شرح التلقينصفحات 1193-33
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنانز*

صفحات 1193-33

هذه قضية في عين ولم تتضمن إزالة ما عليه.
وهو الوجه الذي منعناه.
وأما الزيادة على ما عليه وتكفينه إذا لم يكن عليه شيء فسنذكر حكمه.
ونستدل لما قدمناه بحديث قتلى أحد.
وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بأن يدفنوا على هيئتهم.
فأما الشهيد الذي يوجد عريانًا فإنه يكفن.
قاله أصبغ.
وإن كان عليه ما لا يستر جميع جسده ستر بقية جسده.
والدليل على هذا أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك سوى نمرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه.
وإن غطي رجلاه بدا رأسه.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر" 1. وإذا لم يوجد إلا ما يستر به بعض جسمه يخص به من سرته إلى ركبتيه لكون هذا الموضع عورة.
والعورة أحق بالستر.
فإن كان في السترة فضل عن ذلك ميل بالفضل إلى ناحية صدره.
وأما إن أراد وليه أن يزيد على ما عليه.
وقد حصل عليه ما يجزئ في الكفن.
ففيه قولان.
فقال مالك لا يزاد عليه شيء.
وقال أشهب وأصبغ لا يؤمر بذلك.
فكان مالكا رأى أن ظاهر حديث قتلى أحد يمنع من الزيادة لكونه أمران يدفنوا على هيئتهم.
فظاهر هذا يقتضي منع التغيير.
كما قال في المحرم لا تخمروا رأسه ولا تمسوه بطيب وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا 2. فأشار إلى بقائه على حاله ومنع تغييره لما مات في قربة.
وهذا على مذهب من رأى أن القصد أن لا تغير هيئة الشهيد التي لقي الله عليها.
والزيادة عليها تغيير لها.
وأما نزع بعض ما على الشهيد فإنه تنزع عنه آلة الحرب كالدرع والرمح والسيف ولا تنزع المنطقة إلا أن يكون لها خطب.
وفي مختصر ابن شعبان قال: الشهيد يدفن في الثوب الجديد الذي يلبسه الشباب والمنطقة.
ويتخرج على هذا أن لا تنزع عنه الفائحة 3 فإن السيف والرمح ما لم يكونا من جملة ما يلبس نزعا.
وأما الدرع ففي كتاب ابن شعبان كأنه لما رآه ملبوسًا ألحقه بجملة اللباس.
فكان من قال من أصحابنا ينزعه رأى أنه من آلة الحرب.
وإنما يلبس لها فلحق بالسيف والرمح.
وقال ابن القاسم لا تنزع عنه الخاتم إلا أن يكون

نفيس الفص.
وأما القلنسوة والخفان والفرو فلا ينزع عنه ذلك.
وقال أشهب في مدونته تنزع عنه الخفان والقلنسوة و ... وكان أشهب رأى أن ذلك خارج عن جنس الكفن فالحقه بآلة الحرب ورآه غيره من أصحابنا من جنس اللباس المعتاد فلم ينزعه.
وقالت الشافعية ينزع عنه ما لا يلبسه عامة الناس.
وقد يتعلق من منع نزع ما ذكرنا بأنه منعه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ادفنوهم بثيابهم".
ولكن روى ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأمران يدفنوهم بثيابهم وأموالهم ودمائهم فكأنما أشار إلى اختصاص الثياب بالدفن وبنزع ما سواها.
وما ذكره يقاس عليه ما كان في معناه.
وأما قول القاضي ويصلى على كل الشهداء ... على أن اسم الشهيد ... على الإطلاق بل بتقييد.
وهو أن يقتله العدو على صفة ما ذكرناه.
وقدمنا ... أن الحسن قال ... فكأن الحسن اعتقد أنها بحكم الشهداء.
فنبه ...

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والصلاة إلى الأئمة ثم إلى 1 العصبة.
ولا ولاية فيها للزوج، ولا لذي رحم من غير عصبة 2. وأولاهم: الابن ثم ابنه.
ثم الأب ثم الأخ الشقيق ثم الأخ للأب ثم أبناؤهم 3 على هذا الترتيب ثم الجد ثم العمومة ثم بنوهم على ترتيب الإخوة.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لِمَ قدم الوالي؟ 2 - 4 المقدم؟ 3 - ولِمَ كان الزوج لا ولاية له؟ 4 - ومَا دليل الترتيب الذي قال به؟

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: ... الصلاة على الجنازة إمارة وتعصيب وصلاح.
فإن ... الابن ... أحد هذه الأشياء الثلاثة فلا شك في

تقدمه.
فالأمير إذا انفرد بالحضور دون هذين قدم والعاصب إذا انفرد قدم والصالح إذا انفرد قدم.
فإن اجتمعوا فعندنا أن الوالي أولى من الولي.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي في أحد قوليه الولي أولى من الوالي قياسًا على تقدمة الولي على الوالي في عقد النكاح وفي القيام بالدم.
ودليلنا أن الحسن بن علي رضي الله عنهما لما مات، قدم الحسين رضي الله عنه سعيد بن العاصي وهو أمير المدينة ودفع في قفاه وقال لولا السنة في تسكين الفتنة ما قدمتك.
فيه خروج عن الظاهر.
وقد اعتل في هذا بأن الميت قد كان رضي بإمامة هذا الوالي وقدمه أيام حياته.
فكان ذلك مزية تقتضي التقدمة بعد الوفاة.
وقياسهم على عقد النكاح والقيام بالدم لا معنى له.
وهذه أصول متباينة.
فطريق النكاح نفي المعرفة عن الأولياء بتزويج غير الكفء.
وصلاة الجنازة لا مدخل لها في هذا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الوالي الذي إليه الصلاة فإن الأمير الأعلى لا خلاف في استحقاقه الصلاة.
وأما من سواه ممن لا ولاية له، فإن المذهب قد اختلف فيه فنفى بعض أصحاب مالك استحقاقه الصلاة وقصر استحقاقها على الأمير الأعلى وجعلها مالك في المدونة لأمير العصر والقاضي وصاحب الشرطة إذا كانت إليهم الصلاة.
قال مالك في المجموعة فإن كان القاضي لا يصلي بالناس فليس بأحق.
قال سحنون ومن وكله أمير الجند على الصلاة وليس للذي وكله صاحب الشرطة ... أجر ولا صلاة.
فلا حكم لهذا في الصلاة وإنما يكون صاحب المنبر والصلاة أحق من الأولياء.
ذلك أن ... سلطان الحكم أو قضاء أو شرطة.
وإلا فهو كسائر الناس في ذلك.
وقال ابن وهب الحاكم القاضي هو أحق من الولي وليس كصاحب الشرطة في هذا.
وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم أن ذلك إن كانت إليه ... يجوز قصر هذا لاستحقاق على الوالي أو تعديه إلى من سواه على الاختلاف في الولي القريب ذا قدم ... دون الأجنبي أحق من ولي بعيد لكونه حل محل الولي القريب.
أو لا يكون أحق فالسلطان الأعلى أحق بالتقدمة في الصلاة فأعطى حكمها إلى قاضيه صار ذلك كولي قريب ينقل إلى أجنبي.
وأما ما ذهب إليه مالك ... عن سحنون فإنه ينبغي اعتبار أن تكون الصلاة إليه.
ويكون بيده مع هذا أمر من أمور

السلطنة.
فكأنه ... هذين الموضعين يضاهي الإِمام المتفق على استحقاقه الصلاة.
وظاهر ما حكيناه عن ابن وهب يذهب به إلى أن القاضي أحق لا يقتضي اشتراط انضمام الصلاة إلى أمور السلطنة.
لكنه لم يراع أيضًا أمور السلطنة بانفرادها لقوله ويعتبر هو كصاحب الشرطة.
ويمكن عندي أن يكون خص القاضي لما رآه مولى على الأمور الشرعية، لم يقم إلا للنظر فيها والصلاة من مكانه أقيم لها.
فكذلك ما حكيناه عن ابن القاسم أنه رأى أن من أقيم للخطبة أقيم لها بالصلاة.
لكونها تصلى جماعة.
فأشبه الجمعة والعيدين.
وقال مالك صلى صهيب على عمر رضي الله عنه.
وأظن ذلك لأنه قال يصلي لكم صهيب ثلاثًا.
فلم ينكر مالك إلى أن إقامته للصلاة تقتضي تقدمته.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الزوج.
فعندنا أنه لا ولاية له في الصلاة.
وذهب علىء وسعيد وعمر بن عبد العزيز إلى أنه أحق من القريب.
وذهب الحسن والأوزاعي إلى أنه مقدم على الابن ... وذهب أبو حنيفة إلى ما ذهبنا إليه.
لكنه اشترط أن لا يكون الولي ابنًا له.
وإن كان ابنًا له كان الزوج مقدمًا لكراهة أن يتقدم الابن بين يدي أبيه.
وقال بعض أشياخنا يندب لابن الميت أن يقدم جده الذي هو أبو الميت.
لأنه لا ينبغي أن يتقدمه في هذا كما لا يتقدمه في صلاة الفريضة إلا أن يكون الابن ممن له الصلاة والفضل.
والجد ليس كذلك.
وهذا كنحو ما رآه أبو حنيفة.
لكن الجد له مدخل في هذه الصلاة واستحقاق لها.
فهو آكد من الزوج.
ولكن أسلوب ... في المسألتين يجريهما مجرى واحدًا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما قدمنا الابن وابن الابن علي الأب لأنه أقوى تعصيبًا منه.
وهذا معلوم في المواريث.
ولم يرل الشافعي هذا فقدم الأب لاعتقاده أن المراد في الصلاة الاجتهاد في الدعاء.
والأب أرحم وأرأف من الابن.
فهو أقرب إلى الاجتهاد في الدعاء.
وعلى هذا الأسلوب يجري الأمر في تقدمة الأخ وولده على الجد.
فقدمناهما على الجد لقوة تعصيبهما.
وقدمت الشافعية الجد للمعنى الذي ذكرناه عنهم.
فهذا وجه ما أشار إليه القاضي أبو محمَّد من ترتيب الأولياء وجميعهم أولى من مولى النعمة.
لأن الولاء مشبّه بالنسب.
والمشبه بالشيء أخفض منه رتبة.
وينبغي للولي إذا حضر

رجل له فضل أن يقدمه.
قاله ابن حبيب.
قال مالك وينبغي أن يفعل ذلك من سواه.
وإذا كان الولي غير بالغ كان كالعدم ليس إليه صلاة ولا استخلاف.
قال مالك في العتبية في مولى لامرأة ماتت يتقدم إليها ابن عم له.
فقال ابن أخي المرأة أنا أحق ممن قدمت وأنت صبي لا أمر لك.
قال هو لابن أخي المرأة وذلك له.
وقد كنا قدمنا الاختلاف في الولي القريب إذا أراد أن يقدم ... على الولي البعيد، هل يمكن من ذلك.
وفي السليمانية في الأب العبد أنه لا حق له في التقدمة إلا أن يكون من شقيق عبد.
وكذلك في المساجد والأذان.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يكون أحق كما يكون أحق بالإمامة في منزله لكونه مختصاً به.
فكذلك اختصاصه بالولاية في الجنازة يقتضي كونه أحق.
وإذا ثبت ما قلناه في الولاية فهل للميت نقلها من القاضي بالوصية لمن يصلي عليه أم لا؟ فقال مالك إذا أوصى إلى خير ولم يكن لعداوة بينه وبين وليه فذلك نافذ.
وإن كان لعداوة بينهما لم يجز.
والولي أحق.
وعنه في العتبية الموصى إليه أحق.
وما زال الناس يختارون لجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين.
وكان الناس يتبعون أبا هريرة وابن عمر رحمهما الله ورضي عنهما لذلك.
وقال مالك في الموصى إليه أحق من الأولياء.
وقاله ابن حبيب.
وذهب الشافعي إلى أن الولي أحق من الوصي قياسًا على تقدمته في النكاح.
ونحن لا نسلم هذا في النكاح في المشهور عندنا.
وإن سلمناه في القول الشاذ.
فإنا قدمنا أن أصل الولاية في النكاح نفي المعرفة.
وفي الصلاة المعنى الباعث على الاجتهاد في الدعاء.
فهما أصلان مختلفان.
واختلف المذهب إذا اجتمعت جنائز.
واختلف أولياؤهما فقال مالك في جنازة رجل وامرأة أحق بالصلاة من أوليائهما من له الفضل والسن، كان وليًا للرجل أو للمرأة.
وقال ابن الماجشون ولي الرجل أحق وقد فعل ذلك يوم ماتت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما ومات ابنها زيد ماتا جميعًا.
وحضر ابن عمر والحسين رضي الله عنهما فقدّم ابن عمر لأنه ولي ابنها زيد.

قال القاضي رحمه الله: ولا تعاد الصلاة على ميت إذا سقط فرضها لا قبل الدفن ولا بعده.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: قد كنا قدمنا الكلام على هذه المسألة في فصل تعلقت به.
وقدمنا اختلاف المذهب في الصلاة على من أقبل بغير صلاة.
وأشرنا إلى أن المذهب قد قيل فيه إن الفراغ من الدفن يمنع من إخراج الميت.
واختلف هؤلاء هل فاتت الصلاة عليه أو لم تفت.
فقال بعضهم فاتت فلا يصلى عليه.
وقال بعضهم لم تفت ويصلى على القبر.
وقد كنا قدمنا أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - على القبر بها تعلق من أجاز الصلاة على القبر.
وذكر بعض أصحابنا إن كان هو الولي والإمام المتعين إمامته صار من صلى دونه عليها كأنه لم يصل.
وقالوا على هذا إذا صلى قوم على جنازة دون وليها لم يسقط فرض الصلاة.
وقال بعض أصحابنا بل يسقط.
ولكن إنما صلى - صلى الله عليه وسلم - لأنه أمرهم أن لا يدفنوها حتى يستأذنوه.
فلما دفنوها دون إعلامه - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها.
واضطراب أصحابنا في سقوط الفرض ها هنا بصلاة غير الولي يشبه اضطرابهم في النكاح إذا عقده غير ولي هل يفسخ أم لا.
يضاهي القول بالفسخ القول بأن فرض الصلاة لم يسقط.
ويضاهي القول بإمضاء العقد القول بأن الفرض قد سقط.
أما قول القاضي إن الصلاة لا تعاد، فإنا أيضًا أشبعنا الكلام على ما فيه من اختلاف وأدلة.
وقد وقع في المدونة إذا لم يحضر الجنازة سوى النساء وأنهن يصلين ... 1 ... قالوا وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة.
وأما البناء عليها فروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن ترفع القبور أو يبنى عليها أو يكتب فيها أن تجصص.
ويروى تقص.
وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض.
وفعله عمر رضي الله عنه.
قال ابن حبيب تقصص وتجصص بمعنى تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض والقصة الجير وهو الجنة.
وينبغي أن يسوى تسنيمه وكره مالك أن يرصص على القبر بالحجارة ويبنى عليها بطوب أو بحجارة، وكره هذه المساجد المتخذة على القبور.
فأما مقبرة دائرة بني فيها مسجد يصلى فيه فلا بأس به.
وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة ...

فيها.
ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسًا يعرف الرجل به قبر وليه ما لم يكتب فيه.
(وقول عمر رضي الله عنه: لا تجعلوا على قبري حجرًا.
مراده ما لم يكتب فيه) 1 وقول عمر رضي الله عنه: لا تجعلوا على قبري حجرًا.
مراده من فوقه بمعنى البناء.
قال ابن حبيب لا بأس أن يوضع على طرف القبر الحجر الواحد لئلا يخفى موضعه إذا عما أثره.
وقال أشهب في مدونته تسنيم القبور أحب إليه، فإن رفع فلا بأس.
وقال بعض أشياخي مراده إن زيد على التسنيم.
وقد قال خارجة بن زيد في البخاري رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان وإن أشدنا وثبة الذي يُنسب قبر عثمان بن مظعون.
وهذا الذي نحا إليه أشهب.
وقد قيل لمحمد بن عبد الحكم في الرجل يوصي أن يبنى عليه.
قال لا ولا كرامة.
قيل أراد بذلك بناء البيوت ولا بأس بالحائط اليسير الارتفاع ليكون حائزًا بين القبور لئلا تختلط على الناس قبورهم.
وأجاز أبو حنيفة البناء على القبور.
وأشار ابن القصار إلى أن البناء المكروه عليها أو حولها إنما في المواضع المباحة لئلا يضيق على الناس ما أبيح لهم التصرت فيه.
وأما البناء في ملكه أو ملك غيره بإذنه، فذلك جائز.
وهذا الذي حكيناه عن ابن القصار ظاهره خلاف المشهور من المذهب.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: عندنا أن الجلوس على القبر جائز.
وكره الشافعي الجلوس على القبر أو يطأه أو يتكئ عليه.
وقال ابن حنبل يكره الدخول إلى المقابر بالنعل ولا يكره بالخفاف والشمشكاة.
وحجة الشافعي قوله - صلى الله عليه وسلم -: لأن يجلس أحدكم على جمر فيحترق ثوبه وتصل النار إلى بدنه أحب إليه من أن يجلس على قبر.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أجلس على جمرة فيحترق ردائي ثم قميصي ثم تفضي إلى بدني أحب إليّ من أن أجلس على قبر امرئ مسلم 2. ونحن نتأول النهي عن ذلك على أن المراد به الجلوس للغائط والبول.
قال ابن حبيب كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد.
وقد روي ذلك ... للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتوسدها ويجلس عليها.
قال فلا بأس بالمشي على القبر إذا عما.
وأما وهو مسنم والطريق دونه

فلا أحب ذلك.
لأن في هذا تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ذلك.

والجواب عن السؤال الرابع: إنما قال يستقبل بوجهه القبلة لأنها أشرف المواضع وإليها كان يصلي أيام حياته ويتوجه.
قال ابن حبيب يلحد على شقّه الأيمن ... القبلة اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالثرى لئلا يتصوب وتعدل رجلاه ويرفق في ذلك ويحل عقد كفنه إن عقد وقد اختلف الناس في الجهة التي يدخل منها قبره.
فقال ابن حبيب إدخاله من ناحية القبلة أحب إلى.
وقال أشهب أحب إلى أن أدخل من القبلة أو ... من ناحية رأسه من الشق الأيسر منك وأنت في القبر فواسع.
ومذهب أبي حنيفة كمذهب ابن حبيب أن يؤخذ من قبل القبلة.
ومذهب الشافعي أن المختار أن يؤخذ من يمين القبر.
فإن كان مراده أن النازل في القبر إذا استقبل القبلة أخذ الميت من جهة يمينه ومن ناحية رجلي الميت.
وكان أشهب مراده إن أخذه من جهة القبلة أو من جهة يسار النازل في القبر ومن ناحية رأس الميت وهي المقابلة للجهة التي قال الشافعي إن ذلك واسع بمعنى أن غيره أفضل.
فكانه موافق لمذهب الشافعي.
وسبب الاختلاف في هذا اختلاف الأحاديث.
فقد روى ابن عباس قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلّ سلًا من اليمين.
وروى الطحاوي عن ابن عباس أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ادخل القبر من قبل القبلة.
وروي إنما دخل أبو دجانة من قبل القبلة.
وقال النخعي حدثني من رأى سلف أهل المدينة يأخذون الميت من قبل 1 ... أخبروه أربعة دل ذلك على أنه مقدار الوتر كما قاله الشافعي.
والمطلوب ها هنا ما تمس الحاجة إليه.
وهذا المعنى لا يقف على شفع ولا وتر.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا مات ميت في البحر فإن طمعوا في البر من يومهم وشبه ذلك حبسوه حتى يدفنوه في البر.
فإن أيسوا من ذلك غسل وكفن وحنط وصلي عليه وألقي في البحر مستقبل القبلة محرفُ اعلى شقه الأيمن.
قال ابن حبيب ولا تثقل رجلاه بشيء ليغرق كما يفعل من لا

يعرف.
فإن ألقاه البحر على ضفته فحق على من وجده أن يدفنه.
قال سحنود يصلى عليه إلى القبلة وإن دار المركب داروا.
وإن غلبوا صلوا بقدر طاقتهم فيثقل بشيء إن قدروا على تثقيله.
قاله عطاء وابن حنبل.
ورد هذا المذهب بأنه ربما ألقاه البحر إلى ساحل فيدفنه المسلمون وفي تثقيله قطع لما يرجى له من الدفن ومما ينخرط في سلك هذا نقل الميت من بلد إلى بلد.
وظاهر مذهبنا جوازه.
قال بعضهم لا بأس أن يحمل الميت إلى العصر إن كان مكانًا قريبًا.
قال ابن حبيب لا بأس أن يحمل من البادية إلى الحاضرة ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه.
وقد مات سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص بالعقيق فحملا إلى المدينة.
وأصيب طلبة رضي الله عنه يوم الجمل فدفن.
فرأى إنسان في المنام أن انقلوه فنقل فدفن في مكان آخر.
قال بعض أصحاب الشافعي ليس في هذا نص.
والذي يشبه عندي أنه يكره ذلك.
وروي مثل هذا عن عائشة رضي الله عنها.
واحتج الشافعي بأن النبي ي أمر بتعجيل دفن الميت.
وفي نقله تأخير لدفنه.
وانفصل عن نقل سعد وسعيد بأن ذلك ليس ببعيد.
فأشبه نقل الميت في بلد كبير من طرف إلى طرف آخر في المقبرة.
فأما ابن عمر فإنما أوصى أن ينقل لأنه كان من المهاجرين.
ويكره للمهاجرين أن يدفنوا بمكة لأنه كره لهم المقام فيها.
وهذا الذي أشار إليه الشافعي في تأويل سعد وسعيد.
وقد اشترط مالك في جواز النقل أن يكون قريبًا.
وأطلق ابن حبيب من غير اشتراط.
فاشتراط مالك يقرب من تأويل الشافعي.
فقد روي في البخاري أن جابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد فدفنه جابر مع رجل آخر فلم تطب نفسه أن يتركه مع آخر في قبره فاستخرجه بعد ستة أشهر.
وهذا الحديث قد أدخل حجة جواز النقل.
ولكنه يتضمن جواز النقل بعد الإقبار.
وإنما تكلمنا على النقل قبل الإقبار.
وللميت حرمة تمنع من إخراجه من قبره إلا لضرورة كما ذكرناه من نسي الصلاة عليه على الاختلاف المذكور فيه وإلحاق دفن آخر معه بأبواب الضرورة المبيحة لإخراجه يفتقر إلى نظر آخر وبسط طويل 1.

نجز كتاب الجنائز وبتمامه تم السفر الأول من شرح التلقين للإمام المازري رضي الله عنه ونفع به يتلوه بحول الله وقوته السفر الثاني كتاب الزكاة.
والحمد لله حمدًا يدوم بدوامه والصلاة الدائمة كذلك على سيدنا محمَّد خاتم أنبيائه ومبلغ أنبائه وعلى آله وصحبه ذوي الشرف وأنصاره وسلم تسليمًا كثيرًا.

شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري 453 - 356 1061 - 1141

الجزء الثاني المجلد الأول

تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي

دار الغرب الإِسلامي تونس

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 1

دار الغرب الإِسلامي جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى- 2008 م

دار الغرب الإِسلامي العنوان: ص. ب.: 200 تونس 1015

جميع الحقوق محفوظة.
لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأى شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 2

شرح التلقين للأمام أبي عبد محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري

الجزء الثاني المجلد الأول

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إلى الله العلي الأعلى أرفع آيات الحمد الخالص كما يحق لجلاله وعظيم سلطانه، وأستمنحه التفضل بقبول شكري، على جليل نعمه وموصول مدده وحسن عونه، وعلى ما فتح من أبواب التيسير والتوفيق، وهو الولي الحميد، العزيز المجيد.
وأصلي وأسلم على إمامنا وشفيعنا المختص بالمكانة العظمى، والمرتبة الأسمى، والمقام الأسنى، سيدنا محمَّد، الصلاة التي ترضيك ربنا وترضيه فترضى بها عنا، والسلام الطيب كطيب عرفه، والزكي الأنقى نقاء روحه وطهارة نفسه.
فإنه بعد أن أتممت بعون الله وفضله تحقيق الأجزاء الثلاثة (كتاب الصلاة) من شرح الإِمام أبي عبد الله محمَّد المازري على كتاب التلقين للقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب بن علي بن نصر وطبعت سنة 1997، محضت عنايتي لإتمام هذا الكتاب الفرد في المذهب المالكي، وتيسيره للدارسين.
وقد حوت الأجزاء الثلاثة السابقة كتاب الطهارة -كتاب الصلاة- كتاب الجنائز.
وقال الناسخ في نهاية المخطوط كما ذكرت ذلك في المقدمة: انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله كتاب الزكاة.
وحسب الترتيب الذي عليه كتاب التلقين فإن الأبواب التالية لكتاب الجنائز هي -كتاب الزكاة - كتاب الصيام - كتاب الاعتكاف - كتاب المناسك - كتاب الجهاد - كتاب الإيمان والنذور - كتاب الضحايا والعقيقة - كتاب النكاح وما يتصل به - وهذه الكتب الثمانية لم أتمكن

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 5

من التحصيل عليها ولا معرفة أين توجد، والظن أن المازري قد شرحها جميعها أو بعضًا منها، إذ هو يحيل ويشير لبعض ما جاء فيها أثناء بحوثه في كتاب البيوع.
ولذا فإني أكرر في هذه المقدمة الرَّجاء من السادة العلماء والباحثين، ممن يضفر بواحد أو أكثر من هذه الكتب أن يدلني على مكان وجوده.
فإني له، مقدمًا، شاكر ودل الله الكريم المتفضل أن يتولى جزاءه، فإنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وبناء على ذلك فقد اعتنيت في هذه الأجزاء الثلاثة بتحقيق ما وجدته من قسم المعاملات، الذي يتميز عمله فيه بطريقة تختلف عن منهجه في الأجزاء الثلاثة السابقة.
ذلك أنه فيما مضى كان مرتبطً ابن ص التلقين، يثير حول القضايا المذكورة فيه أسئلة تكثر أو تقل يهدف منها إلى الكشف عن الآفاق الرحبة من المعارف الفقهية، ويتوسع في متابعة ما تقتضيه الإجابة عنها فيذكر الخلاف في المذهب والخلاف بين أئمة المذاهب السنية ويربط الأقوال بأدلتها، ويرجح حسب ما يهدي إليه الدليل.
ويجد فيه المتفقه في التشريع الإِسلامي متعة قلما يجد نظيرها في غيره من الكتب، بعمق أنظاره، وسعة علمه، وذكاء فهمه، وإنصافه، الإنصاف الذي يسير به الناظر في كتابه مع رجل سما عن التعصب للمذهب والتزم ما يقتضيه الدليل ويهدي إليه العقل الراشد.
أما في هذه الأجزاء الثلاثة فيضيف إنى طريقته تلك ارتباطه بالمدونة الارتباط الشديد.
فكلما رأى أن القاضي لم يعرج على ما ذكر في المدونة فإنه ينقطع عن متابعة نص التلقين، ويعقد فصلًا يذكر فيه ما جاء فيها، وقد يطول هذا الفصل فيبلغ صفحات عديدة، وقد يصرح بأنه قصد إلى ذلك إم ابن اء على اختياره أو استجابة لطلب المتلقين عنه.
وهو معني بضبط أفهام الفقهاء للمدونة، يذكرهم تارة بأسمائهم، وتارة بقوله: وذكر بعض الشيوخ، وتارة إذا كان التخريج أو التوجيه ذكيًا يدل على نباهة صاحبه فيقول: وقال بعض الحذاق.

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 6

ويظهر بهذا تفرد شرح التلقين بجمعه بين طريقة البغدادين والمشارقة من أتباع مذهب مالك الذين عنوا بالاستدلال له وبيان الضوابط المرعية، وإبراز طرق ترجيحه، وبين طريقة القيروانيين ومن تبعهم الذين عنوا بالمدونة أتم عناية، فضبطوا نصوصها، وتعمقوا في فهمها.
ومن مظاهر هذا الجمع عنايته بكتاب محمَّد بن المواز فقد أكثر النقل عنه.
هذا الكتاب الذي يقول فيه القاضي عياض: ولابن المواز كتاب أي (الموازية) - أجل كتاب ألفه قدماء المالكيين، وأصحه مسائل، وأبسطه كلامًا وأوعبه، وذكره أبو الحسن القابسي ورجحه على سائر الأمهات، وقال: لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه، وغيره إنما قصد لجمع الروايات، ونقل منصوص السماعات.
(ترتيب المدارك ج 4 ص 169) كما أنه في هذه الأجزاء الثلاثة روى عن الأسدية مما يدل على أنها لم تترك، وبقيت بين أيدي أهل العلم خلافًا لما ذكره القاضي عياض: قال الشيرازي: الأسدية مر فوضة إلى اليوم.
(المدارك ج 2 ص299). ولما كانت هذه الأجزاء الثلاثة تتناول المعاملات المالية، فإن الناظر فيها يجد فيها إجابات عن كثير من القضايا الاقتصادية المعاصرة، بل قد يجد المازري رحمه الله قد سبق عصره حتى في إطلاق بعض المصطلحات التي يظن أنها لم تشغل الفكر الفقهي للمتقدمين.
وذلك كالمرابحة للآمر بالشراء، والمواعدة من الطرفين في الصرف، والبيع بأجرة يتقاضاها المالك مدة حياته (vente viagere).
والمازري بمنهجه المعتمد على إعمال العقل فيما ورد عن الشارع من نصوص لتوليد الأحكام، ورعاية مقاصده، يمكن الدارس لكتابه من ملكة فقهية تفتح له مغالق كثيرة.
وتمكنه من الحلول للقضايا المستعصية في النظر الأول.

النسخ المعتمدة: ينقسم هذا القسم من الشرح إلى قسمين:

القسم الأول: من شروط أخذ طعام عن طعام السلم الصحيح إلى كتاب

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 7

بيوع لآجال، اعتمدت فيه ثلاث نسخ:

النسخة الأولى: نسخة المكتبة الوطنية التي حبسها المشير محمَّد الصادق بأي سنة 1291 على كل متأهل للانتفاع بها جاعلًا مقرها الخزائن العلمية التي عمر بها صدر جامع الزيتونة تحت عدد 3026 ثم انتقلت إلى المكتبة الوطنية وسجلت تحت رقم اشتملت على 197 ورقة خطبها تونسي وتداول نسخها أكثر من واحد كما يدل عليه اختلاف الخطوط تبدًا بكتاب السلم وتنتهي بكتاب العرية والجائحة.
يقول الناسخ في خاتمتها نجز كتاب العرية وفصل الجائحة يتلوه كتاب بيوع الآجال وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم.
وتتوالى أبواب المعاملات فتشمل السلم والوكالة على السلم والرهن وصلح الكفيل والمعاوضة على تحويل السلم وما يجري مجرى البيع احتياطًا والمزابنة والربا إلى الورقة رقم 58.
وبعد ذلك تأني أبواب القضاء وما يتصل به.
فاعتمدت هذه النسخة إلى ورقة 58.
وأرجأت باب القضاء وما يتصل به إلى الأجزاء القياستتلو بعون الله هذه الأجزاء الثلاثة.
ورمزت لها بحرف " و" إشارة إلى الوطنية.

النسخة الثانية: هي النسخة المصورة عن الجزء الثاني من مكتبة المدينة المنورة المحبسة من العالم النظار الشيخ محمَّد العزيز الوزير رحمه الله بتاريخ 1320 خطبها تونسي جميل تبدًا بكتاب الاستبراء، ثم بكتاب الشهادات والقضاء وما يتصل به إلى ص 223 - ومن ص 224 إلى آخر الكتاب ص 388 تتابع أبواب العاملات من السلم إلى بيوع الآجال.
فاعتمدت في المقابلة على القسم الأخير، ذلك أن أبواب القضاء في التلقين تتلو في الترتيب التأليفي أبواب المعاملات المالية ولواحقها.
ورمزت لها بحرف "م" والكتب الأولى سأحققها بعون الله في الأجزاء الثلاثة الأخيرة.
ملاحظة: هاتان النسختان وإن تباعد مكان وجودهما، فإني أكاد أجزم

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 8

أنهما منقولتان عن أصل واحد أو إن إحداهما منقولة عن الأخرى.
ذلك أن التحريف الموجود في إحداهما موجود في الأخرى.
وإذا ترك الناسخ بياضًا في إحداهما تركه الثاني بياضًا أيضًا.

النسخة الثالثة: هي نسخة مصورة بمكتبة المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام عن نسخة ابن يوسف بمراكش رقمها 490 محبسة على جامع الحرة والدة الخليفة المنصور في فاتح المحرم سنة 1027. وهي مستنسخة من النسخة التي اشتريت من تركة الطالب أبي زيد السراج رحمه الله.
بها 187 ورقة.
الصفحة الأولى بقية كتاب الوكالة.
ومن الصفحة الثانية يبدأ كتاب الرهن في السلم وينتهي الرجوع إليها في الورقة 52 كتاب المزابنة.
والكتب التالية في القضاء والشهادات ورمزت إليها بحرف "ش" والنسخة بخط مغربي رديء جدًا قراءته عسيرة، قوإنتشرف فيها التحريفات، وقد صور بعض الكلمات تصويرًا يدل على أن الناسخ لا يفهم ما يكتبه.

القسم الثاني: من كتاب بيوع الآجال إلى كتاب الوديعة أعتمدت في هذا القسم نسختين.

النسخة الأولى: نسحة المكتبة الوطنية رقمها 12209 أصلها من خزائن جامع الزيتونة.
لا يوجد اسم المحبس ولا تاريخ التحبيس.
وذلك أن النسخة الأصلية أضاعها مستعيرها، تبين ذلك من مراجعة محتويات المكتبة عام 1328، فتم تعويضها بهذا المخطوط الذي نظر فيه شيخ الإِسلام وباش مفتي شيخ الجامع وقررا قبوله بدل المفقدد.
وعرض ذلك على الباي محمَّد الناصر فختمه بطابعه لتنفيذ رأي الشيخين وذلك في سنة 1330/ 1912 وشمل كتاب بيوع الآجال.
بيع الدين بالدين.
الممنوعات الراجعة إلى صفة العقد.
بيع الثنيا.
أحكام القرض والمديان والاقتضاء والمقاصة.
حكم المعادن.
بيع الخيار.
الرد بالعيب.
الوكالات.
بيع الغائب والغرر.
التجارة إلى أرض الحرب.
الصلح.

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 9

الوديعة.
استغرقت هذه الكتب والفصول 221 أو رقة ومن الورقة 222 إلى نهاية الكتاب ورقة 256 كتاب القضاء والشهادات ولم يتم نسخ جميع ما جاء فيه.
نسخت بخط تونسي جميل.
وهي من أولها إلى أخرها بخط واحد.
تخللها كثير من الأخطاء، والنقصلبعض الجمل.
وكذلك بعض الصفحات وما أمكنني تداركه تداركته ونبهت عليه، وما لم أتمكن نبهت عليه.
وقد رمزت لهذه النسخة بحرف "م".

النسخة الثانية: هي النسخة المصورة عن مكتبة المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، المحبسة من العالم النظار الشيخ العزيز الوزير رحمه الله أوقفها على مكتبة المدينة عام 1320. وعلى أول ورقة منها أنه ملكها الشيخ محمَّد الطاهر بن سلامة بالشراء من تركة والده الذي اشتراها من تركة القاضي المالكي الشيخ محمَّد البحري.
أثبت ناسخها أبو بكر الورتاني في خاتمتها أنه كتبها لخزانة الشيخ القاضي أبي عبد الله محمَّد البحري بن عبد الستار المذكور.
ولم يذكر تاريخ الانتهاء منها.
وقد وثق الشيخ مخلوف أنه توفي رحمه الله في شهر ربيع الأول عام 1254. (شجرة النور الزكية ص 385). تشتمل هذه النسخة على جميع الأبواب والفصول التي ذكرتها في نسخة المكتبة الوطنية.
وتتحد النسختان في المواضع التي تركت بياضًا.
كما أن معظم التحريفات التي وقعت فيها لا تختلف إلا قليلًا جدًا عن نسخة المكتبة الوطنية.
ومن ناحية أخرى فقد قابلت نص التلقين بما هو مثبت في النسخ المذكورة وبالمطبوع منه: التلقين طبع وزارة الأوقاف المغربية عام 1413/ 1993 وذكرت في التعليق إشارة لها "المغربية".

التلقين بتحقيق محمَّد ثالث سعيد الغاني نشر المكتبة التجارية نزار مصطفى الباز عام 1415/ 1995وذكرت في التعليق إشارة لها: "الغاني".

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 10

الطريقة التي اتبعناها في تحقيق هذا النص النفيس الذي كتبه الإِمام أبي عبد الله المازري رحمه الله وأجزل مثوبته.
وجهنا اهتمامنا أولًا إلى تصحيح النص.
وبذلنا في ذلك أقصى الجهد في فهمه وما يقتضيه التعبير عن الحكم الفقهي فحاولنا إصلاح الأخطاء وإتمام النقص إذا لم يتجاوز كلمتين ليستقيم تطابق اللفظ والمعنى، ولم يكن ذلك بالأمر الهين.
فالنسخ التي عرفنا بها سابقًا كلها نسخ حديثة وغير مقابلة.
وقد كثرت فيها التحريفات.
وكنا نقف عند التأمل في بعض الفقرات وقتًا غير قليل نفترض الافتراضات التي يمكن أن يكون عليها الكلام عند المؤلف ليصح التعبير وينسجم، معرضين عما في التعبير من ضعف تارة، وذلك أن المازري رحمه الله لم يعتن بكتابة نصه، وأرجح أنه كان يلقي دروسًا تدون عنه.
وفرق بين أن يوجه المؤلف عنايته للتحرير الكتابي، فيتخير الصيغ التي تكون أبلغ وضوحًا، وأفضل نسجًا، وأتم حبكًا، ويسود ويبيض.
وبين أن يكون مربيًا لحاملي العلم عنه من الطلبة.
يقتضيه تسلسل إبلاغ المفاهيم أن لا يتوقف للاختيار والتجويد.
ولذا لا يجد الناظر في كلامه في شرح التلقين من جمال الأسلوب ما يجده مثلًا في شرحه لكتاب البرهان، وإن صرح أنه أملاه.
والمازري الرجل الذي يتميز بجودة قريحته وذكائه الحاد وذاكرته الوفية المسعفة، وسعة اطلاعه، وعنايته الشديدة بالضبط، تصور هذه الأجزاء الثلاثة تلكم الميزات تصويرًا معبرًا وشاهدًا ناطقًا بما رزقه الله من علم وحكمة.
وهو يمثل عصره فلا يضجر المستفيد من هذه الأجزاء الثلاثة من كثرة تمثيله ومن عنايته بأحكام الرقيق، ذلك أن العبيد كانوا يمثلون وحدة من وحدات المجتمع، ويختصون بأحكام لا غنى عن بيانها.
ومع ذلك فإنه يمكن أن يستفاد منها، فتطبق تلك الأحكام التي لا اختصاص لها بالإنسان، على ما يجري التعامل به في الحالات المشابهة.
وتمثل هذه الأجزاء الثلاثة ميدانًا لاشتغال طلبة العلم في الجامعات

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 11

الإِسلامية.
ذلك أني أعتقد أنه لا يوجد كتاب كشرح التلقين يربي طالب الفقه على التفقه في الدين، وربط العقل بالنقل، وعلى الالتزام بالحق وعدم التعصب للقائلين ولأصحاب المذاهب.
إنهم يجدون بين أيديهم النص وقد عملنا على إخراجه في سورة أقرب ما تكون للصحة.
وتم تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب.
وبقي مقابلته بما نقل عن المازري في شروح خليل وحواشيها، ومقابلة نقوله عن المدونة بما ورد فيها.
والرجوع للتنبيهات للقاضي عياض.
وقيل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
وإني في خاتمة هذه المقدمة أريد أنوه بِما ساعدني به العلامة النابه الدكتور إبراهيم شبوح، فبفضل عنايته وعونه حصلت على سورة من الأجزاء الأربعة لشرح التلقين من المكتبة الوطنية.
وهي التي كان عليها معظم المعول في إخراج الكتاب.
كما أقدم شكري وتقديري لكل من ساعدني على إخراجه وتيسير وصوله بين أيدي من يرغب في الانتفاع به، فجازاهم الله عني خيرًا.

وختامًا أسأل الله العلي القدير، الرحيم الكريم، أن يتقبل عملي هذا وأن يكتب لي ثواب المخلصين، وأن ينفع به، ورجائي من كل منتفع به أن يترحم على الإمامين القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب وأبي عبد الله محمَّد المازري، وأن يذكرني، مع كل من أسهم في هذا العمل في دعائه،- هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وكتب بمدينة تونس ليلة الجمعة 28 ذو القعدة 1426 - 30 ديسمبر 2005.

محمَّد المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية سابقًا

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 12

صور من مخطوط المكتبة الوطنية القسم الأول رمزها -و-

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 13

صور من مخطوط مكتبة المدينة القسم الأول رمزها -م-

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 16

صور من مخطوط مكتبة ابن يوسف مراكش القسم الأول رمزها -ش-

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 18

صور من مخطوط المكتبة الوطنية القسم الثاني رمزها -و-

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 20

صور من مخطوط المدينة المنورة القسم الثاني رمزها -م-

الجزء: م 2 ¦ الصفحة: 22

شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري 453 - 356 1061 - 1141

الجزءالثاني المجلد الأول

تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي مُفتي الجمهورية التونسيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب السلم

اعلم أنا جرينا في هذا الاملاء على الخروج عن نظم كتاب التلقين لسؤال الأصحاب في ذلك.
وقد ذكرنا ما يتضمن كتاب السلم الأول من المدونة.
وتلطفنا بأن نورد كلام القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب ونشرحه ثم نضيف إليه ما يتعلق به.
وربما أضفنا إلى هذا ما يتعلق بما تعلق به.
وقد قدمنا في ذكره المنع من بيع الطّعام بالطعام إلى أجل ما يتعلق به من الذرائع أو ما هو ذريعة للذرائع.
وذكرنا هناك الأخذ عما في الذمة من الطعام طعامًا إذا كان السلم صحيحًا.
ولعلنا أن نلحق هناك 1 الأخذ عن الطعام طعامًا إذا كان السلم فاسدًا.
فأجزناه لما توخيناه من الجري على مسائل المدونة ما أمكن.
فاعلم أن السلم إذا كان صحيحًا وحلّ أجله وتراضى المتعاقدان أن يتعاوضا من الطعام الذي في الذمة بطعام آخر، وذكرنا الشروط التي تبيح ذلك فمنها أن لا يقعا في هذه المعاوضة في بيع الطعام قبل قبضه، وأن يكون المأخوذ عما في الذمة: يجوز أن يسلم فيه 2 رأس المال.
فإذا كان السلم في طعام عقد عقدًا فاسدًا فأراد أن يأخذ عن ذلك الطعام طعامًا، فإن الأصل في هذا أني لا يعتبر فيه تقدير بيع الطعام قبل قبضه كما اعتبر في السلم الصحيح؛ لأن من أسلم في حنطة سَلمًا فاسدًا يجب فسخه ثم تراضيا بأن يأخذ عن ذلك تمرًا فإن التمر ها هنا ليس بعوض عن الحنطة فيتصور فيه بيع الطعام قبل قبضه، لكون الذمة خالية من الحنطة لفساد

العقد عليها، وإذا كانت خالية من الحنطة فالواجب رد رأس المال كما يحكم في البياعات الفاسدة، فإن التمر المأخوذ ها هنا عن رأس المال الذي هو دنانير ودراهم، وبيع الدنانير والدراهم قبل قبضها بتمر دين.
هذا هو الأصل المعتمد عليه، وعليه وقع جواب ابن القاسم في المدونة من غير اشتراط وقوع حكم القاضي بالفسخ.
وأجاز لمن أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا أن يأخذ تمرًا.
وهذا طرد مذهبه؛ لأن السلم إذا فسد عقده لم يستحق المسلم في ذمة المسلَم إليه سوى رأس ماله الذي دفع إليه.
لكن أشهب التفت في هذا إلى اختلاف العلماء في هذا العقد الذي أفسدناه نحن وأمضاه غيرنا، فنهى عن أخذ التمر عن الحنطة حتى يقضي القاضي بفسخ العقد فيرتفع الخلاف.
أو يكون الفساد مجمعًا عليه فيكون عُرُوُّ الذمة متفقًا عليه ولا مخالف فيه يمحسَّس إليه، وهذه مُراعاة منه لاختلاف العلماء، واحتياطًا من الوقوع في المحرم.
لأنه إذا كان بعض العلماء يرى عقد هذا السلم صحيحًا وقد يرفع إلى قاضٍ يحكم بصحته، صارت المعاوضة عند هؤلاء كبيع الطعام قبل قبضه.
ولكن أشار بعض الأشياخ إلى أن المتعاقدين لو وقعا في هذه المعاوضة ما أُحسِّن أن تفسخ عليهما مع كون هذه المعاوضة عندنا جائزة، ولا يحسن بالفقيه أْن يفسخ عقدًا وهو عنده جائز ماض لأجل أن غيره ذهب إلى فساده.
لكن يحسن النهي عن الوقوع في هذا ابتداءً احتياطًا من الخلاف.
ومال بعض الأشياخ إلى أنهما لو حكّمًا رجلًا فحكم بالفسخ لحل ذلك محل حكم القاضي.
وأشار أيضًا إلى أن أحدهما لو حكّم صاحبه فاجتهد فم بالفسخ أو اجتهدا جميعًا ففسخاه لأجزأهما ذلك.
وهذا الّذي قاله في حكم أحدهما أو حكمهما جميعًا فيه نظر؛ لأن الحاكم لا يحكم لنفسه.
لكن الاختلاف في تراضيهما فالإشهاد على الفسخ هل يحل ذلك محل الحكم بالفسخ؟ مشهور بين أشهب وابن المواز 1 ومراعاة الخلاف

وكون العقد الفاسد عقدًا يفتقر إلى حل، فيه اضطراب في المذهب سنتكلم عليه في كتاب البيع الفاسد إن شاء الله تعالى.
فإذا راعينا الخلاف وجعلنا العقد الفاسد له شبهة العقود، افتقر إلى حله بقضية قاض.
وإن لم يراع الخلاف ولا جعلنا العقد الفاسد عقدًا، فإنه لا يجب الافتقار إلى قضية قاض.
فإذا تقرر عندك هذا الاضطراب في افتقار العقد إلى حل إذا كان مختلفًا في فساده، فإنه إذا كان العقد مجتمعًا على فساده أو مختلفا لم فيه فقضى بنقضه قاض لم يختلف في ترك مراعاة بيع الطعام قبل قبضه، إذ لا طعام ها هنا في الذمة يباع قبل القبض.
لكن لو أراد 1 بعد الحكم بالفسخ أن يأخذ مثل ما عقدا عليه من الطعام في المقدار والصفة، فإن ظاهر المذهب على قولين: أحدهما إجازة ذلك، لكون المأخوذ الآن إنما أخذ معاوضة عن دنانير، لا عن مثل ما كان في الذمة على اعتقادهما ومقتضى عقدهما.
وإلى هذا ذهب ابن حبيب.
وظاهر كلام ابن المواز المنع منه، لئلا يكون لم يقصد بهذه المعاوضة الثانية إلا إمضاء الأولى التي فسخت عليهما، فيكون الفسخ لم يفد، ومتى أبحنا له، وقد أسلم في مائة قفيز سمراء سلمًا فاسدًا ففسخ عليهما ووجب رد رأس المال أن يأخذ عنه مائة قفيز سمراء، فإنّ هذا الذي فعلاه صورة ما عقدا عليه والفسخ لم يفد شيئًا.
وقد وقع لمالك رضي الله عنه فيمن [قال من طعام أسلم فيه سلمًا صحيحاَ وأخّر المناجزة في رأس المال، أنّ الإقالة تفسخ لما دخلها وما تصور فيها من فسخ الدين.
لكنه أباح لهما أن يرجعا إلى إقالة صحيحة يتناجزان فيهالأولم يتهمهما على إمضاء الإقاله الأولى التي فسخت عليهما ولم يقدر أنهما رجعا إليها.
وهذا ينظر لأحد القولين في إجازة أخذ مثل الطعام سواءً بعد الحكم بفسخه.
لكن الإقالة الأولى تصور فيها سورة التأخير وتقدير اتّهامهما على فسخ الدين في الدين، وهذه الثانية لم يتصور فيها ذلك لأنهما يتناجزان فيها.
وهكذا وقع لابن القاسم فيمن قارض رجلًا بمائة على أن يحمل

له مائة أخرى إلى بلدة أخرى، أن القراض فاسد ويقضي فيه، على أصله، بإجارة المثل، لأجل ما فيه من زيادة منفعة انفرد بها رب المال، وهي حمل المائة الأخرى.
لكون ابن القاسم أجاز لهما أن يتراضيا على ما حصل من الربح.
وهذا وإن وقع بعد معرفتهما بمقدار ما يجب للعامل من الإجارة وفسخ العقد بأنه.
رجوع إلى ما فسخناه عليهما أولًا.
وكذلك قال أشهب في غاصب غصب قمحًا جُزافُ اثم تراضيا على مكيلة معلومة بعد الحكم بالقيمة، أنّ ذلك جائز.
ورأى أنّ الحكم بالقيمة يمنع من كون الطعام مأخوذًا عن الطعام الجزاف من غير قيمة وجبت فيه لم يجز 1 لجواز التفاضل بين الطعامين والشك في الوقوع فيه.
وهكذأ قال فيمن صرف دنانير بدراهم فوجد الدناني رنا قصة حتى وجب الرد، فإنه لا بأس أن يصرفها منه، وإذا أبحنا له أن يصرفها بدراهم بعد أن نقضنا الصرف الأول لما فيه من النقصِ لم يمنع أيضًا أخذ مثل الطعام المسلم فيه بعد أن نقض العقد فيه.
لكن إن كان المراد بهذا يصرفها صرفُ اثانيًا ليس مثلَ الأول فقد يباح هذا لأجل ما في العقد الثاني من المخالفة الأولى 2. وهكذا اضطراب أصحابنا في جواز الأخذ عن القفح شعيرًا أو سُلْتا.
فكان الشيخ أبو محمَّد اللؤلئي يرى أن ذلك مثل أخذ القمح بعينه الذي أسلم فيه، لكون الشعير والسلت في الزكاة والبيع حكمهما حكم القمح.
وذهب ابن أبي زمنين إلى أن ذلك ليس كأخذ المسلم فيه بعينه بعد الفسخ، لكون هذا المأخوذ ليس هو عين الأول الذي فسخ.
وقد أجاز ابن حبيب أن يأخذ بعد الفسخ سمراء عن محمولة لما دخل في العقد الثاني من التغيير عن العقد الأول.
وإذا جاز أخذ السمراء عن المحمولة فَأَخْذُ السلت والشعير أولى بالجواز.
لكن لو أخذ عن سمراء جيدة سمراء دنيّة، لكان هذا أقرب إلى الإشكال من أخذ الشعير والسلت.

ومن الأشياخ من يراه كأَخْذِ الشيء بعينه لكون النوع واحدًا، وإنما اختلف بالجودة والدّناءة 1. ومنهم من يشير إلى ارتفاع التهمة بالعودة إلى العقد الأول لأجل ما دخلَ في هذا من التغيير، وقد وقع في المدونة لفظان يشيران إلى ما قدمناه من الاختلاف في أخذ الشعير والسلت عن القمح.
وذلك أنه قال في الباب: لا بأس أن يأخذ من الطعام ما شاء غير الحنطة التي أسلم فيها.
والشعير والسلت لا يسميان حنطة.
فاقتضى ظاهر هذا اللفظ جواز أخذ الشعير عن القمح.
وقال أيضًا في الباب بعينه: لا بأس أن يأخذ ما شاء من الطعام سوى الصنف الذي أسلم فيه.
والشعير والسلت يعدهما أهل المذهب مع القمح صنفًا واحدًا، لكن ربما كان دلالة قوله: غير الحنطة، على جواز أخذ الشعير أوضحَ من دلالة قوله: سوى الصنف الذي أسلم فيه؛ لأنه قد يريد بالصنف المثلَ.
وأجاز أخذ القمح الدنيّ عن الجيد.
هذا حكم أحد الشروط التي ذكرنا اعتبارها في المعاوضة عن السلم الصحيح، ذكرنا إجراهما 2 ها هنا في السلم الفاسد على حسب ما فصّلنا القول حيه.
وأما الشرط 3 الآخر وهو اعتبار أن يكون المأخوذ مما يجوز، أن يسلم فيه رأس المال، وإجراء هذا الشرط في السلم الفاسد مجراه في السلم الصحيح ... 4 أجاز ابن حبيب في السلم الفاسد المحكوم بنسخه أن يأخذ دراهم عن رأس المال وهو دنانير رأى أن الحكم أوجب بطلان ما في الذمة من الطعام الذي فيه أسلم رآس المال، وأوجب الحكم كون رأس المال دينًا

على المسلم إليه، فلا يمنع مستحقه من المصارفة فيه، ويبعد أن يعقدا عقدًا فاسدًا تحيلًا به على الرجوع إلى عقد فاسد آخر؛ لأنه لما سهل عليه الوقوع في الفساد في العقد الأول يسهل عليهما أن يجعلا هذا العقد الثاني الفاسد في أول أمرهما.
وقد وقع في المستخرجة ما يدل على جواز أخذ الدراهم عن الدنانير إذا كانت رأس مال السلم الفاسد.
وحاول الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب أن يضيف هذا المذهب إلى المدونة فقال: قد وقع في كتاب الصلح من المدونة، فيمن ابتاع عبدًا فاطلع فيه على عيب بعد أن فات في يديه وقد دفع ثمنه وهو دنانير، أنه يرجع بقيمة العيب من الدنانير التي دفع، ويجوز له أن يأخذ عما يجب له منها دراهم.
ودافعه غيره من الأشياخ من تعلقه بهذا، بأن السلم الفاسد دخلا فيه مدخلًا واحدًا فتتطرق التهمة للمتعاقدين أنهما أرادا جميعًاا لتحيل على الصرف المستأخر، ومسألة العيب لا مدخل للمشتري فيها ولا سبب له فيه.
ولا علم له به حين العقد وإنما العيب من جهة أحد المتعاقدين وهو البائع، فلا تتطرق التهمة بأنهما يتراضيان على التحيل على ما لا يجوز إلا فيما دخلا فيه مدخلًا واحدًا، وأمكن أن يشتركا في القصد إليه.
فالعيب إذا لم يكن عند المشتري منه علم، ولا له فيه سبب، يستحيل أن يواطىء على التحيل به في أصل العقد لأن التحيل به إنما يكون بعد العلم به، ومن لا يعلم الشيء كيف يتحيل به؟.
وقد وقع في الحاوي لأبي الفرج رواية عن مالك أنه أجاز لمن أسلم دنانير في عروض أن يأخذ من الدنانير دراهم.
فإن جاز هذا في سلم صحيح تقايلا فيه، ففي الفاسد المحكوم بفسخه أحرى أن يجوز.
لكن المعروف من المذهب أن التقايل تعتبر فيه التهم، ويمنع أن يأخذ عن رأس المال وَرِقًا لما وقع حل العقد باختيار منهما.
ولو انحل العقد بسبب لا مدخل فيه لواحد منهما، كاكتراء دار بدنانير فانهدمت الدار وجب 1 رد الدنانير، فإنه يجوز أن يأخذ عنها وَرِقًا، إذ لا سبب

لواحد منهما في حل هذا العقد، فيتهمان على التحيل فيه على الصرف المستأخر.
وكذلك لو كان السلم في ثمار بعينها فاجتيحت على حسب ما تقدم بيانه في جائحة الثمار المسلم فيها، فجاز أن يأخذ عن رأس المال الذي هو ذهب ورقا، لمّا كانت الجائحة لا مدخل لواحد منهما فيها.
وكذلك الرد بالعيب به ألحق بهذا النوع لكون أحدهما، وهو البائع، انفرد بالسبب الموجب لحل العقد.
والبيع الفاسد وقع فيه الاضطراب هل هو من هذا النوع لأجل أن القاضي فسخ العقد عليَهما بغير اختيارهما.
وقد صورنا وجه بَعد التهمة عنهما في هذا.
ويجري ذلك مجرى الإقالة التي فعلاها باختيارهما لما كانا مشتركين ها هنا في العقد الفاسد.
وكذلك قال مالك، فيمن أسلم إلى صاحب حائط في ثمرة، فعدمت الثمرة، إنه لا بأس أن يأخذ عن رأس المال، وهو ذهب، ورقًا ورأى انقطاعها كالجائحة، وانهدام الدار.
وإن أمكن أن يقدر ها هنا أنهما تعمدا التأخير في الاقتضاء حتى يذهب إبان الثمرة، تحيلًا منهما على الصرف المستأخر وهذه التهمة دعت ابن القإسم إلى أن قال، فيمن أسلم في ثمر حائط بعينه فانقطعت الثمرة بعد أن أخذ بعضها: إنه يأخذ بقية رأس ماله ما شاء، ما لم يأخذ أكثر من المكيلة التي عقد السلم عليها.
واتهمهما على تعمد التأخير لأجل ما زاد على المكيلة التي استحق عليه.
فأنت ترى مراتب هذه المسائل في قوة التهمة وضعفها فاتضح فيما لا سبب لواحد منهما فيه كالجائحة وانهدام الدار بُعْدُ التهمة، فأجيز الأخذ عن الدنانير دراهم، واتضح في الإقالة في السلم الصحيح قوة تطرق التهمة، فمنع ذلك في المشهور المعروف من المذهب سوى ما حكيناه مما هو شاذ عن المعروف من المذهب.
وتزاحمت الظنون في قوة التهمة وضعفها في السلم الفاسد فكان فيه من الاضطراب ما حكيناه.
وعلى هذا جرى الأمر في انقطاع الثمرة على حسب ما حكيته أيضًا.
فهذه النكتة التي تدور عليها مسائل هذا الباب.

وقد ألحق في المدونة بهذا الباب مسألة من باع دارًا على أن ينفق مشتريها عليه حياته، فذكر أنّ هذا عقد فاسد لا يجوز، وأنه يجب فسخه ورد الدار لبائعها، ويرجع مشتريها عليه بقيمة ما أنفق عليه.
وإيراد هذا السؤ الذي هذا الباب قد يفتقر إلى اعتذار لكونه في الظاهر خارجًا عما ترجم الباب به.
والعذر عن ذلك أنه قدر أن بائع الدار أسلمها في طعام يطعمه أجلًا مجهولًا، وهذا سلم فاسد، يجب فسبخه، ورد دار البائج عليه، ورد البائع على المشتري ما أنفق عليه.
فلهذا أدخل هذا السؤال ها هنالأولا خفاء بفساد هذا العقد.
لأن أمد حياة هذا البائع مجهول.
فقد يحيى بعد العقد.
يومًا وقد يحيى ألف يوم أو أكثر منها.
وهذا اختلاف عظيم في مقدار الثمن لا يعلم ضبطه ولا حقيقته لا البائع ولا المشتري.
ولكن هذا مع وضوح فساده قد وقع لأشهب إمضاء هذا العقد، واختلف المتأخرون في العذر عنه، فقيل: إنما أجاز ذلك لأنه أعمر البائع أمرًا والنفقة في هذا الأمر في حكم المعلوم يطلب بها ذمة المشتري مات أو عاش.
فصار العقد وقع على ثمن معلوم .. وهذا العذر لو صورت المسألة عليه وأن بيع الدار وقع بثمن معلوم لا غرر فيه أصلًا لم يخالف ابن القاسم فيه أشهب.
كما أن أشهب لو صورت المسألة عنده بانعقاد البيع على ثمن مجهول لم يمضه.
واعتذر بعض أشياخنا عنه بأنه قد يريد وقوع هذا العقد على جهة المكارمة، كما يفعل الأب مع ابنه، بأن يقول: أنفقْ عليَّ، وداري لك.
والقصد ها هنا المكارمة من الأب لولده، ولم يقصد الأب وولده بمثل هذا العقد المعاوضة على جهة المكايسة والمتاجرة.
فلهذا جاز.
والتأويل الأول هو أولى لكونه عامًا في سائر المتبايعين على تعمير يصير معه الثمن معلومًا.
وأما فعل الآباء وأمثالهم مع بنيهم وأقاربهم فهذا يتسع القول فيه، ولا يكون الجواب عامًا في سائر الناس.

وإذا أوجبنا للمشتري أن يرجع على البائع بما أنفق، فإنه إذا كان لا تتحصل النفقة، مثل أن يكون مضافُ العياله أو ينفق عليه نفقة لا يتحصل مثلها، فإن الواجب الرجوع بقيمة النفقة.
ولو كان يدفع إليه طعامًا مكيلًا لكان الواجب الرجوع بمثله سواء اشتراه دافعه أو أخرجه من عنده.
بخلاف الكفيل إذا قضى الطعام عن الغريم فإنه إن دفعه من عنده رجع بمثله، وإن اشتراه رجع بمثل الثمن.
لأن الكفيل إذا تكفل عن الغريم بإذنه فكأنه كالآمر له أن يُسْلِفَه ما يقضي به عنه دينه.
فإذا اشترى طعامًا بثمن فقضاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به عنه دينه.
فإذا أشترى طعامًا بثمن فقفعاه عنه صار كأنه إنما أسلف للغريم الثمن الذي اشترى به وبيع 1 الدار ها هنا إنما له نفقة في ذمة مشتريها.
فإذا وجب نقض ما كان بينهما رجع عليه بما أعطاه.
واختلف المتأخرون لو أنفق المشتري على البائع نفقة واسعة فيها زيادة عما يُقْضَى عليه به مما وقع في العقد عليه، هل يرجع بهذه الزيادة إذا وقع الفسخ لأنها هبة لأجل البيع، فيكون حكمها في الرد حكم الثمن، أَوْ لاَ يرجع بها؛ لأنه متطوع بدفعها متبرع بإنفاق ما لا يلزمه إنفاقه على حكم ما عقداه، فقد سلّط دفع 2 هذه الزيادة آكلها على أكلها وأذن له في ذلك من غير اشتراط عوض.
ولعلنا أن نبسط الكلام على هذا الأصل فيمن أثاب من صدقة ظن أنه لا يلزمه الثواب عنها، فأكل هذا ما دفع إليه عوضا عن صدقته.
وأما كون مشتري الدار أحق بها إذا وقع الفلس ففيه الاختلاف الذي سيذكر في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.

بيع الجزاف قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافًا جائز في الغرائر، وصَبَّا على الأرض.

وكذلك سائر العروض المكيلة والموزونة كالجص والنَّوْرة والقطن وغير ذلك.
ولا يجوز فيما يعظم الغرر فيه كالعبيد والحيوان والثياب والجواهر.
ومِن شرْط جواز بيع الجزاف تساوي المتعاقدين في الجهل بمقداره، ولا يجوز مع علم بائعه، ويكون للمشتري الخيار.
ولو دخل على الرضا بذلك لم يجز.

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال:

  1. ما معنى الجزاف؟
  2. وما الوجه في إجازة بيع الجزاف؟
  3. وما الجنس الذي يباع جزافًا؟
  4. وهل من شرط ما بيع جزافًا أن يكون مرئيًا؟
  5. وهل يشترط كون المتعاقدين متساويين في عدم العلم بمقدار المبيع؟
  6. وهل يجوز أن ينضاف إلى المبيع جزافًا مبيعًا 1 غيره؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: المجازفة لا تكون إلا من إثنين جزافًا 2، على أسلوب باب المفاعلة، كقولهم المقاتلة والمضاربة والمشاتمة والملاعنة، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده.
فلهذا قلنا إذا علم أحد المتبايعين قيل الصبرة وجهلها الآخر، فإن البيع غير منعقد، كما سيرد بيانه، لكون المجازفة التي هي المفاعلة والمراد بها كونهما جميعًا يرجعان إلى حزر وتخمين، لم يحصل منهما جميعًا إذا علم قيل الصبرُ أحدهمالأولا يسمى جزافًا لعدم الكيل بل للجهل به.
لأنهما لو علمًا جميعًا قيل الصبرة وتصادقا على البيع فيها على غير إحداث قيل بعد العقد، لم يكن هذا بيع جزاف.
فثبت أن المراد بهذه اللفظة كونهما غير عالمين بالمبلغ يقينًا بل بالظن والتخمين.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد ورد الشرع بالنهي عن بيع الغرر.
والمراد به كل ما كان فيه تغرير وخطر.
لكن الشرع قد عما عن عقود فيها

غَررٌ كما عما عن عقد إجارة الدار شهراً مع إمكان كون الشهر تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، وعن الشرب من السفَّاء مع كون السقاء لا يقف على الحد الذي ينتهي إليه شارب الماء منه.
ولم يعف عن بيع الطير في الهواء والسمك في الماء، وما ذاك إلا أن الغرر إذا كان يسيرًا غير مقصود فإنه يعفى عنه.
وكذلك إذا كان القصد به الارتفاق ورفع المشاق فعفي عن ذكر الدار لأجل أن زيادة يوم على تسعة وعشرين يومًا أو عدمه لا يلتفت إليه المتعاقدان.
وكذلك أجزنا بيع البرنامج لما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق بنشره وحله وطيه.
وقد قال ابن الجهم من أصحابنا: لو قال له: بعني قطن جبتك أو جنين أمتك، لم يجز.
ولو قال له: بعني الجبة بقطنها والأمة بجنينها لجاز ذلك.
وأشار إلى ما قررناه من أن القصد التخاطر إذا عقدا البيع على أمر مغيّب كجنين الأمة وقطن الجبة.
وإذا عقدا على الأمة نفسها والجبة بجملتها، صار المُغَتبُ من ذلك غير مقصود إلى التخاطر فيه، فجاز هذا العقد.
وهكذا العقد على صبرة طعام عفي عن الغرر في العلم بمبلغها وسومح في الرجوع إلى الحزر والتخمين فيها لأجل أن العارفين بالحزر في هذا والتخمين يقل غلطهم فيه يكثر 1 مقدار ما بين غلطهم فيه إذا وقع الكيل، مع ما في ذلك من الارتفاق ورفع المشاق لتكلف الكيل وطلب المكيال، وهذا من طريق الاعتبار.
وأمّا من جهة الآثار فقد خرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "كان الناس يبتاعون الطعام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزافًا 2. وخرج عنه أيضًا: كانت الصحابة يبتاعون الثمار جزافًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2)، وهذا وإن وردت الآثار بالجواز فيه مطلقًا، وإباحة العلماء من غير تقييد، فإنه يجب أن يشترط في ذلك كون المتعاقدين ممن لهما دربة في هذا الحزر والتخمين وشاهدا منه ما يقيسان عليه ما يتبايعانه جزافًا.
وأما إن كان المتعاقدان بعيدين من معرفة هذا ويقعان في الغلط الفاحش فيه

الذي له مقدار كثير من الثمن والمثمون، فإنه لا يبيح لهما أن يتعاقدا بيعًا جزافًا، وهما يعلمان من أنفسهما أن غلطهما يتفاحش ويعظم حتى يقعا في الغرر والتخاطر.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: تحقيق مقادير المبيعات يكون بثلاث صور: أحدها الكيل والآخر الوزن والآخر العدد.
فأما المكيلات فالحنطة والشعير والقطاني وغيرها من ضروب المكيلات فإنه لا يختلف في جواز بيعها جزافًا على الجملة.
وكذلك الموزونات أيضًا كاللحم وشبهه.
وأما المعدودات فقد وقع في المذهب روايات تشير إلى الاضطراب في هذا.
فوقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ أنه قال، في بيع الإبل والغنم والخيل والرقيق جزافًا: إن ذلك لا يجوز.
ولا يجوز الجزاف فيما يعد عدًّا 1. وهذا الإطلاقال في وقع في الموطأ يقتضي ظاهره منع بيع المعدود جزافًا، بخلاف المكيل والموزون.
وإن ترك على ظاهره كانت التفرقة بينه وبين المكيل والموزون أن المكيال والميزان التي لا يمكن العلم بالمبلغ في الحنطة واللحم إلا بحضورهما، وقد لا يوجدان أو يشق إحضارهما، فرخص في ذلك لأجل هذه المشقة.
والعدد لا يفتقر فيه العاد إلى آلة قد يتعذر إحضارها.
فلم يكن في تكليفه العدد مشقة.
فلهذا عفي 2 عنه.
لكن الحذاق من المتأخرين يشيرون إلى أن قول مالك رضي الله عنه هذا متأول فيما يكون المراد منه أعيان آحاده لا العلم بمبلغه.
فلهذا مثل في الموطأ لما ذكر هذا بالإبل والغنم والخيل والرقيق.
وهذه الأصناف التي ذكرها المراد أعيان آحادها والإحاطة بصفاتها، كل شيء منها على حياله، ليعلم بذلك قدر ثمن كل واحد على انفراده، فيحصل له من ذلك كونه غابنا أو مغبونا.
فلو بيعت الجمال أو الجواري عددًا من غير اطلاع على صفات كل واحد منها على انفراده، لعظم في ذلك الغرر واتضح الخطر.
فيحمل قول مالك: ولا يباع جزافًا ما يعد عذاة على هذه الأجناس

المراوإلاطلاع على عين آحادها.
وأمّا ما تتساوى آحاده والمراد منه معرفة المبلغ كالمراد من صبرة الحنطة معرفة مبلغها لا عين كل بُرَّةٍ منها، فإنه يجوز بيعه، وإن كان معدودًا، جزافًا، فإن اعترض هذا ما أشرنا إليه من التفرقة التي ذكرناها آنفُ ابين المعدود والمكيل قيل قد يكثر الشيء حتى يشق عدده كما يشق كيله ووزنه.
وهكذا عند القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب هذا الباب لتمييز ما المراد منه أعيان آحاده؟ أو ما المراد منه معرفة مبلغه لا أعيان آحاده؟ لكن هذا الذي ذكرناه في المعدود يقتضي أنه لو كان قليلًا لا كلفة في عدده، والعادة أن يباع بالعدد لم يسامح ببيعه جزافًا.
وقد قال مالك رضي الله عنه: لا بأس أن تباع العصافير والحيتان الصغار جزافًا.
وأما الكبير منها فلا يباع جزافًا، وإنما يعد عددًا.
وفي الموازية أنه إذا علم أحد المتعاقدين العدد فكتمه عن الآخر وتبايعا على الجزاف، أن ذلك عيب يوجب الرد.
فأشار ها هنا إلى جواز بيع المعدود جزافًا.
فتحمل هذه الروايات التي اختلفت ظوأهرها على ما قلناه من كون المعدود لا تُرادُ آحاده.
فيجوز فيه الجزاف كالجوز والبيض، على حسب ما مثل به القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب المعدود الذي يجوز بيعه جزافًا.
لكن وقع في كتاب ابن حبيب جواز بيع الأترجّ والبطيخ جزافًا، وإن اختلفت أجرام آحاده في الكبر والصغر.
وهذه الرواية لا تصح على ما أصلناه، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقديق باختلاف صغر البطيخ وكبره.
وقد ذكرنا عن مالك أنه أجاز بيع العصافير جزافًا.
لكن ابن القاسم تأوّل ذلك على أنها مذبوحة، وأما إن كانت حية فلا يجوز بيعها جزافًا لأنها يموج بعضها في بعض.
وهذه إشارة إلى أن الحية لا يتأتى حزرها لما يحدث فيها من حركات وبسط أجنحة يستر بعضها بعضا.
وهذا مسلم إن ثبت أن الحزر لا يوثق به فيما كان حيًا منها؛ لأنا شرطنا في جواز بيع الجزاف أن يكون مما لا يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فقدر ابن القاسم أن الحي من العصافير يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فلهذا منعه.

ومن هذا الأسلوب بيع الذهب والفضة جزافًا.
فأمّا ما كان منها تبرًا أو مصوغًا فإن بيعه عندنا جزافا غير ممنوع، ولو كان العلي محش وَا لم يمنع ذلك من بيعه جزافًا إذا اختبر مقدار الحشو من الساتر من ذهب أو فضة، بأن يعلم غلظ هذا الساتر من الذهب أو الفضة فيمكن حزره.
وإذا لم يعلم مقدار غلظه من رقته لم يمكنه أن يحزر وزنه حزرًا موثوقًا به.
وأما إن كان الذهب أو الفضة مسكوكين دنانير أو دراهم، فإنه في المدونة لم يُجز بيع ذلك جزافًا.
واختلف البغداديون في هذا المنع هل هو منع كراهة أو منع تحريم؟ فقال ابن القصار: إنّه منع كراهة.
وأشار إلى هذا محمَّد بن عبد الحكم في قوله: لم أر أحدًا من أصحابنا يجترىء على فسخ بيع الدنانير والدراهم جزافًا.
وذهب أبو بكر الأبهري وأبو محمَّد عبد الوهاب إلى حمل هذا المنع على التحريم.
فمقتضى مذهب ابن القصّار لا يفسخ البيع لكونه مكروهًا لا محرمًا.
ومقتضى قول الأبهري وأبي محمَّد عبد الوهاب الفسخ، إذا لم يراعيا الخلاف في هذا.
واختلف أيضًا في تعليل منع هذا، فأشار محمَّد بن مسلمة إلى أن الجزاف إنما جاز لكون الغلط فيه إنما يقع بيسير محتقر يزيد ذلك على حزر الحازر العارف أو ينقص.
واليسير من الذهب والفضة له مقدار، وتشح النفوس عليه ما لا تشح على اليسير من غيره .. فلهذا منع بيع الدنانير والدراهم جزافًا.
وهذا الذي قاله، وإن كان يستمر على القاعدة التي قدمناها في اعتبار كون الغرر مقصودًا أو غير مقصود، فإنه ينتقض على أصل المذهب لإجازة أهل المذهب بيع التبر والذهب والفضة المصوغين جزافًا.
ويتصور من نفاسة مقدار الغلط فيها ما يتصور في الذهب والفضة المسكوكين وكذلك اللؤلؤ يتصور من نفاسة الغلط بقليله ما يتصور في الدنانير والدراهم المسكوكين.
وهذا في لؤلؤ تتسَاوى آحاده، والقصد فيه مبلغه لا الاطلاع على كل واحدة على حيالها، فإن بيع ذلك لا يجوز عندي جزافًا، وهو كبيع الرقيق والخيل.
وذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ها هنا المنع من بيع الجوهر جزافًا

ولم يفصّل بين كبيرها وصغيرها.
والمرجع في هذا إلى العادة فيما المقصود آحاده، أو المقصود مبلغه.
وعلل المنع من هذا الشيخ أبو بكر الأبهري والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بأن الدنانير والدراهم ما خفّ منهما أنفقُ مما ثقل.
فصار الغرر فيها إذا بيعت جزافًا من وجهين: الجهلَ بمقدار الخفيف منها من الثقيل، والجهلَ بالمبلغ.
والغررُ إذا صار من جهتين صار مقصودًا.
والقمح واللحم إنما المقصود فيهما العلم بمبلغ قيل القمح ووزن اللحم، فصار الغرر من جهة واحدة فخف وأجيز.
والحق أن هذا التعليل الذي وقع للأبهري إنما ذكره في بيع الدنانير والدراهم المعدودة.
هكذا قال محمَّد بن عبد الحكم في المختصر.
ولما شرح الأبهري كلامه في هذا أشار إلى ما قلناه من التعليل.
وهكذا في الموطّأ قال مالك رضي الله عنه: لا تباع الدنانير والدراهم المعدودة جزافًا، والعدول إلى الجزاف فيها غرر 1. فقيد المنع يكون الدنانير والدراهم معدودة، كما ذكر ابن عبد الحكم في المختصر.
وقد كنا نحن قدمنا ما وقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ من بيع المعدود جزافًا ونقلنا فيما تقدم كلامه في هذا، وتأولناه بأن المراد به ما كان من المعدود يُقصد منه إلى الاطلاع على عين آحاده دون ما كان يقصد منه الاطلاع على المبلغ خاصة.
وذكرنا أنه إن تُرك قول مالك هذا على ظاهره عمومًا في كل معدود، فإنما ذلك لكون المكيل والموزون قد يتعذّر عن بيعهما وجود المكيال والميزان" والعدد لا يتعذر لأنه علم لا يفارق المتعاقدين ولا يستعينان فيه بآلة كالمكيال والميزان.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الجزاف يجوز العقد عليه سواء كان المبيع موضوعًا على الأرض أو

موضوعًا في ظرف.
فالقمح والتمر يجوز العقد عليهما 1 وإن كانت الصبرة المصبرة من كل واحد منهما موضوعة على الأرض يحيط البصر بجميع جوانبها.
وكذلك يجوز بيعهما ولو كانا في غرارة أو شبهها؛ لأن المعتمد في هذا على الحزر الذي يحرره العارف.
ولا تختلف معرفة العارف بهذا يكون القمح موضوعًا في الأرض أو في غرارة أو في جَفنةٍ.
لكن ابن المواز لما أجاز هذه، قال: لو عقد البيع على أن يملأ له غرارة فارغة قمحًا موصوفًا أو مشاهدًا ما جاز ذلك.
وكذلك قال في الزيت: إنه يجوز بيع قارورة منه مملوءة زيتًا يعقد البيع على زيتهالأولو كانت فارغة ما جاز له أن يشتري ملأها من الزيت.
وكذلك لو اشتراها مملوءة جزافًا ما جاز له أن يعقد على ملئها ثانية.
وهذا قد يهجس في النفس استبعاد الفرق بين ما أجاز وما منع.
إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو حزره لمقدار ملئهلالكن قصارى ما يفرق بينهما 2 به، أن المقصود تغير أحكام العقود على حسب ما قدمناه مرارًا.
وإذا كانت القارورة مملوءة زيتًا والغرارة مملوءة قمحًا، صار المبيع جزافًا مرئيًا مشاهدًا.
فالقصد العقد على مرئي مشاهد فتطلب معرفة مبلغه بالحزر والتخمين حتى إذا كانت القارورة فارغة فالمشترَى جزافا غير مرئي ولا مشاهد، فالقصد العقد على قمح مكيل بمكيال غير معلوم مقداره في المكيال الذي اعتادا به التبايع.
فصار ها هنا القصد إلى التغارر لكون المبيع غير مرئي ولا مشاهد، حتى إذا كان مشاهدًا مرئيًا صار العقد على ما شاهد ورأى، لا العقد بمكيال مجهول.
لكنه استثنى في المدونة، لما منع البيع بمكيال مجهول، بمكيال غير معروف من الأعراب لكون المكيال عندهم يتعذر وجوده، فعفي عن ذلك للارتفاق ورفع المشاق، مع كون هذا مجهولًا في نفسه.
واختلف المذهب لو وقع التبايع بمكيال مجهول المقدار، هل يفسخ البيع

أم لا؟ فذهب أشهب إلى أنه لا يفسخ، تقريبًا منه حكم هذا من أحكام الجزاف، والجزاف جائز كما قدمناه.
ورأى غيره أنه يفسخ؛ لأن العدول عن المعتاد من المكيال إلى المجهول منها قَصْدٌ إلى الغرر والمخاطرة.
وقد حاول بعض المتأخرين أن يجعل فيما حكيناه عن ابن المواز اضطرابًا في المذهب.
هل منع شراء ملء قارورة وحل 1 غرارة لكونه جزافًا غير مرئي، أو لكونه تبايعاه بمكيال مجهول المقدار؟ وذكر الرواية الواردة يمنع أن يبيع منه قمحًا مكيلَ هذه الصبرة.
وأجاز ذلك في سلة عنب أن تشتري سلة عنب مملوءة ويملأها له ثانية، وما ذلك إلا لكون العنب مما لا يكال.
فلم يقصدا في اشتراطهما ملأها ثانية إلى البيع بمكيلة مجهولة، والقمح مما يكال.
فإذا اشترى كيلًا مثل الصبرة المعقود عليها، صار 2 هذا كالعقد بمكيال مجهول.
وهذا الذي قاله في الصبرة يفتقر إلى بسط، ولعلنا أن نبسطه في أحكام الصبر إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا استوى المتعاقدان في العلم بكيل المبيع لم يكونا عقَدا على جزاف.
وإن استويا في الجهل بكيله كانا عقدا على الجزاف وإن انفرد أحدهما بعلم كيله فإنهما ليسا بمتجازفين فلا يجوز العقد على هذا عندنا.
وأجازه أبو حنيفة والشافعي.
ولا يخلو انفراد أحدهما بعلم ذلك: إما أن يشترط على المشتري أنه لا يخبره بما علم من مبلغ الكيل ويَكِله إلى حزْر نفسه أو يكتم أنه يعلم.
ذلك ثم يطلع على ذلك بعد العقد.
فأما إن اشترط عليه في أصل العقد أنه يعلم بالكيل ولا يعلمه بذلك، فإن البيع فاسد لأجل أنهما عقدا على مخاطرة وغرر.
وقد نبهنا عليه فيما تقدم من كون المشتري إنما ينشط خاطره للشراء، ويعتقد أنه لم يغبن إذا علم أن البائع

منه إنما يعوّل على الحزر والتخمين كما عول هو عليه.
حتى إذا علم أن البائع يعلم بالكيل حقيقة لم يجبر على العقد ولم يتق بحزره وتخمينه ويسبق إلى نفسه أن البائع لما علم أنه أخطأ في حزره على نفسه أنعم له بالبيع.
وأما إذا لم يشترط العلم بذلك وكتمانَه، ولكنه اطلع على علم البائع بذلك بعد العقد، فإنه عندنا عيب في المبيع يكون للمشتري الخيار.
إن شاء التزم البيع وإن شاء رده، لما نبهنا عليه من كون المشتري لم يدخل إلا على أن البائع معول على الحزر مثل ما عول هو عليه.
وانفرد الأبهري ولم يَرَ هذا كالعيوب التي يكون للمشتري الخيار في الرد بها إذا اطلع عليها بل جعل ذلك مفسدًا للعقد كما يفسده اشتراط العلم وكتمانه.
وأشار إلى أنه خطر وغرَرٌ بخلاف العيوب.
والمعروف من المذهب أن هذا الحكم عندنا جار في انفراد علم المشتري بالكيل لجريانه في انفراد علم البائع به، وأن للبائع الخيار أيضًا إذا اطلع على انفراد المشتري بعلم ذلك.
ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافًا.
ورأى أن البائع لا خيار له؛ لأن الانفراد بالعلم كعيب يوجب الخيار كما قدمناه، لكون البائع أيضًا إنما دخل مع المشتري على أنه يساويه في الجهالة بمبلغ المبيع.
وذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب أن القاضي كان يعارض هذا ويراه كالممتنع في المذهب، لأجل قولهم: إن البيع يفسد إذا اشترط البائع أنه لا يذكر للمشتري ما علم، مع قولهم: إنه إذا اطلع على علمه بعد العقد كان بالخيار في الرد والإمضاء.
وإذا قدروا انفراد البائع بعلم عيب يوجب للمشتري الخيار إذا اطلع عليه فإذا اشترطه في أصل العقد فينبغي أن لا يكون للمشتري مقال في صحة هذا البيع ولا في رده.
كما إذا بين البائع العيب في أصل العقد.
وأجاب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن هذا بأنه غير ممتنع أن يكون الشيء يفسد العقد إذا قارنه ولا يفسده إذا اطلع عليه بعد العقد.
كما قيل في بيع أمة مغنيّة: إنه إن اشترط كونها مغنية في أصل العقد فسد البيع، وإن لم يشترط ذلك ثم اطلع المشتري بعد العقد على كونها مغنية كان بالخيار في إمضاء العقد

أو رده بهذا العيب الذي هو كونها مغنية.
وكذلك لو غصب سلعة وباعها مِمّن يَظُن أنها مِلْكُه، ثم اطلع على أنها مغصوبة، فإن البيع لا يفسد ويثبت فيه الخيار الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو شرط البائع كونها مغصوبة، ودخل المشتري على ذلك لفسد البيع.
فأنت ترى كيف كان الاطلاع على هذه الأمور بعد العقد لا يؤثر في صحته.
[والاطلاع 1 عليها في أصل العقد يؤثر في صحته].
وهذا الذي ذكره رحمه الله في شراء السلعة المغصوبة وشراء المغنية.
نبسط الكلام فيه في موضعه، ونكتة الأمر فيه أن اشتراط هذا بها عددًا أو وزنًا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
وعلمْه بذلك ربّما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئًا، فإذا انفرد العلم بهذا، صار المشتري أيضًا لم يدخل معه على أنه يعلم عددها فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض، وإنما يدخل على أنه لا يعلم هو ولا البائع مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
فهذا مما ينظر فيه.
كتمان ما علم من قيل الصبرة في أصل العقد يوقع في التخاطر والغرر الذي نبهنا عليه، والاطلاع على ذلك بعد العقد يدفع كون العقد وقع على غرر.
وقد قال بعض المتأخرين: إن البيع لو كان له مبلغان يباع عليهما فعلم البائع أحد المبلغين دون المشتري وبايَعه على المبلغ الآخر جزافًا، فإن ذلك يجوز، ولا مقال فيه للمشتري.
ومثَل هذا بدراهم تباع ببلد وزنًا وعددًا فباعها على الوزن مجازفة وهو منفرد نعلم العدد، ورأى أن المتبايعين لما استويا ها هنا في الجهل بالمبلغ الذي تجازفا فيه لم يكن في العقد قدح ولأ خيار.
وهذا الذي قاله فيه نظر على التعليل الذي قدمناه.
لأن الدراهم إذا كانت يتبايع بها عددًا أو وزنًا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
وعلمه بذلك ربما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئًا.
فإذا انفرد العلم بهذا صار المشتري أيضًا لم يدخل معه على.
أنه يعلم

عددها، فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض.
فهذا مما ينظر فيه.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: قد قدمنا أن البيع مجازفة فيه غرر رخص فيه للارتفاق ورفع المشاق.
وما جرى على هذا الأسلوب يجب أن لا يوسع الغرر فيه إلا بمقدار مسيس الحاجة إليه.
فإذا باع صبرة قمح منفردة أو صبرة قمح وصبرة تمر في عقد واحد وثمن متفق أو مختلف، جاز ذلك لما لّمس الحاجة إليه للمجازفة في هذين المكيلين القمح والتمر.
فلو أضاف إلى صبرة القمح جنسًا آخر أو نوعًا منها، مكيلًا أو موزونًا، فإن هذا فيه اختلاف في المذهب، هل يجوز ذلك أم لا؟ فمن أجازه رأى أن الغرر لم يكثر بإضافة هذا المكيل إلى هذا الجزاف.
ومن منع من هذا رأى أن المكيل معلوم مبلغه قطعًا، والجبزاف يظن مبلغه بالحزر.
واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظنون تخاطرًا لم يكن فيه إذا انفرد، مع كونهما كحكمين مختلفين.
وكذلك لو أضيف إلى المكيل ثوبًا أو عرضًا، فإن المذهب يختلف على دولين فيه أيضًا، كإضافة المكيل إلى الجزاف.
وقد كنا قدمنا في كتاب السلم الأول التنبيه على إجازة ذلك في المدونة في مسألة من أسلم في شعير وثوب، وأنه أجاز في هذه المسألة اجتماع مكيل وعرض.
وهذا قد وقع في كتاب ابن المواز المنع منه.
وقد وقع لابن القاسم، فيمن باع صبرة على الكيل ومعها ثوب، أن ذلك لا يجوز إذا كان يأخذ جميع الصبرة على الكيل، لكونه لا يعلم مبلغها.
فصار إضافة الثوب إليها يؤكد الغرر في هذا العقد.
وأجاز ذلك أشهب، وهذا ليس ببيع صبرة على الجزاف ولكنها على الكيل.
لكن الوقوف على مبلغ المكيلة 1 لم يتحصل فصار ذلك يثبت في العقد غررًا لما انضاف إليه ما سواه.
وقد قال أبو حامد الإسفراييني: لا يجوز بيع صبرة قمح على الكيل، كل قفيز بدرهم على أن يزيده قفيزًا، إلا أن القفيز المشترط زيادته مقسط على سائر الأقفزة، وهو لا يعلم مبلغها؛ فصار كأنه اشترى قفيزًا ومعه شيء لا يوقف على

حقيقته من القفيز المشترط زيادته.
فتضمن هذا جهلًا بالمبيع فمنع.
وقد أشرنا نحن إلى ما قاله ابن القاسم في بيع صبرة على الكيل ومعها ثوب وهو من هذا الأسلوب.
لكن أبا حامد قال: وكذلك لو باع صبرة على الكيل، كل قفيز بدرهم واستثنى منها قفيزًا لم يجز ذلك.
وأجرى النقص ها هنا مجرى الزيادة.
فأما الزيادة فالذي علل به يتصور، وقد ذكرنا ما وقع في المذهب من هذا الأسلوب.
وأما النقص فيفتقر إلى بسط.
فإن قيل: إن المستثنى كالمشترى فإنه قد يتصور ما قال كما تصوره في الزيادة.
وهذا إنما يتضح عند الكلام على المستثنى هل هو مبقى أو مشترى؟

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويجوز تصديق المشتري للبائع في كيله إذا كان ينقد ويكره في النّساء.

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة، منها أن يقال:

  1. لم جاز التصديق في النقد؟
  2. ولم كُرِهَ في النساء؟
  3. وهل يجوز التصديق في السلم؟
  4. وهل يجوز التصديق في بيع الطعام بالطعام؟
  5. وهل تصديق البائع للمشتري كتصديق المشتري للبائع؟
  6. وإذا اختلفا في قدر المكيلة بعد التصديق القول قول من يكون منهما؟
  7. وإذا حَضَرَ المشتري الكيلَ هل له أن يطالب به البائع؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: إذا اشترى الطعام كيلًا بثمن نقد، فأراد المشتري أن يقبله بقول البائع: فيه من المكيلة كذا وكذا، فإن ذلك سائغ له.
وذكر ابن حبيب أن القاسم بن محمَّد وغيره استثقل هذا، وأن كثيرًا من التابعين أجازوه.
والظاهر عندي من مذهب الشافعية أنهم يمنعونه.
وكان الشيخ أبو الحسن المعروف باللخمي رحمه الله يكره ذلك وإن كان الثمن نقدًا، ويرى أن الزمان فسد، وإباحة التصديق في هذا توقع المتبايعين في النزاع والمخاصمة والأيْمان،

وقد أمر الله سبحانه بالإشهاد في التبايع رفعًا للخصام والأيمان.
وهذا الذي اعتل به يمكن أن يكون إليه نحا القاسم بن محمَّد.
على أن مالكا رضي الله عنه ذكر في الموطأ أن هذا جائز في بياعات النقد.
ثم أشار إلى أن المنع من ذلك في بياعات النساء حماية للذريعة فيما يتخوف من الربا 1. ثم قال: والذريعة في بيع النساء أبين.
وهذا اللفظ ربما اقتضى أن في بيع النقد ذريعة ولكنها لا تَبيَّنُ كبيانها في بيع النساء.
والذي نذكره من التعليل في بيع النساء قد يصلح إجراؤه في بيع النقد.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد ذكرنا في السؤال الأول ما أشار.
إليه مالك رضي الله عنه في تعليل النهي عن التصديق في المكيلة في بيع النساء.
وبسط كلامه أن الطعام إذا بيع نسيئة ربما اطلع المشتري على نقص في الكيل فيقف على ذكره والخصام فيه لئلا يسترد البائع طعامه، ويسيء اقتضاعه الثمن عند حلول الأجل، لأجل ما قدم المشتري من طلب حقه في النقص، فيتجافى المشتري عنه رجاء: في مسامحة البائع في الاقتضاء والتأخير في الأجل.
فيكون تجافيه عن طلب هذا كهدية المديان وهي زيادة منه يرجو بها التأخير.
فضارع ذلك ربا الجاهلية، وهو قولهم: تقضي أو تُرْبِي.
مع أنه أيضًا أخذ مكيلة مجهولة المقدار عنده في حكم اليقين والقطع، ويمكن أن يكون أقل مما اشترى من الكيل أو أكثر، فيصير أخذ طعامًا في أكثر من الطعام الذي اشترى أو أقل.
فضارع ذلك ربا الفضل 2. وهكذا رأيت أصحاب الشافعي عللوا أخذ الطعام من الغريم على التصديق بأن قالوا: أخذ ما لا يَدري هل هو مثل حقه أو أقل؟ فنهي عن ذلك لأجل هذا.
وهذا التعليل يشير إلى ما قدمناه عنهم من أن هذا يجري في بيع النقد.
ويكون هذا تعليلًا أيضًا لما حكيناه عن القاسم بن محمَّد وغيره.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اختلف في التصديق في الطعام المسلم فيه.
فأجازه في المدونة ومنعه في الموازية.
فإذا عللنا، لما أشرنا إليه وبسطناه من تعليل مالك رضي الله عنه في بيع النساء، فإنه قد يجد نقصًا فيصفح عنه رجاء أن يؤخره بالثمن المؤجل، لم يطرد هذا في السلم لقوله: لا دين يبقى بينهما بعد قبض الطعام المسلم فيه.
وأمّا إن عللنا برفع الخصام والأيْمان، فإنه يحسن النهي عن هذا في السلم وفي بياعات النقود 1 -على حسب ما قدمنا.
ولكن بياعات النقود (1) - لم يختلف فيها من تقدم من أصحابنا كما اختلفوا في السلم.
فيطلب في السلم معنى آخر، وما ظهر فيه وجه سوى أن الطعام المشترى فيه غير معين كما يكون في بياعات النقود (1) - وإنما يعطيه طعامًا من ذمته يطابق الصفة التي تواصفاها في أصل عقد السلم: فقد يعطيه أجود من الصفة التي يقضى بها عليه عند المشاحة.
فإذا اطلع على النقص تجافى عنه لئلا يسترد الطعام الذي هو أجود مما له في ذمته فيقعان بذلك في الربا لأن الأخذ في السلم طعامًا أجود وأقل كيلًا لا يجوز.
هذا حكم التصديق فيما في الذمة .. وأما التصديق في رأس مال السلم فاختلف الأشياخ فيه.
فذكر عن الشيخين أبي محمَّد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي رضي الله عنهما أنهما أجازا دفع دينار في طعام على تصديق قابض الدين دافعه في وزنه.
وإنما ينهى عن دفع الدينار بغيبر وزن ولا يعرفان وزنه، فيكون هذا جهالة في الثمن.
أو كبيع الدنانير جزافا.
وخالفهما غيرهما ونهى عن ذلك.
وما أراه إلا أنه قدر أن قابض الدنانير قد يطلع على نقص فيه 2 فيتجافى عن طلبه رجاء أن يؤخره بالسلم.
وقد قال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في الطعام المسلم فيه: إنه لو قدمه قبل الأجل لنهي عن التصديق فيه لئلا يقعا في: ضع وتعجل.
فإذا اطلع

على نقص صفح عنه لأجل تعجيل الدين قبل أجله.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: اختلف في المذهب في جواز التصديق في قيل الطعام إذا بيع بطعام آخر أو بودل به.
فقال مالك: لا يجوز.
وبه قال ابن كنانة.
واختاره سحنون.
وقال ابن القاسم وابن الماجشون: بل يجوز.
واختاره أصبغ.
وسبب الخلاف في هذا أنك قد علمت ما قدمناه في كتاب السلم الأول.
أن من شرط بيع الطعام بالطعام المناجزة - قبل الافتراق.
وهذان إذا تراضيا على أخذ الطعام بما يقوله البائع، فإن المشتري إذا اختبره بعوإلافتراق فاطلع على نقص خاصم فيه وطلب البائع به، فيكمله له، إن ثبت النقص، طعامًا، أو يرتجعه ثمنًا.
فقد حصل الافتراق ولم ينقطع التعلق بين البائع والمشتري، فلم يحصل التناجز عند مالك.
وحصل عند ابن القاسم، لأجل أنه لو لم يفارقه حتى اكتال الطعام لصح البيع باتفاق ولم يكن قدح.
فكذلك إذا صدق المشتري البائع في الكيل، فإن ذلك يحل محل مشاهدة الكيل.
ولهذا لم يصدق في دعواه النقص بعد الافتراق.
وعلى هذا الأسلوب من التعليل جرى اختلاف المذهب في التصديق في الصرف في مبايعة الدنانير بالدراهم.
ومن هذا المعنى ما وقع من الاختلاف في الطعام إذا قبضه المشتري على تصديق البائع في كيله ثم أراد أن يبيعه في الحال قبل أن يغيب عليه، فإن مالكا رضي الله عنه منع من ذلك حتى يغيب عليه، وأجازه ابن القاسم.
جَرْيًا من مالك على التعليل الذي ذكرناه من كون التصديق لا يقطع التعلقال في بين البائع والمشتري في هذا المبيع، لكونه يذهب به فيختبره فإذا وجد نقصًا طلب به فلم يحصل القبض على التمام.
ورأى ابن القاسم أن التصديق يحل محل مشاهدة الكيل، ولو شاهد الكيل وقبضه بعد أن اكتيل عليه لم يُمنع من البيع وإن لم يغب

عليه، فكذلك إذا قبضه على التصديق وإن لم يغب عليه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا دفع البائع الطعام، ووكل كيله للمشتري، وصدقه فيما يزعم أنه وجده فيه من الكيل، فإنه لا يخلو ذلك أن يكون يتأخر فيه الكيل المدة الطويلة، أو إلى غاية بعيدة يبلغها، أو يكتاله المشتري بعد مضي زمن قريب من العقد.
فإن اشترط تأخير الكيل زمنًا طويلًا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الطعام في ضمان بائعه حتى يكتال.
وبيع المعينَّ بشرط أن يبقى في ضمان البائع أمدًا طويلًا لا يجوز.
وقد قدمنا ذلك فيما مضى وأشرنا إلى علته.
[وإذا اشترط الكيل إلى أمد قريب من العقد، ارتفعت هذه العلة فلم يمنع 1]. وإن اشترط الكيل إلى أمد قريب فلا يخلو أن يشترط المشتري أنه إن وجد نقصًا رجع بمقداره من المبيع، أو بمقداره من الثمن .. فإن شرط الرجوع بمقداره من المبيع، وكان ما يرجع به حاضرًا عند البائع، وهو من الجملة التي باع ما قبضه المشتري منها، فإن ذلك جائز.
إذ لا مانع يمنع من هذا حتى إذا لم يكن ذلك عند البائع، صار ذلك من بيع ما ليس عندك.
وإن شرط المشتري أنه ينحط عنه مقدار النقص من الثمن، فإن كان لم ينقد البائعَ جاز ذلك، إذ لا مانع أيضًا يمنع من هذا الاشتراط.
وإن كان قد نقد البائع، وعقدا البيع على هذا، فإن ذلك لا يجوز، لجواز أن يجد نقصًا فيسترد بعض ما نقد من الثمن، ويكون ذلك بيعًا وسلفا.
إلا أن ينقد من الثمن ما يُومَنُ معه رد شيء منه، للعلم بأن ما قبض يقابل ما دفع من الثمن ويربي عليه.
وقد وقع في المدونة لابن كنانة النهي عن هذا من غير تفصيل، وأشار إلى أنه يكتب عليه ذكر الحق بما لم يتحصل عليه يقينًا.
قال: وفيه وجه آخر وأبواب من الفساد.

وتعليله بأنه يكتب ما يمكن أن يسقط عنه بعضه ليس من العلل اللازمة؛ لأنهما قادران أن لا يكتباها وثيقة بهذا الثمن، أو يكتباها ويشيرا فيها إلى أن الثمن لم يتحقق وجوب جميعه.
لكن قوله وأبواب من الفساد [أن] 1 أشرنا نحن إليه في هذه التفاصيل الممنوعة فهو مما بيَّنّا.
ولكن لا يحسن إطلاق الجواب في مواضع يجب فيها التفصيل.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا قبض المشتري الطعام على تصديق البائع في كيله، ثم زعم أنه وجده ناقصًا، فإن شهدت بينة تصديقه 2 رجع بالقبض مكيلة، إن كان المقبوض طعامًا في الذمة أو طعامًا معينًا من صبرة قد بقي بعضها.
وإن كان طعامًا قبض جميعه، فإنه يرجع بمقدار النقص ثمنًا.
وإن لم تشهد بينة بصدقه فإن القول قول البائع.
ومذهب الشافعي أن القابض إذا صدق غريمه ثم ادعى نقصًا أن القول قول القابض، لأجل أن الطعام في ذمة البائع، وحق عليه يجب أن يوفيه.
ونحن على شك: هل صدق في التوفية أو كذب، فلا يبرأ من حق وجب عليه بالشك.
ونحن نقول: إذا صدّق البائعَ في كيله فقد أقر بخلو ذمة البائع من حقه فليس له تعميرها بعد إقراره بخلوها من حقه.
لكن رأيت أبا حامد الاسفراييني ذكر أنه إذا كانت لزيد على عمرو عشرة فوزنها له، فلما انصرف بها زيد زعم أنه وجدها تسعة، فحكى عن مالك أن القول قول القابض.
وعن أبي حنيفة أن القول قول البائع.
وحكى عن مذهبهم قولين، وقال: إن الصحيح منهما أن القول قول الدافع.
قال: وبه أُفْتِي.
وهذا الذي ذكره عن مالك بعيد من أصوله.
وما حكاه (عنه 3 أحد) من أهل المذهب.
ويعتل لأحد القولين عندهم في تصديق القابض بما قدمناه من

كون ذمة الدافع عامرة فلا يصدّق في خلوها إلا ببيان.
ولم يختلف القول عندهم في العيب فيما قبض أنه لا يصدق، وفي كونه وجد الدراهم زيوفا؛ لأن هذا دعوى عيب في المقبوض والظن 1 السلامة منه.
وذكر أيضًا أنهم يمنعون بيع الطعام المقبوض على التصديق، واعتل بما عللنا به مذهب مالك رضي الله عنه من كون المعلق لم ينقطع، فصار القبض لأجل هذا قبضًا ليس بتمام.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: ذكر أصبغ: أن من اشترى طعاما ذكر له البائع كيله أن هذا لا يدفع عن البائع ما وجب عليه من كيله للمشتري، وأن العقد على ما ذكر من هذا ليس بتصديق من المشتري للبائع.
لكن لو صدق المشتري البائع والتزم أخذه على التصديق للبائع، فإنه قد سقط حقه في وجوب الكيل على البائع.
ولو حضر المشتري قيل هذا الطعام على البائع منه، لكان من حقه أن يطالب البائع بأن يكيله عليه لأجل حقه أنه يضمنه له حتى يكتال، ولأنه قد يكون البائع سامح من المُشْتَرِي منه مسامحة لا يرضى بها هذا المشتري الذي حضر الكيل، فإذا صدق البائع والتزم أخذه على التصديق، لم يُمَكَّنْ من الرجوع عن ذلك لما يتعلق للبائع من فائدة في هذا التصديق وهو سقوط الضمان عنه، ومنع المشتري أن يشاحّه في الكيل ويطلبه بالنقص.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله.
وإذا اختلف المتبايعان فلا يخلو اختلافهما أن يكون إلى 2 ما يؤدي إلى فساد في العقد أو إلى نَفْي لزومه أو إلى سقوط بعض حقوقه.
فإن كان

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل