الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرارصفحات 778-817

من قال الإيمان قول وعمل يزيد زينقص، ومنهم من قال: هو قول وعمل يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال هو قول والعمل شرائعه، فقال مجيباً بلسان ثقيل: من الذي قال إنه قول وعمل يزيد زينقص؟ قلت: مالك، والليث بن سعد وابن جريج فذكرت له جماعة، ثم قال: لا يعجبني ولا أحب أن أكفر أحداً لما قال: تسألني عن الاسم أو معنى الاسم؟ فتعجبت من سؤاله إياي مع ما هو فيه ثم قال: كم أخطأ في الاسم ليس من أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب، ثم قال: ما يقول هذا فيمن عمل بعض الأعمال هو مثل من جهل1- يريد التوحيد كله - ثم قال: هذا باب لم أعمل فيه فكري ولكن انظر لك فيه، ثم أغمي عليه فرجع إليه بعد العصر، فقال ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك وقال: قل له: الإيمان قول وعمل، فقعدت عنده حذاء وجهه ففتح عينيه فتحاً ثقيلاً، ثم قال: الفريابي؟ قلت: نعم قال: لا خلاف بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت فقال: إيماناً2وتصديقاً بكتابك".
وهذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان قال: "وهذه آخر مسألة سألت عنها المزني ومات بعدها بثلاثة أيام"3.
وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقول في دعائه "اللهم زدني إيماناً ويقيناً وفقهاً"4.
وعن عمير بن حبيب أنه قال: "الإيمان يزيد وينقص.
قيل له: ما زيادته ونقصانه قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحانه5فذلك زيادته، وإذا أغفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه"6.

وعن محمد بن علي1- رضي الله عنهما - أنه قال: "هذا الإسلام ودور دارة في وسطها أخرى، وقال: هذا الإيمان مقصور في الإسلام، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" قال: يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام، فإذا تاب2 تاب الله عليه ورجع إلى الإيمان"3.
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: "من أراد4منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه".5

115 - فصل لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز للإنسان أن يقول: "أنا مؤمن عند الله أو أنا مؤمن عند الله حقاً" لأنه لا يدري ما حكمه عند الله.
وعلى هذا المعنى يحمل ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من قال أنا مؤمن حقاً فهو كافر حقاً"1.
وأما ما روي عن حارثة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت يا حارثة فقال: أصبحت مؤمناً حقاً" فإنه يحمل على أنه أراد مؤمناً حقا عن نفسي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك " قال: استوى عندي من الدنيا حجرها وذهبها" 2.
الخبر الذي مضى ذكره، ففسر إيمانه بما عنده من اليقين فأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا خلاف بين السلف أن الاستثناء في الإيمان على جهة الشك في التوحيد لا يجوز، لأن أقل ما يقبل من الإيمان ما لا يخالطه الشك.3

واختلف العلماء في جواز إطلاق الاستثناء في الإيمان: فمنهم من قال: لا يجوز1، واحتج القائلون بهذا بما روي أن ابن عمر أمر رجلاً أن يذبح له شاة، فقال: له أنت مؤمن؟ فقال: نعم إن شاء الله، فاسترد منه الشاة.2
وذهب أكثر العلماء إلى جواز الاستثناء بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لا على جهة الشك، بل على معنى أنه لا يدري ما حكمه عند الله وما عاقبته عند الله.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود3، وعائشة.4
وقال ابن أبي مليكة: "أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما مات منهم رجل5إلا وهو يخشى النفاق على نفسه"6.

وروي أن رجلاً قال عند عبد الله مسعود - رضي الله عنه -: "أنا مؤمن، فقال له ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو، فقال ابن مسعود أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى"1.
وقال رجل لعلقمة2: "أمؤمن أنت؟.
قال: أرجوا إن شاء الله"3.
وروي أن أحمد بن حنبل سئل عن الاستثناء في الإيمان ما تقول فيه؟ قال: أما أنا لا4أعيبه، وقال: إنما يستثني في العمل قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
واحتج بمساءلة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما5فيقولان له: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله، ويقولان للكافر: على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث يوم القيامة إن شاء الله"6.
وروي "أن رجلاً قال: أنكر الاستثناء في الإيمان فقال: "إنما الناس رجلان مؤمن وكافر، فقال له أحمد: فأين قول الله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وقال سمعت يحيىبن سعيد7يقول: "ما أدركت أحداً إلا على الاستثناء"8.

وروي عن سفيان الثوري أنه قال: "من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكاذبين، ومن قال أنا مؤمن حقاً فهو بدعة، وقيل له: فماذا نقول؟ قال: قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا"1.
وقال سفيان: "الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث ولا ندري كيف هم عند الله، وأرجو أن نكون كذلك ولا ندري ما حالنا عند الله"2.
وكان سفيان3إذا سئل أمؤمن أنت لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة ولا أشك في إيماني وقال إن شاء الله ليس يكره، وليس بداخل في الشك.4
وقيل للحسن البصري: "أمؤمن أنت؟ فقال: إن شاء الله، فقيل: تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟ فقال: أخاف أن أقول نعم فيقول الله كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة.
فكان يقول: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني وقال اذهب لا أقبل لك عملا"5.
وروى كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " ما تقولون في رجل قتل في سبيل الله.
قالوا: الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله، قال: ما تقولون في رجل مات في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال

الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان عدلان1ذوا عدل فقالا: لا نعلم إلا خيراً، فقالوا: الله ورسوله أعلم؟ فقال: الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات فقام رجلان فقالا لا نعلم إلا شراً؟ فقالوا: في النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مذنب ورب غفور رحيم"2.
وكان الأعمش3والليث4، وعطاء بن السائب5، وإسماعيل بن أبي خالد6، وعمارة بن القعقاع7، العلاء بن المسيب8، وابن شبرمة9، وحمزة الزيات10، يقولون: "نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني"11.

وقال إبراهيم النخعي1: "إذا قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنت بالله وبملائكته وكتبه ورسله"2.
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار"3.
وقال علي - رضي الله عنه -: "الإرجاء بدعة والشهادة بدعة والبراءة بدعة"4.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة"5.
إذا تقرر هذا فإن الاستثناء المحكي عن السلف يحتمل أربعة معان: أحدها: أنهم كرهوا الإطلاق لما فيه من التزكية، قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 6 الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ 7.

وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه"1.
والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية.
والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 2، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام "3. وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 4 والله سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 5 دخل المقبرة في البقيع قال6: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله7بكم لاحقون" 8.فالاستثناء منه صلى الله عليه وسلم عائد إلى الإيمان أي على الإيمان بكم إذ9الموت لا يشك فيه.

ومثل هذا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب1له، وأنا أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة2 لأمتي يوم القيامة" 3.
وروي أن رجلاً قال يا رسول الله إني أصبح جنبا وإني أريد الصيام، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "وإني أصبح جنبا وأريد الصيام وأغتسل وأصبح من ذلك اليوم صائما، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي"4.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخشاهم لله وأعلمهم بما يتقي من جهة القطع فلم يخبر بذلك عن نفسه قطعا، وإنما ربط بالرجاء والمشيئة من الله.5

والمعنى الثالث: أن الاستثناء في هذه يرجع إلى كمال الإيمان بالأعمال، لأن الناس لا يخلون من تقصير بالعمل أو من نفاق أو قلة إخلاص، ولا يرجع إلى أصل الاعتراف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون بابا أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "1، 2. وقال صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر "3. وقال صلى الله عليه وسلم: "أكثر منافقي أمتي قراؤها"4.

وقال صلى الله عليه وسلم: "الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا"1.
وروي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: "من القلوب قلب أجرد2، فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب مسطح3فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدها الماء العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المدتين غلب عليه حكم بها"4.

وقال حذيفة - رضي الله عنه -: "كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقاً إلى أن يموت، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشرات مرات"1.
وقال بعض العلماء: "أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق"2.
وقيل للحسن البصري يقولون: "إن لا نفاق اليوم، فقال الحسن: يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطرق"3.
وروي عنه أو عن غيره من العلماء أنه قاله: "لو نبت للمنافقين أذناب لما قدرنا أن نطأ على الأرض"4، ولا ينجو من هذه الأمور إلا الأنبياء والصديقون فلذلك حسن الاستثناء".
والمعنى الرابع في الاستثناء: أنه راجع إلى الشك في الخاتمة، فإنه لا يدري ما يختم له.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحمدوا عمل الرجل حتى تنظروا بم يختم له" 5، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ 6.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما رفع رأسه إلى السماء قال: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك" 1.
وقيل: ما من نبي إلا ودعى بدعاء يوسف عليه السلام "أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين"2.
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا شبر3فيسبق عليه كتاب الشقاوة فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار "4. وروي أن إبليس عَبَدَ الله خمساً5وعسرين ألف سنة فكانت عاقبته في النار.6
وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ 7 صدقاً لمن مات

على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك.1
وكان أبو الدرداء يحلف بالله ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه2، ويقال من الذنوب عقوبتها سوء الخاتمة... أعوذ بالله منها، وقيل: هي عقوبة دعوى الولاية والكرامة بالإفتراء.3

116 – فصل: في ذكر فضائح المرجئة روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما بعث الله نبياً قبلي فاستجمعت له أمته إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون أمر أمته من بعده ألا وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبياً أن آخرهم"1.
وروى أبو هريرة أن ال صلىالله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية "2. وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صنفان من أمتي في النار قوم يقولون الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق وقتل وآخرون يقولون إن أو لينا لضلال يقولون خمس صلوات في يوم وليلة وإنهما صلاتان"3.

وقال ابن عباس: "اتقوا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية"1.
وقال مجاهد: "يبدؤون فيكونون مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يكونون مجوساً"2.
وقال محمد بن علي بن الحسين: "ما ليل بليل ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود"3.
وقال محمد بن يوسف4: "دخلت على سفيان الثوري وفي حجره المصحف وهو يقلب الورق فقال: ما أجد أبعد منه من المرجئة"5.
روي أن عبد الملك بن مروان6ذكر الحديث عن النبي صلىالله عليه وسلم، " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق"، فقال له الزهري: "أين ذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض7، وذكروا عند الضحاك بن مزاحم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: هذا قبل

أن تحد الحدود وتنز ل الفرائض1، قال الأوزاعي: "ثلاث هي بدعة من قال أنا مؤمن مستكمل الإيمان، ومن قال أنا مؤمن حقاً، ومن قال أنا مؤمن عند الله"2.
ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله أخبر أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ 3 وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ 4 فأخبر الله أنه قال بلسانه أن له رباً، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ ْ5وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السموات والأرض6، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَق7السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 8 ويعرفون أيضاً أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم.
وروي عن زبيد9أنه قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل10فحدثني

عن النبي صلىالله عليه وسلم أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"1.
وسئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: "أنا أكبر من ذلك"2، يريد أن هذا الكلام حدث بعد ولادتي، وكذلك قال أيوب: أنا أكبر من المرجئة أول من تكلم في الإرجاء رجل يقال له الحسن بن محمد3وذكروا المرجئة عند سفيان فقال: رأي محدث أدركت الناس على غيره4، وقيل لابن أبي مليكة: إن قوماً يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل فغضب عبد الله بن أبي مليكة فقال: ما رضي الله لجبريل عليه السلام حتى

فضله بالثناء على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ 1.
يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، قال ابن أبي مليكة: أو أجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا؟ ولا كرامة ولا حباً، قالوا: وفهدان هذا كان رجلا في وقته لا يصحوا من الشراب2، ومن زعم أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر إن عملها وأنه كالبر التقي الذي لم يباشر من ذلك شيئاً مخالف لقول الله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ 3 الآية.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ 4.
وروى أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي عن سفيان5عن عباد بن كثير6أنه قال: "استتيب أبو حنيفة7مرتين قال مرة: "لو أن رجلاً قال أشهد أن لله بيتاً إلا أني لا أدري أهو هذا أو بيت8بخراسان كان عندي مؤمناً، ولو أن رجلاً قال: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أني لا أدري أهو هذا الذي بالمدينة أو رجل بخراسان كان عندي مؤمناً"9، قال الحميدي10

حمد بن حنبل: "من قال هذا فقد كفر"1.
روي أيضاً أن أبا إسحاق الفزاري2قال، قال أبو حنيفة: "إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد؛ قال إبليس: يا رب, وقال أبو بكر: يا رب"3.
وروي عن وكيع ابن الجراح4قال: اجتمع ابن أبي ليلى5والحسن بن صالح6وسفيان بن سعيد الثوري وشريك بن عبد الله النخعي7وأرسلوا إلى أبي حنيفة

فجاءهم فقالوا له: "ما تقول فيمن نكح أمه وقتل أباه ورب الخمر؟ فقال: مؤمن, فقال ابن أبي ليلى: لا أقبل لك شهادة أبداً، وقال الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام، وقال شريك: لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك، وقال له الثوري: كلامك علي حرام أبداً"1.
وقال سليمان بن حرب2: "مر أبو حنيفة بسكران فقال له السكران: يا أبا حنيفة يا مرجيء، فقال له أبو حنيفة: صدقت الذنب منى حين سميتك مؤمناً مستكمل الإيمان"3.
قلت: وهذه مقالة شنيعة والخطأ فيها ظاهر من قائلها، وأنا أشرف أبا حنيفة من هذه المقالة، لأن الله سبحانه جعله إماماً لخلق كثير من أهل الأرض والله أكرم أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجل من أهل النار، ولعله كان يقول بهذا ثم تاب عنه، أو حكي ذلك عن المرجئة مطلقاً فنسب إليه، كما نسب قوم4لا بصيرة لهم محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - إلى الاعتزال لقوله وإشهاده من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفوس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وهذا جهل ممن نسب الشافعي إلى الاعتزال بهذا الكلام لأن الشافعي أراد بذلك أن من يرى كذبه شرك بالله ومعصية هم الخوارج5ولم يرد أن شهادتهم

تقبل وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لأجل قولهم هذا لأنه أدعى1إلى قبول قولهم، والذي يخفف المأثم فيها هم المرجئة لأن الكبائر عندهم لا تضر إذا أتى التوحيد2، والمعتزلة يقولون إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر3، وكلهم في باب الذم واحد إلا أن منهم من يستحق اسم الكفر بقوله ومنهم من يستحق اسم الفسق ومنهم من يستحق اسم التبديع، وليس إذا قدم بعضهم على بعض في الذم يكون مدحاً لبعضهم كما قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ 4 فلا يدل5الترجيح هاهنا6في أنهم أقرب مودة للذين آمنوا على انهم على حق بغير هذا بل الجميع منهم على كفر، كما أخبر عنهم في آي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 7.
أما الدليل على بطلان قول من نسب الشافعي - رحمه الله - إلى الاعتزال فما روي عن الشافعي في كتب كثيرة صح إسنادها عنه أنه كفر القدرية، وكفر من قال بخلق القرآن وكفر الفرد8بقوله.
وحكى عنه المزني: هما جماعان أحدهما يوجب العقوبة في الدنيا وهو الحد والعذاب في الآخرة

إلا أن يغفر الله، وأراد به الزنا، وقال في الرجل إذا فر من الأسر1غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة فإن كان هربه على غير هذا المعنى حقت عليه إلا أن يعفو الله تعالى أن يكون قد باء بغضب من الله2، وهذا تصريح منه أن مذهبه كمذهب أهل الحديث أن من ارتكب كبيرة أثم، ولكن إن شاء الله عاقبه وإن شاء عفا عنه، والمعتزلة يقولون إنه يستوجب النار ويكون خالدا مخلداً فيها3وقد رمي حماد4بالإرجاء "كان المغيرة5يقول: حدثنا حماد قبل أن يصير مرجئاً وقال: حدثنا حماد قبل أن يفسد.6
قال سفيان الثوري: "اتقوا هذه الأهواء قيل له: فبين لنا رحمك الله، فقال سفيان: المرجئة يقولون الإيمان كلام بلا عمل من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان على إيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا مؤمنا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة وهم يرون السيف على أهل القبلة"7. وقال الأوزاعي من آمن وعصى إيمانه بإيمان إبليس أشبه منه بإيمان جبريل، لأن جبريل آمن وأطاع وإبليس آمن وعصى.8
وقيل إن عون بن عبد الله بن

عتبة بن مسعود1كان مرجئاً فرجع عن الإرجاء وأنشأ يقول: لأول ما تفارق من غيرك شك... تفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من آل جور... وليس المؤمنون بجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال.2.. وقد حرمت دماء المؤمنينا3وأنشد سليمان بن منصور بن عمار4: أيها القائل إني مؤمن... إنما الإيمان قول وعمل إنما الإرجاء دين محدث... سنة جهم بن صفوان تحل إن دين الله دين قيم... فيه صوم وصلاة تعتمل وزكاة وجهاد لا مرئ... حارب الدين اعتدى وقتل ليس بالمستكمل الإيمان من... إن رأى صلى وإلا لم يصل اسم هذا مؤمن الإقرار لا... مؤمن حقا وحقا لم يقل إن رأي سفيان وما... كان سفيان على رأي فضل5

117 - فصل وعند أهل1الحديث أن الجن وإبليس خلق من خلق الله يراهم من أراه الله إياهم وقالت المبتدعة: لا حقيقة للجن، وإبليس2كل رجل سوء3والدليل على ما ذكرناه أن الله سبحانه أخبر بكتابه عن إبليس وَأَمْرِه له بالسجود لآدم وتكبره عن السجود وإخراجه له من الجنة وسؤاله النظرة إلى يوم القيامة، وأخبر بكتابه عن الجن بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِن﴾ 4 الآيات كلها في هذه السورة.
ومن السنة ما روى أبو ثعلبة الخشنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجن على ثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات5وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون"6.

وروى أبو هريرة قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحفظ زكاة رمضان فأتى آت من الليل فجعل يحثوا من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعني إني محتاج وحالي شديد وعلي عيال فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة، قال: يا نبي الله زعم أنه محتاج وحاله شديد فرحمته، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان الليلة الثانية رصده فجاء يأخذه وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعمت أنك لا تعود وقد عدت فقال كما قال في الليلة الأولى، فرحمه وخلى سبيله، فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال له في الليلة الأولى، فلما كان في الليلة الثالثة رصدهه فجاء يأخذه فقال له كما في الليلة الثانية، فقال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وكانوا حريصين - على الخبر - فقال: ما هن قال: إذا أخذت مضعجك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما فعل أسيرك الليلة فقال: يا بني الله علمني كلمات وأخبره الخبر فقال: أما أنه قد صدقك وهو كذوب. أتدري يا أبا هريرة من تخاطب قال: لا، قال: ذلك شيطان" أخرجه البخاري.1
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل2: "لما حضر أبي الوفاة كنت عنده وكان

يعرق مما هو فيه وبيدي خرقة أمسح بها عينيه ساعة فساعة ففتح أبي عينيه وحدق بها وأومأ بيده وقال لا بعد دفعات، فقال: يا أبت من تخاطب فقال: هذا إبليس قائماً يحضرني عاضا1على أنامله يقول: يا أحمد فتني فقال: لا حتى أموت"2.

118 - فصل وعند أهل الحديث أن خروج الدجال حق وقالت المبتدعة الدجال كل رجل خبيث.1
والدليل على ما ذكرناه ما روى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال وإني أنذركموه"، فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي"، قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ، قال: "مثلها اليوم أو خير"2.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما بعث نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل من كره عمله"3، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدجال يخرج من أرض المشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم4المجان المطرقة"5.

وقال صلى الله عليه وسلم: " يأتي الدجال المدينة فيجد الملائكة يحرسونها فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله".1 والدجال قد خلق وهو في الدنيا موثق بالحديد إلى الوقت الذي يأذن الله بخروجه.2 وعن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أكل الطعام ومشى في الأسواق يعني الدجال"3.
وروى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد ثم يولد لهما ولد أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثم نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: "أبوه طوال ضرب اللحم كان أنفه منقار وأمه امرأة طويلة اليدين" قال أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما فقلنا هل لكما ولد فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد

لنا ولد ثم ولد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة تنام عيناه ولا ينام قلبه قال فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وإذا له همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما قلنا: هل سمعت ما قلنا، قال: نعم تنام عيني ولا ينام قلبي"1.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء أمهاتهم شتى ويدنهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بللل وأنه يدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في إمارته الملل كلها2غير الإسلام، ويهلك الله في إمارته3المسيح الأعور الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى يرعى الأسد مع الإبل والنمر مع البقر والذئاب

مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، يلبث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"1.
وقيل: إنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر2وعمر، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقتل ابن مريم الدجال بباب لد" 3.

119 - فصل صارت المعارف مختلفة على حسب ما وجدنا السبيل إليها1، فعندنا أن معرفة الله سبحانه حصلت للمخلوقين مكتسبة2، والعلم المتكسب هو: كل علم وقع بعد نظر واستدلال.

أما علمنا بادعاء النبي صلى الله عليه وسلم النبوة فهو علم ضروري، لأنا علمنا ذلك بالنقل المتواتر الذي لا يمكن دفعه بشك وشبهة، وأما صدقه فيما ادعاه فهو علم مكتسب، لأنه فكر وتأمل ونظر1كعلمنا بأن العالم محدث وأن له محدثاً.
وأن الموجب لذلك علينا هو السمع وهو المرشد إليها والمنبه عليها، ولا نستغني بالعقل عن السمع المنبه، كما لا يستغني في الصنائع الدقيقة واالأفعال المحكمة عن المرشد إليها والمنبه عليها، فالرسل هم المرشدون إلى ذلك والمنبهون عليه، وهم المؤيدون بالآيات والمعجزات ولا يجب علينا شيء إلا بدعائهم، ولا نستغني بالعقول عن إرشادهم، وما من عصر إلا وفيهم2نبي أو شريعة نبي.
قال الله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ 3، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ 4.

وقد اختلف أهل الزيغ في ذلك فمنهم من قال: إن معرفة الخلق لله حصلت ضرورة1ومنهم من قال: إن معرفة الخلق لله طباع2، ومنهم من قال: إن معرفة الله تقع بعد البلوغ من غير تطويل بفعل الله فيه3، ومنهم من قال: إن المعرفة في ذلك ليس باضطرار ولا اختيار ولا كسب وإنما هي فعل لا فاعل لها4، وجميع هؤلاء يقولون: إن معرفة الله لا يصح الأمر بها، وأحالوا الأمر بها جملة، وهذه الفرق كلها فرق المعتزلة وهم موافقون للبراهمة في قولهم إنهم يستغنون بما في عقولهم عن الرسل وإرشادهم5، ولهذا6أبطلت المعتزلة والقدرية كثيراً من ظاهر7القرآن والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خالفت عقولهم الفاسدة، وأولوا ذلك على خلاف مقتضاها.
والدليل على صحة ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ 8، ولم يخل العقلاء من رسل يدعونهم إليه ويدلونهم بآيات

يظهرها لهم أو يخاطبهم بل واسطة1كمخاطبته لملائكته الذين هم السفرة بينه وبين رسله، ومعرفتهم له إما بمشاهدة منهم له أو بما يجري مجرى المشاهدة مما هو أعلم بما تقع لهم المعرفة به معرفة قطعية2، وعلى هذا الأمر جرى الأمر لآدم صلى الله عليه وسلم لما خلقه بيده واسكنه جنته وقال له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ 3 فأرشده إلى ما أباحه له، وزجره عما نهاه عنه، وعلمه الأسماء وما يتضمنه4كل اسم من المعنى، ثم قضى عليه ما وقع منه وأخرجه من الجنة إلى الدنيا واخبر سبحانه عما كان منه إليه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ 5 والنسيان إنما يكون من المكلفين فيما سبق عليهم فيه الأمر فأهبطه الله إلى الأرض بعد أن غفر له زلته، وجعله رسولاً إلى أولاده يرشدهم إليه ويدلهم على طرق الاستدلال عليه، فانقادوا لطاعته، وحصلت لهم المعرفة بالله بما نبههم عليه، فقبض بعد أن أوضح لهم السبيل، وأبان لهم الدليل، وجعلهم الحجة على ما يأتي بعده من أولادهم، واستحفظهم حجج الله، ووكلّهم بنقل ذلك إلى من بعدهم، فأقاموا على ذلك لا تلحقهم سآمة في نقله، فلما طال العهد وضعفت البصائر وثب الشيطان ودعاته يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فبعث إليهم رسولاً يذكرونهم ما نسوا من العهد، ويدعونهم إلى ما أغفلوا من طاعة ربهم، ولم6يُخْلِ الله عصراً من قائم بحجة، وأمرهم باتباعه قال الله

تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ 1 فمن قال: إن الخلق يستغنون عن الرسل، وأن معرفة اله لا يصح الأمر بها فقد خالف الكتاب وأبطله، ومن قال إن معرفة الله بالإلهام أو بالطباع أو بغير كسب المأمور يلزمه أن يقول إن الكفار الذين عاندوا الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه وقتلهم أنهم مخلدون في الجنة إذا لم يكن لهم طباع أو إلهام أو لم يفطروا على المعرفة، وإلى هذا ذهب ثمامة بن أشرس النميري2شيخ المعتزلة بعد إذ زعم أنه يجوز أن يكون كثير3من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين في الجنة4، ومن كان هذا مقتضى قوله فلا شك في كفره لمخالفته نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

120 - فصل معرفة الإمام من الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشرط في اعتقاد الإيمان1، ولو أن رجلا آمن بالله وبصفاته وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به وبالبعث والنشور كان مؤمنا وإن لم يعرف اسم أحد من الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -، ولا من كان يستحق الخلافة منهم والإمامة، بل قد منع بعض العلماء من الكلام في ذلك، واحتج بأن ذلك انقضى وحكم قد مضى فلا معنى للاشتغال به، ولعل الكلام فيه مثار الشر والتباغض في التعصب، فالإعراض من الخوض فيه أسلم من الكلام فيه.2
وذهب أكثر أهل العلم إلى تجويز الكلام فيه وإباحته، لأنه يفيد أحكاماً في الدين ومعرفة ما كان عليه أمر الصحابة - رضي الله عنهم -، والكلام في الإمامة من فروع الدين الومسائل الفقهية التي تكلم بها أهل العلم، ومذهب أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم إلى أن نصب الإمام واجب.3
وقال بعض المتكلمين لو تكاف الناس عن الظلم لم يجب نصب الإمام، وهذا خطأ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على نصب

الإمام1، ولأن تكاف الناس عن المظالم مستحيل، لأن الظلم من شيم النفوس وإنما يظهره القدرة2ويخفيه العجز. إذا ثبت هذا فليس من شرط الإمام الاختصاص بشيء من العلوم لا يشاركه فيها غيره، بل هو وسائر الخلق في علم الشريعة وأحكامها شيء واحد، لأن الأئمة في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -3 لا يدعون لأنفسهم ولا يدعي لهم مدع منهم اختصاصاً بشيء من العلوم لا يشاركهم غيرهم فيه.4
فإن قيل: إذا لم يكن الإمام يختص بشيء من ذلك فما المقصود، وما المعنى الذي نصب لأجله؟ قيل: المعنى الذي نصب الإمام أجله هو انتظام أمر الدنيا والدين، لأن نظام الدين لا يحصل إلا بانتظام الدنيا من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، وأخذ الحق للمظلوم، ونصب القضاة وجمع شتات الآراء وإقامة الحدود، فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة في حق قاض من القضاة.
ولا تنعقد الإمامة إلا لمن وجدت فيه شروط منها: أن يكون ذكراً، بالغا، عاقلاً، حراً، مسلماً عدلاً، عالماً من الفقه ما يخرجه عن أن يكون مقلداً، لأن هذه الشرائط تعتبر في حق القاضي، فلأن تعتبر في حق الإمام أولى.
ومن شرطه أن يكون: سميعاً بصيراً، ناطقاً، لأن الأصم والأعمى والأخرس لا يكمل لتدبير الأمور التي نصب الإمام لأجلها، ومن شرطه أن يكون: قرشياً من أي قبائل قريش كان، ولا يختص ببني هاشم وبني

عبد المطلب.1
وقال أبو المعالي الجويني2: "يجوز أن يكون من غير قريش"3، وهذا خطأ والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش "4 وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان "5، 6. ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم آخر خطبة خطبها7 يوصي بالأنصار، فقال له

جارٍ التحميل