ـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـ
ت، ولعله قال ذلك ثم رجع، ولم يصح تأويلك [عن عبد الرحمـ]ـن ، ورو [ى] [] [حديث] ابن الزبير، عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة كنص [ما] حدثتك، إلا [أن] فيه: فأما أنا فلا أورث مبتوتة.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
[فقد] ثبت من رواية حجاج عن ابن أبي مليكة خلاف [روايتك عنه]، وذلك أثبت في الرواية، والله أعلم، لابن جريج، على [أنه في] كتبه ربما كنى عن قوم لا يثبت مثلهم، وربما دلس عن ابن أبي يحيى ولم يذكره، ولم يقل في حديثك حدثني ابن أبي مليكة، وقد رويناه عن ابن جريج، وليس فيه هذه الكلمة، التي في روايتك.
نا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد قال: [نا الأنصـ]ـاري، قال: نا عبد الله قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي [مليكة قـ]ـال: سألت ابن الزبير عن رجل طلق امرأته وهو مريض، فقال: قد ورث عثمان بنت الأصبغ الكلبية، ولم يذكر هذه الزيادة التي في روايتك عن ابن جريج.
الجزء: 1 - الصفحة: 424
وكيف كان الأمر، فقد ثبت أن قول ابن الزبير كقول عثمان، وقد رجع عن غير ذلك إن كان قاله، فلم يبق لك ما تتعلق به من قول الصحابة مما أنت منه على ثقة، إلا تأويل على عبد الرحمن، الظن أملك به.
وذكرت أنك رويت عن عمر وشريح أنها ترثه ما دامت في العدة، وهذا غير قولك، وفيه حجة عليك.
ثم ذكر أنه قول سفيان والأوزاعي وابن شبرمة وأهل ال
ـ[ــرأي].
فقد [بان خلافك لمـ]ـ
ن تقدم، وأقررت بانفرادك بقـ[ــولك] ذلك [] [لم يقل] السلف فيه ما قلت.
ولو تأملت هـ[ــذا] لم تطلق في سلفك من لسانك ما أطلقت [فيهم]، والحديث ثابت بتوريث عثمان امرأة عبد الرحمن بعد انقـ[ــضاء] العدة، من رواية مالك وغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 425
نا أبو بكر بن محمد قال: نا يحيى بن عمر قال: نا ابن بكير، عن مالك، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض فورثها عثمان بعد انقضاء عدتها.
ونا أبو بكر قال: نا يحيى [بن عمر قال: نا] سحنون قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها: سألته الطلاق، فحلف ليفعلن إن آذنته بطهرها، فلما طهرت آذنته، فطلقها طلقة، هي آخر طلاقها، وكان طلقها قبل [ذلك] طلقتين.
قال الزهري: وحدثني طلحة بن عبد الله أنه عا [ش حتى حلت ز] وجته تماضر وهو حي، ثم مات فورثها عثمان، فقيل له: قد عرفت أن عبد الرحمن لم يطلقها ضرارا، قال أردت أن تكون سنة ليهاب الناس الفرار من كتاب الله.
قال ابن شهاب: وورث عثمان أم حكيم بنت قارظ من عبد الله بن مكمل، طلقها في مرضه ومات بعدما حلت، ورواه مالك.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
نا أبو بكر بن محمد قال: نا [يحيى بن] عمر قال: نا سحنون عن ابن وهب قال: نا سفيان الثوري عن المغ
ـ[ـيرة بن مقسم] عن إبراهيم بن يزيد أن عمر بن الخطاب قال في الرجل يـ[ــــطلق امرأته] وهو مريض فقال: ترثه ولا يرثها، وليس فيه ترثه في العدة.
[وقد] [] [روى] بعض الناس أن عروة البارقي كتب إلى [شريح بجواب عـ]ـ
مر في المطلقة ثلاثا في المرض: ترثه ما كانت في العدة، فذكرته للشعبي فال: ما سمعنا به، وزاد هشيم مرة أخرى: ثم رجع، فقال كما قال إبراهيم.
وليس في ذلك أن عمر كتب بذلك، ولا أمر به عروة، وقد ذكرنا ما ثبت عن عمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 427
وقد حدثنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد بن الجهم المالكي، قال: نا الأنصاري، قال: نا عبد الله قال: نا ابن مسهر، عن الشيباني، عن الشعبي أن هشام بن هبيرة كتب إلى شريح يسأله عن ذلك، فكتب إليه شريح، فار من كتاب الله ترثه.
وهذا يضعف ما روى من طريق شريح عن عمر، لأنه ها هنا علله من نفسه، ولم يذكر عمر.
وقد ثبت بالأسانيد الرفيعة من رواية مالك [بن أنس] وابن وهب وغيره ما قدمنا ذكره، من قضية عثمان بتوريثها بعد آخر طلقة بقيت فيها، وبعد انقضاء العدة، بمحضر الصحابة ومشورتهم، ورأي علي بن أبي طالب، وقاله أبي بن كعب.
أنا محمد بن عثمان قال: نا محمد بن أحمد المالكي، قال: نا محمد بن شاذان، قال نا معلي قال: نا وكيع، عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن رجل من قريش عن أبي بن كعب في الرجل يطلق امرأته هو مريض ثم يموت، قال لا أزال أورثها ما لم تتزوج وإن مضت سنة.
وهذا قول نافع، قال [محمد] بن أحمد أنا عبيد الله بن موسى عن ربيعة
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وابن شهاب وبكير بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن ياسر والحسن البصري وعطاء.
وقال مخرمة عن أبيه: إنهم كانوا يقولون ذلك، يعني: من قبله.
وقال النعمان بن ثابت في المبتوتة: ترثه في العدة، وهذا يروى عن الشعبي وإبراهيم وشريح وابن سيرين، ترثه في العدة، لأنه فر من كتاب الله
الجزء: 1 - الصفحة: 429
فأدركه.
وإذا كانت العلة فراره من كتاب الله فحكم الكتاب يدركه، كانت في العدة أو خرجت منها، لأن العصمة قد زالت، فلا معنى للعدة أن تكون علة.
فأين قولك ايها الرجل الذي تعلقت به، وزعمت أن من خالفه خالف التنزيل، وأبديت وأعدت في قول مالك، إذ قال بما قال الخلفاء والصحا [بة]، ومن سبقه من التابعين؟
وما حصل بيدك من السلف فيما زعمت إلا ظنا تظنه عن عبد الرحمن، وقد بينا ذلك، ورجوع ابن الزبير.
فلقد عز عليك أن تجد اتباع التنزيل على لسانك في الصحابة والتابعين، ولا تقدر أن تدعيه لأحد من الصحا [بة] يروى عنه، إلا ابن الزبير، وقد ذكرنا رجوعه، وما روينا عنه من خلاف ذلك.
فلو كان قولك قولا قاله [طائفة من] الصحابة [و] قال بعضهم بخلافه، ما حل لك أن تقول [فيهم: إنهم] خالفوا التنزيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 430
فكيف ولا صاحب معك يثبت لك عليه قولك ثباتا يصح، والله المستعان
وقد كان قول الشافعي بالعراق كقول مالك، ثم استخار الله في أن قال بخلافه، ولا ادري بماذا رجع عن ذلك.
وأما قولك: إنما ورثها عثمان بالتهمة، والتهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فقد عرفناك بقوة منع الذرائع في الأصول.
ومنع الذرائع وما أصله عن التهمة يساوي فه بين الناس فيمن يتهم ومن لا يتهم، كما منع النبي عليه السلام القاتل من الميراث، ثم الناس في المنع سواء من يتهم بطلب الميراث وغيره، وإن كان أصل ذلك التهمـ[ـة] على أن يرث.
وكذلك من جمع بين مفترق، وفرق بين مجتمع، وكذلك شهادة الخصم والعدو والظنين، مما تقدم ذكرنا لكثـ[ـير] منه، في بابين قبل هذا.
فأصل ذلك التهم، ثم لا يحمي ذلك إ [لا] بمساواة الناس في الحكم كما حمل أبو بكر نفسه محمل من يتهـ[ـم]، في رده في مرضه لما لم يقبض من عطيته.
وقد خفف الله على المسافر فأباح له القصر والفطر، وأخبر أن ذلك للتيسير بـ[ـه] لمشقة السفر، هذا أصله، ثم كان الناس فيه سواء،
الجزء: 1 - الصفحة: 431
ممـ[ـن] تلحقه مشقة سفر وممن لا تلحقه، من مرفه أخفض عنـ[ــاء] من أكثر أهل الحضر.
فهكذا جرت الأصول إذا حمي الأ [مر] حمي من جميع جهاته، وفي كل حال، لئلا يدعى كل أحد السلا [مة]، وتختلف الأحكام.
وعلى مثل هذا جرى قول أهل المدينة [في] بيوع الآجال، وطلاق المريض ونكاحه وإقراره لوارث، وهذا مما تتسق به الأمور، ويحمي كتاب الله.
فتأمل كيف جرت الأصول في صدر هذه الأمة، قبل أن تجري بما حسن في وهمك.
ويقال له: أرأيت إن أقر المطلق في المرض أنه قصد بطلاقه منعها الميراث والفرار من كتاب الله في حين طلاقه وقبله وبعد إيقاعه، هل تورثها؟
فإن قلت: لا أورثها، قلت ما لا أعلم له قائلا.
ويلزمك ذلك في نكاحه، إذ قال للبينة ـ أتزوجها لأنقص الورثة بميراثها مني، جنفا عنهم إليها، لا لحاجة إليها.
وكذلك أشهدهم في الطلاق أنه ليمنعها الميراث، جنفا عنها إلى ورثته.
الجزء: 1 - الصفحة: 432
فإن لم تورث المطلقة على هذا، وورثت المنكوحة على هذا، انفردت وهذا لا أعلم من يقوله، وظاهر القرآن يبطله، لأن الله تعالى شرط في الوصية غير مضار، فكيف يعقد النكاح والطلاق ضرارا؟ وهو لو عقد عقد بيع بمحاباة كانت في الباب، فيكيف بهذا؟ وأنت إنما اعتذرت تقول: إن التهمة لا تؤدي إلى حقيقة، فسألناك، عنه إذا أفصح بالأمر الذي اتهمناه به، وكشف لنا مراده، فإن ساويت بين المتهم بالشيء والمفصح به، تفاحش قولك، وبطلت علتك في التهمة، وناقضت في الحجة.
فإن قلت بما لا يحسن من القول غيره، فقلت: أورثها إذا أفسح بمقصده كما إذا أفصح المتبايعان في بيوع الآجال بما قصدا بالبيعة الثانية والأولى من الوصول إلى الربا، قيل لك، فهل وقع طلاقه عليها أو لم يقع؟ فإن قلت: لا يقع، خالفت الإجماع، لأن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، وإن قلت يلزمه، قيل لك: وكيف تورث امرأة مطلقة ثلاثا، أو واحدة، بعد انقضاء العدة؟ ودخل عليك كل ما ألزمتنا في المطلقة في المرض، وصرت خصم نفسك فيما تجاوزت فيه البناء، وقفت به سلفك من مخالفة التنزيل والمناقضة في القول، ولا مخرج لك مما ذكرنا إلا بمخالفة جميع العلماء أو الرجوع إلى قولنا.
وإذا كان ذلك، كان ما دلّت عليه الأصول أولى أن تحمل التهم وغير التهم – فيما أصله التهم – محملا واحدًا.
وقد منع النبي عليه السلام القاتل الميراث، بما أحدث من القتل، الذي الأغلب فيه أنه أراد به ان يتعجل الميراث بالقتل، والقتل لم يبطل قرابته من المقتول، وكذلك لا يمنع
الجزء: 1 - الصفحة: 433
الزوجة بما أحدث من الطلاق، إذ أصله التهمة بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 434
ولا فرق بين وارثين، أحدهما يدخل في الميراث بوجه فيمنع من أجله، وآخر أخرج بمثل ذلك الوجه، فلا ينبغي أن يمنع به، فكما لم يصل بحوادثه إلى ما يوجه القتل من الميراث، كذلك لا يصل بحوادثه إلى ما يوجبه الطلاق، من رفع الميراث هذا نفس القياس، ولا درك لك علينا في مطالبتنا لما يوجبه القياس.
وقد نهي النبي عليه السلام عمر عن شراء الفرس الذي تصدق به، وجعل ذلك كالرجوع في الصدقة، فهذا فيه وجهان، أحدهما: منع الذرائع التي تجر إلى ما يشبه المنهي عنه، وآخر أن يحمل من يتهم إلى قصد ذلك ومن لا يتهم محملا واحدا، لئلا تختلف الأحكام على ما بينا.
ويقال له: أليس المريض عندك في معنى من الحجر في ثلثي المال، أن يحدث فيه حادثة، توجب على الوراث فيه نقصا؟ فإن قال: نعم قيل: فطلاقه للزوجة حادث، أوجب على أصلك منعها من جميع ميراثها، وأنت تمنعه، أن يحدث ما ينقصها بعضه، فقد أحدث حدثا أزال جميعه عنها.
الجزء: 1 - الصفحة: 435
وأما قولك: إنها قد بانت منه، ولا تعتد منه، ولو صح لم تحل له، فلا حجة لك بذلك، لما تقدم دليلنا به.
ونزيد بذلك بيانا فنقول: أرأيت إن اعتق عبيده في مرضه، ولا يملك غيرهم، أليس إن صح عقتوا عليه، وإن مات ورث منهم الورثة الثلثين، بالميراث الذي لا تبطله حوادثه؟ فكذلك الزوجة مطلقة ترث، ولا يبطل ميراثها بحوادثه.
فإن قلت: فلم لا أنفذت العتق كما أوقعت الطلاق؟ قلنا لك: إنما أبطلنا العتق إذا مات في ثلثي العبيد، لأن ثلثي العبيد [ملـ]ــك الورثة، الذي منع فيه من الحوادث، ولم نبطل الطلاق في نفسه إذا مات؛ لأن إيقاع الطلاق في نفسه لا يضر الوراث وهي الزوجة، وإنما يضرها منع الميراثن فورثناها، ولم نجعل دثه يمنعها ميراثها كما لم يكن عتقه لثلثي العبيد يزيل ميراث الورثة منهم، ولا يصل الوارث إلى الميراث بالعتق، والزوجة تصل إلى أخذ الميراث مع إيقاع الطلاق.
فتأمل موضع اتفاق العلل واختلافها، ولا يبعد عليك أن ترثه ولا يرثها، إذ العلة التي في ميراثها منه كانت منه، وقد وقع طلاقه بإجماع، ولم تقم مثل تلك العلة في ميراثها.
الجزء: 1 - الصفحة: 436
والعمة تورث ولا ترث، وبنت الأخ ومولى النعمة، وليس هذا بدافع لما ذكرنا من شواهد الأصول.
وأما قوله: فاتهموا من نفي حملا، فلاعن منه في مرض وروثوا الحمل والزوجة، أو أقر بدين لأجنبي، وعليه دين محيط.
فإنا نقول في الزوجة: إنها ترث، ولم يدر قولنا في ذلك، ولا في إقراره بدين لأجنبي وعليه دين محيط، فهذا يلزمه ولا تهمة فيه.
وأما الولد المنفي فلا يتهم أحد في نفي ولده، إنما مجاري التهمة على الأغلب من الأحوال، ألا تراه لو أقر به بعد أن نفاه أنه يحلق به، وكذلك لو استلحق ولدا لأمته في مرضه لحق به، فكذلك إذا نفاه لم يتهم فيه، كما لم يتهم في استلحقاقه والزوجة إذا أحدثها في المرض لم يجز نكاحه.
فكما افترق إحداثه للنكاح من استلحاقه للولد، كذلك يفترق نفيه إياه وطلاقه للمرأة في مرضه في الأحكام.
وأما قولك: إن مالكا خالف عثمان في كثير من أحكامه وقضاياه، من ذلك تخمير [المحـ]ـرم وجهه، وأشياء يطول ذكرها، ثم لم تذكر منها شيئا، فهذا باطل من الدعوى بغير برهان.
الجزء: 1 - الصفحة: 437
وقولك: من ذلك تخمير المحرم وجهه، فهذا عجيب، وما مدخل هذا في الأقضية [و] الأحكام، وليس يخالف مالك أقضية الخلفاء، التي تكون [علـ]ـى المشورة من الصحابة، وإن كان أمرًا اختلفوا فيه، فلا [يخا] لف عثمان، إلا لقول غيره من الصحابة.
ومع هذا إن عثمان [ر] حمه الله، استخف تغطية ما يمكن تغطيته من الوجه، [بمـ]ـعنى التوشح والإلتحاف، وهو غير مستدام، وليس [علـ]ـي أنه خمر ذلك برباط أو عقاص، وإنما يستدام ما [ربـ]ـط أو جعل من فوق الرأس، ولم ير عثمان تغطية الرأس، [و] إذا كان الرأس مكشوفا، لم يتأت تعطية الوجه إلا من ناحية الالتحاف الذي لا يدوم.
وإنما كرهه مالك لقول غير عثمان من الصحابة، ابن عمر وغيره، ولما جاء أن الحاجة التفت الأشعث فأضحى الوجه هو من تناهي الشعث، وما له [] المحرم إليه من التفت والشعث، ولم ير مالك فيه [] عن عثمان ولأنه ليس بالانتفاع البين، ولا مما
الجزء: 1 - الصفحة: 438
يستدام بالتمكن، فهو شيء بعضه أفضـ[ـل] من بعض وأولى، وهذا من اتباع أحسن القول من قول الصحابة.
فعرفنا أنت بقول من تعلقت في طلاق المريض، في منعها الميراث.
وكل قول لا يوقن بأن لك فيه سلف، واجب عليك الانتقال عنه، إلى ما ثبت عن السلف، الذين ليس لأحد أن يقول قولا لا يعلم له قائل منهم، وإلى ما شهدت بصحته الأصول والدلائل.
ولو أنصف خصومنا فيما يحكون عن مالك، أو ينكرون لتركوا كثيرا مما ينكرون، والله المستعان.
تم الجزء الأول بحمد الله وقوته وتأييده، يتلوه في أول الثاني إن شاء الله: القول في شهادة الصبيان.
وكتب محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسي، من كتاب الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بمدينة القيروان، وفي شعبان من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [و] إبراهيم بن بكر البرقي وبلغ بالسماع جعفر بن إبراهيم [البوني].
سمعه عبد الرحمن بن مروان الأندلسي القرطبي، وإبراهيم بن إسحاق التدميري، أبي محمد رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 439
الجزء الثاني
من كتاب الذب عن مذهب الإمام مالك
الجزء: 2 - الصفحة: 441
الجزء الثاني من كتاب " الذب عن مذهب ملك في [غير] شيء من أصوله، وبعض مسائل من فروعه، وكشف ما لبس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاج الأسلاف"
فيه: مسألة شهادة الصبيان، وفي المحرم يقتل الصيد خطأ، وفي نكاح العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن وليها، وفي إعطاء المرأة لزوجها من زكاتها، وفي العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم يستحق العبد، وفيمن وطيء أمة ابنه، والحكم في الزنيق، وفي الأب يتزوج بمال ولده، أو يعتق منه، وفي اغتصاب الأب ما وهب لابنه، وفي المطلقة ثلاثا، هل يحلها زوج نصراني، وفي طلاق أهل الكفر ونكاحهم وإحصانهم، وباب في طلاق الشرك، وباب في النفقة على الولد، وباب في الطلاق قبل النكاح، ثلاثة عشر بابا.
[] [محمد] بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأندلسي، وكتب بيده [بمدينـ]ـة القيروان، من كتاب الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، أيده [الله] وذلك في صدر شعبان من سنة [إحدى] وسبعين وثلاثمائة.
الجزء: 2 - الصفحة: 443
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وأهله
في شهادة الصبيان
أنكر هذا الرجل قول مالك، في إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، ما لم يفترقوا ويخببوا.
وقال: إنه مخالف لظاهر التنزيل، من قوله سبحانه: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وهم غير مخاطبين ولا مأمورين ولا منهميين قبل البلوغ.
قال: وهم لا يقبلون في الأموال ولو على حبة واحدة، ولا تجوز شهادتهم عنده لكبير على صغير، ولا لصغير على كبير، في الذي أجازها فيه بينهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 444
قال هذا الجريء: وهذا اختلاط من القو [ل]، وخروج من المعقول، ومخالفة ظاهر القرآن، وقول ينقض بعضه بعضا، إذ فرق بين ما لا يفترق في خبر ولا نظر، ولا كتاب ولا سنة ولا اتفاق، إذ قبل شهادتهم في بعض الأشياء، ولقوم [دون] قوم، وفي وقت دون وقت، وهذا الحكم في دين الله، خالفه بما لم يأ [ذن به].
فأول ما نحن بادئون، به في جواب هذا الرجل، أن نعرفه بأ [ن] مالكا -فيما قال من ذلك- إنما قفا فيه أثر من قال ذلك قبله من الصحابة والتابعين، ثم نستدل بعد ذلك على صحة ذلك من النظر.
و [إن] كنت أيها الرجل عنهم [تنبز] بالاختلاط في الذهن، والخر [وج] من المعقول ومخالفة القرآن والتناقض، وما انتهيت [إليه] من شهوة نفسك إلى الغمص فجرد القصد بذلك إليهم إن اتسع لك ذلك فيهم، ولئن ضاق عليك ذلك فيهم، ليضيقن عليك فيمن بعدهم، من الأئمة المتبعين لهم بإحسان.
فممن أجاز ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن أبي سفيان وعطاء والحسن وإبراهيم.
وقال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة الصبيان فيما بينهم، بعضهم على بعض، يعني: التابعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
قال الحسن: لا تجوز على كبير، وأجازها الشعبي.
نا أبو بكر، نا يحيى بن عمر، نا أبو الطاهر، عن ابن وهب، أنا يونس، عن أبي الزناد، أن السنة أن تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، ويؤخذ بأول ما يسألون.
قال ابن وهب: وأنا رجال من أهل العلم عن علي بن أبي طالب، وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وابن قسيط وأبي بكر بن حزم، وربيعة وابن شهاب وعمر بن عبد العزيز، ومروان بن الحكم وقاله مالك وعبد العزيز فيمن اتبعهما.
نا محمد بن أحمد بن تميم، قال: أنا بكر بن حماد قال: نا مسدد نا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة عن الحسن قال: قال علي: شهادة الصبيان على الصبي جائزة.
وأجازها معاوية بعضهم على بعض، ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا.
وقاله عطاء وإبراهيم: يجوز بعضهم على بعض.
ورواه مالك عن هشام بن عروة عن ابن الزبير.
الجزء: 2 - الصفحة: 446
وقال مالك في موطئه: إنه الأمر المجتمع عليه عندهم، وهذا آكد شيء من الأمور.
ومالك - فيما ذكر من ذلك - ناقل لاجتماع القوم على ما ذكر، فقد تنطعت في قولك من هؤلاء المر [ضيين] من خيار القرون، على أنهم اجتمعوا على خلاف القرآن، والاختلاف في القول، والتناقض، والخروج من المعقول في قولك، وإنك لغـ[ـائب] عن هذا التنطع.
وبعد ذلك: فإن ما ذكر عن ابن عباس أمر لا حجة لك فيه، ولا لمن قال قولك، إنما روى ابن ابي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن شهادة الصبيان، فقال: قال الله عز و [جل]: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قال ابن أبي مليكة، فما رأيت القضا [ة] أخذت إلا بقول ابن الزبير.
وبعد، فليس تجد في رواية أن: ابن عباس سئل عن شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وهذا جواب عن سؤال، وإنما المسألة كانت فيما لا يجوزون فيه، وابن عباس أجل في العلم أن يحتج بحال المندوحة على حال الضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 447
وذكر ابن عـ[ــلية] عن ابن سيرين، في شهادة الصبيان: فكتب: ويستثبتون و [روى] عن الحكم وابن أبي ليلى، ولم يذكر عنهم أنها في الجراح بينهم.
قال أبو بكر بن الجهم: والتأويل في كل من ذكر عنه رد شهادة الصبيان ما تأولنا، أن ذلك فيما لا تجوز فيه شهادتهم، أ [ا] ما بينه أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، فإنا ما علمنا أحدا سبقهم إلى ذلك، فنص عليه نصا مفسرا، برواية عن أحد من المتقدمين.
وكذلك ما ذكر عن القاسم وسالم سئلا عن غلام شهد، قالا: إن أنبت فشهادته جائزة، فهذا في سائر الأمور، ولم ينص على الجراح، وإنما ذكر هذا ابن وهب عند ذكر حد البلوغ، الذي تجوز به الشهادة في كل شيء، وغير ذلك من الأحكام.
فماذا تعلقت أيها الرجل؟ ومن سلفك الذين لجأت إليهم بنص من الرواية عنهم حتى صغر عندك قول مالك في هذا، وخفّ لسانك في عيبه.
الجزء: 2 - الصفحة: 448
ونحن نسألك بعد هذا في إبطالك لشهادة الصبيان في الجراح بينهم، عند الاختلاف فيها، في زعمك، أبنص قلته أو باتفاق أم بقياس؟ ولا سبيل لك إلى دعوى الاتفاق.
فإن قلت: بالنص، سئلت عنه، فإن تلوت ما نص الله في آية الدين: ﴿ممن ترضون ن الشهداء﴾ وما ذكر في آية الرجعة: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله في الوصية: ﴿إثنان ذوا عدل منك أو آخران من غيركم﴾.
قيل لك: لو كان ما ذكر في آية الدين ما يوجب استعمالها في كل شيء، لزم أن تجوز شهادة النساء في غير المال، وشهادة غيرنا - المذكورة في الوصية في السفر- في كل شيء على قولك.
فأراك ذكرت آيات تقول: إن فيها خصوص في شيء دون شيء ووقت دون وقت.
وبعد، فلو لم يكن فيها خصصو ما ساغ ذلك – على أصلك – أن تستعملها إلا فيما جاءت فيه، ولا تقدر أن تقول: إن معك في رد شهادتهم بينهم في الجراح نصن وأنت فغير قائل بالقياس، فترد ما لم يذكر إلى ما ذكر، [وأنت] قد رددت ما لم يذكر من شهادة الصبيان في الجراح، إلى ما [ذكر] من الشهادة في دين ورجعة ووصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 449
وما أجمعوا عليه لهم، أن لا يقبل فيه إلا العدول البالغين فأنت تقول به وغيرك، وما اختلفوا فيه لم يجب على أصلك رده إلى أصل، من نص أو اتفاق، لأن ذلك عندك من القياس، والقياس لا يجوز عندك.
ويلزمك أن لا تجيز في عتق الظهار، إلا مؤمنة، لما ذكر الله في آية كفارة القتل: ﴿رقبة مؤمنة﴾، وأنت لا تدري ذلك يلزمك.
فإما أن تقر أنه لا نص معك في شهادة الصبيان، في كتاب الله وسنة نبيه، أو ترجع إلى أصولنا في الاستدلال، أنه إذا ذكر الله تعالى حكما، فنص عليه، كان فيه وفيما يشبهه مما لم ينص عله، وهذا فيه نقض أصولك كلها.
ونحن رأينا حال الصبيان حال ضرورة، فرددنا ذلك إلى ما أجمعوا عليه، من إجازتهم لشهادة النساء، في الضرورة، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ثم ذكر أن مالكا قال: إن شهد صبيان لرجل بالغ، ولصبي على صبي: أن هذا الصبي فقأ عين هذا الصبي وعين هذا الرجل البالغ، أن شهادتهم للصبي جائزة، ويجب أن يحكم للصبي المفقوء العين على الصبي المشهود عليه بدية عينه أجمع، ولا تجوز شهادتهم للرجل البالغة بما جنى على البالغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 450
فهذا الذي حكى باطل ليس بقول مالك، واراه على ظنه يتكلم إن سلم من التعنيد ففيما حكى وجهان من الخطا، أحدهما، أنه يحكم على الصبي بدية العين، التي فقأها [للصبـ]ـي ومالك يقول إن عمد الصبي كالخطإ، وهذا أيضا مما لا أعلم فيه خلافا.
فكيف جعل دية العين على الصبي؟ فقول مالكا ما لا يقوله مالك ولا غيره.
ووجه آخر: أن من قول مالك: إنه إذا كان كبيرا- قد خالط الصبيان- مشهود له أو مشهود عليه، أو داخل دخل بينهم، فلا تقبل مع ذلك شهادتهم للصغير لريبة، خلطة الكبير بهم، أن يكون يخدعهم في أمر.
فقول مالك: لا تقبل شهادتهم للصغير ها هنا، لكون الكبير معهم، على ظاهر سؤال هذا الرجل، لأنه ذكر في الشهادة: أن الصبي فقأ عين كبير وصغير، ولم يل ذلك في وقتين، ولا شهادتين وظاهر هذا أنه في وقت واحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 451
ثم أكد خطأه، فقال: وهو لا يجيزهم على حبة واحدة من الأموال، ويجيزها فيما قد يوجب دياتا كثيرة، من قطع اليدين والرجلين وفقء العينين وقطع اللسان، فيجب بذلك على المشهود عليه ديات كثيرة.
فهذا أيضا وجه آخر من غرائب تأكيد الخطأ والباطل، ومالك لا يقول: على الصبي المشهود عليه شيء، وإنما عمده كالخطإ، وذلك على العاقلة.
وهذا رجل ما يدري ما يقول ولا ما يحكي، والله المستعان.
وأما قولك: واتفق علماء الأمصار أنه لا يجب حكم إلا بإقرار، أو شهادة عدلين، أو عدل واامرأتين في الدين خاصة، فهذه دعوى الاجماع، فيما فيه الاختلاف كثير.
قد قال كثير من الناس بإجازة شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، وقال آخرون، تجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض في كل [شيء]،
الجزء: 2 - الصفحة: 452
وقال أهل المدينة: تجوز شهادة الصبيان بينهم في الجراح، وقال بعضهم: تجوز شهادة غير العدل في ما تستحق به القسامة.
ففيم هذا الإجماع الذي ادعيت أنه لا يُحكم لأحد إلا بما ذكرت.
وشيء آخر، لو كانت كل حال من ضرورة ومندوحة واحدة، ما أجمعوا على قبول شهادة النساء، فيما لا يطلع عليه غيرهن.
ولو كان ما ذكرت من النص عليـ[ــيه] لكان قد أجمعوا على خلاف النص.
ونحن فنرد الحوادث المختلف فيها إلى الأصول المجتمع عليها المشبهة لها، فلما رأيناهم أجمعوا على قبول شهادة النساء وحدهن في الضرورة لما يفوت، و [قد] لا يطلع عليه غيرهن، للحاجة إلى ذلك، أجزنا شهادة الصبيان في الضـ[ـرورة]، فيما بينهم، فيما يفوت من أمر الدماء، وما لا يوجد فيه الرجال.
وفي الأصول شواهد لهذا مع القياس فيه، ألا ترى أنه تجري كثير من الأحكام بالدلائل، وبالأغلب من الأمور للضرورة.
فمن الحكـ[ـم] بالدلائل: ما جعل الرسول عليه السلام في معرفة العفاص والوكـ[ـاء] في اللقطة، وجعل ذلك دليلا، يوجب الحكم لمدعي
الجزء: 2 - الصفحة: 453
اللقطة، للضرور [ة]، إذ لا يمكن أحدا أن يشهد على تلف شيئه، ولا يعلم ما عسى أن يتلف له، فيستعيد الإشهاد على أنه في يديه وملكه.
وكذلك حكموا بالحائط لمن إليه القمط، روي عن علي بن أبي طالب، وعليه الحكام، فهذا من ذلك، لعدم البينات.
ومن الحكم بالأغلب قبول دعوى المرأة في الوطء إذا خلا بها الزوج، إذ ليس موضع بينة، وإذ الأحكام في إلحاق ما يظهر من ولد بالزوج قائمة، ولحوق الولد حجة لنا على من خالفنا في قبول قولها.
الجزء: 2 - الصفحة: 454
ونحو ذلك من الحكم بالأغلب والأشبه، تصديق المرتهن في الدين إلى مبلغ قيمة الرهن، وحكمنا في متاع البيت - عند اختلاف الزوجين فيه – بالأشبه والأغلب من ملك كل واحد منهما.
ونحن- وإن خولفنا في بعض ذلك – فإن من وافقنا في بعضه مخصوم في بقيته، مع دلائل لنا في ذلك نذكرها في موضعها مستوعبة.
ومما جرى فيه مثل هذا من الضرورة، ما قلنا في القسامة مع شهادة الشاهد الواحد على معاينة القتل، وكذلك مع دعوى الميت، وهذا كله لأنه حال ضرورة، وبنا حاجة إلى حياطة الدماء.
وكذلك الصبيان بنا حاجة إلى تعلمهم الثقاف والحراب تضرية للقتال والثقاف فلا بد من الاحتياط في دمائهم وجراحاتهم.
فإن قيل: فأجز شهادة الفساق بينهم في الجراح، والنساء بينهم فيها.
قلت: لا حاجة بنا إلى حفظ جراح الفساق ودمائهم، إذ لا يجوز اجتماعهم على ما يجتمعون عليه، وكذلك ما تجتمع له النساء لا ضرورة بنا إلى حفظ ذلك منهن، وبنا حاجة وضرورة، إلى حياطة دماء الصبيان فيما يجتمعون له.
الجزء: 2 - الصفحة: 455
وقصرناها في الدماء لما عظم الله من الدماء، ولأن ذلك يكون حيث لا تحضره البينات، فجعلت القسامة في الدماء لمثل ذلك، فلمثل لك أجزنا شهادة الصبيان، شهادة الضرورة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا وما﴾ والصبي ممن يعلم الشيء، فلا يبعد أن يقبل في الضرورة، كما يقبل خبره.
ولم نجزها على الكبير، لدليل منع من ذلك، وكذلك في قبولها في غير الجراح، والدلائل تؤيد قبولها [في الجراح] لما تقدم من الشواهد التي ذكرنا، ولا ضرورة [بنا] في قبولها للكبير في جراح ولا غيرها، ولا على كبير، ولما يعترض [فيه] مع ذلك، لأنه إذا دخل بينهم الكبير كان الأغلب منه أن يكلمهم ويخدعهم فيصير ذلك ظنة تقدم في شهادتهم.
فإذا يدخل بينهم كبير مشهود له أو عليه، أو أجنب، لم تعلق بشهادتهم علقة توجب التوقف عن قبولها، للضرورة التي حيطت معها الدماء بأضعف من هذا من القسامة، مع دعوى الميت وشهادة الواحد، وشهادة النساء فيما يؤول إلى الأنساب والمواريث والحرية وقول غيرنا في القتيل في المحلة مع القسامة، وما تقدم ذكرنا إياه.
الجزء: 2 - الصفحة: 456
فلهذه المعاني فرق مالك بين شهادة الكبار والصغار، وعلى الكبار والصغار، وقال: إنها في الجراح دون ما سواها.
وإنما آفة من يصدف عن قول مالك النكير بأول خاطر، وإجابة أول ناعق، والعجلة قبل الفكرة والتأمل، والله المستعان.
الجزء: 2 - الصفحة: 457
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وأهله
في المحرم يقتل الصيد خطأ
وأنكر هذا الرجل قول مالك، في المحرم يقتل الصيد خطأ: إن عليه جزاء، واحتج بأن الله سبحانه قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ الآية.
قال: فلما خصّ بالذكر المتعمد دلّ على أنه لايفكر ذلك المخطىئ، وأنه لوكان فيه كفا رة لم يكن في خصو صاالمتعمد بالذكر فائدة.
وأعاد مثل هذا وكرره، وشاب كلامه بجهل من القول، لا فائدة لنا في مجازاته عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 458
وزعم أن قول مالك مخالف لظاهر القرآن، هذا وهو قول عليه السلف من الصحابة والتابعين ممن سنذكرهم بعد هذا.
وإن كان هذا الرجل لم يذكر- في هذا الباب - لقوله سلفا من صاحب ولا تابع، كأنه يرى أن لأحد أن يقول بغير سلف، وسنذكر بعد هذا ما قيل في ذلك، وما انتهى له جمهور السلف.
وهذا الرجل سمع أن ما خص بالذكر يخص بما ذكر له من الحكم، فظن أن هذا يجري في كل شيء، وإنما هذا فيما لا يقوم دليل يدل على معنى ما خص من ذلك الذكر، أو لا دليل يدل أن للمسكوت عنه حكم المذكور، وأما والأدلة قائمة بما له خص المذكور بالذكر فلا.
وهذا الرجل أيضا، يبعده من هذا قوله في القياس: إنه لا يجب للمسكوت عنه حكم المذكور، ونحن نرد ما لم يذكر إلى ما ذكر، إذا أشبهه فيما له وجب الحكم، ونحن نريه ذلك فيما اشتبه من باب القياس، وما يدل من الخطاب في غير شيء، من الأصول، مما يكشف لك أن ما خص به المتعمد من الذكر لا يرفع الحكم عن من لم يذكر من المخطيء والناسي.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
فأما من نفس الآية، فقوله سبحانه: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فلم يكن ذكره لقتل المحرم للصيد - وإن خصه بالذكر- برافع ذلك عن قتل الصيد ممن ليس بمحرم في الحرم، مع ما أكد الرسول عليه السلام من ذلك وبينه، فلم يكن ما خص المحرم به من النهي برافع لمثل ذلك النهي عن الحلال في الحرم.
وشيء آخر، أنه لم يكن إيجابه الجزاء على من ذكر من المحرمين، برافع ذلك عن الحلال [الذي يقـ]ـتل [صيدا] في الحرم، فقد أوجب عليه العلماء الجزاء، وإن اختلفوا في قدر ذلك، فإنما ردوه إلى معنى المذكور في الآ [ية].
أيضا ليس ذكر دية النفس في الخطإ بمانع أن تقبل في العمد صلحا، أو يعفو بعض الأولياء.
وكذلك قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ وقد يكون في غير المسجد، وهو معتكف لحاجة يخرج إليها، والمباشرة لا تحل له، فذكر أغلب أحوال المتعكف، وهو كونه في المسجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 460
وقال سبحانه في المبتوتة: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ فخص إباحتها بطلاق الثاني، وهي تحل له بموت الثاني أيضا، وإن خص الطلاق بالذكر.
وكذلك ليس قوله: وإن ﴿كن نساء فوق اثنين﴾ برافع حكم ذلك عن الاثنتين، وإن خص بالذكر ما فوقهما،- في قول أكثر العلماء - بل هو إجماع من القرن الثاني والثالث، وكل من يخرج ذلك من الإجماع.
وكذلك قوله في الإماء: ﴿فإذا احصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، يريد الحرائر، فلم تكن خصوصيته لإيجاب نصف الحد على من تزوج منهن، برافع ذلك عن من لم تتزوج منهن، كما قال بعض الخوارج، وقال الرسول عليه السلام في الأمة: إذا زنت فاجلدوها.
الجزء: 2 - الصفحة: 461
ولم يكن أيضا ذكره في الكتاب وفي الحديث عن الرسول لإيجاب الحد على إناث الأرقاء، برافع ذلك عن ذكورهم.
وقد يذكر الشيء من أعلى وجوهه، فيدل ذكره من أعلى وجوهه على حكمه فيما هو دون ذلك من وجوهه، وليحمي ذلك من بعيد التأويل.
ولو ذكر الله سبحانه الحد مطلقا، من غير ذكر إحصانها، وذكر الكفارة في قاتل الصيد مطلقا، من غير ذكر المتعمد، احتمل أن يتأول متأول أن الكفارة مصروفة في الصيد إلى الخطإ، الذي كرت فيه الكفارة في [قتل] [النفس، وأن العمد ليس مما تكفره كفارة في القتل]، ولا متعمد الكذب في اليمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 462
فلما قال: ﴿متعمدًأ﴾ – وهو أعلى وجوه قتل الصيد- دل أن ما دون ذلك مثله، تكفره الكفارة.
ولو لم يقل في الأمة: ﴿فإذا احصن﴾ لاحتمل أن يكون ذلك على من لم تتزوج منهن، فيظن ظان أن المتزوجات كالحرائر في الرجم، فجمع بذكر، ﴿فإذا احصن﴾ رفع الرجم في إحصانهن، وأنه ذكر الحد فيهن في أعلى الأمور، ليدل أن ما دونه مثله، والله أعلم.
وتأويل من تأول في قوله: ﴿فإذا احصن﴾ أنه يعني: أسلمن، يبعد لقوله سبحانه أول الآية: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فكيف يقول بعد ذلك: فإذا آمن؟ وأكثر العلماء في هذا على ما ذكرنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ فذكر حد القذف فيهن، ولم يذكره في قاذف الحر المحصن، فلم يكن ما خص بالذكر يرفع الحد عن من لم يذكر،
الجزء: 2 - الصفحة: 463
من قاذف الرجل، قال ﴿ودرؤا عنها العذاب﴾ ولم يذكر العذاب في نكول الرجل، فناب ذكره في المرأة عن من لم يذكر من الرجل إذا نكل.
وقال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [فذكر] النظرة إلى [ميسرة] بالمال في [الدين] أصله [عن ربا]، ولم يذكر ذلك في دين ولا ربا فيه، فكان له حكم ما ذكر، لتساوي علة ما لم يذكر مع ما خص بالذكر، وهي العسرة.
والله سبحانه يذكر الشيء، فيخصه بالذكر لغير وجه، إما أن يذكره بأعلى وجوهه، ليدل بما ذكر على ما هو دونه، على ما بينا، أو ليدل بما ذكر على مثل ذلك فيما لم يذكر، مما يشبهه فيما له وجب الحكم، وقد يذكره ليخصه بذلك الحكم، بدليل يظهر في ذلك.
ولا دليل لمن خالفنا، أن قاتل الصيد لما ذكر الجزاء في عمده أريد به الاقتصار على العامد، دون المخطيء.
بل الدلائل تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لما قال سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ انعقد تحريمه محملا، ولم يأت نص بإباحة ولا معرة في عمد ولا خطأ، كالنهي عن قتل النفس.
الجزء: 2 - الصفحة: 464
فلو لم يذكر الله تعالى الكفارة في عمد، لم يجب ان يقال: إن الكفارة تكفر ذلك، كما لا تكفرة الكفارة عن متعمد قتل النفس، أو متعمد الكذب في اليمين، في قول أكثر العلماء، وللحقه الوعيد كما لق قاتل العمد، إذ كلاهما قتل ما نهي عن قتله.
فلما خفف الله عمده، فجعل الكفارة تكفره، علم ان قصده لذكر العمد عبارة عن التخفيف، إذ كان الكفارة مكفرة للعمد، الذي هو أعلى وجوه القتل، فهي للخطإ الذي هو دونه أحرى أن تكفره، لأنه سبحانه قد جعل الكفارة تكفر خطإ قتل النفس، وقد قال جل اسمه: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ فذكر التكفير في إماطة أذى الرأس وفي المريض، وذلك أعلى وجوه إماطة الأذى والتفث فاشتمل ذلك على ما هو دونه مما لم يذكر، من إماطة أذى الجسد، وتناول الطيب، ولبس ثوب، ونحوه، لمرض أو لعذر غير المرض المذكور، ولم يقصر حكم الفدية على ما ذكر دون ما لم يذكر.
الجزء: 2 - الصفحة: 465
و [قد] ذكر الهدي في المتمتع ولم يذكره فيمن انثلم من حجه شيء، أو قرن، فكان ذكر ذلك في المتمتع يدل على ما لم يذكر مما أشبهه، وهذا كثير، وهذا كله يؤيد أحكام القياس.
وبعد، فليس يدعي مخالفي أن عنده نص، يرفع الكفارة عن المخطيء في قاتل الصيد، فإذا لم يكن نص، ولم يكن ذكر العمد فيه بمانع إيجاب ذلك على المخطيء، لا بينا من الأدلة في نفس الآية، وفي غير ذلك من الخطاب والأحكام، فأدنى منازل قاتل الصيد خطأ أنه لاحكم له منصوص بإيجاب كفارة أو رفعها.
ولنا دليل يدل أن فيه الكفارة؛ لأنه قتل نفسا نهي عن قتلها، كما نهي عن قتل ابن آدم ملطقا، فكان في خطئه الكفارة بالنص.
وأصبنا الجزاء في الصيد وسمه الله باسم الكفارة، بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فألحقنا حكمه بأحد المذكورين في شبهه به، إما بالمذكور من عامد قتل الصيد لشبهه به في أنه قتل وقتل، وأن ذكر العمد علم للتخفيف، وأن ذلك أولى من أن يدل على أن يخص بالتكفير، لما قدمنا ذكره، أو ألحقناه بما ذكر من قاتل النفس خطأ لأنه خطأ وخطأ، وكفارة وكفارة، فهذا وجه الاستدلال والقياس.
الجزء: 2 - الصفحة: 466
وما دل عليه القياس وشهدت له الأصول فقد قامت حجته، وللمناظرة في القياس موضع غير هذا، وقد رمينا بجملة منه في أول الكتاب، وما نضحنا منه في هذا الكتاب.
وبعد فإن ذكر الشيء بحكم في أعلى وجوهه، لا يمنع أن يكون مثل ذلك فيما دونه وذكره بحكم في أدنى وجوهه يمنع من الحكم بمثل ذلك في أعلى وجوهه إلا ببيان ونص.
ألا ترى لما ذكره الله الكفارة في قاتل المؤمن خطأ، لم يكن ذلك دليل أنها تكفر عن العامد، لأنه أعلى معنى من المذكور، ولا يساويه فيما له وقع التكفير؟
وكذلك تكفير اليمين للحانث، لا يدل أنها تكفر عن متعمد الكذب بيمينه – وهذا قول صحابك معنا – لأنه أعلى، ولا يساويه فيما له وقع التكفير.
وذكر الكفارة في عامد قتل الصيد، قام دليل ظاهره أنه تخفيف، فدل أن ما دونه تكفره الكفارة، لشبه ذلك بما وقع فيه التكفير، وهو القتل، الذي ذكرت الكفارة في مثله في نفس المؤمن.
فإن قال: فقد ذكر الله تعالى الدية في الخطإ، فلم جعلتها في العمد وهو أعلى وأبعد مما له وجبت الدية؟
قلت: إنما تلزم هذه المعارضة لو جعلتها في العمد بغير حادث، ينتقل به الحكم من عفو بعض الأولياء، أو صلح جميعهم فأما وأنا اقول: لا دية فيه إذا طلب الولي.
الجزء: 2 - الصفحة: 467
القتل – وهو السلطان الذي جعل الله له – فلا، حتى إذا سققط سلطان القود – الذي به جعل العمد أعلى مرتبة من الخطإ، إما بصلح أو عفو، تساوي حكم القتلين في الدية، في أن هذا قتل وهذا قتل، ارتفع القود فيهما، فأعطيتهما تساوي الحكم عند تساوي المعاني فتأمل.
وبعد، ف إنا نقول – إن خالفنا في ذلك، واحتج بخصوص العمد في الصيد بالذكر – أرأيت المحرم يقتل صيدا ناسيا لإحرامه، ايؤكل؟
فإن قال: لا يؤكل – وهو قوله – قيل له: ولم حرمته؟ ولم لا كان ذكره متعمدا يدل على خصوص التحريم للأكل في التعمد المذكور كما خصصته في التكفير؟
فإن قال: حرمته لأن الله حرم صيد البر مطلقا، فلا يباح اكله بصيد المحرم عمدا، وخطا.
قيل له: فلم لا دلك ذلك على وجوب التكفير، كما كان دليلا على وجوب التحريم، ولم يكن خصوص المتعمد بالذكر دالا على تحليل أكل صيد غير المتعمد، من الناسي من المحرمين، والصائد في الحرم من المحلين؟ فكما حرمته بظاهر النهي، فكذلك تجب الكفارة لهذا المعنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 468
وأدنى ما يلزمك: أنه لا نص معك في رفع الكفارة، ولا دليل لك سالم من المعارضة، ولنا ما ذكرنا من الأدلة الموجبة لها.
فلو دفعت هذا كله بمكابرة أو شبهة، لكان اقل منازلنا فيه الاستدلال من باب القياس، الذي لا وحشة علينا من دفعك إياه.
فلا يعدو الجزاء في قتل الصيد عمدا، أن يكون كفارة أو دية، وأي ذلك كان ففي قاتل النفس خطأ مثله.
والدليل أن ما في قتل الصيد من الجزاء المذكور كفارة، قوله تعالى - في سياق الآية في التخيير – ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فجعل ما خيره فيه ينوب بعضه عن بعض، فالاسم الذي أعطاه [من] الكفارة يجب مثله لما ذكر معه، لأن بعضه بدل من بعض، والدية [] [عنها] فهو باسم الكفارة أولى.
فإن قلت: إن قاتل النفس عليه دية وكفارة، والجزاء إنما هو كفارة [فقط].
قيل لك: الدية في النفس ليست عليه إنما هي على العاقلة، والذي عليه بينه وبين الله: الكفارة.
والدية إنما جعلها الله للأولياء الذي ملكهم سلطان الدم، وجعلها على العاقلة تعظيما للدماء.
الجزء: 2 - الصفحة: 469
ولو أن القاتل للصيد قتله، والصيد مملوك لرجل، لكان عليه الكفارة لله، وعليه قيمته لربه، فأخذ الذي له الملك قيمة الصيد، كما أخذ الولي الدية وبقي التكفير على القاتل في الوجهين.
ومن عجائب الأمور معارضة وقعت لهذا الرجل، وذلك قوله: ويلزم من قال هذا أن يحكم فيمن قتل مؤمنا خطأ، بما يحكم به فيمن قتله متعمدا، كما ساوي بينهما في قاتل الصيد.
وهذا مما يخجل قائله، ولو دري ما يقول/ وهو لأحد بعد النصوص أن يخرج عنها؟ وهل لهذا في الأرض قائل؟ وكيف ألزمت خصمك لما أن رد حكم ما لم يذكر الله سبحانه في خطإ قتل الصيد إلى ما ذكر في عمده، بدليل استدل به، فألزمته، بذلك أن يغير نصا نصه الله في قتل النفس خطأ، فيدعه ويرده إلى ما نص من العمد، وأنت تقر بأنك لا تدعى في قتل الصيد خطا نصا، كما ألزمته أن يدعى في قتل النفس خطأ نصا، ويرده إلى قياس على نص، وهذا لا يجري على لسان عالم، ولا يخطر ببال ذي فهم حاضر.
والكلام الذي يشبه كلام العلماء في رد حكم قتل الصيد إلى قتل النفس، على ما قتل، أن يقول قائل: أراد ما لم يذكر الله فيه نصا من قتل الصيد خطأ إلى ما نص عليه من قتل النفس خطأ، في أن هذا يكفر وهذا يكفر، كان هذا كلاما يشبه كلام العلماء وهذا الذي قاله مالك، واستدل في إيجابه قول من سبقه من الفقهاء من الصحابة والتابعين، وبهم اقتدى في ذلك.
فهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 470
قال الزهري - وكان من أعلم الناس بسنة ماضية - جاء القرآن بالجزاء على العامد في قتل الصيد، وجاءت السنن بالجزاء في المخطيء.
وهو قول نافع بن عبد الحارث والنخعي والحسن وعطاء وطاووس وعكرمة وعروة بن الزبير والحكم والزهري وسعيد بن جبير، على أنه اختلف عنه فيه، وهذا اصح.
وقاله مجاهد في الناسي لحرمه متعمدا لقتله، وقاله مالك وعبد العزيز في قاتل الخطإ فيمن أخذا ذلك عنه من التابعين.
وقاله سفيان فيمن ذكرنا وممن لم نذكر من الكوفيين، وقاله الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي.
الجزء: 2 - الصفحة: 471
وإن كان هذا الرجل وسم كتابه بأن ما فيه [اختلف فيه مالك والشافعي، وهذا لا يخالفنا فيه الشافعي، وهو قاتل أكثر العلماء ومن ينتهي إليه في الفتيا من علماء الأمصار].
ورأيت الشافعي ذكر في مختصر المزني، في كتاب الأيمان، أنه إجماع، فقال: ودل إجماعهم أن الكفارة في قتل الصيد على العامد والمخطيء سواء على ان متعمد الكذب، في اليمن يكفرها، وإن كان قوله هذا غير مشتبه لما بيننا، من أن متعمد الكذب عليه الوعيد بقول النبي عليه السلام، والنهي في عامد الصيد تخفيف بالكفارة.
وهذا الرجل يقنع بمذاهبه قناعة من لا يعد لمن خالفه وزنا، ومن استخف بالسلف خف وزنه وخفت مؤنثه.
الجزء: 2 - الصفحة: 472
وجرت لهذا الرجل معارضة ثانية تشبه التلاعب، فقال: [لو] تجاسر قائل فقال: توجب الكفارة في قاتل الصيد خطأ ولا توجبها في قاتله متعمدا، قياسا على العمد في النفس.
فأنت أيها الرجل المتجاسر، الذي جسرت أن تعارض العلماء بهذا اللعب، أن تقول: لو أن رجلا جرد خلاف نص الكتاب، ما كانت حجتكم عليه، فكأنه قام عندك ما قال مالك في هذا – الذي اتبع فيه فقهاء الصحابة وهؤلاء الأئمة من التابعين – مقام من تجاسر على رد نص القرآن بلا تأويل ولا سلف.
لقد عبرت بكلامك هذا عن موقفك وموقفهم عندك، وهل على وجه الأرض مسلم يتجرأ على رد النص في قاتل الصيد عمدا؟
وإنك لتتجاسر، إذ جعلت قول أئمة السلف كقول من رد النص مجردا، وهذا غمص شديد.
ومن رد النص – وهو عالم بالنص، غير مغلوب على عقله – مرق من الدين، وهذه المعارة - مع ما فيها من التلاعب، لا معنى لها من كل باب، لأن قاتل النفس عمدا عليه القتل، وهذا لا يريد أن يوجب عليه بتعمد قتل الصيد شيئا، وما يجب من قود النفس للأولياء ولهم العفو عنه، والذي يجب على المتعمد، في الصيد لله عز وجل، لا خروج منه
فكأنك رجل قلت: لو ان رجلا تجاهل أو تحامق أو مرق من الدين، ما حجتكم عليه؟ ومثل هذا أيدينا اقرب إليه من السنتا، حتى يتوب أو يعذر بعذر.
الجزء: 2 - الصفحة: 473
وإنما يجب أن تقول: القاتل يوجب، في قتل الصيد عمدا ما نص الله عليه، وتجعل في قتله خطأ – الذي لم يذكره الله – كفارة، مثل ما جعل في قتل النفس خطأ كفارة ودية لأهله، فإن كان للصيد مالك أخذ ربه قيمته، كما يأخذ الأولياء دية الخطإ في النفس.
فهذا يشبه كلام العلماء والمستدلين لا كلام المتلاعبين، قال زيد بن ثابت: ما كنت لا عبابة فإياك أن تلعب بدينك، وهذا قول وفر الأئمة من الصحابة والتابعين.
ولم يذكر هذا الرجل فيما تقلد هذا عن السلف قولا، ونحن نذكر ما قيل في ذلك، من ما لا يتعلق بمثله.
فقد روى عن ابن عباس بإسناد ضعيف، ولنا عن ابن عباس خلافه بجيد الإسناد، نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي، نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية عن علي - يعني ابن أبي طلحة – عن ابن عباس قال: من قتل شيئا من الصيد خطا – وهو محرم، حكم عليه فيه كلما قتله.
أنا محمد بن عثمان، أنا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا عبد الله يعني ابن أبي شيبة – نا حفص عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، في صبي أصاب حماما من حمام الحرم، قال: اذبح عن ابنك شاة.
ولا خلاف بين الناس أن عمد الصبي يجري مجري الخطإ، وهذا إسناد لا يشك في صحته.
الجزء: 2 - الصفحة: 474
وأما ما روى عن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطإ شيئا، فقيل: إن معناه: لا نرى فيه شيئا بنص القرآن، ولكن فيه بالدليل، وقد روينا ذلك عه.
أنا محمد بن عثما نا محمد بن الجهم، نا الأنصاري نا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: إنما جعل الجزاء في العمد، ولكن غلظ عليهم في الخطإ كي يتقوا.
وذكر بعض الناس، عن جابر الجعفي عن عطاء وطاووس ومجاهد: لا شيء على المخطيء، ممن لا يعبأ بروايته، ولنا عنهم خلافه.
أنا أحمد بن إبراهيم بن حامد، أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر - يعني أبي شيبة – نا وكيع، عن سلمة بن محرز، قال أغلقت بابي بمكة، ثم فتحته فإذا طائران قد ماتا، فسألت طاووسا، فقال: اذبح شاتين، فهذا خلاف ما روي عن طاووس في الخطإ.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر نا لأبي نا نا ابن أبي بكر، عن ابن جريج قال/: قلت، لعطاء، ومن قتله خطأ يغرم، [كما يجب] الغرم على من قتله متعمدا؟ قال: نعم، وتعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.
الجزء: 2 - الصفحة: 475
قال إسحاق عن معمر عن الزهري، يحكم عليه في العمد والخطإ، قال/ نا محمد بن الصباح، نا الوليد، عن ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار، رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطإ، فأخبرك أنه قول الماضين من السلف.
قال بكر بن العلاء: ولم يتعلق أحد بترك ذلك في الخطإ، إلا بعض أهل القرن الرابع، وهذا نحو قول عمرو بن دينار.
نا أبو بكر بن محمد، نا يحيى بن عمر، نا سحنون، نا ابن وهب، أنا إبراهيم بن نشيط، عن ابن أبي حسين النوفلي، عن عطاء أنه قال: يغرم في الخطإ والعمد، مضت بذلك السنن.
وعن عمرو بن شعيب وابن قسيط مثله، قال: وأخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: زعموا أن الكفارة في الخطإ سنة، وكفارة العمد في القرآن، وما ذكرنا من قوله: رأيت جميع الناس على ذلك.
وقال مالك: الأمر المجتمع الذي لا اختلاف فيه ان من أصاب الصيد خطأ حكم عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 476
فأين المذهب عن هذا من قول هؤلاء الأئمة: إنه قول السلف، وإنه السنة وإنه المجتمع عليه، وقد تقدم ذكرنا لمن حضرنا ذكره، ممن قاله من الصحابة والتابعين وذلك كله بالأسانيد الحسنة وأكره التطويل.
فأما عمر وعثمان وابن عمر ونافع بن عبد الحارث، فمما أنا أحمد بن إبراهيم أنا إسماعيل القاضي، نا أبو بكر – يعني ابن أبي شيبة – نا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد ابن أبي يحيى، عن صالح بن المهدي أن أباه أخبره قال: حججت مع عثمان، فرقد في بيت، فوقعت حمامة في كوة على فراشه، فأطرتها، فوقعت في كوة أخرى، فخرجت حية فقتلتها، فلما استيقظ [عثمان] أخبرته فقال: أد عنك شاة، قلت: إنما أطرتها من أجلك، قال: [وعني] شاة، مختصر.
قال: ونا نصر بن علي، نا أبو أحمد نا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عبد الله بن كثير الداري، قال حدثني طلحة بن أبي حفصة أن عمر دخل عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث، فقال إني قلت في هذا البيت، فوقع على واقف آخر، فقتله ضرحان أخذ بحلقه، فوجدت في نفسي أني أطرته من
الجزء: 2 - الصفحة: 477
موضع كان عليه آمنا، إلى موضع كان فيه حتفه، فاحكما علي، فقالا، حكمنا عليك بعناق ثنية عفراء، فأمر بها عمر، مختصر.
قال: نا إبراهيم بن حمزة، نا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر، عن أبيه عن جده قال: كنت مع ابي بمكة، فأوطأ بعيري حمامة من حمام مكة، قال: فدعا أبي بكبش فذبح عني.
والأحاديث بهذا كثيرة عن سلف، الصحابة والتابعين، ولم يحصل مع هذا الرجل في هذا الباب أثر، ذكره هو عن صاحب ولا تابع، غير الجرأة بلسانه، فيما انتهي فيه قول السلف إلى خلاف قوله، والله المستعان.
ومن تعلقه في هذا الباب من الشاذ بشيء لم يذكره، هو، وهو قوله: إن من عاد ثانية إلى قتل الصيد متعمدا، فلا كفارة عليه، يتأول: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 478
والذي قيل في هذا: عفا الله عما سلف في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه بالكفارة، قال عطاء: فينتقم الله منه وعليه الكفارة.
أنا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا أبي نا علان بن المغيرة، نا عبد الله بن صالح، نا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه فيه كلما قتله.
نا إبراهيم بن محمد بن المنذر، نا ابي نا موسى بن هارون نا ابن أبي شيبة، نا وكيع عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء [قال: ﴿عفا الله عما] سلف﴾ عن ما كان في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه وعليه الكفارة.
ونا إسحاق عن عبد الرازق، عن هشام عن الحسن مثله.
قال إسحاق: والظاهر أن معنى قوله – والله أعلم – ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ أي: من عاد بعد ما سلف قبل التحريم، ليس من عاد بعد ما قيل بعد التحريم، وذلك من قوله: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ عند ذكره لما أوجب عليه والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 479
ويحتمل الانتقام بشيء يصيبه به، والكفارة عليه، ولا يزل الكفارة تأول النص بتأويل لا يتبين وجهه.
وهذا قول أهل المدينة ومالك وعبد العزيز وأصحابها، والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم، وما بعد هذا إلا الشذوذ، وفيما ذكرنا وفي بعضه كفاية.
الجزء: 2 - الصفحة: 480