فصل أما المَاء الْمُسْتَعْمل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الشاشي، أبو بكر
- الكتاب
- حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء
- المؤلف
- محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو بكر الشاشي القفال الفارقيّ، الملقب فخر الإسلام، المستظهري الشافعي (المتوفى: 507هـ)
- المحقق
- د. ياسين أحمد إبراهيم درادكة
- الناشر
- مؤسسة الرسالة / دار الأرقم - بيروت / عمان
- الطبعة
- الأولى، 1980م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُسْتَعْملا فِي رفع حدث فَهُوَ طَاهِر وروى الْحسن بن زِيَاد عَن ابي حنيفَة أَنه قَالَ هُوَ نجس وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَلَا يجوز التطهر بِهِ على الْمَشْهُور من الْمَذْهَب وَهُوَ قَول أَحْمد وَالْمَشْهُور عَن ابي حنيفَة وَقَول مُحَمَّد بن الْحسن
وَحكى عِيسَى بن أبان عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله جَوَاز التطهر بِهِ وَهُوَ قَول مَالك وَدَاوُد فَمن اصحابنا من لم يثبت هَذِه الرِّوَايَة مذهبا لَهُ فَإِذا قُلْنَا لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ فَهَل تجوز إِزَالَة النَّجَاسَة بِهِ فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَنه لَا يجوز فَإِن اسْتعْمل المَاء فِي نفل الطَّهَارَة كتجديد الْوضُوء جَازَ التَّوَضُّؤ بِهِ فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ ذكر بعض أَصْحَابنَا أَن المَاء إِذا انْفَصل من عُضْو إِلَى عُضْو صَار مُسْتَعْملا فِي طَهَارَة الْحَدث وَفِي غسل الْجَنَابَة وَجْهَان أصَحهمَا أَنه لَا يصير مُسْتَعْملا حَتَّى ينْفَصل من جَمِيع الْبدن قَالَ الشَّيْخ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام أيده الله وَعِنْدِي أَنه لَا اعْتِبَار
بالعضو والعضوين وَلَا يخْتَلف باخْتلَاف الطهارتين وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بالانفصال عَن الْمحل فَإِنَّهُ يصير مُسْتَعْملا وَإِن كَانَ فِي عُضْو وَاحِد وَمثله فِي الْجَنَابَة وَمَا دَامَ يجْرِي مُتَّصِلا با الْمحل فَإِنَّهُ لَا يصير مُسْتَعْملا غير أَن أَعْضَاء الْبدن يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض فينحدر المَاء من عُضْو إِلَى عُضْو مُتَّصِلا فَإِن غسل رَأسه مَكَان الْمسْح فَهَل يصير المَاء مُسْتَعْملا حكى أَبُو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة فِيهِ وَجْهَيْن أصَحهمَا أَنه يصير مُسْتَعْملا وَيسْتَحب تَجْدِيد الْوضُوء إِذا كَانَ قد صلى بِهِ فَرِيضَة وَإِن كَانَ قد صلى بِهِ نَافِلَة فَهَل يسْتَحبّ التَّجْدِيد حكى فِيهِ بعض أَصْحَابنَا وَجْهَيْن وبناه على أَن المَاء الْمُسْتَعْمل فِي نفل الطَّهَارَة هَل يصير مُسْتَعْملا أم لَا وَفرع عَلَيْهِ تَفْصِيلًا عجيبا وَالصَّحِيح فِي ذَلِك أَن يكون قد فعل بِالطَّهَارَةِ مَا ترَاد لَهُ الطَّهَارَة شرعا فترتفع كَرَاهَة التَّجْدِيد فَإِن جمع المَاء الْمُسْتَعْمل حَتَّى يبلغ قُلَّتَيْنِ زَالَ حكم الِاسْتِعْمَال فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
فَأَما المَاء الْمُسْتَعْمل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة إِذا لم يتَغَيَّر فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أظهرها أَنه طَاهِر وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق وَالثَّانِي أَنه نجس وَهُوَ قَول ابي الْقَاسِم الْأنمَاطِي وَقَول ابي حنيفَة وَالثَّالِث أَنه إِن انْفَصل وَالْمحل طَاهِر فَهُوَ طَاهِر وَإِن انْفَصل وَالْمحل نجس فَهُوَ نجس وَهُوَ قَول ابْن الْقَاص فَإِذا قُلْنَا إِنَّه طَاهِر فَهَل يجوز الْوضُوء بِهِ فِيهِ وَجْهَان
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الشَّك فِي نَجَاسَة المَاء والتحري فِيهِ إِذا أكلت الْهِرَّة نَجَاسَة وولغت فِي مَاء قَلِيل فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه نجس وَالثَّانِي أَنَّهَا إِن غَابَتْ ثمَّ عَادَتْ وولغت فِيهِ لم ينجس وَالثَّالِث أَنه لَا ينجس بذلك بِحَال وَإِذا ورد على مَاء فَأخْبرهُ رجل بِنَجَاسَتِهِ قبل خَبره وَلم يجْتَهد
فَإِن أخبرهُ رجل أَن الْكَلْب ولغَ فِي هَذَا الْإِنَاء فِي وَقت عينه دون الآخر وَقَالَ آخر بل ولغَ فِي الْإِنَاء الآخر فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه دون هَذَا الْإِنَاء ذَاته فَإِنَّهُ يَبْنِي على الْقَوْلَيْنِ بتعارض الْبَيِّنَتَيْنِ فَإِن قُلْنَا إنَّهُمَا يسقطان سقط خبرهما وَتَوَضَّأ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَإِن قُلْنَا إنَّهُمَا يستعملان أراقهما أَو صب أَحدهمَا فِي الآخر وَتيَمّم ذكر فِي الْحَاوِي أَنه إِذا أخبرهُ رجل أَن هَذَا الْكَلْب ولغَ فِي هَذَا الْإِنَاء فِي وَقت عينه وَقَالَ آخر هَذَا الْكَلْب فِي ذَلِك الْوَقْت لم يكن فِي ذَلِك الْمَكَان فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه طَاهِر لتعارض الْخَبَرَيْنِ وسقوطهما وَالثَّانِي أَنه نجس لِأَن الْكَلْب تشتبه وَهَذَا الْوَجْه لَيْسَ بِشَيْء فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء طَاهِر وَمَاء نجس تحرى فيهمَا فَمَا أَدَاء اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَته تَوَضَّأ بِهِ
وَقَالَ الْمُزنِيّ وَأَبُو ثَوْر لَا يتحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَيتَيَمَّم وَيُصلي وَبِه قَالَ أَحْمد وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ فِي وجوب إراقتهما قبل التَّيَمُّم وَقَالَ عبد الْملك بن الْمَاجشون لَا يتحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَلكنه يتَوَضَّأ بِأَحَدِهِمَا وَيُصلي ثمَّ يتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيُعِيد الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا وَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة يتَوَضَّأ بِأَحَدِهِمَا وَيُصلي ثمَّ يغسل مَا أَصَابَهُ من المَاء الأول وَيتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيُعِيد الصَّلَاة
وَقَالَ غَيرهمَا من أَصْحَاب مَالك مثل قَوْلنَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَ عدد الطَّاهِر أَكثر جَازَ التَّحَرِّي وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يجز فَإِن تَوَضَّأ بِأحد الإناءين من غير تحر ثمَّ بَان لَهُ أَنه الطَّاهِر وَأَن الآخر نجس لم تصح طَهَارَته فِي اخْتِيَار الشَّيْخ الإِمَام أبي إِسْحَاق رَحمَه الله وَاخْتَارَ الشَّيْخ أَبُو نصر بن الصّباغ رَحمَه الله أَنه تصح طَهَارَته فَإِن انْقَلب أحد الإناءين قبل التَّحَرِّي فَهَل يجوز التَّحَرِّي فِي الآخر فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَنه لَا يجوز وَمَا الَّذِي يصنع فِيهِ وَجْهَان قَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ يتَوَضَّأ بِهِ وَقَالَ القَاضِي أَبُو حَامِد يتَيَمَّم فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ إناءان وَهُنَاكَ إِنَاء ثَالِث طَاهِر فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فيهمَا فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَنه لَا يجوز وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو نصر رَحمَه الله وَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء مُسْتَعْمل وَمَاء مُطلق فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا يتحَرَّى وَالثَّانِي لَا يتحَرَّى وَيتَوَضَّأ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَمن أَصْحَابنَا من بنى جَوَاز التَّحَرِّي بَين المَاء الْمُسْتَعْمل وَالْمُطلق على زَوَال حكم الِاسْتِعْمَال ببلوغ الْقلَّتَيْنِ فِيهِ فَإِن قُلْنَا لَا يَزُول لم يجز التَّحَرِّي وَهَذَا عِنْدِي بِنَاء فَاسد فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ مَاء وَبَوْل أَو مَاء وَمَاء ورد لم يتحر بَينهمَا وأراق المَاء وَالْبَوْل وَتيَمّم وَتَوَضَّأ بِالْمَاءِ وَمَاء الْورْد وَقَالَ أَبُو زيد المالقي يتحَرَّى فيهمَا وَذكر فِي الْحَاوِي إِنَّه إِذا اشْتبهَ المَاء وَمَاء الْورْد وَاحْتَاجَ إِلَى الشّرْب تحرى بَينهمَا لأجل الشّرْب فيجتهد أَيهمَا مَاء الْورْد ليشربه فَيخرج الآخر بِالِاجْتِهَادِ ان يكون مَاء الْورْد وَهَذَا عِنْدِي بِنَاء فَاسد لِأَن الشّرْب لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّحَرِّي فيشرب مَا شَاءَ مِنْهُمَا وَيتَوَضَّأ بِالْآخرِ وَيتَيَمَّم وَقَالَ ابو حنيفَة إِن كَانَ عدد الطَّاهِر المطهر أَكثر جَازَ التَّحَرِّي كَمَا يجوز فِي الْمِيَاه
وَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ طَعَام طَاهِر وَطَعَام نجس تحرى بَينهمَا وَذكر الشَّيْخ أَبُو حَامِد إِن ذَلِك يَنْبَنِي على الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِبَاه الإناءين وَهُنَاكَ ثَالِث ظَاهر فِي جَوَاز التَّحَرِّي قَالَ الشَّيْخ أَبُو نصر رَحمَه الله وَهَذَا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَن يعْتَبر فِي التَّحَرِّي الضَّرُورَة وَهَا هُنَا لَا يلْزمه أكل وَاحِد مِنْهُمَا وَهَذَا الَّذِي ذكره فِيهِ نظر وَاخْتلف فِي المَاء لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فِي الطَّهَارَة للصَّلَاة فَإِن اشْتبهَ عَلَيْهِ إناءان فتحرى فيهمَا فأداه اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَة أَحدهمَا فَتَوَضَّأ بِهِ وَصلى وَلم يرق الآخر حَتَّى حضرت الصَّلَاة الثَّانِيَة أعَاد الِاجْتِهَاد وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يلْزمه ذَلِك فَإِن أعَاد الِاجْتِهَاد وَأَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَة الثَّانِي لَا نَجَاسَة الأول فالمنصوص أَنه يتركهما وَيتَيَمَّم وَيُعِيد كل صَلَاة صلاهَا بِالتَّيَمُّمِ فِي أحد الْوُجُوه مَعَ بَقَاء شَيْء من الْإِنَاء الأول وَفِي الثَّانِي لَا يُعِيد وَفِي الثَّالِث وَهُوَ قَول أبي الطّيب بن سَلمَة أَنه إِن كَانَ قد بَقِي من الْإِنَاء الأول شَيْء أعَاد الصَّلَاة وَإِن لم يبْق مِنْهُ شَيْء لم يعد
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يتَوَضَّأ بِالثَّانِي وَلَا يتَيَمَّم وَيغسل مَا أَصَابَهُ من المَاء الأول وَلَا يُعِيد الصَّلَاة وَذكر القَاضِي حُسَيْن رَحمَه الله فَقَالَ هَل يعْتَبر فِي التَّحَرِّي نوع دَلِيل أم يَكْفِي مُجَرّد الظَّن فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يَكْفِيهِ ظن يَقع لَهُ من غير أَمارَة وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء يذكر فَإِن اشْتبهَ إناءان على أعمى فَهَل يجوز لَهُ التَّحَرِّي فِيهِ قَولَانِ فَإِن قُلْنَا يتحَرَّى فتحرى فَلم يَقع لَهُ الطَّاهِر مِنْهُمَا فَهَل يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَنه يجوز
فَإِن اخْتلف اجْتِهَاد رجلَيْنِ فِي إناءين تَوَضَّأ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى طَهَارَته وَلم يأتم أَحدهمَا بِالْآخرِ وَقَالَ أَبُو ثَوْر يجوز أَن يأتم بِهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْآنِية كل بَهِيمَة نجست بِالْمَوْتِ طهر جلدهَا بالدباغ وَذَلِكَ مَا عدا الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا أَو من أَحدهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَدَاوُد رحمهمَا الله يطهر جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير أَيْضا بالدباغ وَقَالَ ابو حنيفَة رَحمَه الله يطهر جلد الْكَلْب بالدباغ وَلَا يطهر جلد الْخِنْزِير وَقَالَ أَبُو ثَوْر رَحمَه الله يطهر جلد مَا يُؤْكَل بالدباغ دون مَا لَا يُؤْكَل وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ
وَقَالَ الزُّهْرِيّ لَا أعرف الدّباغ ويستمتع بجلود الميتات من غير دباغ وَقَالَ أَحْمد رَحمَه الله لَا يطهر شَيْء من جُلُود الميتات بالدباغ ويروى ذَلِك عَن مَالك وَهل يجب غسله بعد الدّباغ بِالْمَاءِ فِيهِ وَجْهَان قَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يطهر حَتَّى يغسل بِالْمَاءِ وَقَالَ ابْن الْقَاص لَا يحْتَاج إِلَى غسل فَإِن دبغ الْجلد بِشَيْء نجس فَلَا بُد من غسله وَجها وَاحِدًا ويطهر ويحكي فِيهِ وَجه آخر أَنه لَا يطهر وَلَيْسَ بِشَيْء وَلَا يندبغ بالتجفيف فِي الشَّمْس وَحكي عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ يصير مدبوغا قَالَ الشَّيْخ أَبُو نصر رَحمَه الله سَمِعت بعض أَصْحَابه يَقُول إِنَّمَا يطهر إِذا عملت الشَّمْس فِيهِ عمل الدّباغ قَالَ الشَّيْخ أَبُو نصر رَحمَه الله وَهَذَا يرفع الْخلاف لِأَنَّهُ يعلم أَنَّهَا لَا تعْمل عمله
وَفِي جَوَاز بيع الْجلد بعد الدّباغ قَولَانِ أصَحهمَا وَهُوَ قَوْله الْجَدِيد أَنه يجوز وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَقَوله الْقَدِيم لَا يجوز وَهُوَ قَول مَالك وَفِي جَوَاز أكله إِذا كَانَ من حَيَوَان مَأْكُول قَولَانِ قَالَ فِي الْقَدِيم لَا يجوز وَقَالَ فِي الْجَدِيد يجوز وَإِن كَانَ من حَيَوَان لَا يُؤْكَل لم يحل أكله قولا وَاحِدًا وَحكى الشَّيْخ ابو حَاتِم الْقزْوِينِي عَن القَاضِي أبي الْقَاسِم بن كج أَنه على الْقَوْلَيْنِ
فَأَما الشّعْر وَالصُّوف والوبر فَيحل بِالْحَيَاةِ وينجس بِالْمَوْتِ على الْمَنْصُوص للشَّافِعِيّ رَحمَه الله فِي عَامَّة كتبه فعلى هَذَا إِذا دبغ جلد الْميتَة وَعَلِيهِ شعر فَهَل يطهر الشّعْر فِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لَا يطهر فَإِن نتف شعر الْمَأْكُول فِي حَال حَيَاته كَانَ طَاهِرا وَحكي فِيهِ وَجه آخر أَنه ينجس وَلَيْسَ بِشَيْء وَأما شعر الْآدَمِيّ فطاهر إِذا قُلْنَا لَا ينجس بِالْمَوْتِ فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَإِن قُلْنَا إِنَّه ينجس بِالْمَوْتِ فقد روى إِبْرَاهِيم الْبَلَدِي عَن الْمُزنِيّ رَحمَه الله عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن الشَّافِعِي رَحمَه الله رَجَعَ عَن تنجيس شعر الْآدَمِيّ
فَمن أَصْحَابنَا من جعل ذَلِك خَاصّا فِي حق الْآدَمِيّ كَرَامَة لَهُ وَمِنْهُم من جعله رُجُوعا عَن تنجيس جَمِيع الشُّعُور فَجعل فِي الشُّعُور قولا آخر أَنَّهَا لَا تنجس بِالْمَوْتِ وَأما شعر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن قُلْنَا شعر غَيره نجس فَفِي شعره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجْهَان قَالَ أَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ هُوَ طَاهِر وَقَالَ غَيره هُوَ نجس وروى عَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَن الشّعْر ينجس بِالْمَوْتِ ويطهر بِالْغسْلِ بعده
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد لَا حَيَاة فِي الشّعْر وَلَا ينجس بِالْمَوْتِ فِي الْحَيَوَان وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ فَأَما الْعظم وَالظفر والظلف والقرن فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن فِيهَا حَيَاة وتنجس بِالْمَوْتِ قولا وَاحِدًا وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ وَالثَّانِي أَن حكمه حكم الشّعْر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري
وَحكي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ طَهَارَة العاج خرطه وَحكي عَن اللَّيْث بن سعد أَنه إِذا طبخ الْعظم حَتَّى خرج دهنه طهر إِذا وجد شعرًا وَلم يدر أَنه شعر حَيَوَان مَأْكُول أَو غير مَأْكُول من أَصْحَابنَا من حكى فِيهِ وَجْهَيْن وبناهما على أَن حكم الْأَشْيَاء هُوَ فِي الأَصْل الْحَظْر أَو الْإِبَاحَة وَهَذَا بِنَاء فَاسد وَالْحكم فِي ذَلِك أَنه إِذا كَانَ ذَلِك فِي مَحل الشَّك فَلَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ وَجها وَاحِدًا فَأَما اللَّبن فِي ضرع الشَّاة الْميتَة فَإِنَّهُ نجس وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله هُوَ طَاهِر يحل شربه وَهُوَ قَول دَاوُد
والبيضة فِي جَوف الدَّجَاجَة الْميتَة إِذا كَانَ قد تصلب قشرها طَاهِرَة يحل أكلهَا وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لَا يحل أكلهَا بِحَال وَحكي عَن ذَلِك عَن مَالك ويحكى ذَلِك وَجها لبَعض أَصْحَابنَا ويحكى فِيهَا وَجه ثَالِث أَنَّهَا لَا تنجس بِحَال وَإِن لم يتصلب قشرها وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
فَإِن ذبح مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه نجس بذَبْحه كَمَا ينجس بِمَوْتِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك يطهر بِالذبْحِ إِلَّا الْخِنْزِير والآدمي
فصل يحرم اسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة