التطهير على الماء.
ومن راعى قصد الشارع من إزالة القذارة وهي تتحقق بالخل وماء الورد اعتبر ذلك مطهرًا.
ومما احتج به المالكية والشافعية أن الله سبحانه قصر التطهير على الماء.
فقال تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
وقال - صلى الله عليه وسلم - في الدم: ثم اغسليه بالماء.
فخص الماء بالذكر فوجب القصر عليه.
قال الإِمام وهذا فيه نظر.
لأنه لا يمتنع أن يكون القصد أن الماء له فضيلة التطهير، وكون غيره له هذه الفضيلة لا يسلب فضيلته.
وقد يمدح بعض الأشخاص بما يوجد في غيره.
فيقال فلان عالم وصالح.
وإن كان غيره يشركه في ذلك وخص الماء لأنه أعم في الطهارة ليس وجوده 1.
وبهذا تكون طريقة المازري تختلف عن طريقة المدرسة القيروانية التي أشار إليها المقري.
في صناعة التأليف في المغرب.
قال: ولقد وقفت على بعض التعاليق لأحد المتأخرين على كلام في صناعة التأليف "قد كان للقدماء رضي الله عنهم في تدريس المدونة اصطلاحان: اصطلاح عراقي واصطلاح قروي.
فاهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس.
وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس.
ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ.
ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي، فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، ولجيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما كان في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاث المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار" وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على ما وقع في السماع 2. إن عناية المدرسة القيروانية بتتبع أقوال المذاهب الأخرى، والنظر في أدلتها والموازنة بين الأدلة، ضعيفة جدًا إذا ما قيست بالمدرسة العراقية.
وذلك لاختلاف البيئة العلمية اختلاف أبي نًا.
فالعراق قد
ترعرعت فيه المذاهب الفكرية والعقدية والفقهية المختلفة.
فللمعتزلة سلطانهما الأدبي والسياسي ولأهل الحديث سلطانهم الأثري والشعبي وللخوارج والشيعة والسنة أشياعهم ونضالهم في دعوة الناس إلى مذاهبهم ونشرها على أوسع نطاق، ويلتقي في المناظرات في المساجد أو في بلاط الخلفاء أعلام كل مذهب مجادلين عما يعتقدون أنه الحق.
كما أن للفقهاء مجالس المناظرة وحلقات الدروس التي لا يبرز فيها إلا من كان قادرًا على جعل الاحتكام إلى النظر يؤيد مقالته وينصر مذهبه.
ولا يقبل فيها قول لا سند له.
ولا رأي لا يقوم على دليل.
فتمرنت العقول على المحاجة وعلى نقد ما عند الآخرين.
والاستعداد للمطاعن التي يوردها الخصم.
وحفلت تبعًا لذلك كتب الفقه وطريقة التدريس بهذا النوع من الربط بين الفقه وأدلته ومن الطعن في أدلة المخالفين وتوهين مذاهبهم.
وأما القيروان التي كانت منارة العلم في العدوة الغربية من العالم الإِسلامي.
فلم تكن محتكة بالحضارات السابقة المتباينة، ولم يستطع أن يثبت فيها على النطاق الشعبي العام إلا المذهب المالكي بقيام أساطين المذهب على غرسه وتعهده ونموه.
من علي ابن زياد والبهلول بن راشد وسحنون إلى الشيخ ابن أبي زيد وتلاميذه.
وإن حفظت أسماء لبعض علماء الحنفية إلا أنه لم تحفظ مناظرات بينهم وبين المالكية.
وأما الشيعة فقد ارتبطت بالسلطة الحاكمة فعفا أثرها بانتهاء القوة الحاكمة.
ولذا كان المعول عندهم على المدونة دراسة وتحقيقأومقابلة بين أبوابها والإجابات الواردة في الموضوع الواحد أو المتقارب.
وكثرت شروحها والتعاليق عليها.
ومختصراتها.
فالمازري يظهر في العدوة الغربية كمتفرد عن طريقة المدرسة القيروانية وخاصة في شرحه على التلقين فهو معجب بالطريقة العراقية ترسم خطاها دون أن يهجر الطريقة القيروانية.
وهو بجمعه هذا يكون مدرسة خاصة في كتابة الفقه في المذهب المالكي.
وهو ما يشير إليه في نظري قول القاضي عياض: وليس للمالكية كتاب مثله 1. فهو من ناحية يتتبع المدونة.
وعندما وجد القاضي
أهمل بيوع الآج الذي التلقين تهمم لذلك وبسط القول فيه ونبه على ذلك.
وهو ينقل عن أمهات الكتب في المذهب ويقارن بينها كمدونة أشهب والواضحة.
ومختصر المدونة.
والعتبية وغيرها.
فكان بهذه الناحية فقيهًا قيروانيًا.
وهو من ناحية أخرى.
يورد الأدلة من الكتاب والسنة.
ومن القياس ويقوم بالتنظير بين المسائل المتشابهة في مقصد الشارع وإن اختلفت أبوابها.
كما يعني أشد العناية بالقواعد الأصولية وإيصالها باستنباط الفرع الخاص كما بيناه في تضلعه بعلم الأصول.
وهو بهذه الناحية سألك مسلك أهل العراق.
وطريقة الجمع هذه مع العناية بأقوال المذاهب الأخرى قد تأثر بها في نظرنا ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
كما تأثر بها شهاب الدين القرافي في كتابه الذخيرة.
ويتبنى المقري تعليقًا لبعض المتأخرين على صناعة التأليف.
مضمونه أن علماء تونس أقدر على التأليف وعمق النظر من علماء تلمسان وأن العلة في ذلك كون صناعة التعليم، وملكة التلقي لم تبلغ فاسًا كما هي بمدينة تونس، اتصلت إليهم من الإِمام المازري، كما تلقاها عن الشيخ اللخمي، وتلقاها اللخمي عن حذاق القرويين.
وانتقلت ملكة هذا التعليم إلى الشيخ ابن عبد السلام مفتي البلاد الإفريقية وأصقاعها، المشهود له برتب التبريز والإمامة، واستقرت تلك الملكة في تلميذه ابن عرفة رحمه الله 1.
إن هذه السلسلة التي نظمها صاحبها جاعلًا الإِمام المازري واسطة عقدها.
ارتوى من المدرسة القيروانية، وأثر فيمن جاء بعده من الفقهاء إلى ابن عبد السلام وابن عرفة.
إن هذا التسلسل لا يقوم عليه دليل ولا يؤكده النظر في فقه علماء تونس.
فابن عبد السلام على جلالة قدره لم يتبع منهج المازري في شرحه على مختصر ابن الحاجب 2.
إذ الشيخ لا يهتم في شرحه هذا إلا بتحقيق مذهب مالك.
ولا يتعرض للمدارس الفقهية الأخرى.
كما أن لا يعني بالربط بين الفرع الفقهي ودليله.
وبطريقة الاستنباط منه.
ولذا فإن السند العلمي والتعليمي قد انقطع بعد الإِمام المازري.
وهذا ما أخذ به العلامة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون.
يقول: "وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس.
واستبحر عمرانهما، وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة، ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما، وما كان فيهما من الحضارة.
فلما خربتا انقطع التعليم عن المغرب إلا قليلًا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادًا منها، ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها، فلم تتصل فيها أحوال الحضارة إلا في الأقل.
وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلاميذ الإِمام ابن الخطيب، فأخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن، وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي كان ارتحل إليه من المغرب، فأخذ عن مشيخة مصر.
ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدًا.
فأخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلًا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمَّد بن عبد السلام شارح ابن الحاجب وتلميذه 1.
فالواقع التاريخي ونص ابن خلدون يثبتان أن المازري كان يمثل نهاية عصر.
اضطربت بعده الأمور واختل الأمن وتغلب النصارى على الدولة.
وتحكموا في البلاد.
ثم جاءت الدولة الموحدية بقوة شابة مندفعة فخلصت البلاد من الاحتلال النصراني.
إلا أنها لتوغلها في البداوة عند انطلاقها ولقصر عمرهالأولمقاومتها للمذهب المالكي اجتمعت هذه العوامل لتعمق القطيعة بين طريقة التعليم كما بلغت أوجها على يدي الإِمام المازري وبين الوضع الذي كان عليه التعليم عند قيام الدولة الحفصية.
سادسًا: تنويهه بالمنهج العراقي الذي يكشف عن أسرار التشريع وتعمق موارد الأحكام ليبدي الفروق الكامنة مما يوضح المنحى الذي من أجله اختلفت فيرفع الاشتباه الحاصل من النظر الأولي.
فمن ذلك أنه لما تحدث عن غسل النجاسة وذكر أنها لا تفتقر إلى نية، علل ذلك بانها طهارة معقولة المعنى فكان نفس الفعل محققًا للغرض عند القيام به.
بخلاف طهارة الحدث فلما كانت لا يقصد بها أمر محسوس ولا تحصيل غرض وإنما يحصل بها أجر في العقبى افتقرت إلى نية لتحصيل الغرض المطلوبا "يعني الأجر".
وبنى على هذا أن ما مال إليه بعض متأخري فقهاء القيروان إلى أن النضح للنجاسة يفتقر إلى نية بخلاف غسلها.
وأن هذا التفريق تعقبه بعض القرويين بأنه إذا قدرنا المشكوك فيه موجودًا فالنجاسة الموجودة لا تفتقر إزالتها إلى نية.
وإن قدرنا عدم النجاسة فالغسل ساقط.
ثم قال: "ومن عجيب ما ينبغي أن يتفطن إليه أن هؤلاء المتأخرين من المغاربة، تحوم خواطرهم على هذه المعاني التي أبرزها حذاق أهل العراق للوجود ...
وكأن من حكينا عنه من القرويين.
أن النضح يفتقر إلى نية استشعره ورأى أن الناضح لا يزيل عينًا فأشبه المتطهر للحديث في افتقاره إلى النية فلا وجه لاستبعاد قوله" 1.
سابعًا: هو في مناقشته لأدلة المذاهب ولوجهات نظرهم حريص أتم الحرص على الأدب وحسن الظن بهم ويوصي بذلك.
وأورد شاهدًا على طريقته هذه النموذج الآتي الذي يجمع بين أمور.
تقديره وأدبه مع من يناقشه.
شجاعته في بيان ما يراه حقأوإن خالف فيه أقطاب العلم الذين هم أئمة فيه.
عمق نظره وحدة ذكائه.
يقول القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب "ودم الحيض يمنع وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه".
يثير أولًا الإشكال التالي؛ هو أن الصيام زمن الحيض معصية.
فكيف يوسف ما هو معصية بأنه واجب.
وإذا لم يكن واجبًا فكيف يقضي؟ ففي هذا تناقض.
وفصل اضطراب الأصوليين من منكر لتوجه الخطاب كالكرخي.
واختلاف قول المالكية: من يرى أن المسافر والمريض مخاطبان دون الحائض.
ومن يرى أن المخاطب المسافر دون المريض والحائض.
ثم ذكر أن القاضي أبا بكر بن الطيب على عظم شأنه في علم الأصول قد اختلف قوله في كتبه ثم بسط ما يمكن أن يوجه به كل رأي.
وما ينتقد به التوجيه.
وأنهى بحثه الرائق بحل الأشكال.
رابطًا بين القضاء وبين النية التي لا بد من استحضارها عند الفعل حتى يتميز عن غيره.
وهذه النية المميزة المتضمنة أن هذا الوجوب على الحائض إنما هو كالقضاء عن وجوب فات.
فاستحضارها للوجوب الفائت عليها هو السر الذي من أجله أطلق أن الوجوب متوجه دون الفعل أيام الحيض.
ونبه الناظر في شرحه لعزة هذا التحقيق.
قائلًا: وهذا فصل قد كشفنا لك فيه اختلافًا كثيرًا.
وقع بين أهل الأصول ومعنى أطلقه أهل الفروع.
وبحنا لك بالسر فيه فاحتفظ به.
فما تعرض لهذا أحد من الفقهاء المنصفين.
وإذا أحطت به علمًا علمت حقيقة ما قاله القاضي أبو محمَّد في هذا الكتاب.
وحقيقة ما تعقب عليه.
وأنه إن ترك كلامه على ظاهره فقد بان ما تعقب به عليه.
ثم قال وإن أحببت الاعتذار عنه وإلحاقه بالجمهور في هذه المسألة، وهو الظن الجميل به لعلو قدره في علم الأصول والفروع.
قلت قد أريناك معنى قول الفقهاء.
إلخ 1.
فأنت ترى كيف احتاط قبل أن يذكر اختلاف قول القاضي أبي بكر لمقام الأدب فقال: "على عظم شأنه في علم الأصول".
وكيف أرشدك إلى الاعتذار عن القاضي أبي محمَّد بما يقتضيه أدب العلماء "وهو الظن الجميل به لعلو قدره في علم الأصول والفروع".
وفي هذا النموذج مع ما تجده منبثًا في كلامه من سمو خلقي، ورفيع أدب
وتقدير للعلم وأهله، ما يدفع ظن ابن السبكي أن الإِمام تحامل على الغزالي وعلى إمام الحرمين لأنهما انتقدا الإِمام أبا الحسن الأشعري.
فعقلية الإِمام المازري نوع آخر غير الذي تأثر به ابن السبكي في عصره من تقاذف بين العلماء.
وما وجدت له في شرح التلقين خروجًا عن هذا المسلك أو طعنًا على العلماء من الموافقين في المذهب والمخالفين.
ثامنًا: مزج الإِمام في شرحه بين تحقيق الفقه في المسألة المعروضة في المذهب المالكي وفي بعض المذاهب الأخرى.
وبين الربط بالدليل الخاص.
ثم أضاف إضافة لها وزنها في طريقة دراسة الفقه هي الربط بين المفاسد الشرعية والحكم.
فكان بذلك من العلماء الذين اعتمدهم أبو إسحاق الشاطبي في عميق نظره في الشريعة الإِسلامية وضبط مسائلها بقواعد عمل على أن تكون قطعية.
تعطي للناظر فيها الخيوط الجامعة بين المسائل حسب قانون يقضي به العقل المستنير بالوحي.
ومن أمثلة اقتباس الشاطبي من الإِمام المازري ما ذكره في المسألة الثانية: "وهي ورود الأمر والنهي على متلازمين.
فكان أحدهما مأمورًا به والآخر منهيًا عنه.
فإن القاعدة التي يجب أن يحمل عليها التشريع هي أن يعتبر المتبوع ويلغي التابع.
ثم تابع تفصيل هذه القاعدة.
وما يكشف عنه التتبع من إشكالات فكان أحد الإشكالات أنه إذا كان كل واحد من الأمر والنهي يمكن أن يكون مقصودًا قصدًا أوليًا.
كالأواني من الذهب والفضة: فهل المقصود العمل الفني من الصياغة فيجوز شراؤها، أو المقصود تملك عين الذهب آنية فيحرم؟ قال فهذا محل اجتهاد في ترجيح أحدهمالك ونه تابعأوالآخر متبوعًا.
وهو محل إشكال ثم أتبعه بقوله.
قال المازري في نحو هذا القسم من البيوع ينبغي أن يلحق بالممنوع؛ لأن كون المنفعة المحرمة مقصودة يقتضي أن لها حصة من الثمن، والعقد واحد على شيء واحد لا سبيل إلى تبعيضه، والمعاوضة على المحرم منه ممنوعة، فمنع الكل لاستحالة التمييز، وأن سائر المنافع المباحة يصير ثمنها مجهولًا لو قدر انفراده بالعقد.
هذا ما قال وهو متوجه 1.
تاسعًا: طريقته في الاستدلال والتعليل.
يفرق الإِمام المازري بين الدليل الملزم وبين التنظير الذي يقرب ولا يلزم.
من ذلك أنه ذكر المذاهب في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة.
وأن أبا حنيفة يرى أنه يجزئ كل لفظ فيه تعظيم وردّ مذهبه بأن الصلاة عبادة غير معقول معناها فيجب التسليم والاتباع.
ولو حاول محاول إبدال الركوع بالسجود لكونه أبلغ في الخضوع لما قبل قوله وخرج عن مذاهب المسلمين.
فكذلك القول بإبدال التكبير بالثناء والتمجيد.
ثم استشعر أنه ابتدأ بترك القياس في العبادة ثم وقع فيه.
فقال ولا تظنن أنما نهينا عن شيء وأتينا مثله لأننا لم نورد هذا قياسًا وإنما ضربنا به مثلًا ليتضح منع القياس في هذا الباب 1.
ومن ذلك أيضًا.
أنه نقل عن بعض الذين يقولون بوجوب القراءة في الركعة أن الله حرم الكلام في الصلاة لأنه أوجب عملًا من الأعمال فحرم ما يشغله بغير القراءة.
أما العين مثلًا فلما لم يوجب عليها عملًا لم يحرم عليها الاشتغال بالنظر.
وعلق عليه بأنه لا يستقل دليلًا ولكن يصلح ترجيحًا 2.
ومن ذلك أنه ناقش الحنفية في دليلهم على عدم الترجيح في الأذان.
فإن أبا محذورة كان شديد البغض للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما أسلم أخفى صوته عند الإعلان بالشهادة حياء من قومه.
ورد هذا الاستدلال بأن الشيء قد يشرع لسبب ثم يزول السبب ويبقى التشريع، وذلك كالرمل في الطواف مباهاة للمشركين.
ثم قال وإنما ذكرنا هذا مثالًا لا دليلًا لأنا نخالف فيه أيضًا 3.
كما أنه يؤيد مرجحًا رأيًا على رأي بضروب من التوجيه مستمدة من مقاصد الشريعة بعضها منصوص عليه لغيره.
وبعضها لم أعلم أن غيره اعتمده في مثل هذا المقام من ذلك أنه لما ذكر صفة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.
وأن رأي العراقيين من أصحابنا كون اليدين قائمتين يحاذي بكفيه منكبيه
وبأصابعه أذنيه.
يرجح هذا بقوله ولو لم يكن في اختياره إلا البعد عن التكلف لكان معنى يقتضي إيثاره ويحسّن اختياره 1. وهو معنى دقيق مأخوذ من أن الإِسلام دين الفطرة.
كما يقرر من ناحية أخرى أن البحث عن المعاني المعقولة في كل حكم من أحكام العبادة غير لازم.
ولكن ذلك لا يمنع من قدح الفقيه فكره لإبداء المعاني المعقولة المناسبة.
ومن ذلك أنه نقل عن شيوخه تعليلًا لقرن رفع اليدين بتكبيرة الإحرام.
ثم نقل تعليلًا آخر عن بعض الخراسانيين وآخر عن بعض المتصوفة.
ثم عقب على التعليلات الثلاثة بقوله.
وهذه الثلاثة أجوبة دائرة كلها على أن القصد إشعار النفس بأمر ما.
وهي معان تروق الذهن، وإن صحت وثبت أن قصد الشرع ذلك، فذكرها ها هنا غرضُنَا به التنبيه على محاسن الشرع وعنايته بأن يمهد للنفس تسهيل سبل الخير وليعلم المصلي أفعاله وما يقصد به 2.
عاشرًا: طريقته في الجمع بين الأحاديث.
إن الإِمام المازري وإن عني بالربط بين الحكم ودليله وتوجيه الاختلاف إلى الأصل المبني عليه أو طريقة النظر والفهم للدليل، إلا أنه عند ذكره للأدلة من السنة قلما ينبه على من أخرج الحديث.
كما أنه كان كثيرًا ما يروي الحديث بالمعنى أو يقتصر على مقطع من النص.
وبذلك كان تخريج الأحاديث التي استدل بها يتطلب مجهودًا كبيرًا.
ولذلك بقيت بعض الأحاديث لم أعثر على من خرجها من العلماء.
وهو في تتبعه للمذاهب والأدلة كثيرًا ما يروي الحديث الدال على الحكم وحديثًا آخر يعارضه.
فتراه يعمل على الأخذ بهما.
ويطلق عبارة ما تخلف عنها أبدًا وهي "البناء" فهو لا يطلق كلمة الجمع.
ولا كلمة التأويل.
ولا كلمة التوفيق ونحو ذلك مما جرى على أقلام وألسنة الفقهاء.
وإنما هو حسبما يبدو لي
يتصور أن السنة تزداد قوة وصلابة بهذه الظاهرة.
معتبرًا ذلك كالبناء الذي لا يكون صحيحًا قادرًا على الصمود.
إلا إذا كان وضع أحجاره بعضها فوق بعض لا يتم بفواصل ونهايات متحدة ولكن بفواصل مختلفة نهاية كل حجارة هي وسط الحجارة التي فوقها والتي تحتها بما يقوي الالتحام.
ويشد البناء.
حادي عشر: يختلف منهجه في كتابه هذا عن منهجه في المعلم.
إذ صدور المعلم كتأليف لم يكن مقصودًا أصليًا.
وإنما حصل بعد عرض تعليقاته عليه عند قراءة كتاب مسلم عليه.
أما كتاب التلقين فقد كان يقصد من أول الأمر إلى إخراجه كتابًا.
فتخير أن يكون منهجه ليس على طريقة الاختصار ولا على طريقة التوسع والاستطراد واستيفاء كل مسألة.
بل هو يحيل تارة على تآليفه الأخرى وتارة ينبه على أنه طوى الكلام لئلا ينتشر.
فهو مثلًا عندما يتحدث عن دليل وجوب استقبال القبلة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
قابل هذه الآية.
بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
أخذ يقابل بين هذه النصوص القطعية.
ويتابع آراء الأئمة في ذلك.
وختم ذلك بقوله: "وإنما لم نتمم لك النظر في ترجيح هذه الطرق لأن ذلك يخرج الكتاب عن غرضه" 1.
مكانته في الفقه:
يثبت له القاضي عياض أنه بلغ رتبةِ الاجتهاد.
يقول فيه "إمام بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب وآخر المستقلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر" 2.
ونقل العبارة ابن فرحون في الديباج.
ونقل عن ابن دقيق العيد أنه عجيب من عدم إعلانه بأنه مجتهد.
وابن عرفة يتحفظ في إثبات بلوغه درجة الاجتهاد.
وتوسط الشاذلي النيفر.
فجعله مجتهدًا.
إلا أنه عدل عن إعلان ذلك والتزم مذهب مالك لأمرين.
أن الناس يكفيهم ما هم فيه من الاختلاف فلا يضيف سببًا آخر للاختلاف.
ولأنه لو أعلن اجتهاده فإن أهل إفريقية لا يرضون بمذهب مالك بديلًا.
فلذلك لم يخرج عن مذهب مالك.
وهذا لا يتيسر قبوله لأن المجتهد هو الذي اطمأن إلى أن ما بلغ إليه اجتهاده صواب يحتمل الخطأ وما ذهب إليه المخالف له خطأ يحتمل الصواب.
ولذا فإن دينه وأمانته تمنعه أن يفتي بما هو يعتقد خطأه.
فالمجتهد ملزم شرعًا بأن يعلن عن حكم الله الذي اطمأن إليه.
والمازري في ورعه وعلمه أبعد من أن يظن به هذا.
ولذا فلما كان المازري رحمه الله قد اودع فقهه في كتبه.
وخاصة كتاب التلقين.
فإننا سننظر في أثره هذا.
فهل يضيء لنا هذا الكتاب القيم الإجابة عن هذا السؤال؟
إنه لا بد قبل تتبع فقهه في كتاب التلقين تدقيق أمر.
أولًا ما المقصود بالاجتهاد.
الذي نفاه من نفاه وأثبته من أثبته؟.
الاجتهاد على مراتب.
أعلى المراتب: الاجتهاد المطلق = وهي المرتبة التي تثبت للفقيه الذي نظر في المنهج الذي يتبع في استنباط الأحكام.
فهو الذي سن الأدلة ما يعتبر دليلأوما لا يعتبر دليلًا.
وما يمكن أن يستند إليه الفقيه وما لا يستند إليه في بيان حكم الله.
ثم بعد الاطمئنان إلى ما ينتج وما لا ينتج.
ينظر في ترتيب تلك الأدلة ما يقدم منها وما يؤخر وما هو موقف الفقيه منها عند التعارض.
فالكتاب حجة مثلًا.
والسنة حجة والإجماع حجة والقياس حجة.
فإذا تعارض نص السنة ونص الكتاب فكيف يتم الترجيح.
وكذلك القياس.
وعمل أهل المدينة حجة عند مالك.
والسنة حجة فإذا عارض حديث الآحاد عمل أهل المدينة فبماذا يأخذ الفقيه.
وكذلك قول الصحابي هل هو حجة أولًا؟.
ثم إذا أثبته الفقيه فما
هو موقفه إذا عارض قول الصحابي القياس؛ ثم بعد هذا.
الإجماع حجة.
فهل الإجماع حجة في كل عصر من الأعصار أو الحجة في اتباع إجماع الصحابة خاصة؟ والقياس حجة فهل القياس المعني هو القياس الجلي أو كل الأقيسة.
والعرف حجة ولكن متى يعتبر المحرف؟ فالفقيه الذي وضع منهجًا كاملًا في ترتيب الأدلة وما يؤخذ منه وما يترك هو المجتهد المطلق.
وهذا القسم آخر من بلغه داود الظاهري.
بخلافه في اعتبار القياس واقتصاره على القياس الجلي.
وانحصرت المذاهب السنية في الأربعة الباقية الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.
وما نسب الاجتهاد المطلق بعد داود الظاهري لأحد من العلماء.
ولا أبرز أي عالم من العلماء منهجًا في الاجتهاد جديدًا.
فقد آل الأمر إلى أن كل فقيه بلغ رتبة الاجتهاد.
فمعنى ذلك أنه أخذ بالطريقة الخاصة التي قام عليها مذهب من المذاهب الأربعة.
الطبقة التالية لأهل الاجتهاد المطلق التي انقرضت.
أهل الاجتهاد المقيد.
كأبي يوسف ومحمد في المذهب الحنفي وابن القاسم وأشهب وأصبغ في المذهب المالكي.
والبويطي والمزني في المذهب الشافعي.
وهؤلاء ينظرون في أدلة الأحكام المعتمدة عند إمامهم ويرتبونها حسب ترتيب إمامهم.
وقد يصلون بعد ذلك إلى حكم الجزئية المنظور فيها إلى ما يوافق إمامهم.
وقد يصلون إلى خلاف ذلك فيعلنون أنهم أتباع الإِمام وأنهم يخالفونه في استنباطه.
وترد عليهم الحوادث التي لا نص لإمامهم فيها فيعتبر قولهم هو المذهب في تلك الحادثة العارضة.
وهؤلاء هم الذين وسّعوا المذاهب.
وطبقة أقل من هذه وهم الذينِ يلتزمون كل ما قاله أئمة المذهب.
ولكن عندما تعرض الحوادث المستجدة يُخرّجون على قول إمامهم حكم النازلة تطبيقًا لقواعد المذهب وهم أهل التطبيق.
وطبقة رابعة تتبع الأقوال وتجمعها وتوازن بينها ثم ترجح الأقوال.
ولكن تبين النواحي التي تقوي الأخذ بأحد الأقوال أو توهن الأخذ به.
وبعد هؤلاء طبقة خامسة هم المدونون للثروة الفقهية المرتبون لها
الميسرون لمعرفة حكم النازلة المطلوبة مما سبق لأئمة المذهب على اختلاف طبقاتهم قول فيها.
مع تتبع الأقوال تتبعًا مستقصيًا أو تتبعًا على الجملة.
أو اقتصارًا على القول المعتمد.
ففي آية مرتبة من هذه المراتب يعتبر الإِمام المازري؟ فالمرتبة الأولى لم يدعها أحد ولم يبرز أي فقيه منهجًا جديدًا في النظر.
فلا معنى لقول من يقول إنه عدل عن إبراز مذهبه لئلا يزيد الاختلاف حدة، ولأن أهل إفريقية لا يقبلون بمذهب الإِمام مالك بديلًا.
كما أني لم أجده رافضًا لقول مالك مخالفًا له في الفروع.
بل هو يدقق في رواية المدونة.
ويوازن بين نصوصها.
فهو إذن ليس من أهل الاجتهاد المقيد.
ولكن نصوصه في هذا الكتاب تعلن أنه من أهل التطبيق وأهل الترجيح.
فمن النوع الأول.
إنه حقق أنه إذا خاف متى استعمل الماء أن يعطش عطشًا يهلكه أنه يتيمم.
ثم بعد ذلك فرض سؤالًا قائلًا: فما قولكم فيمن معه من الماء ما يذهب نجاسة بدنه وإن لم يغسل به النجاسة كفاه لوضوئه؟ قيل أما هذا فلا أحفظ الآن في عين هذه المسألة نصًا لأحد من أصحابنا سوى ما حكاه ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك فيمن مسح على خفيه، ثم لحقتها نجاسة وهو في السفر، ولا ماء معه، أن ينزع خفيه ويتيمم.
فهذه الرواية تشير إلى أن الصلاة بطهارة التيمم مع عدم النجاسة أولى منها بطهارة الماء مع حصول النجاسة.
فعلى هذا يغسل نجاسته بالماء وإن نقله ذلك إلى التيمم 1. فهو في هذا النص يخرج حكم من كان معه من الماء ما يكفي لإحدى الطهارتين في أنه يغسل النجاسة ويتيمم على حكم من تنجس خفه ولا ماء معه أنه ينزعه ويتيمم.
ومن ذلك أيضًا أنه في باب المياه أورد على كلام القاضي عشرة أسئلة كان السؤال السادس ما حكم الماء المشكوك فيه؟ وفصل القول.
فيه إما أن يكون
الشك في المغير هل يؤثر أو لا؟ وإما أن يشك في محل النجاسة لا في
حصولها.
وبعد أن بين اختلاف الفقهاء في ذلك ووجهة نظر كل عقبه بقوله بافتراض حالة أخرى.
وهو أنه إذا انقلب أحد الإناءين قبل أن ينظر فيهما للتحري.
قال لا أعلم فيها نصًا.
لأصحابنا.
ويجب عندي أن يكون حكم التيمم عند من قال به في وجودهما على ما تقدم بيانه.
لأنه إنما وجب التيمم عنده بحصول الشك في عين النجس منهما.
والشك في الباقي منهما حاصل كحصوله مع وجودهما.
فوجب أن يكون الحكم واحدًا 1. وانظر كذلك تخريجه للمسح على الخفين إذا لبسهما المحرم على القولين في جواز المسح لمن سفره سفر معصية 2.
وأما في باب الترجيح فإنه قد انتشر في تتبعه لأقوال الفقهاء.
إذ هو يوازن بينها ثم ينظر في الملاءمة بين القول والدليل.
ويرجح أو يضعف القول تبعًا لذلك.
ومن أمثلة ذلك:
أنه لما ذكر حكم العدل إذا بين النجاسة التي وقعت في الماء أنه يقبل خبره.
وأتبعه بحكم ما إذا لم يبين مفصلًا إما أن يتساوى السائل والمسؤول في المذهب فيجب الأخذ بقول المخبر.
وإن اختلف مذهباهما لم يحرم استعمال الماء" بمجرد إجماله.
حتى يكشف عن النجس وحاله.
ويستحسن عندي العدول عنه إلى غيره 3.
ومن ذلك أنه لما ذكر اختلاف الأقوال في الإبراد بالظهر.
أنهى كلامه بقوله والأصح عندي مراعاة حال يومه، فإذا فتر الحر القاطع عن استيفاء الصلاة، أمر بإيقاع الصلاة حينئذ إذا حان الوقت المختار.
فإن لم يفتر حتى خيف ذوات الوقت لم تؤخر عن الوقت 4.
ومما يدلك أيضًا على أنه لم ير نفسه مؤهلًا للاجتهاد المقيد ما ذكره في قراءة صلاة الشفع.
قال: وقد كنت في سن الحداثة، وعمري عشرون عامًا وقع في نفسي أن القراءة في الشفع لا يستحب تعيينها إذا كانت عقب تهجد بالليل.
وأن الاستحباب إنما يتوجه في حق من اقتصر على شفع الوتر.
فأمرت من يصلي التراويح في رمضان أن يوتر عقيب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع مقروءاته بالحزب الذي يقوم به فيه ويوتر عقيبه.
فتمالأ المشائخ المفتون حينئذ على إنكار ذلك واجتمعوا بالقاضي.
وكان ممن يقرأ علي.
ويصرف الفتوى فيما يحكم به إلى.
فسألوه أن يمنع من ذلك.
فأبى عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي على المسألة فأبوا، فأبى.
واتسع الأمر وصارت المساجد تفعل كما فعلت.
وخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لم تخص في رمضان بقراءة فرجعت إلى المألوف.
ثم بعد زمن طويل رأيت أبا الوليد الباجي أشار في كتابه إلى الطريقة التي كنت سلكت.
فذكر في بعض كتبه قول مالك في الشفع: ما عندي فيه شيء يستحب القراءة فيه.
فقال: هذا يدل على أن الشفع من جنس سائر النوافل.
قال وهذا عندي لمن كان وتره واحدة عقيب صلاته بالليل.
فأما من لم يوتر إلا عقيب الشفع فإنه يستحب له أن يقرأ في الشفع: بسبح، وقيل يا أيها الكافرون.
فأنت ترى أن أبا الوليد كيف فصل التفصيل الذي كنت اخترته 1.
إن هذا النص يعلن فيه الإِمام المازري عن ابتهاجه بأن فتواه في سن الحداثة قد وافقت تحقيق الشيخ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي.
والباجي ما كانت رتبته إلا رتبة أهل التطبيق أو الترجيح.
فلو كان المازري يشعر أنه أعلى منه درجة في الفقه لما ابتهج هذا الابتهاج.
رغم أنه في نهاية الفصل ضعف رأيه ورأى أب الوليد معًا.
مكانته في عصره
إن النص؟ السابق يدل على أن الإِمام المازري برزت مكانته العلمية.
منذ عهد حداثته وازدادت تلك المكانة رسوخًا مع نضجه وتقدم سنه.
فإذا كان وهو ابن عشرين سنة مرجعًا للقاضي يعود إليه ولا يخرج عن رأيه.
وأنه منذ حداثته يهاب الشيوخ البالغون درجة الإفتاء مناظرته.
فإن ذلك يدلك على أنه كان أرفع مقامًا وأعلى شأنًا بعد ذهاب شيوخه وتفرده بالإمامة.
وهذه المنزلة التي استقرت في نفوس أهل العلم كان ينظر بها إليه أهل السلطان.
فقد ذكر أثناء بيانه شرائط الجمعة وأن منها إيقاع الجمعة في المسجد.
وأنها لا تقام على ظهر المسجد.
قال: وقد كتب إلى سلطان يسألني عن الصلاة بمقصورة في قصره، الحائط مشترك بينها وبين الجامع.
وأحب أن يصلي على أعلى الحائط المشترك مرتفعًا عن الناس محجوبًا عنهم.
فأجبته بأن سر اشتراط الجامع والجماعة في الجمعة بخلاف غيرها من الصلوات أنها صلاة قصد بها المباهاة والإشادة والإعلان.
ولهذا جهر بالقراءة فيها، وإن كانت صلاة نهار وجعل فيها الخطبة.
فكل معنى تكمل المباهاة فيه ويزيد في بهاء الإِسلام كان أولى أن يسلك.
والإخفاء والاستتار نقيض الغرض الذي أشار إليه الشرع.
فلما كتبت إليه بهذا امتنع من إحداثه.
وبعثه الإيثار على الاعتزال عن الناس على أن حاول أن يخرج من قصره هذه المقصورة إلى الهواء الذي يحيط به حيطان الجامع ليكون مصليًا في داخله فيرتفع ما رأيته فيما كتب به إلي.
فسألني أيضًا عن هذا أيضًا فأشكل علي أمره.
لمعان عرضت فمِه.
فقربت له من إباحته على أنه أولى بالأجزاء من عرض الحائط لكون المصلي فيه مصليًا في داخل الجامع.
وباطنه ... فهو الآن يصلي في المقصورة 1.
فهذه المحاورة تدلك على مكانته عند ذوي السلطان.
وعلى صدقه مع الله فهو لم يحاب السلطان.
ولم يعتمد التعلات التي يبرر بها بعضهم بأن الأولى أن نؤلف قلوب أمثال هؤلاء وأن نيسر عليهم أداء الصلاة.
وذلك خير من أن
ننفرهم فلا يصلون.
كأن الله أوكل لهم أن يجمعوا على الصلاة أكثر عدد ممكن.
وما كلفهم الله ذلك إذ هو الذي ضبط الطريقة التي يرتضيها في عبادته، فمن اهتدى إليها فأقامها كما أمر سبحانه وحدد.
فاز بالطاعة.
ومن أعرض واستكبر فلم يقم الله أحدًا وكيلًا على عباده ليعبدوه.
وقد رأينا أن صدق المازري مع الله انتهى إلى أن السلطان أدخل جزءًا من قصره في حدود الجامع.
وخضع.
ويغلب على الظن أن الأمير الذي استفتاه هو الحسن بن علي الصنهاجي الذي تولى الملك سنة 515. ذلك أن إملاءه لهذا الشرح كان مما محض له نشاطه العلمي في آخر حياته.
فقوله فهو يصلي الآن في المقصورة أي وقت إملائه للشرح.
وبين تولي الحسن بن علي السلطة وبين وفاة المازري إحدى وعشرون سنة.
ولعله يثور سؤال مما سبق لك وهو أن المازري قد بلغ من العلم والفطنة والورع ما بوأه مكانة الإمامة في عصره فلماذا لم يقدمه السلطان لولاية القضاء مع أنه كان يستشيره ويأخذ برأيه ولا يجرأ على تجاوزه؟ قد يكون مرد ذلك أن المازري نظر في الأوضاع الاجتماعية وفي أخلاق أهل عصره.
فتبين له أن لا يستطيع أن ينهض بمهمة القضاء.
إذ يقول في الطعن بالعداوة بين المحكوم عليه والشهود والمفتي أو القاضي: إذ الغالب اليوم عدم الثقة من العدول والقضاة والمفتين.
وفي جو مثل هذا رأى أنه أمام سيل طام من الفساد لا يستطيع مواجهته ولا إبراز الحق في هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض والله غالب على أمره وهو الحكيم الخبير.
فقد كان انصرافه عن القضاء مساعدًا له على التأمل والتفقه.
وبث العلم في صدور الرجال 1. رحمه الله وأجزل مثوبته.
المقدمة الثالثة النسخ المعتمدة في التحقيق
لما كان الكتاب مؤلفًا من متن للقاضي عبد الوهاب.
الذي هو التلقين.
ومن شرحه للإمام عبد الله المازري، فقد وجهت عنايتي لضبط نص المتن بوسائل تزيد على الشرح.
التلقين
اعتمدت في تحقيق المتن على النسخ الآتية:
أولًا: النسخة المطبوعة سنة 1413 - 1993 بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية.
وأشرف إليها بحرف -غ-.
ثانيًا: النسخة التي قدمها الدكتور محمَّد ثالث سعيد الغاني لنيل شهادة الدكتوراة في الفقه لجامعة أم القرى بمكة المكرمة 1405 - 1406 - 1985 - 1986. وأشير إليها برمز غاني.
ثالثًا: نصوص المتن في نسخ الشرح.
والطريقة التي سرت عليها في ذلك أني كلما وجدت اختلافًا في نص التلقين أثبت بالأصل الوجه الذي أظن أنه هو الصحيح بناء على التأمل في فقه المسألة وعلى ما جاء في الشرح.
وأثبت في الحاشية الوجه أو الوجوه الأخرى ناسبًا لها لأصولها.
شرح التلقين
أولًا: نسخة مصورة من مكتبة الزاوية الحمزاوية.
وهي النسخة الوحيدة التي حفظت الصفحات الأولى من شرح التلقين.
كتبت بخط أندلسي واضح.
عدد الأسطر بالصفحة 23.
وبكل سطر معدل 15 كلمات.
عدد الصفحات 385.
مفتتح النسخة:
"بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أحمد الله حمدًا يقيد النعم عن الزوال، ويمنعنا من التغير والانتقال، ويهتدي به المؤيد من الأفضال، وصلى الله على محمَّد وعلى آله خير آل.
قال الشيخ الفقيه".
وتنتهي بدعاء القنوت: وعند الشافعية وعافنا فيمن عافيت وقنا.
وكتبت الصفحة الأخيرة على هذا الشكل.
مكتبة الزاوية الحمزاوية.
يمنع طبع هذا الكتاب بدون.
إذن أهل زاوية سيدي حمزة.
رقم الكتاب 107.
النهاية.
وقد رمزت إلى هذه النسخة بحرف -ح-.
وهي أقرب النسخ إلى الصحة.
يظن أنه أعيد تسفيرها.
ذلك أن الصفحات قد تداخلت في أثناء الكتاب وقد نبهت على مكان الاختلاط وطريقة تصويب ترتيب أوراقها.
ثانيًا: نسخة المكتبة الوطنية بتونس رقم 12206. هذه النسحة أصلها محبسة على العلماء والطلبة بجامع الزيتونة من المشير
أحمد بأي ملك تونس في أوائل شهر صفر 1291. كما هو مثبت بالصفحة الأولى.
وهي النسخة الوحيدة التي بلغ بها ناسخها كتاب الجنائز.
بالصفحة ما بين 32 و 35 سطرًا.
وبالسطر معدل 20 كلمة عدد الصفحات 328.
كتبت بخط تونسي غير جيد انتشرت أخطاء الرسم.
وكثير من الكلمات صورها الناسخ تصويرًا مما يدل على أن مستواه المعرفي هو النسخ حسبما يبدو له.
كما أن هذه النسخة أثر فيها عاملان من الآفات التي تصيب الكتب.
العامل الأول: هو تسرب الرطوبة إلى الأطراف العليا في كثير من صفحاتها مما تسبب عنه ذهاب الحروف أو اختلاطها اختلاطًا يصعب معه تبين الكلمة المرادة.
وقد اجتهدت بما بقي من حروف الكلمة لإثبات ما أظنه تمامًا لها
بالاعتماد على السياق والسباق.
ولكن في قسم كبير من الصفحات الأخيرة انتشر المحو وشمل أسطرًا.
فأعجزني تقويم النص وتكميله.
إذ هي النسخة التي بلغت آخر ما يتعلق بالصلاة.
العامل الثاني: هو عبث الأرضة وجولاتها المخربة.
وحاولت التغلب على الصعوبة في حدود المستطاع حسبما قمت به لتدارك آثار الافة السابقة.
وبجانب هذا أو ذاك فقد تبين لي أن النسخة قد أعيد تسفيرها وضمت أوراقها بعضها إلى بعض بعد أن اختلطت فأعدت تنسيقها ليتتابع النص حسبما يقتضيه الموضوع واعتمادًا على السياق والتسلسل الفقهي في تقرير المسائل.
ونبهت في أسفل الصفحة على الاختلال وطريقة تداركه.
الصفحة الأولى من النص:
فاغسلوا: مفهومه للصلاة والغسل للصلاة.
هو معنى النية التي بيّناها.
مما يلاحظ أنه بين أول الشرح وأول ما هو موجود من النسخة نقص يبلغ 28 صفحة من التحقيق.
وآخرها:
نجز كتاب الجنائز وبتمامه ختم السفر الأول من شرح التلقين للإمام المازري رضي الله عنه ونفع به.
يتلوه بحول الله وقوته "في" السفر الثاني كتاب الزكاة والحمد لله حمدًا يدوم بدوامه.
والصلاة الدائمة كذلك على سيدنا محمَّد خاتم أنبيائه، ومبلغ أنبائه، وعلى آله وصحبه ذوي الشرف وأنصاره وسلم تسليمًا كثيرا.
إلى يوم الدين.
وغفر لكاتبه وجعل خير عمره آخره وخير عمله خواتمه وخير أيامه يوم لقائه وغفر لوالديه ولكاسبيه ولوالديهم ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وقد أغفل الناسخ ذكر اسمه وذكر تاريخ انتهائه من النسخ.
وهذه النسخة رغم ما وصفته من الحالة التي هي عليها.
كان عليها المعول في التحقيق.
وقد رمزت إليها بحرف -و- أي الوطنية.
ثالثًا: نسخة ثانية بالمكتبة الوطنية رقمها 6547.
كانت هذه النسخة من مستودعات المكتبة الصادقية بجامع الزيتونة مضمنة تحت عدد 14565. وقد أغفل تاريخ التحبيس.
عدد الأسطر بالصفحة 33 سطرًا.
ومعدل عدد الكلمات 14 بالسطر.
وعدد الصفحات 377 صفحة.
كتبت بخط تونسي نسخي جميل واضح.
أمضيت مع هذه النسخة زمنًا أقابل بين النص كما هو مثبت بها وبين بقية النسخ.
وأنصّ على الخلاف في الأسفل.
ثم تبين لي أني اغتررت بجمال الخط وبوضوحه.
وأن النسخة منقولة عن النسخة السابقة -و- ذلك أنه كلما كان هناك بياض بالأصل.
أو كلمة ممحوة كلا أو بعضًا أو رسم مشتبه أو رطوبة خلطت
الأحرف فاشتبهت الكلمات، فإن هذه النسخة جاءت مطابقة للنسخة -و- السابقة.
ولذلك عمدت إلى كل التعليقات المبنية عليها فحذفتها.
رابعًا: النسخة الموجودة بمكتبة الحرم النبوي من أوقاف الشيخ محمَّد العزيز بن محمَّد الوزير.
وهذه النسخة منقولة عن سابقتها.
رقم 6547. البداية واحدة فيهما والنهاية واحدة فيهما.
وينهي الناسخ بما يلي:
هذا ما وجدنا وتوقف لوجود نقص بالأصل.
والله الموفق للصواب.
وإليه المرجع والمآب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وسلام عدى المرسلين ولا حول ولا قوة إلا بالله العدي العظيم.
وكان الفراغ من هذا الجزء في أوسط جمادى الأولى.
من عام أربعة وخمسين ومائتين وألف.
وكتبه العبد المذنب الفقير أحمد بن ضيف الله القصوري الكافي أصلح الله حال الجميع.
آمين آمين.
وقد اعتمدتها -زمنًا- ثم عدلت عن ذلك لما تبين لي أنها لا تضيف آية إضافة لتقويم النص.
أما البداية.
إن الغسل الواجب عن هذين الحديثين (هكذا) واحد وممنوعاتهما تتماثل.
وانفرد الحيض بأنه يمنع من الوطىء (هكذا) وانفراد الجنابة بأنها تمنع من قراءة القرآن.
وأما ختام النسخة "ووجه قول من قال فيها بقراءة القرآن بهذا التقدير، كان من فاته الركوع الأول فأدرك الثاني وركع في الثالث وأدرك الرابع لا يقضي شيئًا لأنه بمثابة من لم يعتد بقيام الركعة.
خامسًا: نسخة مكتبة كلية القرويين بفاس.
رقمها 348.
هذه النسخة هي أقدم نسخة عثرت عليها.
مكتوبة بخط مغربي مقروء بالصفحة 31 سطرًا وبالسطر معدل 15 كلمة وعدد صفحاتها 320 صفحة خرمت الأرضة أوراقها من الأطراف والوسط.
تعذر قراءة أول صفحة منها.
وما بقي يدل على أنها نسخة تامة من البداية غير منقوصة.
وانتهت بـ"وقد ذكرنا تفرقته في الخروج من المسجد إذا أقيمت الصلاة بين الوتر وركعتي الفجر.
فأخرجه في الوتر لتأكدها.
ولم يخرجه لركعتي الفجر لانخفاض حرمتها عن حرمة الإقامة".
ثم بعد ذلك.
كمل الجزء الأول من كتاب شرح التلقين لأبي عبد الله المازري بحمد الله وعونه.
وكان الفراغ منه يوم الجمعة العاشر لجمادى الأولى من عام ثمانية وتسعين وستمائة نفع الله به كاتبه بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلم تسليما.
وبعد ذلك بخط مغاير ابتهال لمن تملكها بعد ذلك.
وهذه النسخة لم تحظ بعناية المقابلة أو التصحيح.
ولذلك كثرت الأخطاء بها.
واستعنت بها رغم الخرم الذي يمنع في كثير من المواطن تواصل النص ورمزت إليها بحرف -ق-.
سادسًا: نسخة مكتبة القرويين بفاس رقمها 348.
هذه النسخة تشمل الكتب التالية قصر الصلاة - صلاة الجمعة.
صلاة الخوف صلاة العيدين.
صلاة الكسوف.
صلاة الاستسقاء.
على الصفحة الأولى شهادة تحبيسها عام خمسة وستين وسبعمائة.
ونص التحبيس تعذر علي قراءته لمحو قطّع كلماته.
كتبت بخط مغربي واضح وجميل.
أثر فيه الزمن بخرم الأرضة وإمحاء بعض الكلمات لم تصحح ولم تقابل.
بالصفحة 22 سطرًا.
وبالسطر معدل 12 كلمة عدد صفحاتها 202.
الصفحة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
باب في قصر الصلاة في السفر
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله القصر في الصلاة الرباعية.
وآخر ما جاء في النسخة:
ويمنعوا من إظهار ذلك في أسواق المسلمين وجماعتهم في الاستسقاء وغيره.
كما يمنعون من إظهار الربا وشرب الخمر.
كمل كتاب الصلاة وبكماله تم السفر الثالث من شرح التلقين للإمام أبي عبد الله المازري رضي الله عنه والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
وقد رمزت لهذه النسخة بحرفي -قث-.
سابعًا: نسخة مكتبة القرويين بفاس رقم 348.
وهذه النسخة المصورة.
قد اختلطت أوراقها اختلاطًا كبيرًا.
فهي حسب الصورة التي عندي، بعض أوراقها يتعلق بالصلاة.
وبعض الأوراق بالمعاملات.
ورغم صعوبة الاستفادة منها فإني لم أهملها وصبرت عليها وخاصة إذا اشتبه النص المثبت في غيرها.
ورمزت إليها بحرفي -قل-.
صورة من نسخة المكتبة الحمزاوية رمزها -ج-
صورة من نسخة المكتبة الوطنية بتونس رمزها -و-
صورة من نسخة المكتبة الوطنية بتونس رمزها -و-
صورة من نسخة مكتبة القرويين بالرباط رمزها -ق-
صورة من نسخة مكتبة القرويين بالرباط رمزها -قث-
شرح التلقين للإمَام أبي عَبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازِريّ 453 - 536 1061 - 1141
الجزءُ الأوّل الصَّلاَة وَمُقَدِّمَاتها
تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السلامي مُفْتي الجمهُوريَّة التونسِّيَة