلك لا يجوز إذا لم يعلم صاحبها بذلك وهو من ربح ما لم يضمن.
وكذلك لو اشترى سلعة بالخيار فباعها بربح قبل أن يختار، فإن الربح لربها لأنه يتحرك في سلك ما لم يضمن.
هذا اعتذار أهل المذهب عما تعلق به الشافعي.
وأما اعتذار أصحاب الشافعي عما تعلق به أهل المذهب من النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، فإنهم لا يسلم أكثرهم (دون هذا الخطاب دليل) 2 لكونه إنما علق الحكم فيه باسم، ودليل الخطاب، عند تبنيه، إنما يتضح في

تعليقه بالأوصاف والشروط والعدد، وأما تعليقه بالاسم فإن أكثر مثبتيه ينكرونه، لكن الدقّاق من أصحاب الشافعي قال به.
وأضيف أيضًا هذا المذهب إلى مالك رضي الله عنه.
فإن قلنا بإنكاره إذا علّق بالأسماء لم يكن اعتذار عنه، وإن الأسماء إذا علقت بها الأحكام كان ما عدا الأسماء بخلافها ها هنا 1 ويصل الخطاب مع عموم قول الراوي "نهى عن ربح ما لم يضمن" فينظر في الذي تقدم منهما.
هذا إن سلم أن القصد به ها هنا نفي الحكم عما عداه.
وإن لم يسلم ذلك، وقيل: إن الدليل إنما يستعمل إذا لم يكن الخطاب خرج مخرج التنبيه قدم تنبيه الخطاب ومفهومه على دليله، ألا ترى قوله سبحانه ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ 2 دليل هذا الخطاب يقتضي أن يقال لهما ما فيه سبّ لهما أولى وأحرى.
وموضع التنبيه في هذا الخطاب أن الطعام تمس الحاجة إليه، وإلى المبادرة لنفعه، وابتياعه للقوت به، وحفظ الحياة بأكله، ما لم تمس الحاجة إلى المبادرة إلى شرائه منه وبيعه له، كان نهيه عن بيع ما سواه من السلع قبل أن يقبضها أولى وأحق.
هذا طريق الكلام على اختلاف ظواهر هذه الأحاديث.
وأما الكلام عليها من جهة الاعتبار فإن أصحابنا يقولون: لما جاز التصرف في الأثمان قبل قبضها جاز ذلك في المثمونات.
وإذا جاز بيع ما لم يقبض مما وهب أو تصدق به أو ورث فكذلك يجوز بيع ما اشتُري قبل أن يقبض، (فكذلك يجوز التصرف فيه بالبيع) 3. وأما أصحاب الشافعي فإنهم يجيبون عن هذا بأن المذهب عندهم على قولين في بيع ما في الذمة من ثمن سلعة باعوها.
فإن قيل بالمنع فلا تعلق به، وإن قيل بالجواز فالفرق أن الأثمان في الذمم ملكها قد استقر ولا يحسن بطلان الملك، فلهذا جاز البيع قبل القبض.
وأيضًا فإن المالكية تمنع بيع الطعام قبل قبضه (إذا كان دنانير أو دراهم أو ما يجوز بيعه قبل قبضه.
وأما العين فإن منهم

منع منه قبل القبض.
والمشهور عندهم جوازه لكون العين له حرمة) 1 ألا ترى أن الشريك يقوّم عليه بنصيب 2 شريكه إذا أعتقه، ولا يقوم عليه نصيبه إذا لم يعتق بل باعه.
وأيضًا فإن بإعتاق العبد سقط الملك عنه وسقط الضمان فلم يكن للمنع وجه.
وأما الهبة والصدقة والميراث فإنما جاز البيع في ذلك قبل القبض لأن ذلك في ضمان الوارث بنفس الوراثة، وكذلك في ضمان الموهوب له بنفس الهبة.
ويتعلقون من جهة الاعتبار في صحة ما 3 لأنه إذا باع ما لم يقبضه فقد باع ما لا يقدر على تسليمه حين العقد.
وأيضًا فإن الملك في المشتري الذي لم يقبض منك ناقص لكونه معرضًا للبطلان فهو غرر، والغرر في عقود البياعات نهى الشرع عنه؛ ولأنه 4. هذا بالاستحسان فإنه يجوز، وإذا وقع الاستحقاق بطل البيع وسقط الملك، ثم مع هذا لا يمنع تجويز الاستحقاق من صحة البيع بإجماع؛ لأن هذا وإن كان فيه غرر فهو غرر لا قدرة على دفعه على حال إلا بمنع البيع أصلًا، وهذا فيه ضرر بالناس فعفي عنه.
وأما 5 الصالح السلع قبل قبضها فإنه غرر ويقدر على رفعه بأن ينهى المشتري عن البيع حتى يقبض السلعة؛ ولا يكون في عقده تعرض للبطلان على حال.
وهذا الذي قالوه إنمانظر الجواب عندي بأن يقال: اختلف المذهب هل ينتقل الضمان إلى المشتري في غير ما فيه حق توفية بنفس العقد أَوْ لا ينتقل حتى يذهب زمان يمكن فيه التسليم؛ فإن قلنا: إن الضمان ينتقل للمشتري من نفس العقد لم يصح لهم ما تعلقوا به من كون البائع غرضه البطلان بجواز هذه السلعة المبيعة.
وإن قلنا: إنه لا يضمنه المشتري إلا بالقبض أو التمكين، وأن طرُوَّ الهلاك في ضياع السلع

نادر، والنوادر لا يلتفت إليهالأولا يكون تجويزها من العذر المانع لعقد البيع.
وهذه النكتة التي أشرنا إليها توضّح ذلك.
وجه تفرقة ابن حنبل وغيره بين المكيلات والموزونات وبين غيرها من المكيلات والموزونات قد اتفق أن ضمانها لم ينتقل للمشتري قبل الكيل والوزن فحسن دخولها في النهي عن ربح ما لم يضمن ولا يحسن دخول ما سواها من المبيعات لكونها يضمنها المشتري بالعقد على أحد القولين عندنا.
ولأجل هذه النكتة التي نبهنا عليها ذهب أبو حنيفة إلى 1 ما لا ينقل ولا يحول كالعقار يجوز بيعه قبل قبضه، بخلاف غيره من السلع؛ لأن العقار لا يمكن ضياعه وعدم عينه، فيبطل العقد بعدم العين، وإنما يجوز عيبه، والعيب لا يبطل الملك ولا يلحق العين بالعلم.
فأنت ترى أبا حنيفة إنما فرق أيضًا بين العقار وغيره اعتبارًا بهذه النكتة التي نبهنا عليها، وجعل ابن حنبل ومن ذكرنا معه إنما فرقوا بين المكيل والموزون لأجلها.
ولكن هذه النكتة عليها يدور أكثر الخلاف.
قال بعض أصحاب الشافعي: القبض على ثلاثة أنواع: قبض ينقل الملك وذلك في الهبات.
وقبض يصحح العقد وذلك في الرهبان.
وقبض يصحح الملك ويحققه وذلك في المبيعات.
والقبض يتنوع بتنوع المبيعات بحسب مقتضى العادات فيها، فالمكيل والموزون يعتبر فيه الكيل والوزن، واعتبار قدر المناولة في انتقال الضمان كالمكيال للزيت إذا انصرف عند 2 أحدهما قبل إمكان مناولته وتفريغه، فإن فيه في المذهب اختلافًا عندنا: هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ فلو تصور عقد البيع في هذه النكتة، التي اختلف فيها في الضمان، يجري جواز البيع على القولين في جواز بيع الطعام الجزاف قبل أن ينتقل إلى ضمان المشتري، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما سوى الطعام فإنه يجوز بيعه قبل قبضه فلا فائدة في تنوع القبض

عندنا.
وأصحاب الشافعي ينوعونه فيرون أن الحيوان الناطق إذا بيع فقبضه أن يستدعَى فينتقل من مكانه إلى المشتري الذي استدعاه.
والحيوان البهيم أن يقاد من مكانه، إلى غير ذلك مما تعتبر فيه العادة في قبضه.
وأبو حنيفة يرى أن التخلية والتمكين من المبيع قبض.
ويحتج أصحاب الشافعي بالحديث الذي قدمناه، وهو قوله "نهى عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" ويقول ابن عمر: كانوا يضربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوا الطعام الذي اشتروه جزافًا قبل أن ينقلوه 1. وهذا الظاهر يمنع من الاقتصار في القبض على التخلية والتمكين، وإن كان ظاهر الحديث يقتضي أن لا يكتفي بتحويل المبيع عن مكانه حتى يصل إلى منزل المشتري، فإن اعتبار وصوله إلى منزله وما قبله من النقل عن المكان خاصة يُمنع لظاهر الحديث.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اختلف أهل المذهب في منع بيع الطعام قبل قبضه: هل الحديث الوارد في ذلك شرع غير معلل أو معلل يكون العِينة يستعمل فيه؟.
ومذهب القاضي أبي الفرج والقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب أنه معلل بالعِينة.
وقد ذكرنا كلام أبي الفرج وتردده في ذلك، وإشارته إلى أنه يحرم تارة لأجل العينة وتارة للخبر، ثم مال إلى اعتبار العينة وتعليل الحديث بها، ورأى أنها إذا ارتفعت ارتفع حكمهالأولكنه شرط في هذا أن يكون البيع بالنقد.
وقد أشار ابن مزين إلى اعتبار النقد أيضًا في هذا.
وكنا قدمنا نحن عن بعض أصحاب الشافعي أنه أشار إلى أنه إنما أشار بالذكر لكونه تمس الحاجة إليه لحفظ الحياة بأكله، فإذا منع بيعه قبل قبضه مع هذه الحاجة إليه فأحرى أن يمنع ما سواه.
ويمكن عندي على أصلنا إنما خص بالذكر لشرفه كما يخص بتحريم الربا على رواية ابن وهب؛ لأنه لا يمنع بيع ما لا ربا فيه من الطعام قبل قبضه.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ما يمنع التفاضل فيه من الأطعمة

المبيعة على قيل أو وزن أو عدد فلا خلاف عندنا، وعند فقهاء الأمصار، في المنع منه على ما مضى بيانه.
وأمّا ما لا ربا فيه من الأطعمة فالمشهور عندنا من المذهب المنع من بيعه قبل قبضه أيضًا.
وروى ابن وهب عن مالك جواز بيعه قبل قبضه.
فأما المذهب المشهور فحجته قوله عليه السلام "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" 1 تعم سائر الأطعمة.
وأما رواية ابن وهب فقد أشرنا إلى وجهها، وكأنه رأى الطعام لما خصّ بالعبات 2 منه ويدخر فتحريم الربا فيه لشرفه وكونه حافظًا للحياة، وكذلك يخص بالمنع من بيعه قبل قبضه.
وهذا المسلك بعيد، على مقتضى حقائق الأصول؛ لأنه يختص 3 للعموم بهذا الضرب من الاستدلال المأخوذ منه، فكأنه تعليل للخبر (لما يقتضي عمومَه) 4 فصار كالفرع إذا عاد ببطلان أصله.
فإذا قلنا بالمذهب المشهور من تعميم المنع من 5 سائر الأطعمة فإن الزرارع منها ما لا يجري مجرى ما ينبت منها، إذا لم تكن مأكولة في نفسها في غالب الأمر، فلهذا أبحنا زريعة الفجل الأبيض وزريعة الكراث والقثاء والبطيخ وشبه ذلك.
فهو، وإن كان ينبت منه الطعام المأكول، فليس هو الآن بالطعام الذي اعتيد أكله، لكن لو كان زريعة الفجل الأحمر لمنع من بيعها قبل قبضها لكونها يعتصر منها الزيت، ولهذا تُراد، وأعطيت حكم الزيت لما كانت لا تراد إلا له.
وكذلك قيل في حب العصفر أنه يمنع قبل قبضه لأجل أنه إنما يراد منه الزيت الذي يعصر منه.
والخردل أُلْحق بالطعام لأنه يؤكل في نفسه فلحق بالأطعمة.
بخلاف

زريعة الحرْف وهي زريعة الرشاد لكونه لا يؤكل في نفسه ولا يراد للزيت.
وقال ابن سحنون: اتفق العلماء على أن الزعفران ليس بطعام وأنه يباع قبل قبضه.
وأما الماء فخرج فيه بعض أصحابنا اختلافًا في بيعه قبل قبضه سنبينه في كلامنا على الربا فيه وفي غيره إن شاء الله.
وأما الأبزارُ المطيبة للأطعمة كالفلفل والكروي وشبه ذلك فإن المشهور من المذهب المنع من بيعها قبل قبضها.
وذكر ابن شعبان في مختصره جواز بيعها قبل قبضها.
والكمون الأسود وهو الشونيز، المشهور عندنا أنه يمنع من بيعه قبل قبضه.
وقيل إن الكمونين جميعًا، الأبيض والأسود، لا يمنع من بيعهما قبل قبضهما.
وأما الشَّمَار، وهو زريعة البسباس، والأنيسون وهي الحبة الحلو 1 فإن في بيعهما قبل قبضهما اختلافًا أيضًا في كونهما وكون الكمونين أصنافًا شتّى أو صنفًا واحدًا اختلافًا أيضًا نبينه في أحكام الربا إن شاء الله.
واختلف في الحلبة فقيل: إنها طعام، وقيل: ليست بطعام؛ وقيل: اليابس منها ليس بطعام.
هذا دليل جنس الطعام الذي يمنع بيعه قبل قبضه.
وأما بيان الصفة التي يباع عليها، فإنا قدمنا أنه إذا بيع على الكيل أو الوزن أو العدد فإنه لا يختلف في المنع من بيعه قبل قبضه.
وأما إذا بيع جزافُ الأولكن الضمان لم ينتقل إلى المشتري فإن المذهب في بيعه قبل قبضه على قولين: الجواز والمنع، كمشتري لبن غنم بعينها شهرًا، فإنه اختلف فيها ابن القاسم وأشهب في جواز بيعه لهذا اللبن قبل قبضه.
وكذلك يختلف في هذا في بيع صبرة للطعام قبل أن تقبض، إذا كانت محبوسة بالثمن، على أحد القولين في

كون المحبوس بالثمن ضمانه من بائعه لا من مشتريه.
وأما إذا قيل: إن ضمان المحبوس بالثمن من مشتريه، فإن هذا لا يختلف فيه بناء على هذا الأصل.
وكذلك اختلف فيمن اشترى جزءًا من ثمرة فأراد أن يبيع ذلك الجزء قبل قبضه، وكذلك اختلف فيمن باع ثمر نخلة أو صبرة طعام واستثنى منها ما يجوز له استثناؤه من المكيلة، وهو الثلث فأقل منه، وأراد أن يبيع هذا المكيل الذي استثناه قبل قبضه فإن فيه روايتين: الجواز والمنع؛ ولكن هذا مبني على أصل آخر وهو الخلاف في المستثنى هل هو مبقى على الملك فيجوز لمستثنيه أن يبيعه قبل قبضه كسائر ما يريد أن يبيعه من أملاكه، أو يقدِّر أن المستثنى مشترى فيكون البائع لما استثنى هذه المكيلة فكأنه باع الصبرة بدنانير وهذه المكيلة التي استثناها، فيكون مشتريًا لها، ومن اشترى طعامًا على الكيل منع من بيعه قبل قبضه.
وأما لو مكن بائع الصبرة مشتريها منها ولم يحلها بالثمن فإن مالكًا أجاز شراءها قبل أن تنقل.
وروي عنه أنه استحب ألا تباع حتى تُنقل.
وبالمنع من بيعها قبل قبضها قال أبو حنيفة والشافعي لما روي عن ابن عمر في الصحيح أنه قال: كانوا يُضْربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام إذا اشتروه جزافًا، لا يبيعونه حتى ينقلوه إلى رحالهم 1. وروى مالك في الموطأ هذا الحديث ولم يقل فيه: "جزافًا" بل أورده مطلقًا 2.

وأما الفصل الثاني فهو الكلام في الإقالة على الطعام والشركة والتولية وبأن الترتيب ينبغي أن يتكلم على الفصل الثاني وهو صفة الملك للطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه، اتباعًا لرتبة الكتاب الذي شرحناه، وأيضًا فإن الكلام في صفة الملك قبل الكلام فيما استثنى من الممنوع فيه، ولأنا قدمنا في كتاب السلم الأول العذر في ذلك، وهو أن الأصحاب رغبوا في توخي ترتيب المدونة في كتاب السلم، فجرينا على ذلك فيها، ولكن دعت الضرورة إلى أن تقدم الكلام على منع بيع الطعام قبل قبضه، ثم نعطف عليه الكلام في الرخصة

فيه كفرع منه.
واعلم أنه يتعلق بهذا الفصل أحد عشر سؤالًا، منها أن يقال: 1 - ما الإقالة؟.
2 - وهل يسوغ تبديل لفظها؟.
3 - وما حكم تأخير الحكم فيها؟ 4 - وهل تقدير التأخير فيها يغير حكم الضمان فيها؟ 5 - وما حكم تغير رأس المال فيها حِسًّا؟ 6 - وما حكم تغيره تقديرًا؟ 7 - وهل يمنع استغلال رأس المال من الإقالة أم لا؟ 8 - وهل يغيَّر حكم الإقالة إذا صار المقال فيه لجماعة بعد أن كان لواحد؟ 9 - وما حكم إقالة واحد من جماعة يحمل بعضهم عن بعض؟ 10 - وما حكم الإقالة في العروض على أمثالها؟ 11 - وما حكم التأخير الاختياري في الإقالة؟

والجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما الإقالة فإنه اختلف في اشتقاقها.
فقيل: إنها مأخوذة من الشبه.
ومنه قولهم: فلان يقيل مسجد أبيه، بمعنى أشبهه في المجد، ومنه القَيْل في حِمْيَر وهو شبه المَلِكِ فيهم.
ومبدأ الإقالة في البيع لأنها معاقدة ثانية في البيع لشبه المعاقدة الأولى، أو حل بيع وحله يشبه عقدَه لكون الثمن والمثمون في الإقالة (وقد يبدل فيما يبدل في المبيع) 1. ورأيت في بعض شروحات أبي الفتح بن جني أنه حكى أن من الناس من ذهب إلى أنها مشتقة من القول؛ وكأن القول الأول الذي وقع فيه التبايع أعيد مرة أخرى، فعله بانعقاده على صفة أخرى.
وذكر أن شيخنا أبا علي الفارسي أنكر هذا الاشتقاق الثاني، وقال بأن أبا زيد حكى أنه يقال: قلت الرجل، وأقلته، وأنا أقيله فيهما، ولو كانت الإقالة في البيع مشتقة من إعادة القول لكان المستقبل منه: أقوله.
ثم أخذ ابن جني يعتذر عن هذا بما يتعلق من أحكام التصريف بما ليس هذا موضعه.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: ذكر في المدونة فيمن قال: ولّني الطعام الذي لك عليّ: ذلك جائز.
وليس بتولية، وإنما هو إقالة، وإنما جاز تبديلها ها هنا بلفظ التولية لكون التولية رخصة معها، ومنعها بلفظ البيع لكون الحديث ورد بالمنع من بيع الطعام قبل قبضه، مع أن موضوع البيع المكايسة، والإقالة موضوعها المعروف.
ولا ينتقض هذا بقوله في الكتاب: إذا قال له: خذ مثل رأس المال من الدنانير فاشتر به طعامًا.
أن ذلك جائز لأنهما لو شاءا التقايل 1. لأنه لم يرد بهذا بيان العبارة الجائزة عنها وإنما أراد 2 الفعل لا تهمة فيه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما الإقالة فإنها إذا وقع تأخير التقابض فيها بشرطٍ فإنها باطلة.
ومن حكمها التناجز، لأن الشرع ورد بمنع فسخ الدين في الدين، وهي إذا وقع تأخير التقابض فيها خرجت إلى معنى الدين بالدين، والشرع استثناها في الطعام رخصة، لما كان طريقها الإحسان والمعروف.
فإذا دخلها التأخير انصرفت الأغراض إلى المكايسة والمناجزة في التأخير، فمنعت.
لكن لو وقع التأخير حكمًا مغلوبيْن عليه، فإنه قد ذكر في المدونة، في إقالة المريض: إذا أقال المريض من طعام أسلم فيه مائة درهم، وهو يساوي مائتين، ولا مال له غيره، فإن ورثته إن أجازوا إقالته مضت، وإن ردوها قطعوا للمسلم إليه بثلث ما عليه من الطعام، وأخذوا ثلثيه؛ وإن حمل الثلث جميع الطعام تمت وصيته.
ولو كانت الإقالة لا محاباة فيها لمضت على الورثة.
فاعلم أن المريض غير ممنوع من البيع والشراء بالقيمة، لأن الورثة إنما يملكون الحجر عليه في مقدار ما في يديه سوى الثلث الذي جعل له صرفه

عنهم، (كانت مناجزة، وطلب له الذي يرجو أن يفيق من مرضه فيتوفر لورثته) 1. فإذا حابى في معاملته فقد صار ما جاء 2 به كهبة لمن عامله، وهبته مقصورة على ثلث ماله وصى بها أن تنفذ بعد موته، أو مثلها 3 في مرضه.
وإنما بيعه بالقيمة، فإن بتّله في مرضه نفِّذ لأجل ما قلناه، ولكونه طالبًا نماء ماله لنفسه أو لورثته.
وإن وصى به أن يفعل بعد موته، فإن قال: بيعوا داري من فلان، فإن جميعها يجعل في الثلث، لأنه إذا مات ملك الورثة عين ماله، فليس له أن يلزمهم بيع عين ما ملكوه بغير اختيارهم.
لكن إذا حمل جميعَه الثلثُ مضى ذلك عليهم، لكونهم لا حقّ لهم في ثلث ماله.
وإذا تعذر هذا فإن الأشياخ اختلفوا في هذه المسألة المذكورة.
في المدونة، هل ذلك من الميت على معنى الوصية، أو على معنى التبتيل للإقالة في المرض؟ وقد أخبرناك بحكم الوجهين.
وأما الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله، فإنه تأول مسألة الكتاب على أنها وصية من الميت، ويتعلق بقوله في الكتاب: إذا حمل جميعَه الثلث جاز ذلك وتمت وصيته.
فسماها وصية واعتبر كون الثلث يحمل جميعها، وهذا إنما يعتبر في الوصايا في المرض لا في التبتيل فيه، كما قدمناه.
وقال غيره من المتأخرين: بل المسألة محمولة على أنها إقالة بتّلها في مرضه.
وتعلق بقوله في الكتاب: ولو كانت الإقالة لا محاباة فيها لنفذت.
وقد قدمنا أن الوصية لا بد أن يعتبر كونها يحملها الثلث، كانت لا محاباة فيها أو فيها محاباة.
وإنما لا يعتبر الثلث فيما لا محاباة فيه إذا قوّل 4 في المرض هذه المعاملة.
وينفصل صاحب هذا المذهب عما يتعلق به للتأويل الأول أن تسميته إياه وصية تجوّز في العبارة، لأنها موقوفة على الاعتبار بعد موت الميت فاستحقت لأجل هذا تسميتها وصية.
وهذا اعتبار سهل المرام، ولكن الوجه الآخر وهو اعتبار

كون جميعها يحمله الثلث وهو صعب المرام، فافتقر فيه إلى عذر من طريقة أخرى.
وذلك أنه تقرر فيما تقدم أن الإقالة على بعض رأس المال لا تجوز للتهمة على بيع وسلف.
وأن الإقالة على رد رأس المال كله ودفع بعض السلم، وكله لا يجوز لكونه سلفًا جر منفعة.
وكذلك (سنبين أن لغير رأس المال يمنع من الإقالة في الطعام على الجملة.
قالوا: فلو اعتبرها هنا في هذه الإقالة المسألة في المرض القيمة من غير محاباة فأنفدت الإقالة فيه) 1، وأعطى ما يستحقه من رأس المال من ما يحمله من الثلث، لكان قد رجع إليه رأس ماله، وأعطى زيادة عليه ما حمل الثلث من المحاباة التي حابى المريض بها؛ وهذا سلف جر نفعًا، مع كونه قد تغير رأس المال، فوجب المنع لكونه بيعا للطعام قبل قبضه.
(فلا حمل أن أمضى هذه الإقالة على الأصل الذي قدمناه يؤدي إلى فسادها ونقضها، والمريض قصد إمضائها ونفوذها وجب أن بعدت عن الأصل إلى ما يجوز) 2. هذا اختلاف الأشياخ في مسألة الكتاب والمراد بها.
وأما اختلافهم في الاعتذار عما وقع بها من إجازة الإقالة فإن الشيخ أبا بكر بن اللباد قال: إن المسألة إنما تصح على أن المريض مات بفور الإقالة فصار التأخير ضرورة.
وقال أحمد بن نصر: إن قبض رأس المال بفور الإقالة صح ما قال ابن القاسم، وإن تأخر قبضه لرأس المال إلى أن مات صح ما قاله سحنون من فور 3 هذه الإقالة التي ذكرها في الكتاب فاسدة لما وقع فيها من تأخير.
وطعن الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب في هذه الطريقة من الاعتذار، بأن سحنونًا يرى فساد هذه الإقالة، سواء قبض رأس المال أو لم يقبض، وبأن ظاهر المدونة ابن القاسم أجازها وإن لم يقبض رأس المال، لقوله في الكتاب: إن شاء الورثة أجازوا الإقالة وأخذوا رأس المال.
فدل هذا القول على أن المريض لم يكن أخذه.
واعتذر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد بأن هذا التأخير لم يُقصد، وإنما

أوجبته الأحكام، لا يتهمان على القصد إليه.
وهذا النوع من الاعتذار كنا سلكناه نحن في المسألة المتقدمة، وهي إقالة أحد الشريكين في سلَم من جميع نصيبه، وذكرنا تعقب سحنون أيضًا لهذا، لأجل أن الحكم يقتضي مشاركة شريكه فيما قبض من الإقالة، وأشرنا هناك إلى أن ما توجبه الأحكام اضطرب المذهب فيه: هل هو كالمشترط لأنهما لما عملا ما توجبه الأحكام فكأنهما عليه دخلا، وما دخلا عليه كأنّهما اشترطاه؟ أو لا يقدر الحكم ها هنا كالشرط لكونهما مغلوبين عليه كما قيل في الإقالة إذا هرب أحدهما أنها لا تفسد لكون الآخر مغلوبًا على التأخير؟ ولهذا بسط هذا الوجه بعض أشياخي فقال: إن كانا جاهلين بالحكم معتقدين أن التأخير يصح والفعل 1 للورثة فيه، فإن الإقالة ماضية لأنهما عقداها على وجه جائز، ثم غلبا على التأخير.
وكذلك لو كانا عالمين بالحكم، ولكنهما قصدا الافتيات على الورثة وغَلَبَتَهم على حقهم في ذلك، فإن الإقالة تمضي أحوالهما 2 لم يتعاقدا على تأخير.
ولو كانت الوصية لورثته لأن يقبلوه بعد موته، لصحت.
ولو وقعت منه إيجابًا على نفسه في المرض لا رجوع له عنه وهو يعلم أنها تؤخر فإنها تفسد.
ولو كان وقع ذلك منه في المرض على أنه بالخيار ما بينه وبين الموت لكان ذلك جاريًا على القولين في عقد النكاح على خيار أحدهما أو عقد الصرف على خيار أيضًا، لكن لم يختلف في إمضاء بيع المريض وإن كان بمحاباة، مع كون المحاباة إنما تعتبر في ثلثه بعد موته ولا يدري متى يموت، ولا ما يحصل من المحاباة، فصار الثمن مجهولًا لأجَلِه ومقداره.
ولكنهم لم يختلفوا في هذه المسألة لكون هذه جهالة أوجبت الأخذ.
وهذا يؤكد صحة العذر الذي أشرنا إليه في مسألة الكتاب.

هذا حكم الإقالة إذا وقعت من المسلم في الطعام وهو مريض.
ولو وقعت من المسلم إليه وهو مريض، فأقال من هذا الطعام الذي رأس الم الذيه مائة درهم، وهو يساوي خمسين درهما، لكان أيضًا من حق الورثة فيه ما ذكرناه من حقهم في الإقالة الواقعة ممن له السلم لأجل المحاباة؛ لكن الأشهر من قول أصحابنا ها هنا أن يدفع الطعام كلّه إلى من له السلم، وينظر فيما فضل عن ما اشترى به هذا الطعام من الدراهم التي وقعت الإقالة عليها، فيعطى الثلث من هذه الدراهم الفاضلة بمنزلة السلم، وكان ما وصفه له بدراهم يعطاها بعد قضاء؛ ولا يتصور ها هنا بيع الطعام قبل قبضه لأن جميعه وصل إلى من له السلم ولم يبع منه شيئًا.
وقال الشيخ أبو سعيد بن أخي هشام: بل يشترى له بالثلث الباقي من الدراهم طعامًا، ولا يرد إليه درهمًا، لئلا يكون رجع إليه بعض رأس ماله وهي الدراهم التي وصى له بها، فيكون هذا المنع لما تضمنه من سلف جر منفعة، على حسب، ما يكون 1 بيانه فيما تقدم.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكر في المدونة أنه إذا أسلم إليه ثوبًا في طعام فأقاله على الثوب، وضاع الثوب قبل أن يعود إلى ربه، فإن الإقالة تبطل.
وهذا لأنه لم يقدر أن الضمان انتقل إلى دافع الثوب أوّلًا.
وقد ينازع بعض الأشياخ في تأويل هذه المسألة، فمنهم من أقرها على حكم الضمان وغيرها من عقود البياعات، ورأى أن الذي ذكره في الكتاب محمول على أن الثوب لم يعد 2 بينته بضياعه، فإنه لا ينقل الضمان عمّن هو في يده، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد تقدمت الإشارة إليه فيما سلف.
ومنهم من رأى أن هذا الاختلاف كما اختلف فيمن احتبس بالثمن، لأن تأخير التقابض فيما احتبس بالثمن لا يفسد العقد والمعاملة التي تعاقدا عليه،

والتأخير ها هنا لقبض الثوب يفسد الإقالة ويبطلها، ويعود الثوب باقيًا على ملك من هو في يديه، فيكون ضمانه منه إذا عاد باقيًا على ملكه، من غير اختلاف في هذا.
وقدر من سلك هذه الطريقة أن صحة الإقالة، لما كان التأخير فيها لا يجوز، موقوفة على التناجز والتقابض، كمنع الذهب بالوزن، فإن صحة عقده موقوفة على صحة قبضه، بخلاف غيره من العقود التي يحل فيها التأخير.
فإذا كانت الإقالة موقوفة على 1 صحة عقدها على التناجز فيها، فهلك الثوب قبل التناجز، صار بأنه 2 هلك قبل عقد هذه المعاملة فيه التي هي الإقالة.
وهكذا لو صرف دراهم بدنانير فوزن الصيرفي الدنانير، وأخذ في وزن الدراهم فضاع الدينار، فإن العقد ها هنا صحة 3. ولكن بعض الأشياخ قال: إن ضمان الدينار من الصيرفي.
ورأى أنه لما وزنه صار كالمقبوض، والمقبوض مضمون ولو كان العقد فاسدًا، فكيف به إذا كان صحيحًا.
وهذا يتعلق بالقول في انتقال الضمان بمجرد العقد، من غير اعتبار قدر المناولة، أوْ لا يتعلق الضمان إلا بعد مضي زمن المناولة بعد العقد.
وسنبسط القول في هذه المسألة في كتاب الصرف إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أما الإقالة على عين رأس المال ولم يقع فيه يعتبر 4 على حال قد صح جوازها.
وأما إن ذهب عين رأس المال، وأقال على مثله، والسلم في طعام، فإنه إن كان رأس المال عوضًا مما يقضى به في القيمة في الاستهلاك، فإنه لا تجوز الإقالة على حال، لأنه إيقال 5 على قيمته، وقيمته جنس آخر خلاف عينه، وهذا ليس بإقالة وإنما هو بيع مستأنف.
وإن أقال على مثله، فالأغراض

تختلف فيه لا على قيمته ولا على مثله، لما قدمناه من خروجها عن كونها إقالة إلى كونها مبايعة، وبيع الطعام قبل قبضه لا يجوز.
وأما إن كان رأس المال مما يكال أو يوزن، وهو لا يراد لعينه، ولا يعرف إذا غيب عليه، كالدنانير والدراهم، فإن الإقالة جائزة، لكون مثل الدنانير كأنه هو عين الدنانير التي كانت رأس المال.
وأما أن كان ليس بدنانير ولا دراهم، كالحديد والرَّصاص والقطن والكتان، وغير ذلك من المكيلات والموزونات مما ينخرط في سلك هذا، فإن المذهب على قولين: اختلف في جواز الإقالة على هذا ابن القاسم وأشهب، فمنعه ابن القاسم وأجازه أشهب إذا كان المثل عنده حاضرًا.
فمن أجاز رأى أن المثل يسد مسد المثل، كالدينار الذي يسد مسد دينار آخر من سكتة.
ومن منع رأى أن الأغراض ربما اختلفت في أعيانها، فوجب الخلاف فيها بالعروض التي تمنع الإقالة على أمثالها (هذا حكم يعتبر المعين عوضها) 1.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: أما (نفس) 2 رأس المال تقديرًا فإنه يكون على ضروب، أحدها: من أسلم ثوبين في قفيزين طعام، فأقاله من أحد الثوبين، وهما متكافئان، على إسقاط أحد القفيزين عنه، فإن ابن القاسم أجاز ذلك.
وأشار سحنون إلى منعه والمناقضة فيه بقوله في المدونة: إذا اشترى ثوبين متكافئين فإنه لا يبيع أحدهما مرابحة بنصف رأس المال حتى يبين، لِجواز أن يكون غلط في التقويم، واعتقد أنهما متكافئان وليسا بذلك، إذا أقال من أحدهما فإنه قد يعلمان تقديره، فإن الذي ينوبه نصف الطعام، وإنما ينوبه في الحقيقة أقل أو أكثر، فيمنع من الإحالة لئلا يكون قد أحال على أكثر من رأس المال أو أقل، منع إذا كانت محسوسة، فكذلك إذا كانت مقدرة.
وقد وقع في كتاب محمَّد، فيمن أسلم في أصناف من الثمر، فإنه يجوز أن يقيل من أحدها لما ينوبه.
وكذلك وقع فيمن أسلم في قمح

أو شعير وعدس، فإنه يجوز له أن يقيل من أحد هذه الأصناف.
وهذا أيضًا يجب أن يمنع على طريقة سحنون، لأنه قد يغلط في التقويم الذي يتوصل به إلى معرفة ما ينوب هذا الصنف المقال فيه.
وقد اعتذر الشيخ أبو إسحاق عن مسألة الإقالة من أحد الثوبين، فإنه لا يقدر أنه إنما ينوب القفيز المقال منه، ونصفه الآخر معاوضة عن نصف الثوب الذي لم يقل منه، وهو الذي يقابل هذا القفيز المقال منه، فإن هذا إنما يكون التقدير فيه أن الثوب المقال منه يقابله نصف كل واحد من القفيزين، فإذا أقاله عن قفيز واحد فكأنه إنما أقاله عن نصف القفيزين، وجميعهما، في النظر، في الإقالة، فلا يمنع هذا، كما إذا كان له عليه نصف دينار، أو 1 باعه بيعً ابن صف دينار آخر، أنه يقضى عليه بدينار كامل، لكون الحكم يوجب جميع النصفين.
وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه ليس له أن يقول بأن التقدير ما ذكره أولى بأن يقول الآخر العكس ما بدأنا به أولى من أن الثوب المقال منه نصفه يقابل القفيز المقال منه ونصفه عوض عن نصف الثوب الآخر.
وهكذا قدر الشيخ أبو القاسم ابن القاسم 2 وذلك أنه عارض مسألة المدونة إذا أسلم إليه ثيابًا في قمح وأقاله على نصف الثياب أن ذلك جائز.
فقال: إن أقاله على أن تكون الثياب شركة بينهما نصفين، فالشركة في الثياب عيب، والعيب في الثوب يمنع من الإقالة عليه إذا كان رأس المال الطعام، وإن قدر أنهما يقتسمان الثياب نصفين فيتميز نصيب كل واحد من نصيب صاحبه، فإن الثياب المقسومة لا يقدر أن ما استبد به كل واحد منهما هو الذي يقابل به نصف الطعام المقال منه، بل إنما يقابله نصف الثياب التي استبد بها ونصفها الآخر أخذها عوضًا عن نصف الثياب التي صارت لصاحبه، وهو النصف الذي يقابل ما أقال فيه من الطعام.
وأشار إلى أنه إذا جاز أن يقيل (على مثل هذا النصف لزم أن يقيل) 3 على ثوب مثل الثوب الذي هو رأس المال.

وكذلك عارض بعض الأشياخ من أسلم ثوبًا واحدًا في طعام فأقال من نصف، بأن قال هذه شركة، وهي تعيب الثوب، والعيب ها هنا يمنع من الإقالة.
والذي عندي أنّا إذا قلنا: إن القسمة لتمييز حق؛ لم يتوجه ما عارض به الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب، لأنه (إنما) 1 وقعت القسمة (أن) (1) الثياب التي استبدّ بها كل واحد هي التي يقابل ما وقعت الإقالة عليه، (وما لم يقل فيه) 2 وإن قلنا: إنها بيع من البيوع يوجه ما عارض به، ولا يلزم ما ألزمه في جواز الإقالة على مثل الثوب لكون الإقالة على مثل الثوب لا يخاف 3 أنها ليست إقالة على عين 4 رأس المال.
وأمّا ما وقع في القسمة فإن فيه من الخلاف ما ذكرناه في القسمة هل هي تمييز حق أو مبايعة، وإنما يتوجه المعاوضة على أحد القولين.
وأما المعاوضة فإن الشركة في الثوب عيب، فإنه قد يقال في العذر عن هذا: إن هذا العيب لم يستبن الإقالة 5 بل إنما حدث بحدوث الإقالة، وقد تعلق بالإقالة حل البيع وحدوث العيب.
وقد اضطرب المذهب في مثل هذا، إذا كان الأمر يتعلق به حكمان متدافعان، ما الذي يقدر السابق منهما، كقوله: إن لقيك فأنت حر.
فإن قدرنا ها هنا أن الإقالة حل البيع، كالسابق لحدوث عيب الشركة، لم يكن في الإقالة قدح؛ لأنه إنما يمنع إذا حدث العيب قبلها، وها هنا قد تقرر أنه كالحادث بعدها، فلا يقدح في صحتها.

ومن هذا الأسلوب الإقالة من الطعام على رأس المال وقد يُعتبر عيبه كعيب أثر في دابة، كغرر في العقد أو خرق في الثوب، فإن هذا يمنع الإقالة.
وإن كان ما يتغير 1 في القدر المبيع منه سالمًا فإنه في حكم المتغير لانتقاص ثمنه لأجل العيب.
وأما التغير الذي لا يرجع إلى عين رأس المال، فإنه إن كان تغيّرًا في سوق السلعة التي هي رأس المال، فإنه لا يمنع الإقالة تغير السوق بنقص أو زيادة.
وأما إن كان تغيرًا مختصًا برأس المال وإن لم يؤثر في عينه، كعبد أسلم في طعام فأذن له من عليه السلّم في التجارة، فاستدان، ثم تقايلا وعلى العبد دين، فإن ذلك يمنع من الإقالة، وإن كان هذا التغيّر لا تأثير له في البدن لكنه يختص به دون ما سواه من العبيد، بخلاف تغير السوق الذي يعم جميع ذلك النوع.
لكن لو كان الدين تافهًا يسيرًا لا مقدار له، كالدرهم ونحوه، فإنه كالعدم لا يمنع الإقالة.
وإن كان خارجًا عن هذا المقدار منع الإقالة وإن لم يوسف بأنه كبير.
بخلاف من اشترى عبدًا، فأذن له في التجارة فاستدان العبد ربها، فإن هذا الدين وإن نقص ثمنَ العبد لا يمنع المشتريَ الرد بالعيب، ولا يوجب عليه قيمة هذا النقص، لأن العيوب اليسيرة الحادثة عند المشتري غير مطلوب بعوضها إذا رد بالعيب، لكون العيب من جهة البائع، فكأنه كالعافي له عن هذا المقدار اليسير الحادث عنده.
لكن هذا الدين الذي استدانه العبد لو سقط عنه قبل الإقالة لم يمنع الإقالة لكون رأس المال عاد على ما كان عليه فصار ما حدث في خلال عقد السلم والإقالة منه 2 بالعلم.
ولو كان حدث بهذا العبد عيب أثر في بدنه ثم ذهب، فإن المتأخرين مختلفون في هذا: هل تجوز الإقالة؛ لأنه يقدر لما ذهب كأنه لم يحدث، أو يمنع من ذلك لأنه قد تأثر جسمه تأثير المنع من الإقالة حينئذ فلا يزول هذا المنع بزوال المانع.
بخلاف لو كان هذا العيب بياضًا في العين حدث بالعبد ثم

ذهب، فإنه لا تمنع الإقالة لأن البياض (قد يعذر كالسائر بقيت العين على ما كانت عليه أوّلًا ولم يتخلل ذلك بعد حدث في ذاتها) 1. والذي سلمه صاحب هذا المذهب من كون سقوط الدين وذهاب بياض العين لا يمنع الإقالة لا يتحقق بينه وبين العيوب المؤثرة في البدن فرق واضح.
وقد ذكر في الرواية أن العبد إذا أسلم، وفي عينه بياض، فذهب عند المشتري، أن ذهابه كالنّماء المانع من الإقالة.
ولو كان العبد استدان دينًا بغير إذن سيده لكان سقوط هذا الدين لا يحيى الإقالة، لكون هذا الافتيات على سيده عيبًا فيه ينقص ثمنه لأجله.
وكذلك لو أنفق ما استدان في فساد فإنه أيضًا لا يحيى الإقالة سقوط الدين لأنه يخاف منه أن يقتضيه العوائد في الانفاق في الفساد.
ولو كان التغير في البدن مما تتلون فيه الحال كالسمن والهزال، فإنه يمنع من الإقالة هذا التغير إذا كان رأس مال الطعام من الحيوان البهيم، لأن هذا معتبر فيه.
ولو كان في الحيوان الإنسان، فإن الظاهر من المذهب أنه لا يمنع من الإقالة، لكون السمن والهزال لا يزيد عند التجار في الرقيق تأثيرًا مثل ما يؤثر في الحيوان البهيمي.
قال يحيى بن عمر: هذا التفسير في الإماء يمنع أيضًا من الإقالة.
وذكر ابن حبيب أن الهزال البيّن والسمن البيّن فوت في المبيع المعيب من الجواري بالهزال البيّن أو السمن.
وكذلك اختلف القول في المدونة في مضي الشهر والشهرين والثلاثة على الحيوان الذي هو رأس مال الطعام: هل يمنع ذلك من الإقالة وإن لم يتغير الحيوان في بدنه، فلم ير المنع منه في كتاب السلم، ولم ير المنع منه في كتاب البيوع الفاسدة.
وهذا كله العقد فيه ينحصر إلى الالتفات إلى مقتضى العوائد

فيه، فما علم أنه يؤثر في الأثمان بزيادة أو نقصان منع منه، وما لم يؤثر لا يمنع منه، ومضي هذا المقدار من الأشهر لا يحسن القول بأنه يمنع من الإقالة إلا أن يقدر أنه لا يمكن في العادة أن يمضي هذا المقدار من الزمن ولا يتغير البدن، فكأنه لم يسلم قول السائل: إنه لم يتغير في هذا الزمن.
وأما التغير في الجواري بالولادة فإنه يمنع من الإقالة إذا حدث الولد عند من عليه السلم؛ لأنه إن أقال ورد الولد صار زيادة على رأس المال، وإن أمسكه كان نقصًا من رأس المال، والنقص والزيادة من رأس المال يمنعان من الإقالة، مع كونه إذا أمسك الولد وقع في التفرقة بينه وبين أمه، ولكن هذا المنع من جهة أخرى غير ما نحن فيه.
ولو مات الولد قبل الإقالة، وقد حدث عند المشتري من تزويج أو من زنا، فإن ذلك يمنع من الإقالة، لكون ما أحدث من عليه السلم في الجارية من تزويج، أو ما أحدثت من زنا يعيبها عنها 1 لا يرجع إلى الولد الذي مات، فوجب المنع.
لكن لو كان حين عقد السلم ذاتُ زوج فولدت عند الذي عليه السلم، ومات ولدها، وحالت من نفسها، فإن هذا لا يمنع من الإقالة لكون التزويج كان عند من باعها، ثم رجعت إليه بالإقالة، وكون الولد قد ذهب فلا يقال بنفيه أوْ ردّه.
ولو كانت حاملًا حين عقد السلم فولدت ومات الولد، لنظر في ذلك من جهة أخرى: هل العمل عيب، فيكون العمل قد ذهب بالولادة الولد فيه، فيجري الأمر على ما قدمناه من ذهاب العيب فهل الإقالة أَوْلا يكون عيبًا؟ وسيرد بيان هذا في أحكام العيوب إن شاء الله تعالى لا رب غيره.
ومما ينخرط في هذا الأسلوب أن من قبض بعض الطعام المسلم فيه فإنه لا يجوز أن يقيل مما لم يقبض، لِما يتضمن ذلك من بيع، وهو المقبوض، وسلف، وهو ما قابل من الثمن الطعام المقال فيه.
ولو أقاله مما قبض وما لم يقبض، والمقبوض له قدر وبال، فإن ذلك يجوز لكون المقبوض أكثر ثمنًا مما لم يقبض، فيقدر رأس المال تقديرًا ولو كان لا قدر له كعشر أرادب من المائة.

فإن مالكًا استخفه وابن المنكدر كرهه.

والجواب عن السؤال السابع: أما إذا كان رأس الم الذي الطعام دارًا، فسكنت، وأكريت أو فرغ عقد الكراء، أو غنمًا فحلبت، أو عبدًا فاستخدم.
فإن هذا النوع من الانتفاع لا يمنع من الإقالة، إذا كانت الأعيان المقيلة باقية على حالها لم تتغير.
وأما إن كان الاغتلال في الغنم من ناحية صوفها، فإنه إن اشتراها وعليها صوف فجزّها، وأقال منها على ردها دون صوفها، فإن ذلك لا يجوز، لكونه إقالة على أقل من رأس المال، كمن أسلم سلعتين وطعامًا، فإنه لا يجوز له أن يسلم بله 1 على أحدهما.
وإن أمسك الصوف، وأقال عليها مجردة منه 2 فما ينوبها من الطعام، فإن هذا يجري على ما قدمناه من الإقالة على ما ينوب المقال بالتقويم.
وإن أقال على ردها وردّ صوفها معها فإن ذلك جائز.
وينبغي عندي أن يعتبر (هل يتخذ إجارة فيكون كالإقالة حتى استوحده) 3 فإن هذا أمر طويل، والغالب أنها تتغير فيه وتغيرها يمنع من الإقالة.
وأما إن كان رأس المال شجرًا لا ثمر فيها حين عقد السلم، فأثمر وجدّ الثمرة، فإن الإقالة لا تمنع، لكون رأس المال لم يتغير عنه.
وأما إن لم يجد الثمرة فالإقالة تمنع لأجل أن الثمرة وقت الإقالة، إن كانت لم تؤبّر ورد الشجرة بعد 4 الثمرة التي لم تؤبر، فقد رد رأس المال، وهو الشجرة المجدودة، وزاد عليها ما بها من ثمر لم يؤبر، وإن استثناه واشترط بقاءه إلى زمن الجداد، فإنه استثناء لا يجوز، لأنا نمنع من باع شجرًا فيها ثمر لم يؤبر من استثنائه على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن كانت قد أبرت، وأقال على رد الشجر بثمرها، فكذلك أيضًا هو زيادة على رأس المال يمنع من جواز الإقالة.

وإن استثناها من عليه السلم واشترط بقاءها إلى الجداد، فإن ذلك أيضًا يمنع، لكون رأس المال الذي هو الشجر لم يسلّمه إلى من أسلم إليه، بل يتأخر قبضه له إلى جداد الثمرة، وتأخير رأس المال والإقالة ممنوع.
وإن وقعت الإقالة مطلقة فها هنا تنازع الأشياخ: فبعض أشياخي يرى جواز الإقالة لكون سلم الشجر المقيل عليها يطالب بجدّ ما بها من ثمر حتى يتمكن من تسليم رأس المال إلى ربه من غير تأخير، لكون التأخير يفسد الإقالة، والتعاقد إنما يحمل على ما يجوز في الشرع، وأيضًا فإن لفظ الإقالة يشعر برد رأس المال على ما كان عليه، ولا يمكن رده على ما كان عليه إلا بجد الثمرة في الحال.
ومن تقدم هؤلاء من الأشياخ يرى فساد الإقالة لكون بائع شجر فيها ثمر مؤبر من حقه أن يبقي الثمر إلى الجداد، وإن لم يشترط ذلك، وإذا كان من حقه هذا، في البيع وإن لم يشترطه، كان ذلك من حقه في الإقالة، وإذا كان ذلك من حقه في الإقالة فقد دخل على إقالة فيها تأخير رد رأس المال.
وينفصل من حكيت عنه من أشياخي عن جواز هذا بأن الأصل فيه أنه لا يمكن بائع الشجر من بقاء الثمر المؤبر فيه، لأنه إذا أزال الشجر من ملكه لم يملك أن يحمل له ثمرته، كمن باع مخزنًا له فيه قمح، فإنه ليس من حقه أن يتمادى على الخزن فيه، لكن جرت العادة في التبايع بإبقاء الثمرة إلى الجداد وإن لم يشترط ذلك أيضًا، ولم يجدْ هذه العادة في الإقالة فأبقيت على الأصل الذي قررناه، مع كون لفظة الإقالة تقتضي رد الشجرة فارغة كما أخذها.
هذا حكم الشجر إذا أسلمت ولا ثمر فيها فأثمرت عند قابضها ثم تقايلا فيها.
وأمّا إن كانت حين السلم، فيها ثمر، فإنه لا يجوز إسلامها في طعام، كان ثمرها مؤبرًا أو غير مؤبر.
وإن كان على حال لا يصلح إلا لعلف، فإنه ينتقل إلى ما يكون قوتًا للإنسان وطعاما له، فيكون حينئذ قد أسلف طعامًا في طعام، ولم يقدر ما بالشجر من ثمر ملغىً لا حصة له من الثمر.
وذهب ابن

مسلمة إلى أنه إنما يقدر أنه مُلغى ما لم تَزْهُ الثمرة لكونه قبل الزهُوّ لا يحل بيعه، وإذا لم يحل بيعه على التبقية، (وهو إذا بيع على الجداد لم يكن له ثمر له مقدار يوجب أن يلقى 1، فإذا أزهى لم يكن بيعًا لجواز بيعه حينئذ على الإطلاق فيكون ثمنه له مقدار).
وذهب سحنون إلى أنه ملغى ولو أزهى، كحلية السيف، ومال العبد، فإن حلية السيف بفضة هي بيع للنصل لا يحرم ذلك بذهب إلى أجل، لكون الذهب الذي هو ثمن مؤجل أنه 2 ربا عوضًا عن النصل، دون ما فيه من فضة.
وكذلك مال العبد إذا كان دنانير، واشترى العبد، واستثنى ماله، بدنانير مؤجلة، فإن ذلك يجوز لكون مال العبد لا حصة له من الثمن الذي اشتري به العبد، لا سيما على مذهبنا أن العبد مالك ماله لم يعاوَض على المال، وإنما عاوض عن عبد ذي مال.
فإن قلنا بمذهب ابن مسلمة وأسلم الشجر وفيها ثمر مؤبر، فانتقل إلى الزهو، أو قلنا بمذهب سحنون فأسلم شجرًا فيها ثمر قد أزهى فانتقل إلى اليبس، فإن الإقالة لا تجوز، لأنه إن أبقى الثمر لنفسه وأقال على الشجر مجردة، فإنه قد استمسك ببعض رأس المال الذي أسلم إليه، وهي الثمرة التي كانت مأبورة أو مزهية، والاستمساك ببعض رأس المال يمنع من الإقالة.
وإن أقال على الشجر وسلم ما فيها من ثمر، فقد سلم الثمر وهي على حالة أفضل مما أخذها عليه، ونمت في يديه، وصارت الإقالة على أكثر من رأس المال، وقد تقدم أن الزيادة على رأس المال أو النقص منه يمنع من الإقالة.
وإن وقعت الإقالة على الشجر بما ينوبها من طعام السلم، فإنا قدمنا الاضطراب في الإقالة في الطعام على بعض رأس المال، لما ينوبه في التقويم.
فإن قلنا يجوز ذلك فإنه يعرض ها هنا معنى.
آخر يمنع الإقالة، وهو أن الثمرة إذا أمسكها لما ينوبها من الطعام الذي أسلم إليه فيه أتُّهِما على أن يكونا تعاقدا على ذلك، والتعاقد على بيع ثمرة مؤبرة بشرط التبقية إلى الجداد بطعام مؤجل يمنع، لكونه بيعًا للثمر قبل زهوه، وعلى بيع سحنون يمنع لكونها إذا أزهت كانت

طعامًا من غير خلاف، فيتّهمان على أن يكونا تعاقدا على إسلام طعام في طعام إلى أجل وهذا ممنوع.
ولما قدرنا امتناع الإقالة لتغير رأس المال وذكرناها.
هذا عن أصل سحنون (علة الامتناع لعلة أخرى غير تغير رأس المال) 1 لكون إسلام طعام في طعام إلى أجل يتصور ها هنا من جهة التهمة وحماية الذريعة، فكذلك أيضًا لو اشترى طعامًا غائبًا ثم أقال منه فإنه يمنع لكون ثمن الطعام عليه دينًا، فدفع عنه طعامًا غائبًا، ودفع سلعة غائبة عن دين في الذمة لا يجوز، لأنه يقدر فيه فسخ دين في دين، على ما وقع في المذهب من الاضطراب.
وهذا الأصل للإشكال الذي عرض فيه وذلك أنه لا إشك الذي أنه إذا فسخ دينًا في الذمة في دين آخر يتأخر قبضه، فإن ذلك ممنوع، وإن أخذ عنه سلعة بعينها قبضها في الحال فإن ذلك يجوز، إذا لم يمنع مانع، وقد قدمنا الموانع في المعاوضة عن الديون.
وإن أخذ سلعة بعينها غائبة فإنها تشبه فسخ الدين في الدين، لما في قبضها من تأخير، وشبه السلعة المقبوضة في الحال لما فيها من تعيين الخلاف، لكنها تخالف السلعة المقبوضة بالتأخير، وتخالف فسخ الدين في الدين لما في قبضها من تأخير، وتخالف فسخ الدين في الدين بالتعيين.
فوقع الاضطراب فيهالأولأجل هذا منع في المشهور من المذهب الإقالة من سلعة غائبة.
وإن كانت عرضًا لا طعامًا لم يتصور فيها من تقدير فسخ دين في دين، وكأنه دفع العرض الغائب الذي اشتراه عما وجب عليه من ثمنه، وإن كان أشهب أجاز الإقالة من العروض الغائبة، ووافقه يبيح، وقال بأن الذمتين ها هنا تبرأ 2 بهذه الإقالة من هذه المعاملة ولا ينعقد، بخلاف فسخ دين في دين الذي لم تبرأ منه الذمة بل انعقد الدين فيها.
ورأى بعض أشياخي أن هذا التعليل يقتضي جواز الإقالة في الطعام الغائب، لكون الإقالة فيه تحل به المعاملة، وتبرأ به الذمم، فكأن الدين الذي هو ثمن الطعام الغائب لم يقدر حصوله في الذمة لكون المعاملة عليه قوإنحلت، لا سيما على القول: إن الإقالة حلّ للبيع لا ابتداء بيع.

ومما ينخرط في سلك الإقالة، وقد تغير رأس المال: من أسلم في طعام فقبض بعضه لما حلّ أجله ثم أقال فيما بقي، فإن ذلك لا يجوز، لأنه يقدر أن المقبوض انعقد به (البيع) والمقال فيه الذي لم يقبض قد ردّ رأس ماله فقدر سلفًا، فصارت هذه الإقالة كبيع وسلف.
ولو أقال من الجميع، ما قبض وما لم يقبض، وكان المقبوض كثيرًا، فإنه يمنع؛ لأنه لما قبض صارت الإقالة مانعة لما اكتاله وقبضه، وانتقل ضمانه إليه، ولكنه لم يفعل هذه المبايعة إلا بشرط أن يقال في المال، والإقالة بشرط بيع سلعة أخرى تمنع.
بخلاف لو أقاله من جميع السلم، ولم يقبض منه شيئًا، فإنّ ذلك جائز، لكونه لا يتصور فيه ما قررناه من تغير رأس الم الذي الإقالة.
لكن لو كان المقبوض يسيرًا كعشرة أرادب من مائة إردبّ، فإن مالكًا استخفه ليسارة المقبوض، وبُعد التهمة فيه لنزارته، وكرهه ابن القاسم لما يتصور فيه من إقالة بشرط سابق والله المستعان.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا أسلم رجلان إلى رجل فولّى أحدهما نصيبه إلى رجل، فورثه عن ذلك الرجل جماعة؛ أو ولاه لِجماعة، فإن كل واحد من هذه الجماعة يجوز له أن يقيل من جميع نصيبه الذي صار إليه بالتولية وبالميراث، ولا يجوز له أن يقيل من بعضه.
وقدر في هذه الرواية أن أحد الورثة إذا ورث نصيبًا من ذلك السلم فإنه يحل في نفسه محل من كان له أصل السلم.
وقد قدمنا أن من كان له أصل السلم يجوز له أن يقيل من جميع السلم لا من بعضه، وكذلك الوارث يحل محل الموروث منه فتباح له الإقالة من جميع نصيبه لا من بعضه.
وقد عرضنا المنع من إقالته لبعض نصيبه بأن من كان له السلم في الأصل وتولى عقده، إنما منع أن يقيل من بعض السلم حماية للذريعة لئلا يكون أظهر عقدًا صحيحًا وأبطن أنه يسلف من رأس المال (أقال فيه بشرط منه المسلم إليه المبيع بقي الباقي الذي لم يقل منه) 1. وهذه المواطأة إنما تتصور في عاقد السلم،

وأمّا من ورثه عنه فلا يتصور فيه أنه واطأ المسلم إليه على بيع وسلف إذا 1 لم يكن له حين العقد حق في العقد ولا في الملك.
وهذه المعارضة صحيحة إذا اعتبرنا علة عاقد السلم من الإقالة من بعضه لإمكان المواطأة على ما لا يحل بينه وبين المسلم إليه.
وهذه المواطأة لا تمكن في وارثه.
لكن أصل المذهب لا يعتبر هذا، ألا ترى أن علة المنع من اقتضاء طعام من ثمن طعام التهمة أن يكون المتعاملان أبطنا العقد على طعام مؤخر وأظهرا أن العقد بدنانير، ثم حدث لهما رأي في أخذ طعام غير هذه.
ولو أحال بائع الطعام على ثمنه من له عليه دنانير مثل ثمنه فإن المحال يمنع ها هنا من أنْ يأخذ إلا ما كان يجوز لمحيله أن يأخذه، وقد كان محيله ممنوعًا من أن يأخذ من ثمن طعامه وكذلك يمنع من ينسب له إلى هذا الثمن أن يأخذ لها ما يكون يد هذا المحال محل يد هذا المحيل، مع كون هذا المحال بالثمن لا يتصور فيه المواطأة (المشتري الطعام) 2 على بيع طعام بطعام، إذ البيع انعقد ولا حقّ له في هذا الثمن ولا في الطعام المبيع.
ولم يعارضوا هذا لأجل ما أشرنا إليه من كون من نُسب لشخص حل محله في المال الذي ينسب (له) 3 إليه.
وعارض بعض الأشياخ أيضًا إجازة إقالة الوارث من جميع نصيبه الذي ورث، وقال: إن الميت الذي ورث عنه هذا الطعام كان ممنوعًا من أن يقيل من بعض الطعام، ونصيب أحد الورثة هو بعض الطعام الموروث منع من الإقالة في جميع نصيبه، كما كان يمنع من ورث هذا عنه من (الرواة) 4 من بعض هذا الطعام.
وهذا أيضًا يقال فيه: إن من عقد السلم وأقال من بعضه كان 5 أحسن الإقالة لما سواها، أقال فيه فتطرقت التهمة إليه لما قدر على الإقالة في الكل

فأقال في البعض، وهذا الوارث لا يملك سوى نصيبه على الإقالة، ولا قدرة له من نصيب من الشركة في الميراث، فلما لم يقدر على الإقالة من أكثر من نصيبه أبيح له ذلك، بخلاف من ورث هذا النصيب عنه.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: إذا أسلم رجل إلى رجلين في طعام أو غيره، جاز لِمن له السلم أن يقيل أحد الرجلين المسلم إليهما من جميع ماله إليه، لأنه، وإن اشتمل العقد على المسلم إليهما جميعًا، فكل واحد منهما كمن انفرد بالعقد دون صاحبه وإقالة منفردة لمنفرد جائزة من كل السلم لا من بعضه.
لكنه ذكر في المدونة أنه إذا كان كل واحد من الرجلين المسلم إليهما حاملًا لِما على صاحبه أيهما شاء أخذ بحقه فإنه يمنع من له السلم بإقالة أحدهما.
ولو أقاله من جميع ما عليه فاختلفت طرق الأشياخ في هذا، فأما أبو القاسم بن الكاتب فإنه علق المنع من الإقالة لأجل الحمالة يكون المسلم مستحقًا لطلب العمل ها هنا بالحمالة كما يستحق طلابها بحكم المعاملة والمبايعة، ويرى أن اشتراطه في المدونة أيهما شاء أخذ بحقه 1 على أن المنع إنما يتعلق إذا وقعت الإقالة وقد استحق طلب المقال بالحمالة لأجل أنه إذا استحق طلبه بما عليه بحكم المبايعة وما عليه بحكم الحمالة صار مستحقًا لجميع السلم على رجل واحد، وقد قررنا أن الإقالة من بعض السلم لا تجوز، فإذا استحق طلب الجميع على هذا المقال منع من أن يقيله مما بايعه فيه، لأنه بعضٌ لما استحقه عليه ولو سقط من الرواية هذه اللفظة وهي قوله: أيهما شاء أخذ بحقه؛ لم تمنع الإقالة إذا كان من لم يقل حاضرًا موسرًا، حتى لا يتوجه على هذا المقال الأداء عنه بالحمالة.
وهذا أيضًا على أحد قولي مالك: لا يستحق طلب الحميل إلا مع تعذر أخذه من الغريم؛ فتكون هذه اللفظة إنما قيد بها في المدونة لهذه الإفادة التي أشرنا إليها.
ولو قيل بإحدى الروايتين أن لمن

له البينة طلب الحميل وإن كان المتحمل عنه حاضرًا موسرًا، فإنه لا يفتقر إلى التقييد بقوله: أيهما شاء أخذ بحقه؛ لكون التخيير على هذه الرواية يجعل لمن له الطلب وإن لم يقل هذه اللفظة بشرط التخيير في طلب من شاء منهما.
ومن الأشياخ من رأى أنه يمنع من هذه الإقالة ولو قلنا بإحدى الروايتين وهي منعه من طلب الحميل مع قدرته على الأخذ من الغريم، لأنه من الممكن إفلاس غريمه قبل أن يصل منه إلى حقه، فعود الطلب على الحميل 1 الحميل وفي هذا الطلب غير موثوق بها بل 2. والمذهب ها هنا كالمتحقق من توجه الطلب ذكر عن الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد والشيخ أبي الحسن القابسي رحمهما الله أنهما منعا من هذه الإقالة، وإن لم يتصور فيها العلة التي من أجلها منع من أداء السلم من الإقالة في بعض السلم، وهي التهمة على التعاقد في الباطن على البيع والسلف، فرأى أن من له السلم يمنع من هذه الإقالة، وإن لي يغب أحد من المسلم إليهما على رأس المال.
ونحن نجيز الإقالة من بعض السلم إذا لم يغب على بعض 3 رأس المال المسلم على ما قبض من الدنانير، لأنه إذا لم يغب على رأس المال لم يتصور فيه السلف.
وإذا لم يتصور السلم لم تمكن في الإقالة التهمة على البيع والسلف.
وسلكا مسلكًا آخر غير ما قدمناه عما سواهما من الأشياخ، وقدرا أن هذا المقيل إن أقال على أن يبقى المقال حميلًا فقد تغير رأس المال فصار في حكم من أقال على بعضه؛ لأن رأس المال ها هنا دنانير وحمالة، وقد قدمنا أن الإقالة على بعض رأس المال لا تجوز.
وإن أقال على سقوط الحمالة فإنه بايع المقال على إسقاط وضمان عنه، والبيع على ثبوت الضمان أو إسقاطه لا يجوز.
فأمّا ما يعتل به من وقوع الإقالة على الحمالة فهو اعتلال صحيح لأنه يتصور فيه الإقالة على بعض رأس المال.
وأما

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل