فصل إِذا أَرَادَ تَطْهِير المَاء الَّذِي حكمنَا بِنَجَاسَتِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشاشي، أبو بكر
- الكتاب
- حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء
- المؤلف
- محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو بكر الشاشي القفال الفارقيّ، الملقب فخر الإسلام، المستظهري الشافعي (المتوفى: 507هـ)
- المحقق
- د. ياسين أحمد إبراهيم درادكة
- الناشر
- مؤسسة الرسالة / دار الأرقم - بيروت / عمان
- الطبعة
- الأولى، 1980م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَإِنَّهُ إِن كَانَت نَجَاسَته بالتغير وَكَانَ أَكثر من قُلَّتَيْنِ طهر بِزَوَال التَّغْيِير بِنَفسِهِ أَو بِأخذ بعضه وَذَلِكَ فِي الْبِئْر إِذا كَانَ يَنْبع مِنْهَا المَاء فَإِن نزح المَاء مِنْهَا ونبع مَا يبلغ قُلَّتَيْنِ وَزَالَ التَّغَيُّر طهرت الْبِئْر وَالْمَاء وَإِن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ طهر مَا ورد عَلَيْهِ المَاء من الْبِئْر وَالْمَاء الْمُسْتَعْمل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة فَيكون طَاهِرا على مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله ونجسا على قَول الْأنمَاطِي
وَقد ذكر أَصْحَابنَا فِيهِ إِذا كَانَ الثَّوْب جَمِيعه نجسا فَغسل نصفه ثمَّ غسل النّصْف الآخر لم يطهر ونبع المَاء لشَيْء بعد شَيْء من الْبِئْر بِمَنْزِلَتِهِ ويطهر أَيْضا بِأَن يطْرَح عَلَيْهِ مَاء آخر حَتَّى يَزُول التَّغَيُّر وَإِن طرح فِيهِ تُرَاب أَو جص فَزَالَ التَّغَيُّر طهر فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَذكر الشَّيْخ ابو حَامِد رَحمَه الله فِي التَّعْلِيق أَن الْقَوْلَيْنِ فِي التُّرَاب وَمَا سواهُ لَا يظْهر قولا وَاحِدًا وَلَيْسَ بِشَيْء وَإِن كَانَ المَاء أقل من قُلَّتَيْنِ وَلم يتَغَيَّر طهر بالمكاثرة وَإِن لم يبلغ قُلَّتَيْنِ إِذا لم تكن عين النَّجَاسَة فِيهِ قَائِمَة وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يطهر بالمكاثرة من غير أَن يبلغ قُلَّتَيْنِ وَالْمذهب الأول فَإِن كَانَ قلتان من المَاء النَّجس فِي إناءين من غير تغير فَجمع بَينهمَا فِي إِنَاء وَاحِد طهرتا
وَقَالَ اصحاب أَحْمد لَا يحكم بِالطَّهَارَةِ فيهمَا وَحكم المَاء فِي الْبِئْر حكم المَاء فِي الصنع فِي التَّطْهِير حكم الغدير الَّذِي لَا يَتَحَرَّك أحد الطَّرفَيْنِ فِي تَحْرِيك الطّرف الآخر وَقَالَ أَبُو حنيفَة مَاء الْبِئْر يُخَالف مَاء الغدير فَإِذا مَاتَ فِي الْبِئْر فَأْرَة أَو عُصْفُور نزح مِنْهَا عشرُون دلوا وطهرت وَإِن وَقع فِيهَا دَمهَا نزح جَمِيعهَا وَكَذَا إِن وَقع فِيهَا بَوْل أَو دم وَإِن مَاتَ فِيهَا هرة أَو دجَاجَة نزح مِنْهَا اربعون دلوا وطهر الْبَاقِي وَإِن مَاتَ فِيهَا شَاة نزح جَمِيعهَا فَإِن أَرَادَ الطَّهَارَة من المَاء الَّذِي وَقعت فِيهِ نَجَاسَة وَحكم بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ وطهر بالمكاثرة وَلم يبلغ قُلَّتَيْنِ لم تجز الطَّهَارَة بِهِ وَإِن كَانَ أَكثر من قُلَّتَيْنِ جَازَ الطَّهَارَة مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَابْن الْقَاص إِن كَانَ فِيهِ نَجَاسَة جامدة لم يجز أَن يتَوَضَّأ من مَوضِع يكون بَينه وَبَين النَّجَاسَة أقل من قُلَّتَيْنِ وَالْمذهب الأول وَإِن كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ وَفِيه نَجَاسَة جامدة فَالْمَذْهَب أَنه يجوز أَن يغترف مِنْهُ بِإِنَاء وَيتَوَضَّأ بِهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يجوز فَإِن أخرج النَّجَاسَة مِنْهُ جَازَ أَن يتَوَضَّأ بِهِ وَجها وَاحِدًا وَإِن كَانَت النَّجَاسَة فِي الْقلَّتَيْنِ مائعة وَقد طهر المَاء جَازَ الطَّهَارَة بِجَمِيعِهِ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يبْقى فِيهِ قدر النَّجَاسَة وَلَيْسَ بِشَيْء فَأَما الْجَارِي إِذا كَانَ فِيهِ النَّجَاسَة جَارِيَة فَإِنَّهُ إِن كَانَ المَاء الَّذِي يُحِيط
بِالنَّجَاسَةِ يبلغ قُلَّتَيْنِ وَلم يتَغَيَّر فَهُوَ طَاهِر وَإِن نقص عَن قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَلَا يجوز التَّوَضُّؤ مِنْهُ حَتَّى يجْتَمع فِي مَوضِع ويبلغ قُلَّتَيْنِ وَهُوَ غير متغير وَقَالَ ابْن الْقَاص للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَول فِي الْقَدِيم إِن المَاء الْجَارِي لَا ينجس إِلَّا بالتغيير وَإِن كَانَ قَلِيلا وَكَذَا حكم النَّجَاسَة الْوَاقِعَة فِي النَّهر وَالْمَاء يجْرِي عَلَيْهَا على مَا ذَكرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق وَابْن الْقَاص وَالْقَاضِي أَبُو حَامِد يجوز أَن يتَوَضَّأ من مَوضِع يكون بَينه وَبَين النَّجَاسَة قلتان فِي طول النَّهر وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ تعْتَبر القلتان فِي المَاء الَّذِي يلاقي جَمِيعه النَّجَاسَة من الْجَارِي فَأَما إِذا كَانَت النَّجَاسَة راسية فِي أَسْفَل المَاء وقراره وَالْمَاء يجْرِي عَلَيْهَا فَالَّذِي يلقاها الطَّبَقَة السُّفْلى من المَاء وَهِي أقل من قُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَة
وَفِي الطَّبَقَة الْعليا وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهَا طَاهِرَة وَالثَّانِي أَنَّهَا نَجِسَة وَإِن كَانَت النَّجَاسَة طافية على رَأس المَاء وَالَّذِي يلاقيها مِنْهُ أقل من قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نجس وَمَا فِي الْقَرار فِيهِ وَجْهَان وَقد ذكر الشَّيْخ ابو نصر رَحمَه الله فِيهِ إِذا تغير أحد جَانِبي النَّهر أَن قِيَاس الْمَذْهَب أَن ينجس مَا يحاذيه من الْجَانِب الآخر وَإِن لم يتَغَيَّر حَتَّى ينْفَصل عَن محاذاته فيطهر وَيَجِيء فِيهِ تَخْرِيج الْوَجْه الآخر فَإِنَّهُ مثله ذكر القَاضِي حُسَيْن رَحمَه الله أَنه إِذا وَقعت فِي قُلَّتَيْنِ من المَاء نَجَاسَة لَا تخَالف المَاء فِي صِفَاته فَإِنَّهُ يعْتَبر بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي تخَالف المَاء فِي الصّفة فَيُقَال هَذَا الْقدر من النَّجَاسَة لَو كَانَ مُخَالفا للْمَاء فِي صفته هَل كَانَ يطهر عَلَيْهِ فَيقْضى فِيهِ بِحكمِهِ
قَالَ الإِمَام أَبُو بكر وَهَذَا أشبه بِمَا ذَكرْنَاهُ من الطَّاهِر الْمُوَافق للْمَاء فِي صِفَاته فَلَا يتَغَيَّر بِهِ وَقد استبعد الشَّيْخ أَبُو نصر رَحمَه الله وجود ذَلِك هُنَاكَ فالنجالسة بالاستبعاد أولى