الذب عن مذهب الإمام مالكالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ورب مسلط على نفسه، وبعثت بكتابه هذا [إلي] ترغب في بيان شبهاته، لما رجوت من تنبيه من أشكل ذلك عليه، ولرغبة أهل تلك الناحية وغيرهم في ذلك.
وإنه لحبيب إلي تأييدك فيما أملت، وعونك على ما إليه من الخير قصدت، ومع ذلك فإنه يهون علينا ترك المعارضة لمن أوقف نفسه موقف هذا الرجل من تسامحه في منطقه، وسوء ثنائه على أئمته، وشدة تقصيره في العلم، وقلة تحريه فيه.
ولو تكلف الناس أن يكتبوا قول كل ناعق فينقضوه، ويتتبعوا خواطر كل متكلف فيعارضوه، لطال هذا وأشغل عن ما هو أولى منه، ولولا ما ذكرتَ من كثرة من افتتن به من الضعفاء ما استجزت مناقضته، والله المستعان.
ولقد أثر من ابتـ[ـدع في] الأمة الكلام في الدين على الحمية والضغن أثر فتنة، فصارت زلة متبعة، عاقبتها لمن اتبعها الفرقة بالحمية بعد الألفة بالنصيحة، وضغن العداوة بعد ظفر الولاية، وأهل السنة لا يتخلقون بهذا الخلق في عامتهم فضلا عن أئمتهم، وهذا خلق الخوارج.
ولقد تقدم -رحمكم الله- من بيان المتقدمين ما فيه كفاية لمن بعدهم.
ولكني تحملت ذلك لكم، لقلة ما بأيدي أهل ناحيتكم من كلام أصحابنا على الأصول ومسائل الخلاف، ولما رجوت أن ينتفع به من لم يسبق إليه الكلام على أصول أصحابنا، فتشكل عليه الفروع.
وقد حكيت كلام هذا الرجل، مقتصرا على إيعاب معانيه، وإن اختصرت بعض لفظه كراهية التطويل، وبدأت بمناقضته فيما قدم قبل المسائل من جمل، تضمنت غير

الجزء: 1 - الصفحة: 253

شيء من خلاف أصولنا، والطعن على أئتمتنا، وفصلت [] أنا [] خبر [] تأملت هذا [] من قوله، [] مخالف لظاهر [] ممن اتبعه.
مالك من الصحابة والتابعين.
وهذا وهذه الكلمة منه بخلافها من غيره، لأنه يرى أن ما تعلق هو به من ظاهر القرآن والسنة لا يحتمل غير قوله.
فتأمل ما سترت الحمية عنه، أنه جعل من قال بخلافه من السلف قد خالف ظاهر القرآن بما لا يحتمل إلا مخالفة القرآن؛ لأن ذلك الظاهر -عنده- لا يحتمل غير الوجه الذي ذهب إليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 254

والشافعي وغيره من المختلفين يرون أن الظاهر محتمل لقول المختلفين، إلا أن كل واحد يرى أن ما تبين له من الاحتمال أشبه وأولى.
فتأملوا مبلغ ما تنتهي إليه هذه الكلمة منه دون [] علينا وما علمت من العلماء من نسب من خالفه منهم أنه خالف ظاهر نص من الكتاب غير محتمل لقوله، وهذا لا يجوز أن ينسب إلى العامة فضلا عن الأئمة.
وإنما اختلف الناس في ما ظاهره من الكتاب والسنة يحتمل ما ذهب إليه المختلفون، فكل واحد يرى أن تأويله في الاحتمال أولى وأكثر أدلة، ومن عد كلامه من عمله لم يطلق مثل هذا في أئمة الدين.
ثم رأيته ترجم كتابه بكتاب "التنبيه والبيان عن مسائل اختلف فيها مالك والشافعي"، وتلك المسائل كثير منها مما يقول الشافعي فيها بقول مالك، وهذا مما سترته عنه الحمية أو لم يدر ما اتفق فيه الرجلان، ثم تكلف النقض على الأئمة والاختيار من أقاويلهم.
ثم رأيته [بدأ] في كتابه بتشريف الشافعي ومدح طريقته ومذاهبه، ما وهم أنه يتبع مذاهبه ويتقلد أقاويله، وهو كثير الخلاف له في الأصول فضلا عن الفروع، وفي غير مسألة مما في كتابه هذا الذي ترجمه بنصر مذاهب [الشافعي تجده] يرد أشياء هي قول

الجزء: 1 - الصفحة: 255

الشافعي معنا، فكأنه [] في قول لا يراه صوابا، ولا يعتقده مذهبًا [] ولا في [ما ألفه يتجاسر] ورأيته فيما [] [] و [] في مالك [] من التقصير الشديد، [] بالشافعي [] ذلك إليه في مثل ذلك القول أو يعيبه عليه، وهذا حيف شديد وميل بعيد وقول بالهوي وغير العدل.
ولقد تجاسر هذا الرجل في مثل هذا الإمام، وتحمل منه ثقلا باء بوزره، ولقد سلك سبيلا لم يسلكها من انتسب في المذهب إليه.
ولقد قصد داود بالرد أهل الرأي، ولم يقصد إلى مثل مالك في تمامه وإمامته برد في كتابه ألفه، ولقد أعاب محمد بن داود على الشافعي قصده بتأليف الرد على مثل مالك في إمامته، ثم ما علمته قصد مالكا بتأليف كتاب عليه، وقصد بمثل ذلك الشافعي.

الجزء: 1 - الصفحة: 256

فهان عليك أيها الرجل ما لم يهن على من سبقك إلى ما تقلدته من المذهب، فلا بنفسك ارعويت، ولا بمن ارتضيت مذهبه اقتديت.

فصل آخر

وبدأ هذا الرجل في خطبته بما كثر فيه، وأخلاه من المعاني التي لها ألف كتابه، وكأنه فيما ضمن ما ابتدأ به كتابه رجل يرد على [المعاندين] في الإسلام، وكان أولى به أن يضمن في مقدمته ما [تكلفه] مما قصد إليه من الكلام على الأحكام.
وذكر أن في الكتاب والسنة بيان كل دقيقة وجليلة، وأن الخلق لم يوكلوا إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 257

آرائهم.
فإنا لنعلم أن في كتاب الله وسنة نبيه أمورًا محكمة وأمورًا محتملة لغير وجه من التأويل، أبيح للعلماء أن يجتهدوا في طلب أولى الاحتمالات، وقد أبقى الله

الجزء: 1 - الصفحة: 258

لعباده حكما في الحوادث التي لا نص فيه أن ترد بحكمهم إلى ما يشبهها [من] المذكور.
وكأنه أشار بهذه الجملة إلى نفي القياس الذي يأبى اسمه

الجزء: 1 - الصفحة: 259

و [ينفي] معناه، وقد حكم الصحابة والسلف أجمع برد الحوادث إلى ما يشبهها من الأصول، [فحكموا] [للجدة بالإرث] وللعمات

الجزء: 1 - الصفحة: 260

[والخالات] [] بالتيمم [بغير نص]، [وحكموا في حد] الخمر بغير نص، وشبهوه بحد القذف، وأول من شبهه به علي بن أبي طالب عند مشورة عمر للصحابة، فرأوا ذلك من تشبيه علي رحمه الله صوابا، واجتمع ملؤهم عليه.
وحكموا في أمهات الأولاد بغير نص،

الجزء: 1 - الصفحة: 261

وفي ميراث الجد وفي كثير مما أجمعوا عليه، فقالوا فيه بالتشبيه لما ذكر، واختلفوا في القول، وهم مع اختلافهم يعلمون أنه لا نص فيما اختلفوا فيه، أعني نصا لا يحتمل غير وجه واحد، ومن قال: إنهم يختلفون فيما لا يحتمل غير وجه واحد، فقد أزرى بهم.
وإذا كان لله في الحادثات حكم، -وقد أمرنا عند التنازع بالرد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم– فلا بد من أحد قولين، إما أن نقول: إن كل حادثة يختلف فيها عليها نص أو لا نص فيها، فإن قلت: عليها نص، رميت الأمة أنها تتنازع في النص -وقد عصمها الله من ذلك،- وإن قلت: لا نص فيها، لم يبق إلا أنها مردودة إلى ما يشبهها من النص، أو تقول: لا حكم لله في الحادثة، وهذا خلاف الآية، لأن الله تعالى لم يأمر عباده –عند التنازع– بالرد إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلا وفيهما دليل على الحكم في كل حادثة.

الجزء: 1 - الصفحة: 262

وربما لجأ قائل هذا القول في بعض ما حكموا فيه من الحوادث بغير نص أن يقول هذا إجماع، قلنا: فإما أن تقول: إنهم أجمعوا على شرع دين لا أصل [لحكمهم عليه]، [أو تقول: إنهم ردوا] ذلك إلى شبهه من الأصول، فترجع عن قولك، [فإن قلت: إن الذي أجمعوا على] الحكم به من الحوادث توقيف، قيل: هذا يبعد، [لأنه لو وقع لاشتهر] ونقل كما نقل ما هو أقل من ذلك، ولذكروا ذلـ[ـك] [ولم يتركوه للمشاورة] والتناظر، ولم يسعهم اختلاف، والاجتهاد [] هذا لا يقوله من يتحفظ فيما يقول، وهذا [] والاشتهار ما لا يذكره [منهم] أحد بإغماض ولا رد.
[وهم يتنا] ظرون، ويرجع بعضهم إلى بعض، ويختلفون قبل رجوعهم ويجمعون، أو يقيمون على الاختلاف، وشهرة هذا منهم توجب أن دافعه مكابر.
ويلزمه أن يقول في مثل ذلك: قال الله أو رسوله، ولا يحتج بأنه إجماع، فتزول

الجزء: 1 - الصفحة: 263

فائدة الحجة بالإجماع عند الحوادث، وعمر يقول للجدة للأب: ما أنا بزائد في الفرائض، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، ثم جعل لها، وحكم لها بذلك بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 264

التشاور، فانتهى الأمر فيها إلى أن أجمعوا على توريثها بعد علمهم، وقولهم: إن الخبر في غيرها، فظهر منهم – عند الحادثة – ما كان عندهم فيه من خبر فذكروه، وبينوا ما حكموا فيه بالتشبيه لما فيه الخبر، وهذا كثرته تغني عن تقصيه.
وهذا والإجماع وصورته تُبعد على متعاطي قول هذا القائل أصلَه فيه، لأنه لا إجماع عنده حتى لا يبقى أحد من الصحابة، ثم إن صمت واحد منهم لم يعد إجماعا، فأين يوجد في شيء حكاية القول عن كل قائل.

الجزء: 1 - الصفحة: 265

ومنهم من يقول: إذا اختلف الصحابة ثم أجمعوا لم يعده إجماعا، ولكل من بعدهم خلاف ذلك، وهذا من ورائه ما لا خفاء به، وحكايته تنوب عن الاعتلال عليه [ولنا عود] إلى الكلام في إثبات القياس سنطيل فيه، ولكن ذكرنا [منه جملة من] المعنى الذي رمى به هذا الرجل من أصله فيه.
والشافعي معنا يقول [بالقيا] س كقول العلماء من الماضين والباقين، فكان أولى بهذا الرجل أن يطالب الشافعي ومالكا وغيرهما في هذا الأصل الجليل الذي [تنبني عليه القواعد] العظيمة من الأحكام، والحلال والحرام وما أولى [بك من تقديم] الكلام على الأصل الذي فرق بيننا وبينك وبين الشافعي [في كثير من العلم و] نحن [لا يشكـ]ـل بنا العجز عن جوابك في مسائلك، فإن حكمنا أن نناظرك في

الجزء: 1 - الصفحة: 266

الفروع لما ذكرنا، وليس لك علينا ولا على الشافعي درك في فروع قلنا فيه بالقياس على أصل، وإنما لك الكلام في الأصل الذي هو القياس الذي فرق بيننا وبينك وبين الشافعي في كثير من العلم.
وإن كنت أفصحت بخلافك لنا، وكتمت عن خلافك في ذلك للشافعي، من كتابك هذا الذي أظهرت فيه الانتصار للشافعي، كأنك داجيب أصحابه وسالمت متبعيه في ذلك، وهذا من اللعب، لأنك أظهرت حمية على من خالفت في مثل ما خالفت فيه من سالمت وهذا من شهوات النفوس.

الجزء: 1 - الصفحة: 267

و

فصل آخر

ثم أخذ يحتج في إبطال اقتداء الناس بعلمائهم، وقبولهم، ما أفتوهم به، بقول الله سبحانه عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ في مثل هذا من الآتي، وأن الرسول عليه السلام قال لحذيفة: إنهم أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه.
وهذه عظيمة، ما ظننت أن يتجاسر عليها متجاسر، وكيف يحتج بآية نزلت في قوم من بني إسرائيل بدلوا كتاب الله عنادا وكذبا، ليشتروا به ثمنا قليلا، وقالوا فيما غيروه: إنه من عند الله، وما هو من عند الله افتراء على الله الكذب.
فأين تذهب بك المذاهب في تشبيهك لهؤلاء بالأئمة المأمونين على الكتاب والسنة الذين تشهد الأمة أنهم لم يخونوا الله في دينه ولا رسوله، بل هم المأمورون بالاجتهاد، القاصدون للحق والمأجورون إذا أفتوا على اجتهادهم، الذي قصدوا به وجه الله وما أعلم بالأمة من يجعل ما ضربه هذا الرجل لهم مثلا من القصد إلى مخالفة الله ورسوله خيانة وعنادا إلا حاقن عليهم باللسان، وكل قول خرج عن غضب وحمية تعظم عاقبة الزلل فيه، أعوذ بالله من الطعن على الأئمة.
ولا يعدو أن يكون من أشرت إليه من علماء الأئمة نزلوا عندك في رتبة هؤلاء الذين خانوا في كتابه، وحرموا حلاله وأحلوا حرامه، قاصدين لذلك، جرأة على الله وردا لأمره، أو هم بضد ذلك كله، وفي موضع الثناء فيهم خلاف ذلك، فإن ساويتهم

الجزء: 1 - الصفحة: 268

بهم خرجت إلى تكفير الأئمة وتضليلهم، وإن لم يكونوا كإياهم فقد احتججت بغير حجة ومثلت بغير مثال.
وما هذه الحمية التي غيبتك حتى قرنتهم في التشبيه بالمعاندين للحق، وهم في حلية الراغبين فيه، وبالمذمومين وهم الممدوحون المأمورون أن يقولوا بالاجتهاد وبالآثمين الضالين وهم المحمودون المأجورون، ولا ادري ما عذرك فيما تخطيت إليه من هذا.
ثم شفع ذلك بقريب منه، فقال: فهمت الذي ذكرتم مما من الله به عليكم وعلى أهل الحديث غيركم بالشافعي، إذا انتاشكم وإياهم من أيدي الهلكة، وبيَّن لكم تمويه وخرق المبطلين.
فليت شعري من عني بقوله: المبطلين والهالكين؟ أمالكا يعني وأشكاله من أئمة هذا الدين؟ أم أهل الأهواء والخوارج الضالين فإن الشافعي لم يتكلم على أحد من أهل الأهواء بشيء، فيمدحه بذلك، وهذا مما حمد للشافعي، لسلوكه في ذلك سبيل متقدمي السلف، وإنما تكلم في الحلال والحرام.
وما يرضي من له ديانة وتحت منطقه وقلبه خشية أن يقول في أئمة الفقه والحديث ومن نحا نحوهم: إنهم مبطلون وإنهم بسبيل هلكة، وهم خيار أعصارهم، ومالك وأهل عصره من القرون الممدوحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 269

ومالك الذي قصد هذا الرجل إليه من شهد له التابعون [بالصدق] والأمانة، ورووا عنه واستفتوه، ولقد استفتاه زيد بن أسلم في مسألة من دينه وانتهى إلى قوله.
وأما أهل طبقته ونظراؤهم ومن دونهم، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك، وقد تأول فيه سفيان بن عيينه أنه عالم المدينة الذي بشر به الرسول عليه السلام، وقال سفيان: كانوا يرونه مالكا، قال عبد الرحمن بن مهدي: يعني من أدرك وقد أدرك التابعين، وتأويل ذلك فيه ابن مهدي وعبد الملك بن جريج ووكيع وكثير يكثر عددهم، قال يحي بن سعيد: مالك أثبت القوم، وهذا فيه يكثر ذكره.
وقد رضيته الأمة إماما في الحديث والفقه في دين الله، وقد قال الشافعي: إنه النجم في الآثار وأمير المؤمنين في السنن، وقاله فيه أئمة الحديث ومخالفوه من أصحاب

الجزء: 1 - الصفحة: 270

أبي حنيفة.
ولو تكلم بما أشرت إليه في مالك رجل يتهم ساعته، أو حديث عهد بكفر من دار حرب؛ ما عذر في جهله بفضل هذا الرجل الذي امتلأت الأرض بفضله؛ وشهدت الخاصة والعامة بإمامته، وعظم قدره في الدين والإسلام والفقه والحديث على ألسنة الأخيار.
وما أدري على أي وجه من التأويل يُصرف أمر الناطق بهذا، وأي عذر يعتذر به في نفي ما قرب نفسه إليه من الريبة.
وبعد فإن الشافعي رضي لنفسه ولأصحابه بالقياس، واحتج على من نفاه، واستعمل الأحاديث فيها، فأخرج كثيرا منها عن الظاهر إلى المعاني، فإن كان هذا هو طريق الهلكة وقول المبطلين فهذا مذهب من أظهرت نصرته، فإما أن تدع كل ما خالفت فيه الشافعي، وتدخله فيما جعلته هلكة وإبطالا، وهذا [] [وإما أن تقبل ما وا] فقك فيه، فتجعل خلافه ذلك هلكة و [إبطالا، وما خالف] فيه غيرك لم يلحق عندك فيه بأهل الهلكة والباطل، وهذا تلاعب ودين الله ليس من ذلك.

فصل آخر

ثم قال: والشافعي رحمة لأهل الحديث ونعمة من الله عليهم، إذ إلى الله ورسوله دعاهم، وعن تقليد من لا يجب تقليده نهاهم، وعلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه

الجزء: 1 - الصفحة: 271

حضهم، وقد كانت الفرق بأجمعها كادت الحديث حتى قُذفت بشهابها ودُمِغت بحجرها.
فنحن نسأله: من يعني من أهل الحديث الذي صار لهم رحمة، وجدد لهم على يديه هذه الدعوة إلى الله والرسول حتى أجابوا؟ فإن عني أهل عصر الشافعي ممن فوق طبقته منهم، كمالك والأوزاعي وابن جريج والسفيانين والحمادين وشعبة ونحوهم، أو من تحت هؤلاء، كيحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ووكيع وأسد بن موسى وابن وهب والقعنبي والحميدي وضربائهم، ممن يكثر ذكره فهذا إن ادعاه من اللعب وقبيح الكذب، ولقد مدح الشافعي بما نقصه به لوو شعر، وطعن عليه بما لم يبلغه عليه من الطعن أحد، إذ نسبه إلى أنه الذي دعا أئمة الحديث والمتمسكين بالسنن والآثار في أعصارهم - من طبقته أو فوق طبقته - إلى الله ورسوله، وإلى اتباع الحديث، حتى رحموا بدعوته، وأنهم عليهم بإجابته.
أفكانوا يخالفون الحديث فردهم إليه، واجتمعوا على الجهل بمخارجه فققههم فيه، أو لم يكونوا بالسنن متمسكين أو عن شيء منها راغبين، وهم رؤساء أعصارهم في التمسك بالسنن والقيام بها.
ومالك رأس الناس في زمانه في الرواية والحفظ والفقه وتهذيب الآثار، قال أحمد بن حنبل: مالك [إمام يسكن] إلى حديثه وإلى فتياه: مذهبه الآثارـ[شديد]

الجزء: 1 - الصفحة: 272

الاتباع للآثار التي تصح عنده.
ولا يشك منصف أنه النجم في الآثار في عصره، والجامع لشملها والمذهب لها، وأمير المؤمنين فيها، وسنذكر بعد هذا بعض قول الأئمة فيه واعترافهم بإمامته في الفقه والحديث.
وإن قال: أردتُ بهذه الدعوة طلبة الحديث في وقته؛ فهؤلاء ما كادوا شيئا من الحديث، وهم مسلمون لأئمتهم، وكذلك عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وما يعرف الطلبة برد الحديث حتى يكيدوه والكيد في رد الشيء أعظم من دفعه.
فليت شعري متى تطابقت الفرق كلها على هذا الأمر العظيم، فلم يبق منهم متمسك بالسنن، حتى أتى الشافعي فتمسك بها ورد الناس إليها، لقد بالغ هذا الرجل في نقص العلماء، وفي انتقصاص الشافعي حين رفعه بنقص سلفه، ووصفه بما لا يرضى به لنفسه، ولا يرضي به من يؤثر الحق من أصحابه.
وإن أراد أهل الرأي من الكوفيين، فليسوا بالفرق كلهم، ولهم بعض التمسك بما عندهم من الحديث وإن كان غيرهم أثبت أحاديث وأعلم بالسنن منهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 273

ولم يزل أهل المدينة يتمسكون بما عندهم من السنن، ويطالبون من خالفهم ما عندهم من ذلك بتأويل أو لحديث لا يكون في الثبات كالذي عندهم، بما يشبه من المطالبة على الشافعي وبعده.
قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة [من سة] أهل المدينة خير من الحديث، يريد أنه أقوى من نقل الآحاد، [ثم ذلك] [] وقد قال الشافعي: إذا كان حديثا متصلا لا يعرف له أصل في الحجاز لم يقبل، وهذا غير قولك.
وإن أردت بالكائدين للحديث الخوارج [فإن هؤلاء هم] الذين ردوا الحديث، وهم على أمرهم ما انتفعوا [بالشافعي] و [ولا] كان لهم إليه إجابة، وما كان لهم من الله رحمة، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، وليسوا بالفرق كلهم، بل هم

الجزء: 1 - الصفحة: 274

ممن لا يعبأ بمخالفتهم، ولا يأنس أهل السنة إلى ماوفقتهم، ولا ينقض خلافهم إجماعًا، ولا يعرف أن الشافعي تكلم على أهل الأهواء بشيء، وإنما كلامه في

الجزء: 1 - الصفحة: 275

الحلال والحرام.
فمن الذين دعاهم الشافعي إلى الله والرسول وإلى الحديث: فانتفعوا بدعوته ورحموا بإجابته، وتركوا ما ركبوا من كيد الحديث؟ فهذا كلام لم يتحصل في الروية ولا سلم من الحمية.
وبعد فإنا نقول: أرأيت هؤلاء الذين أجابوا الشافعي في دعوته وسلكوا سبيله في اتباع الحديث؛ فهل ترضى وتتبع مسالكه ومعانيه في اتباع الحديث؟ فإن لم ترضها لهم ولا له؛ فقد مدحت ما لا ترتضيه، ودعوت إلى ما تطعن فيه، وإن رضيت لهم مسالكه في اتباع الحديث؛ فارض بها لنفسك قبلهم وأجبه كما أجابوه.
فإن الشافعي يقول معنا بالمعاني والعلل في الأحاديث وظاهر الكتاب، وربما نقل ظاهر اللفظ إلى معنى تناوله، وإذا اختلف حديثان يتأول لكل واحد معنى بتأويل، قد يخالف فيه إذا لم يعلم الناسخ، فإذا ضاق به التأويل اتبع أقواهما في الرواية باجتهاده بما عسى أن يكون اجتهاد غيره بخلافه، فإن لم يكن ذلك اتبع أشبههما بالكتاب عنده، بما قد يخالف فيه من التأويل، ومعنى من ذهب إلى مذاهبه غير هذا.
وقلنا نحن: إن تأويل الصحابة في الحديثين أولى، وكذلك في أخذهم بأحد الحديثين دون الآخر، وإن كان لابد من التاويل فتأويلهم مع المشاهدة أولى من تأويل

الجزء: 1 - الصفحة: 276

المتأخرين.
والشافعي يترك الحديث إذا تركه راويه من الصحابة، وفعل ذلك فيحديث أُبَي: الماء من الماء، وهذا نحو قولنا، وقال في كتاب" مختلف الحديث": إن الأشبه أن

الجزء: 1 - الصفحة: 277

أُبَيًّا لم يتركه إلا وعنده من ذلك علم أوجب تركه، ونحو هذا.
وهذا غير قولك، وصاحبك لا يوجب الطهر من التقاء الختانين، على ما في ذلك من رجوع الأنصار إلى أزواج النبي عليه السلام، وما اجتمعت عليه تلك الطوائف من القرن الثاني أجمع ومن بعدهم.
والشافعي يعترض في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، فيقول بتأويله: إن الماء نجس والإناء نجس، وليس في الحديث دليل على ذلك، ثم يقيس على ما تأول فيجعل الخنزير مثله لابد في غسل الإناء فيه من سبع، ولم يقس عليه الذئب والسبع.

الجزء: 1 - الصفحة: 278

وقلنا: إن تحديد سبع مرات يدل أن ذلك التحديد ليس بمقدار [لما] تطهر به النجاسات، وقال الشافعي بنجاسة الماء والإناء، وليس هذا قول صاحبك في هذا، ولا معنى ما تقلد من اتباع ظاهر الحديث.
والشافعي يقول بنجاسة أبوال الغنم والإبل، ويتأول في الحديث أن المأمورين بشرب أبوالها لداء كان بهم، والتداوي بالنجاسات لا يرجع به إلى أصل، مع ما روى من صلاة النبي عليه السلام في مراح الغنم، وليس هذا قول

الجزء: 1 - الصفحة: 279

أصحابك.
ويقول بعموم آية الملامسة، فيوجب الوضوء على من لمس أمه أو ابنته، ولم يخصص ذلك، بما روى من الحديث في حمل النبي عليه السلام أمامه في الصلاة، وما روي من قبلته ثم يصلي، وتقبيله [لعائشة] ثم يصلي، ومسه برجله لعائشة وهو في الصلاة، وهي معترضة لتقبض رجليها ليسجد.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

ويعمم حديث مس الذكر [فيوجب الوضوء على من] مس دبره أو مس ذكر صبي، وأنتم تردون [ذلك عليه] ونحن [لا نرى أن نقـ]ـيس عليه، إذ ليس في ظاهره ما يدل على علة يرد بها إليه غيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 281

وأدخل الشافعي في حديث بول الأعرابي تأويلا خالفتموه معنا فيه، فقال: إن الذنوب علة لطهر بول رجل واحد لا أكثر منه، ولا يطهر بول رجلين إلا دلوان، وقد يبول رجل كبول رجال، وليس في الحديث دليل ظاهر يضطر إلى هذا، وجعل ما يطهر البولة قدر سبعة أمثالها أو أكثر، والذنوب يجاوز هذا وأضعافه.
وخالفتموه في ذلك كله، وفيما تقلد من علل حديث القلتين، ورده إياه إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 282

خمس قرب، مع سائر ما فرع من ذلك على ما أصل.
وقال بتنجيس ما مات فيه ذباب أو خشاش أو دود من الشراب والماء والطعام المائع، والحديث معروف في أمر النبي عليه السلام بغمس ما وقع من الذباب في الطعام، وهو يموت في ذلك، وهذا ما لا يمتنع منه، وهذا من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، وتأول في ذلك بما خالفتموه فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 283

ولا يرى ما روى الصحابة، من ذكر التشهد في الصلاة، الذي علمه الرسول عليه السلام من أصحابه يجزي، حتى يصلي بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يفعل فالصلاة فاسدة عنده، وليس ذلك في حديث مذكور فأوجب زيادة ذلك في التشهد، ثم أفسد الصلاة بتركه، فخالفتموه أنتم، وغيركم في ذلك، وحديث التشهد مشهور.
قال: من أعتق عبدا فماله لسيده، قياسًا على ما روي في من باع

الجزء: 1 - الصفحة: 284

عبدًا، وفي العتق حديث آخر: أن المال للعبد.
وقال: العبد لا يملك، لقول الله: ﴿عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ ولم يصرف ذلك إلى ما لا تتعطل معه الآية الأخرى، كما يفعل في الحديثين، وذلك قول الله سبحانه في العبيد: ﴿إن يكونوا فقراء [يغنهم الله] من فضله﴾،

الجزء: 1 - الصفحة: 285

فوصفهم بالغني والفقر، على أن قوله ﴿لا يفد [ر على شيء﴾ لا يدل على رفع] ملكه.
ولم يقل بالحديث المتصل في إيجاب الكفارة على من أفطر في رمضان، أنه يخير في العتق والصيام والصدقة.
وقال بحديث لم يروه مالك إلا منقطعا، فيمن وطيء أهله في رمضان، وفيه ذكر البدنة، فلم يقل بالبندنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

ثم قصر الكفارة على الواطيء، ولم يقس على منتهك الصوم بالوطء منتهك الصوم بالأكل – وهو من القائسين – هذا لو لم يجب فيه غير القياس، فكيف وفيه الخبر الثابت، وعلل ذلك بتأويل تخلفونه فيه، كما خالفه غيركم.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

وقال بنجاسة الشعر، إذا بان عن جسد الإنسان، والحديث ثابت في قسم النبي عليه السلام شعره بين أصحابه، ولا يمتنع أحد أن يبقى عليه شعره من حلق رأسه، وهذا من الحرح لو لم يكن فيه أثر، فكيف وحديث الرسول عليه السلام فيه ثابت.
ومن ذلك قوله في حديث: " السلب للقاتل ": إنه إنما يكون لمن قتله مقبلا غير

الجزء: 1 - الصفحة: 288

مدبر، وليس في الحديث ذلك، ولو كان أيضا السلب للقاتل أمرا راتبا، لابد منه، لم يؤخر النبي فيه البيان على أصلكم، لأنه إنما يحفظ في حنين، هي من آخر المغازي، ولا كان يقضي بشهادة واحد بغير يمين، ولم يذكر أن أبا قتادة حلف، ولو

الجزء: 1 - الصفحة: 289

كان تمليكا مرتبا، كانت الأسلاب مقام اللقطات لا يخص بها أهل ذلك الجيش، إذا فقد النائلون البينات.
وأنتم ترون أنه خالف الحديث، حين خص بالقاتل المقبل دون المدبر، ولنا نحن عليه مطالبة في بقية معاني الحديث ليس هذا موضع تقصيها.
وربما يطالب من الظاهر على معانيكم، ما يخرج به عن المعنى المقصود.
من ذلك ما روى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: من غير دينه فاقتلوه.
فقال: إنه في كل ملة ودين فجعله عاما في اليهودي يتنصر أو يتمجس، والنصراني يتمجس أو يتهود، وهذا مما

الجزء: 1 - الصفحة: 290

خالفناه فيه نحن وأنتم، وقلنا المراد هنا: من غير دينه الذي رضيه الله ودعا إليه، وحذر من تغييره، ولا يأمر الرسول بالقتل على تغيير دين لا يرضى المقام عليه.
وقال بعموم الحديث الآخر: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير، فجعل الكفارة في اليمين في المشي إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 291

مكة والصدقة، وأبي ذلك في العتق والطلاق – وهما يمينان عنده – وهذا من معنى الأول، أنه عليه السلام إنما أوجب – في الأظهر - الكفارة في اليمين التي أذن في الحلف بها.
ثم زاد في عموم ذلك إلى غير الظاهر فيه، فجعل في يمين متعمد الكذب الكفارة، وهي يمين معصية وكذب، ولا تكفرها كفارة، وإنما فيها الوعيد من الله جل وعز، ومن رسوله عليه السلام، فيمن اقتطع حق امريء مسلم بيمينه، فأين مدخل الكفارة

الجزء: 1 - الصفحة: 292

في هذا؟ وخالفتموه في تأويله في هذه الأحاديث وما تعلق به فيها.
وإنما ترك العموم فيخص الظاهر، بما تخالفوه أنتم ونحن فيه.
من ذلك، تركه لعموم آية الظهار، فلم يوجب الظهار في الإماء، وهذا يكثر إن تتبعناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 293

ومن الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثى.
وحديث آخر: صلاة الليل والنهار.
وهو يجيز أن يتنفل الرجل بركعة، ولم يرو أنه عليه السلام تنفل في ليل ولا نهار إلا شفعا شفعا، إلا الوتر، وقد أكد النبي عليه السلام الوتر، وقال عليه السلام: إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم ألا وهي الوتر.
ولم يرها الشافعي واجبة ولا مؤكدة، بتأويلات لم يسلم له فيها.
وتعرض على ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي حديث آخر: لا يقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، بأن ابن عباس قال: هي من أم القرآن، والقرآن لم يؤخذ

الجزء: 1 - الصفحة: 294

بالروايات.
ويتأول أنهم كانوا يسرونها، ويأمر هو بإجهارها، ويبالغ فيما تاول فيبطل صلاة من لم يقرأ بها، وهذا كله غير ما نحوت إليه، من اتباع ظاهر الحديث.
وتخالفونه في قوله بحديث: خمس رضعات، وتدعون عليه تأويله فيه، في الرضعات، أنها كالأكلات دون المصات، لأنه تأويل أن الصبي لو أقام أكثر نهاره في

الجزء: 1 - الصفحة: 295

حجر أمه يرضع، كانت رضعة واحدة.
وهذا يكثر علينا إن تتبعناه من سلوكه، في اتباع الحديث وتعليل الأخبار والظواهر غير مسالككم.
فأراك أول الناكلين عن دعوته في اتباع الحديث، الذي جعلته الداعي الفرق إليه بعد أن كادوه، والراد لهم بعد أن خالفوه.
وأنت أكثرهم للشافعي خلافا في معاني اتباعه للحديث، فما الذي خصصت به الشافعي في اتباع الحديث دون غيره؟ وأنت تراه يتأول في تغيير الظاهر وتعليل الأخبار، ويترك ما يترك منها، بتأويل يظهر له، ولغيره من المعاني في ذلك، ما هو أقوى عنده في أدلته.
والعلماء لا يردون امر الله أو أمر رسوله معاندة، ولا رغبة عنه، ولكن لهم اختلاف تأويل في اتباع الحديث ومعاني النصوص، تختلف معانيهم في ذلك باختلاف التأويل، فمن بين مصيب ومخطيء مجتهد.

الجزء: 1 - الصفحة: 296

ونحن نسلك مسالك من تقدمنا من أهل المدينة، في اتباع السنن، ونتمسك في ذلك بمعانيهم، ولأنت لنا ولغيرنا مخالف في ذلك، في معاني اتباع الحديث والظواهر.
وقد يحتمل ظاهر النص أو الحديث أوجها، فيوجهه كل فريق إلى معنى، يرى أنه أولى في التأويل عنده، بدليل يظهر له.
أو يستدل أحد منهم بدليل، على أن ذلك خاص، أو في وقت دون وقت.
أو يدعه لحديث يرى أنه أولى منه، لغير معنى يستدل به، من قوة الرواية، أو من غير ذلك.
أو يظهر له أن [له] ناسخًا بدليل.
أو [أن] أحد الخبرين مفسر لما أجمله الآخر.
أو يوجه معناه إلى وجه هو أظهر عنده في الأصول [].
أو يستدل بدليل أنه على غير الإيجاب.
أو يدع من احتماله وجهًا، ويأخذ بوجه يؤيده – عنده – ظاهر القرآن.
أو يكون حديثا، يدعه جمهور الصحابة – وهم به عالمون – فيعلم أن من وراء ذلك علم، من نسخ أو خصوص، أو غير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 297

أو يجهله أهل الحجاز معدن العلم، ويغرب به غيرهم، فيعترض بهذا ريب في قبوله.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

وهذا نقوله نحن والشافعي معنا، وغير شيء من هذه المعاني، مما لا يتهم العلماء فيه على الكيد للحديث ولا للكتاب، ولا الرغبة عنهما.
فلم يترك أحد منهم شيئا من ذلك راغبا عنه، ولكن باجتهاد تختلف به أدلتهم.
فلا تتحامل أيها الرجل، بالطعن على العلماء وأحس بهم ظنا.
وانت قد تركت معانيهم أجمع، في اتباع الحديث، وظاهر الكتاب، وتركت الكلام على المعاني والعلل في ذلك، وطالبت الظاهر، دون أن تنتهي بذلك إلى العلل والمعاني.
وتركت على الشافعي وغيره معانيهم في ذلك، تركا خرجت به الى الشذوذ، حتى قلت – أو من قاله من أصحابك – لا يجزيء مخرج البر في زكاة الفطر، إذ لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر – وليس قول الخدري: كنا نخرج على عهد رسول الله

الجزء: 1 - الصفحة: 299

صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام.
ثم ذكر غير البر من الأصناف حجة عنده، وهو يعلم أن رسول الله عليه السلام هو الذي كان يأخذها من الخدري، أفيأخذ منه ما لا يجزئه؟ ومن يخرج أفضل من الذكور، كيف لقائل أن يقول: إنه لا يجزئه، هذا [وظا] هر الأمر إنما أراد به النبي عليه السلام غنى الطوافين عن طواف ذلك اليوم، بما يعطونهم مما هو جل قوتهم.
وأن أمر النبي عليه [السـ]ـلام بطرح السمن الذائب تقع فيه الفأرة، لا يوجب [طرح] [الزيت] أو سائر الأدهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 300

وأن ما نهى عنه من البول في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه ويشرب، لا يوجب على غير البائل نهيا عن الشرب والوضوء منه، إذا لم يتغير لونه طعمه.
وكذلك ألزموه أن لو بال في إناء، فصبه فيه، لم يدخل تحت هذا النهي، على أصله، إذ لا يتعدى بالمسموع عنده غير ما يعطي ظاهره، دون طلب ما تؤدي إليه المعاني، من ذلك الظاهر.
وهذا خروج عن ما يفهمه السامعون في التعاريف، وتعطيل المقاصد في الأمور في الأغلب منها.
وحكى عن بعض من يتقلد مثل هذه الأقاويل: أن البكر إن تكلمت في الإذن بنكاحها لم يجز النكاح إلا بصماتها، على ظاهر الحديث، وهذا من ذلك، أن يكون

الجزء: 1 - الصفحة: 301

قد جوز لها أن ينوب لها الصمت عن الكلام فإذا أبت بالذي كان هذا منه بدلا لم ينب عنه، وكان دونه فصار البدل من الشيء أقوى من المبدل منه.
وهذا خارج عن عوائد الناس، فيما يفهمون من المخاطبة والأمر والنهي، بعيد من عرفهم، غير معاني الشافعي في اتباع النصوص، الذي يزعمت أنه رحمة لأهل الحديث، في دعوتهم إليهم، حتى كادت الفرق الحديث، وأنه انتاش أصحابه من الهلكة، ومن قول المبطلين.
فإما أن تعاود معانيه وأصوله في اتباع الحديث والنصوص، فتصحح ألفاظك، وتدخل مدخل النجاة من الهلكة ومن قول المبطلين على لسانك وتجيب إلى ما دعاك إليه.
وإن أقمت على خلافه في ذلك وثبتت على أصولك، بطلت ألفاظك ها هنا، ودخلت مع سائر من نكل عن إجابته، ومدخل من نسبته إلى المبطلين والهالكين.
فقد عاد هذا الطعن منك على مالك بأسرع على الشافعي ولو كنت أفصحت بمذاهبه ومذاهبك في اتباع الحديث لم [] وعلم الناظر في ذلك أن طعنك على الشافعي أشد، وأنك في خصومته ألد.
وإن عذرت الشافعي فيما لم تعذر في مثله غيره، كنت متلاعبا وكذلك إن سلمت للشافعي ما نسب إليه خصماءه من خلاف الحدث، ولم تسلم إليهم ما نسبوه إليه من خلاف الحديث، لقد عدلت عن الإنصاف، لأن كل فريق منهما يقول بالمعاني في الحديث، وإن اختلفت أدلتهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

وأنت لهما جميعا مخالف في أصلهما في اتباع الحديث، ومن وفق لرشده أنصف خصماءه، ولم يركب ما ينهي عنه ويترك ما أمر به، والله يهدي إلى سواء السبيل.

فصل آخر

ثم قال: وإن كان الشافعي قد رسم في كتبه ما دلكم على إغفال من غفل من المتكلمين، وتقليد من قلد من المتكلفين، غيور للإزدياد بما يطمئن قلوبكم، من كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم.
فهذا كلام من غرضه تسفيه الحق وغمص أهله؛ لأن العلماء - في اختلافهم - غير متنابزين بنقص ولا طعن، بل يتناظرون تناظر الولاية، ويتحرون الصواب بالإشفاق، وهذا لم يطلقه في الأئمة إلا الخوارج.
فقولك: كشف الغطاء عن تمويه أهل الرأي ومقلديهم، فإن أراد بذلك ملكا، فقد تأفك باطلا، واختلف كذبا.
ولم ينسب أحد من العلماء مالكا إلى غير السنن، وكيف وهو الجامع لشملها، والمذهب لها، والنجم فيها، وأمير المؤمنين في الرواية، المأمون عليها.
قال أحمد بن حنبل: مالك مذهبه الآثار، شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.
قال أبو إسحاق الفزازي: مالك مذهبه الآثار، ومالك كان لا ينطق إلا عن آية

الجزء: 1 - الصفحة: 303

محكمة أو سنة ماضية، وربما قرأ كتاب الله وتتبع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسألة سئل عنها ليستخرج ذلك منهما.
ولقد سأله رجل عن رجل خلف بالطلاق ما يدخل بطون بني آدم أشر من الخمر، فأمره أن يرجع إليه، ثم جاءه، فقال قرأت كتاب الله، ونظرت فيما بلغني من [سنة رسول] الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أشر من الربا، لأن الله سبحانه قال فيه ما لم يقل في شيء مما حرم، فقال: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله﴾، وإن امرأتك قد طلقت عليك.
وكان أشد الناس توقفا ورعا في الفتوى، ويكره كثرة المسائل.
وقال: ما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل، ذكرها وغير ذلك فإنما هو ما سمعه من التابعين، وتخير من أقاويلهم وأقاويل الصحابة فيما لم تكن فيه سنة معلومة.
وفي الباب الذي بعد هذا، شيء من ذكر محل مالك عند الأئمة، في اتباع السنن، وما هو له أهل عندهم من الصيـ[ـت].
وهذا مما يهجن الاستدلال عليه، ومن عد كلامه من عمله تدبر قوله قبل أن يقول.

الجزء: 1 - الصفحة: 304

وكيف يحسن بمن يتقي الله في قوله أن يقول: إن مالكًا يموه، وهذا لا يشار به إلى ذوي الفضل ورؤساء الأئمة في الدين.
وما [لك] تكاملت له الفضائل عند المسلمين، إلا عند ظنين لا عذر له، ومن رضي أن يموه بزخرف الباطل عن نور الحق فقد خان الله ورسوله.
وهذا يرغب به عن عامة المسلمين فضلا عن أئمتهم في الدين، وإذا كان أدنى منازله أن اجتهد وأخطأ عند مخالفه - على طلب منه للحق - كيف يدخل ها هنا التمويه؟ أفتنسب لك من خالفت أنت قوله، من صاحب، وتابع، وتابع تابه - على كثرة من تخالف وقلة عدد من توافق - أنهم يموهون، [أي] يسترون الحق بالتمويه، فهذا تجاوز واعتداء وإساءة بالأئمة ظنّا.
وقوله: ومن قلد من المتكلفين، خروج عن القصد، لأنه إن منع الجاهل تقليد العلماء تقليد [العذر] قال ما لا قائل له يعبأ به.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

وإن أراد أن مالكا ومن استبحر في العلم من [] لا يعدو قوله مما عده سبيل مالك وأصحابه إلا من لم يستبحر في العلم، وهو - عند نفسه وعند علماء عصره - لم ينته من اتساع العلم، إلى حد الإمامة فيه، فعليه - فيما هو فيه مقصر- تقليد أهل التمام، فيما أشكل عليه.
ولا فرق بين من أشكل عليه الأمر في حادثة، وبين جاهل بها وبغيرها، فيما عليه من اختيار من ينبغي اختياره؛ لأن فيه محملاً لاختيار القائل، وليس فيه محمل لاختيار القول، وهذا قول المتقدمين ومن أنصف من المتأخرين.
وذكر أن ما تقدم عند الشافعيين من كلام الشافعي على من يخالفه، فإنه محبوب عندهم أن يزيدهم هذا الرجل مما تطمئن به قلوبهم، وهو للشافعي ولهم أشد اختلافا.

الجزء: 1 - الصفحة: 306

فكيف تطمئن قلوبهم بنصرة رجل وهو لهم مخالف في الذي أظهر فيه نصرتهم، وإذ لم تطمئن قلوبهم بما عندهم من الشافعي، كان أحرى ألا تطمئن بما عندك مع خلافك إياهم، وهذا كلام لم يحصل منه إلا الحمية.
ثم قال: وإذ سهل الله عليكم الاعتراف بفضيلة أهل الحق، يعني الشافعي.
وإذا كان هو وأصحابه عندك أهل الحق، وجب أن يكون من خالفه أهل الباطل، فأنت أقرب إلى هذه التسمية على لسانك، لخلافك للشافعي في الأصول وكثير من الفروع.
وإن أردت أنهم أهل الحق فيما وافقوك فيه، وأهل باطل فيما خالفوك، فلا معنى لما خصصتهم به من هذه الكلمة التي أقررت أنها باطل على لسانك.
ولو قلت ذلك فيهم في مسألة اوفقتهم فيها، نزلت عن درجة المناقضة، وبقي عليك درك سوء أدب المراجعة.
ومعانيك في هذا الفصل كيف ما قلبتها لم تفقد منها خللا.
أرأيت إذا قالوا في مسألة: نحن أهل الحق فيها، وقال مثل ذلك خصماؤهم، أفي ذلك ما يرضي به أهل التحفظ؟ وهل هذا إلا تنطع وتكلف؟ وهذا الرجل يخالف الشافعي الذي نسبه إلى الحق [و] يخالفنا، إلا أنه رضي بالجنف، والغلو علينا دونه، ورضي أن [يرفع] محله من الإنصاف والدين، وأن يخلد بهذه الورطة كتابًا بأيدي الـ[ـناس].

الجزء: 1 - الصفحة: 307

ثم ذكر - في تخليط له -: إني جامع لكم - يعني الشافعي - مسائل من أهل الخلاف لكم، تدل على إغفال من قلدوه، وعل ضعف ناصري [مذهبه] يكون عدة لضعفائنا، والمنتحلين بالانتساب إلينا، ومن المنتـ[ــسبين] إلى الحديث، والمتزينين باسمه، والراغبين عنه من سائر الفرق.
فهذا احتفال هذا الرجل في النصيحة في الدين، أن أشغل [المبتدئين] ومن لا علم له منهم بمسائل الخلاف الموشحة بالحمية وسوء الثنـ[ اء علي] الأئمة، دون أن يأمرهم بأول المطالب، مما عليهم، ومن تعلم أصـ[ــول] الديانة، وما هو أولى بهم مما يلزمهم.
وإنما ينظر في الخلاف ويحـ[ــكي] قول العلماء من اتسع في العلم، ولا يحل أن يؤمر الضعـ[ـيف] بتعلم مسائل الخلاف، وإدخال الحمية على الأئمة في صدره، ولـ[ـا يبدأ] بإحكام فرائضه، فما أقبح هذا الأثر في الإسلام.
وجعل [هذه] المسائل عدة المنتسبين إلى الحديث والراغبين عنه، وهذا [شيء] ظاهره لا يردي ما هو أن ينشأ عنده أو بعده.
وإن أراد أنها لمن [ينتسب] إلى الديث وهو عنه راغب، فكيف يكون له عدة ما

الجزء: 1 - الصفحة: 308

هو عليه [] حث عبارته أنها [] كان في هذه المسائل ما شمل ال

ـ[] سائر الناس [] من أهله بمسائل خالف هو الـ[] في غير [] العلماء [] لسانه في الراغبين عن الحديث، لأنه جـ[ـعل] من خالفه [] الحديث [] أولا، ثم ضم نفسه معهم بعـ[] [لا خفاء به] [] الحيف الشديد.
وذكر انه كان يضعف علـ[ـيه] [] جهل به ولكن الإرادة لإظهار جـ[ـهل] الطاعنين على الشافعي، رد عني عن ذلك.
فإن أراد أن هذه الإرادة رادعة له عن كتمان ذلك، حدثت له، ولم يكن مريدا لإظهار ذلك، مع [تلا] وته لآيات الوعيد في كتمان العلمن فقد استعتب من خطئه بأشد [خطـ]ـ

أ؛ لنه عاود بث االرد على الطاعنين على الشافعي، ولم يرد على نفسه [و] ينسبها إلى الجهل؛ لأنه طاعن في كثير من أصول الشافعي وفروعه، فإما [أن] يرجع عنها، أو يقر بالجهل بطعنه عليه فيها.

الجزء: 1 - الصفحة: 309

ووسم من انتصر له من الشافعيين بالجهل، إذ تحرج أن يكتمهم ما فرضه أن يبينه لهم، [مما] جهلوه عنده من هذا العلم الذي أفادهم.
[ومما] كتم عنهم مخالفته [للشـ]ـافعي في كثير مما ذكر في كتابه هذا، وفي [غيره].
[فإن كـ]ـان في ذلك مبطلا فليراجع [قـ]ـول الشافعي، وإن كان محقًا فبيان [ذلك لـ]ـهم كان أولى به.
وإن كان [هو] وهم تسالما في ذلك بغير علم منه ومنهم، أنه على خلاف ما أظهر [من] موافقتهم، فقد رضي منهم ورضوا منه بالتمويه، الذي نسبه إلى [أ] صحابه، وموه بشيء أظهره عن شيء سواه ستره، وهذا تلاعب، ولا [تـ]ـلاعب في الدين.

فصل آخر

ثم قال ولولا ما أخذ الله من الميثاق على الذين أوتوا الكتاب ليبينه للناس، وقول النبي عليه السلام في كتم علما، لصعب الإفصاح عن مقالة من ذكرنا، لئلا ينتحل ذلك المنتسبون إلى الترأس الجاهلون بما يجب عليهم، من الاعتراف بفضيلة أهل

الجزء: 1 - الصفحة: 310

الحق، والذابين عنه، وفيما أوعد الله على كتمان الحق، ووعد على إذاعته رادع لشفاء الغيظ من أمثالهم.
فتدبروا ما أنا ذاكر من مسائلهم وارعو، وأذيعوه تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه.
قال أبو محمد: فتأملوا - رحمكم الله - مبلغ هذا الرجل في دينه، وما أبطن من طويته، مما أقر به على نفسه، أن تكلم في الدين على الأئمة فيه، وهو حنق عليهم مغتاظ، وقد هم - فيما ذكر - أن يشفي غيظه ليبلغ جهد [] [من] شفاء [غيظه] [] أمره، على أنه مغتاظ عليهم، جامع عنانه، غير مشتبه، أفهذا مقام الناطقين في دين الله، والحافظين لحدوده في ألفاظهم.؟ وهل تقدمه أحد إلى أن يخالف أخاه في باب من الدين، يريدان فيه الحق ويجتعدان، فيدخل فيه الغيظ من أحدهما على الاخر، وهذا خروج من الولاية إلى العداوة على القول بالحق؛ لأنه لا يحل لمن خالفك أن يدع ما بان له من الحق، لما بان لك دونه، وأنت تحرم عليه ألا يتبع إلا ما بان له به الدليل عنده، دون ما عندك، ولم يدع العلماء الحق عنادا له، ولا رغبة عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 311

فأين تذهب بك الحمية أيها الرجل؟ وإلى من تخطيت بمثل هذا؟ وما تحملت به من هذا الغيظ والحنق أولى أن يغيظ من سمعه من المسلمين، في تجاوزك بذلك إلى أئمتهم، وما أقررت به من الغيظ ستر بصيرتك عن استقباح هذا.
وما أعرف لغيظك على مالك وأصحابه سببا أحماك، إلا ما ترى مما رفعهم الله به من الدرجات، والله يؤتي فضله من يشاء.
ولئن قلدت صاحبك في إطلاق مثل هذه الأفاظ على أهل الرأي، أو من ردَّ الآثار من أهل الكلام، فإن كان مثل هذا قد حسن عندك فيمن قاله، فألا سلكت به مسالكه، وقلته فيمن رد الآثار من اهل الكلام، دون أن تطلقه في أمير المؤمنين فيها، والمأمون عليها روا [ية] والقائم بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 312

وإذا آثرت اتباع داود في طريقته، فألا امتثلت طريقته مع مالك، وعظمت من أمر مالك ما عظم داود وابنه، فما علمناه أنهما قابلاه برد، ولا أقذعا [فيه] بلسان، ومن وقع في مالك بنقصه أو خقض ما رفع الله من [رتبته]، فإن الانتصار منه في ظهور لك عليه [ـ]ـاد سلطه على هلاك نفسه ودينه.
ولقد أخذ ابن داود على بعض أصحاب الـ[ـشافعي، في جانب] [ألفه] عليه مثل ما نقمناه من [أهل] [] الحمية من [] سفاهة القول، ونسب [] إلى السفه، [واحتج بحديث] [عليه] رويناه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: سيأتي على الناس سنون، يصدق فيها الكاذبـ، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم/ ما الرويبضة، قال: السفيه ينطق في أمر العامة.
ولقد كثر عجبي من قولك في مالك إذ قلت: فتدبروا ما أنا ذاكره من مسائلهم، وعوه وأذيعوه، تعرفوا متعرفكم، أقدار القوم في العلم، ومبلغهم منه.
وما علمت من الأئمة وأهل العلم والدين أحدا، صغر بقدر مالك في العلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

ولقد رفع الله من قدره فيه، أن أحوج فيه إليه معلميه.
ولقد حلق، وهو ابن سبق عشرة سنة، وبالناس ويومئذ حياة، ووفد التابعين باقون، قد رأوه لذلك أهلا.
ثم أقام سبعين سنة – بعد ذلك – يحدث الناس عنه، ويستفتونه في دينهم، وتشد إليه المطايا من الأقطار.
واستفتاه التابعون، وشهدوا له بالفقه والحديث، ولقد استفتاه زيد بن أسلم لنفسه في مسألة من أمر دينه.
قال مالك: قل رجل كتبت عنه، إلا كان يأتيني فيستفتيني.
واحتاج إليه في العلم معلموه كلهم، إلا نافعا، فإنه قديم الموت، مات ومالك دون العشرين.
قال شعبه: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة، ولمالك حلقة.
وقال ابن هرمز لخادمه – وقد أخبرته أنه بالباب -: أدخليه فذلك عالم النـ[ـاس].

الجزء: 1 - الصفحة: 314

وكان ربيعة يرجع إليه في غير شيء.
وأما نظراؤه، فأكثر من أن نوعبه ف

ـ[ــي هذا الكتـ]

اب.
وكان ابن عيينة يجلس في حلقة مالك، يسمع الحلال والحرام، والحديث العمـ[] ولا يتكلم بحرف، فإذا [] من حلقة منذ كانت له حلقة.
وكان الثوري في الحج يتبع مالكا، فما فعل فعل سفيان مثله اقتداء به.
وروى عنه السفيانان وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد، وروى عبد الملك ابن جريج عن الثو [ري] عن مالك.
وروى عنه الدراوردي وابن أبي حازم.
وكل إمام أ [خذ] عنه مالك فقد روى عنه، أو أخذ عنه، إلا نافعا، فإنه قديم الموت.

الجزء: 1 - الصفحة: 315

و [رو] ى عنه ابن شهاب، وكثير ممن يكثر ذكره من نظرائه.
وقد استدعاه الأ [مير] إلى الحضور مع معلميه في المشورة، فلم يفعل حتى شاور في ذلك [من] التابعين من شاوره، فأمروه بذلك، ورأوه لذلك أهلا فحضر معهم.
واستفتاه التابعون، وشهد له بالتمام والإمامة ائمة عصره.
وعـ[ــلا] القوم من أمره أمر جليل قواهم على ذلك فيه.
وذلك ما تأويل فيه كثـ[ـير] من أئمة التابعين وتابعيهم، أنه العالم الذي بشر به رسول الله [صلى] الله عليه وسلم، ورواه جابر وأبو هريرة، وهو حديث لا شك في ثباته، فنحـ[ـتاج] إلى ذكر إسناده، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ينقضي الـ[ـناس]، فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة.
وفي حديث آخر: ليس على ظهر [الأرض] أعلم منه، فيضرب الناس إليه أكباد الإبل.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

قال ابن عيينة: كانوا يرونه [مالكا] قال ابن مهدي: يعني من أدرك، وقد أدرك التابعين.
وقد تأول ذلك فيه [أنه] عالم المدينة، الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الملك بن جر [يج] وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع، ونحو ذلك عن الأوزاعي.
وما تقدم هؤلاء الجلة [الكبار] الأئمة على هذا التأويل فيه إلا وقد تأكد [ت] فيه الأمور الموجبة لذلك.
قال حماد بن زيد لرجل جاءه في مسـ[ـألة] [] العلماء فقال له: يا أخي إن أردت السلامة لدينك فـ[ـعليك] بعالم المدينة [وسر] [إلى قوله] فإنه حجة، مالك إمام الناس.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

وقال [ابن] المبارك: لو قيل لي [اختر] لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إماما [] الذي لا [] لرأيته مالكا لأنه [] ورأيت ذلك [] للأمة.
وقال: [الليث]: [علم مالك علم نقي، مالك] أمان لمن أخذ [عنه] [من] الأنام.
وقال [رجل لسفيان بن عيينة]: يا أبا محمد، رجل أراد أن يسأل رجلا من أهل العلم، يكون له حجة بينه وبين الله، فقال سفيان: كان مالك ممن يجعله الرجل حجة بينه وبين الله، قيل له: قد مضى مالك [فـ]ـمن ترى، قال هيهات هيهات، ذهب الناس.
ولما أتى نعي مالك إلى ابن عيينة، قال: فوجدناه مكتئبا، فذكر نفي مالك، ثم قال: والله ما خلف على وجه الأرض مثله.
قال أحمد بن حنبل: رحمة الله على مالك، مالك إمام، يسكن إلى حديثه وإلى فتياه، وحقيق أن يسكن إليه، ومالك عندنا حجة، لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا – ممن كتبت عنه علم رسول الله صلى الله عليه وسلم – [أثبت] في نفسي من مالك، ولا أشد إعظاما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من مالك، ولا أشح على دينه من مالك، ولو قيل لي: اختر للأمة إماما، لاخترت لهم مالكا.
قال ابن عجلان: مالك مفتي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال إبراهيم بن عبد الجبار الدقاق: الثابت مما رويناه في كتاب علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: مالك أثبت القوم.
قال زيد بن [عبيد] قال يحيى بن سعيد [القطان]: مالك رحمة لهذه الأمة.
[قال ابن ابي حازم للدراوردي]: أسألك برب هذه الثنية، هل رأيت [أجل] من مالك بن أنس؟ قال: اللهم لا.
قال سفيان: قال عبيد الله بن عمرو: [نعم الخلـ]ـف للناس مالك.
قال أبو قدامة: مالك أحفظ أهل زمانه.
[قال ابن] مهدي: ما رأيت أثبت عقلا من مالك، وكان يميل إلى مالك دون [غيره].

الجزء: 1 - الصفحة: 319

قال الليث بن سعد: والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي من [مالك] [قال]: وأحسبه قال:: اللهم زد من عمري في عمره، وقال: [] على الدين.
وقيل لابن المبارك: من ترتضيه من الفقهاء [للناس]، قال: رحمة الله على مالك، مالك قليل الجرأة، متبع للآثار والسنن، شحيح على دينه، تعرف في كلامه الإرادة.
قال ابن عيينة لابن المبارك: إن بالمدينة من بورك له في علمه، يعني مالكا.
قال عبد العزيز بن محمد: ما أدركت أحدا من علماء الحجاز إلا وهو معظم لمالك ابن أنس، لا تجمع أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] فيه إلا على هدى.
قال عبد الـ[] بن عبد الوارث، قل ما رأيت من يتقلد الفتيا مثل مالك، مالك من العـ[ـلم] بمكان، مالك يعرف بالفضل، وكان الليث وابن لهيعة لا يعدلان بمـ[ـالك] أحدا في دهره، أو قال في عصره.
قال ابن إسحاق: مالك مالك لنفسه.
قال ابو إسحاق الفزاري، مالك بن أنس حجة، مالك بن أنس رضا، مالك كثير الاتباع، مذهبه الآثار.
قال عبد الرحمن بن عبد العزيز العمري: قال مـ[ـالك]: ربما وردت علي المسألة،

الجزء: 1 - الصفحة: 320

فتمنعني من الطعام والنوم، فقلت: ولم [يا أبا عبد الله]، فوالله ما كلامك عند الناس، إلا كنقش في حجر، فقال لي: فمن أحق بمـ[ـن] يكون هكذا ممن يكون هكذا.
قال ابن الدراوردي: رأيت في المنام ـ، كـ[ـأن] قائلا يقول لي: لو سئل مالك عن ما هو في الدقة مثل الشعر، وفي الثبـ[ـات] مثل الصخر، لم يلز موفقا، ما كان يقول الكلام الذي كان يقـ[ـول].
وكان إذا سئل مالك، فأول ما يجيب، أن يقول: ما شاء الله.
وهـ[ـذا] يكثر علينا ذكره، ويطول به الكتاب.
وأما الرؤيا فيه، بما يثبت ما تأولوه فيه من الحديث، فقد رأي ابن عيينة، كأن النبي صلى الله عليه وسلم، اعطي خاتمه مالكا.
ورأي غيره من أفاضل الناس أن النبي عليه الـ[ـسلام] أعطاه مسكا، وأمره أن يقسمه بين الناس.
ورأي ابن رمح النبي عليه [السلام]، قال: فقلت: يارسول الله، مالك والليث

الجزء: 1 - الصفحة: 321

يختلفان علينا، فقال لي علـ[ـيه] السلام: مالك، مالك ورث جدي.
فهذا يشبه ما روى فيه أنه عـ[ـالم] المدينة، ويكثر علينا تقصي مثل هذا، من الاتفاق علي فضله، وسعة [علمه] وفهمه وعقله وفقهه، وحفظه، وسلامته من الريب، وكمال الأمـ[ـور] التي قل ما تكمل في غيره.
ومن انتهي من الإمامة إلى هذه النهاية التي ذكر [نا]، عند التابعين وتابعيهم وأئمة الناس وخيارهم وارتفع [قدره في] العلم و [الدين] على ألسنة الأخيار لم يجز أن ينطق فيه [رجل] [ذو] دين وعقل بتقصير قدره في العلم وخفض مرتبته فيه.
فلئن رفع قدره هؤلاء الأخيار في العلم، وائتموا به، وانتهوا في وصفه إلى النهاية في الفقه والحديث، وهو بحيث وصفه أهل الحمية من التقصير فلقد أزرى بهم ونقص مراتبهم أجمعين، ورج شهادتهم، وقصر بهم في علمهم وبصائرهم.
وهذا - وإن اكن كمن أدخل الشك في العيان واستراب في صريح البيان – فإنما ذكرنا شيئا منه، لما كشف هذا الرجل من ستر نفسه من قوله: تعرفوا أقدار القوم في العلم ومبلغهم منه؛ يعني مالكا.
وحسب ذلك من منطقه أن يذكر وينشر، وتكذيب رجل فيما يدفعه الخاصة ويستعظمه العامة ويبطله العيان تكلف ما قد كفيناه.

الجزء: 1 - الصفحة: 322

وهؤلاء الأئمة قد شهدوا في مالك بما علموه من نهاية العلم وسعته وصحة رويته وحسن استنباطه، وتمامه في الفقه والحديث، وهم بحيث هم من الإمامة والديانة، وقد شهدت أنت فيه بتقصير العلم، فضح نفسك معهم بموضع استحقاقك من قبول القول يعذر ذلك عليك وييسر، والله المستعان.

فصل آخر

قال أبو محمد عبد الله [بن أبي] زيد: ورأيت هذا الرجل يؤثر في التعريف بذكر مالك أن يقول: [قال الحـ]ـجازي، فلعمري إن مالكا والشافعي لحجازيان، إلا أنه يذكر الشافعي [بما أشـ]ـتهر به من التعريف، فيقول: قال الشافعي.
والأغلب مما يذكر العلماء به مالكا اسمه أو كنيته، وليس التعريف بالبلدان آثر في العلماء [و] غيرهم من [الأسماء]، وما لإيثار ذلك دون اسمه وما عرف به مدخل في التشريف، والله أعلم بخابئة قلبه فيما أراد بذلك فيجازيه به.
ولو أخذ [في] طريق تشريفه بذكر البلد لسماه من ذلك بما تأول ابن عيينة وابن جريج [وابـ]ـن مهدي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه به، فقال: عالم المدينة، ليس [على ظهر] الدنيا أعلم منه، يضرب الناس إليه آباط الإبل كما تقدم [ذكرناه] إياه.
فلو قال: عالم المدينة أو عالم أهل المدينة، كما كان يقول وكيع والأوزاعي وحماد وغيرهم، لكان قد سلك مسلك الناصحين لله ورسوله في تشريف أئمة دينه.

الجزء: 1 - الصفحة: 323

وإن كان هذا الرجل نفث بضغن ونطق بتسفيه للقول وغمص على القائل فالله مجازيه بنيته، أسأل الله ألا يجعل في صدورنا غلا لأئمة المسلمين، ولا لإخواننا المؤمنين المتقدمين والمتأخرين.
ورأيت هذا الرجل فيما يذكر يترامي ترامي من لا يشفق من زلل، ولا تعترض عليه شبهة [ولا يعتـ]ـقد إلا أن معه النص المحكم الذي رده معاندة ومخالفة [فشأنه] إن أعاب قولا أطنب، وإن ذكر مخالفه أسهب، ولو نظر بعين [] سليم من الحمية لأشفق أن يكون من وراء نظره من الأئمة [وقوله ذو] نظر حديد وقول شديد ممن لا شك أنه أنفذ بصيرة وأوسع علما وأبين تأويلا وأهدى طريقا وأقل تكلفا، وقد قال بعض من تقدم.
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم.

الجزء: 1 - الصفحة: 324

فصول الكتاب · 37 فصل
فصول الذب عن مذهب الإمام مالك
المقدمةباب مسألة الرضاع بعد الحولينباب في قبض اليتامى أموالهم ببلوغ النكاح والرشدباب إقرار المريض لوارثه بدينباب في البيع إلى الجِداد [والحصـ]ــادباب في شهادة العبد والقانع وولد الزناـ[ــاب شيئا] على مالك أعابه على الشافعي، والله أعلم بما قصد [هـ هـ]ـباب في شهادة أحد الزوجين لصاحبه والأب والابن أحدهما للآخرباب في نكاح المريضباب طلاق المريضـ[ـمان] [] [سلف] ولم تحك نصا إلا عن ابن الزبير، [ولا يثبت] عنه [ما قلـ]ـباب في نكاح العبد بغير إذن سيده، او المرأة بغير إذن وليها، وكيف إن أجازاباب في العبد يباع لغرماء المفلس أو الميت، فيهلك الثمن بيد الأمين، ثم استحق العبدـ[ـمرو] []ـباب في قتل الزنديقـ[ـت عـ]ـباب في الأب يتزوج من مال ولده، وذكر الاعتصارـ[ـليـ]ـباب آخر ذكره في طلاق الشرك فكررهباب في النفقة على الولدباب الطلاق قبل النكاحباب أقل ما يكون صداقاباب وطء الصغير للكبيرةباب فيمن قذف صغيرة بالزني إنه يحدباب ما يوجب الأحكام في المولود من الاستهلالباب القاتل يعفي عنه يجلد ويحبس، وفي دية المعاهد وفي الولي يطلب الدية في العمد ويأبي ذلك القاتلباب في التي تنكح في العدة فيفرق بينهما فتأتي بولد هل تنقضي به العدةباب فيمن قال: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأته طالقباب في امرأة المفقودباب فيمن قال لزوجته: أنت علي حرامباب في المرأة تشتري بالصداق جهازا ثم تطلق قبل البناءـ[ــدخل لـ]ـباب في المطلق يرتجع زوجته وهي لا تعلم، والوليين يزوجان جميعاباب قضاء ذات الزوج في مالهاباب في ظهار العبد وإيلائهباب في رضاع المرأة ولدهاباب في العدة وعدة الأمة وحكم الأرقاء في الطلاق، وغيره
جارٍ التحميل