عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ 1 فأخبر الله عن موسى أنه قال إن الله ما آتاهم الزينة والأموال إلا ليضلوا عن سبيله، وهذه لام كي، وموسى أعلم بما يجوز على الله من القدرية.
وأيضاً فإنه دعا عليهم بأن يشد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فلا ينفعهم الإيمان فدل على الله شد على قلوب الكفار عن الإيمان، فلم ينكر الله عليه2دعاءه بل قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وذلك أن موسى عليه السلام دعا عليهم بذلك، وهارون يؤمن على دعائه3ومثل هذا أخبر الله عن نوح - عليه السلام - أنه دعا قومه فقال: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ 4، ومعلوم أن زيادة الله في ضلالهم هو خلقه للضلالة فيهم، وأنه يعذبهم فيما خلق فيهم من زيادة الضلال، وهذا كله يبطل قول القدرية.
ويدل على صحة ما قلنا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِين نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ 5 وتأويلها، بل لا يشعرون أن الذي أعطيناهم من الأموال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ 6، ومثلها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا 7 خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم ٍ 8 بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ 9.
# 85- فصل يقال للقدرية: وأي صلاح لابن آدم في خلقه وبلوغه التكليف وتعريضه لمخالفة الأمر فيستحسن العذاب الدائم.
وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم تمنوا بأنهم لم يكونوا شيئاً، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: "يا ليتني كنت حيضة في بطن أمي"1.
وقال بعضهم: "يا ليتني كنت كبشاً سميناً فذبحني أهلي وأكلوني"2.
وروي عن موسى عليه السلام أنه قال: "يا رب ما كان خيراً لابن آدم؟ فقال: لو لم أخلقه.
قال: فبعد إذ خلقته ما كان خيراً؟ فقال: أن يموت صغيراً، قال: فبعد أن لم يمت صغيراً ما كان خيراً له؟ قال: أن يموت شيخاً كبيراً"3.
فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين أحدهما أن قال: قد علمنا حكمة الله بأفعاله ولولا ما ظهر من أفعاله ما علينا حكمتهن فصح لحكمته وعدله أنه4لم يخلقهم إلا لمصلحة ولا يضرنا ألا نعرف5وجه المصلحة، كما نقول في طبيب6حاذق في الطب أصابت ولده علة فدعاه إلى شرب دواء مر المذاق علم الولد نفعه وصلاحه لتلك العلة وإن لم يعلمه7الولد.
والجواب الثاني: أن وجه الصلاح في خلق الله للمكلفين ظاهر وهو أنه مكنهم من الخيرات التي يتوصلون بها إلى الثواب، وأراد منهم ذلك وأمرهم به، وساقهم بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه صلاحهم فكان معرضاً لهم لأجل المراتب1وإنما هلك منهم من هلك بسوء اختياره وإيثاره للمعصية.
والجواب: أن يقال للمخالف: الله موصوف بالحكمة والعدل بذاته قبل أن يخلق الأشياء التي علم بها العباد حكمته، لأن ذلك من صفات الكمال، فهذا الذي ادعيته غير مسلم.
وأما قوله إنه لم يخلقهم إلا للمصلحة وإن لم تعلم المصلحة واستدلاله بالأب الطبيب، فهذا موضع النزاع.
ولا ننكر أن الله سبحانه أرحم بالعبد من الوالد لولده، وأن له عليه نعماً2لا يحصيها ولا يقوم3بشكرها، ومن نعمه الرحمة التي خلقها في قلوب الوالدين للولد، ولكن الإنعام منه بذلك وغيره تفضل وإنعام لا يجب عليه، وله ترك الإنعام والتفضل، ولهذا يؤلم الأطفال في المهد ويقطع أعضاءهم بأصناف العلل من الجذام وغيره، ولا يعد ذلك قبيحاً ولا ظلماً من أفعاله، بخلاف الأب فإنه لا يملك الولد ولا يفعل بعبده الذي يملك4رقبته إلا ما أذن له فيه مملكه، فبطل الجمع بين حكم الله في التصرف بعباده وبين حكم الوالد الطبيب.
وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن المصلحة في خلق المكلفين تمكينهم من الخيرات وإرادة الله منهم ذلك، فهذا موضع الخلاف ولا حجة له عليه غير مجرد الدعوى.
وأما قوله: إنه أمرهم وساقهم بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه الصلاح، فقول لا معنى تحته فإن أراد بقوله ساقهم كقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ 1 فهو الإجبار الذي يرمي به خصمه وهم براء مما رماهم به، وقد اعترف على نفسه بما أنكره على غيره، وجميع ما أورده من هذا وما أشبهه قول فارغ من المعاني المفيدة لمن تدبره.
ثم قال المخالف: وأما ما حكاه عن الصحابة في تمنيهم أنهم لم يخلقوا فلم يقولوه اعتراضاً على الله في فعلهن ولو قصد أحد منهم ذلك فإنه عاص ضال لا يلتفت إليه، لأنهم يعلمون أن أحداً لا يهلك إلا بجنايته وإنما قصدوا بذلك مذمة النفس.
والجواب: أنا لا نقول إنهم قصدوا الاعتراض على الله، وإنما لما خافوا على أنفسهم العطب في التقصير عما أمروا به تمنوا ما تمنت مريم بنت عمران فيما أخبر الله عنها بكتابه بقوله: ﴿َلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ 2.
أفتراها معترضة على الله؟.
ثم قال المخالف: وأما الخبر المروي عن موسى عليه السلام فلا حجة فيه، لأنه إذا ثبت بإسناد صحيح فهو خبر آحاد لا يؤخذ به، ويجب تأويله على3 ما يوافق أدلة العقل إن أمكن، وإلا لم يضرنا اطراحه، لأن الواجب علينا الأخذ بما دلت عليه العقول.
والجواب أن يقال له: وإن كان من أخبار الآحاد فإنه موافق لظاهر القرآن وهو ما أخبر الله عزوجل عن مريم بنت عمران، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ وجزاء الإثم العذاب، والعدم عن الدنيا خير من العذاب.
وأما قول المخالف: يجب تأويله على ما يوافق العقل وإلا وجب اطراحه، فهذا حقيقة مذهبه في رد ظواهر القرآن التي دلت على خلاف مذهبه أنه يحملها على تأويلات لا دليل عليها، والمعمول عليه اطراحها عنده لمخالفتها عقولهم الفاسدة التي بنوا عليها مذهبهم، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم1، لأن الله أمر باتباع الوحي وأمر باتباع أنبيائه ونهى عن اتباع الهوى، وعقل موسى عليه السلام أكمل من عقول القدرية، فكيف يجب اطراح قوله لما أوردته القدرية عن عقولهم!.
# 86- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة أنا نفرض الكلام مع القدرية في ثلاثة نفر خلقهم الله، فواحد منهم بلغ وآمن بالله وعمل العمل الصالح، وأطال الله عمره في العمل الصالح، فبحكم العدل عند القدرية أن الله يدخله الجنة ويرفع درجته فيها بقدر عمله.
والثاني لم يبلغ الحلم بل مات صغيراً لم يعمل شيئاً من الطاعات، فبحكم العدل عندهم أن الله يدخله الجنة ولا يعطيه من الدرجات ما يعطي الأول.
وأما الثالث: فإنه لم يؤمن بالله وأطال الله عمره فيدخله النار.
فإذا نظر الصغير إلى ما أعطى الله الأول من الدرجات قال: يا رب لأي معنى لم تعطني من الدرجات مثل ما أعطيت الأول؟ فيقال: بحكم العدل أنك لم1تعمل مثل الأول، فيقول: لو أطال الله عمري كعمر الأول لعملت مثل عمله، ولكن قصر عمري فقال له: لم يكن الصلاح لك في طول العمر بل الصلاح لك في إماتتك صغيراً، فيقول حينئذ الكافر من تحت أطباق جهنم فأي صلاح لي بطول العمر فليت الله أماتني صغيراً فأرضى بمنزلة هذا الذي سخطها، ولكن الله طوَّل عمري وبلَّغني حد التكليف مع علمه أني لا أؤمن فخالفت2أمره حتى صرت إلى ما صرت إليه، فتقوم الحجة لكافر على الله3، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ 4 فعلمنا لذلك أن الأمر بخلاف ذلك وأن لله5أن يفعل بعباده ما شاء.
فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين: أحدهما: قال إنما أمات الله الصغير، لأنه علم أنه لو بقي لأفسد دين غيره ممن يعلم أنه لولاه لما فسد، ولا يجوز في حكمته أن يبقى من هذه حاله1لأن فساده حينئذ يكون في حكم المضاف إلى الله ولم يعلم في بقاء الذي بلغ وكفر ومات على الكفر مفسدة لغيره وإنما فسد هو باختياره، قال: ولا يلزم على هذا إبقاء إبليس وغيره من شياطين الجن والإنس، لأن الله علم أنهم لا يضلون إلا من كان يضل بنفسه لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
والجواب الثاني: إن الله متفضل على الخلق بخلقه لهم وببعثه لهم وبتكليفه لهم، وله أن يتفضل بالقليل من ذلك والكثير، ولا اعتراض عليه لأن الاعتراض عليه بذلك جهالة2، فإذا قال الصغير لِمَ لَمْ تُبلِّغني درجة العامل؟ قيل له: لأنك لم تعمل، فإذا قال: لم يعمرني، قيل له: هو متفضل بذلك، والكافر إذا قال أبقاني مع علمه بأني أفسد.
قيل له: كان بإمكانك أن تؤمن فلم تفعل، هذا نكتة قوله ومعتمده.
والجواب عن جوابه الأول من وجوه: أحدها أن يقال: يجب أن يكون كل صغير أماته الله من أولاد الأنبياء وغيرهم إنما ذلك لأن الله علم أنهم لو بقوا لأفسدوا دين غيرهم، وهذا يخالف ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم لأنه مات وهو ابن شهرين3وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أباك لنبي وإن جدك لنبي ولو بقيت لكنت
نبياً" 1، ولم يقل لو بقيت لأفسدت دين غيرك.
والجواب الثاني: أن يقال فكان ينبغي على هذا أن لا يميتهم حتى يقاربوا وقت الإفساد، وقد يميتهم حين يولدون ويميتهم في بطون أمهاتهم وفي ذلك تخريب لما عمر من غير معنى.
والجواب الثالث: أن يقال: أفكان الله قادراً على أن يباعد بينهم في المساكن، أو يحول بينه وبين الإفساد من غير إجبار، ويعصم المفاسد عليه، ولا يميت هذا الصغير الضعيف لمصلحة هذا القوي الذي يقدر على الامتناع من إفساد هذا الصغير.
والجواب الرابع: أن الإلزام الذي ألزم نفسه في إبقاء الله لإبليس وشياطين الجن إلزام صحيح، وجوابه عن ذلك بأنهم لا يضلون إلا من يعلم أنهم يضلون بأنفسهم غير صحيح.
لأنه لو كان ما قاله من ذلك صحيحاً لما لحق إبليس وجنوده ذم ولا توبيخ ولا عقاب بإضلالهم2الكاقرين والعاصين، لأنهم كانوا في علم الله يضلون بأنفسهم.
وأما الآية التي احتج بها فقد قلنا قبل هذا، إنما تأويلها ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ إلا من سبق عليه القضاء بالضلال3، وعلى جميع هذه الإلزامات
فإن الكافر يقول: يا رب إذا أمت هذا الصغير قبل أن يبلغ لمصلحة غيره، فهلا يا رب أمتني صغيراً لمصلحة نفسي، لأنك علمت أني لا أؤمن بك وموتي لمصلحتي أولى بالعدل من إماتة الصغير1لمصلحة غيره.
وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن الله متفضل على الخلق بالخلق والإبقاء والتكليف هذا مذهب أهل الحديث، وأما مذهب أسلافه من المعتزلة2فقد مضى بيانه3، ولكن إذا قال هذا المخالف: إن الله لا يفعل إلا ما فيه صلاح لهم ولا يتفضل عليهم إلا بما فيه صلاح لهم، فإن هذا الكافر الذي بلغ ولم يؤمن يقول يا رب تفضلك عي يا رب بإماتتي صغيراً خير لي من إبقائك لي إلى البلوغ، وقد علمت أني لا أومن فتبقى له الحجة، والله تعالى يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ 4.
# 87- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا على الله أن يفعل بالعباد ما شاء، وإن لم يكن لهم فيه مصلحة أنا نرى في الشاهد أن الله يؤلم الأطفال بالعذاب الدائم، ويصيبهم بالعلل التي تنقطع منها أوصالهم من غير جناية سبقت منهم، وكذلك الحيوان المسخر لبني آدم في الركوب والذبح والطبخ وكذلك جعل بعض بني آدم ملكاً لبعض، ولا يستحيل في العقل أن يكون المالك مملوكاً والُمسخَر مُسخِراً، هل في ذلك للعقل مجال إلا أن المالك محكم في ملكه يفعل فيه ما يشاء.
فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: المصلحة في ذلك هو اعتبار للمكلفين والإنعام عليهم بالركوب والذبح والتنبيه لهم بإيلام البهائم والأطفال، ثم هو يعوض المؤمنين على ما أصابهم من الآلام والمشاق أعواضاً تستحقر الآلام بجنبها، فبالاعتبار1تخرج الآلام عن أن تكون عبثاً، وبالعوض يخرج عن أن يكون المرض ظلماً.2
والجواب: أن يقال: خلق الله الألم في الأطفال والبهائم ليعتبر به المكلفون فيينتبهوا به، لا مصلحة للأطفال والبهائم فيه بل المصلحة فيه لغيرهم، وعلى مقتضى قولكم إن الله يخلق في الدنيا ناراً كنار جهنم ويخلق أطفالاً وبهائم فيها ليراها المكلفون ويعتبروا بعذابهم وينبههم بذلك على عذاب جهنم في الآخرة، وأنتم لا تقولون بذلك.
وأما قول المخالف: إن الله يعوض الأطفال والبهائم على ذلك بالآخرة، فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن قولهم هذا يؤدي إلى أن كل ذرة أو بقة أو برغوث خلقه
الله ووطأتها الإبل في الطرق وقتلتها فإنه يجب على الله أن يبعثها في الآخرة على صورة يصل إليها الثواب ويجعلها في الجنة. وهذا قول يرغب عنه كل عاقل، وقد ذكر المفسرون أن الله يحشر الطير وجميع البهائم ويقتص للجماء من ذات القرن ثم يقول اله لها كوني تراباً، فتعود تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً.1
والوجه الثاني: أن يقال إنكم اعترضتم على خصومكم وأنكرتم عليهم القول بأن الله يخلق في العباد أعمال الطاعات ويثيبهم عليها، فكيف ساغ لكم القول هاهنا بأن الله يخلق الآلام والآفات في الأطفال ويثيبهم على فعله بغير فعل منهم ولا كسب.
والوجه الثالث: أن يقال من صفات الله الكرم والأفضال، وكان قادراً على أن يجزل لهم العطية من غير أن يبتليهم بألم ولا آفة، ولا يلزم على ذلك الثواب على الأفعال في التكليف، فإن الثواب على ذلك عندنا على كسبهم الأعمال وعندكم على خلقهم الأعمال.
والجواب الرابع أن يقال: فما المعنى الذي اقتضى أن تكون هذه البهائم وهؤلاء الأطفال المخلوق فيهم الألم والآفة ليعتبر بذلك غيرها من المكلفين، وتكون المؤلمة هي المستحق للعوض، وما المانع أن تكون هي المستحقة للاعتبار بخلق الألم في المكلفين، ولم يخلق2المكلفين بهائم وأطفالاً3
وخلق فيهم الألم وخلق الأطفال مكلفين لعتبروا بغيرهم، فعلم أن أفعال الله لا لعلة لازمة.1
ثم قال المخالف: وما تمليك بني آدم لبعض فإن ذلك جعل جزاء للكفر وللتنفير عن الكفر.
والجواب: أن الولد قد يسلم وهو تابع لأمه في الملك، وقد يكون أبوه مسلماً حراً وكيف يعاقب الإنسان على ذنب غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 2، ومع هذا فلا ننكر أن أصل الرق إنما يثبت على الكافر، ولكن أي مصلحة لولد الولد وإن بعد أن يكون مملوكاً لآدمي مثله من طريق الدين؟! فعلم بذلك أن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم بذلك مصلحة أو لم يكن.3
# 88- فصل ذكر اللالكائي في مسنده1عن أبي (العباس) سهل2بن سعد - رضي الله عنه - قال: " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ 3، وغلام جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها فلا يفتحها إلا الذي أقفلها، فلما ولي عمر - رضي الله عنه - طلبه ليستعمله، وقال: لم يقل ذلك إلا من عقل"4.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ 5 قال: "الشقاوة والسعادة والموت"6.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في هذه الآية ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 1، قال: "كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة والملائكة يستنسخون2ما يعمل بنو آدم يوماً بيوم"3.
وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ 4 قال: "نجد الخير ونجد الشر"5.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ 6 قال: "قد أفلح من زكى الله نفسه وقد خاب من دسا الله نفسه فأضله"7.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون﴾ 8 قال: "علم من إبليس المعصية وخلقه لها"9.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ 10 قال: "إن الله قد11خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ 12، ثم
يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمن وكافر"1.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ2كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ 3 "يعني من كان كافراً ضالاً فهديناه، و ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يعني بالنور القرآن من صدق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات﴾ يعني الكفر والضلال"4.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ 5، قال: "إذا جاء القدر خلوا عنه"6.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ 7، قال: "فرقين فريق رحم فلا يختلف وفريق لا يرحم مختلف فمنهم شقي وسعيد"8.
قال مالك في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: "ليكون فريق في الجنة وفريق في النار"9.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، قال: "إن الله ينزل كل شيء في ليلة القدر فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلا الشقاء والسعادة فإنه ثابت"1.
وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ 2 قال: "رقم الله كتاب الفجار في اسفل الأرض فهم عاملون لما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب، ورقم كتاب الأبرار فجعل في عليين فهم يعملون3بما رقم لهم في ذلك الكتاب"4.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ 5، قال: "وما كان الله لعذب أقواماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾؟ يقول: ومن سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار، ويقول للكافر: ﴿مَا كَانَ6اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ 7 فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة"8.
# 89- فصل ذكرت في الرسالة أن الصحابة بأجمعهم والتابعين وعلماء الأمصار كانوا يقولون إن أفعال العباد في الطاعة والمعصية خلق الله، وإن الله أراد من الخلق ما فعلوه من طاعة ومعصية.
فأجاب المخالف القدري عن هذا بكلام مشوب بسفه لا يليق ذكره إلا منه ومن أسلافه.
ومعتمده قوله أنه نفى أن يكون هذا قولاً للصحابة –رضي الله عنهم-، وادعى أنهم قائلون بقول القدرية، واحتج بأخبار أضافها إليهم لا أصل لأكثرها ولا ذكرها أحد من العلماء الذين أرصدوا أنفسهم لجمع أقوال العلماء في الأصول والفروع، واختار تأويلها على وفق مذهبه وكل ذلك ليري عامة أهل السنة أن له تعلقاً بالأخبار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم منقولة مروية في أصول صحت روايتها عن الثقات، والكذب عليهم لا تقوم به حجة مع أن كل أحد1لا يجهل مذهب هذا المخالف وأسلافه من القدرية في الطعن على الصحابة فكيف يحتج بأخبارهم.
وأنا أبين من أقاويل الصحابة والتابعين في ذلك ما تقر به ئاعين من يحبهم، ويرى القدوة بهم ديناً لازماً، ويبطل به قول القدرية ومن يبغضهم.
ذكر اللالكائي في مسنده2عن طاوس أنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر"3.
وعن أيوب السختياني4أنه قال: "أدركت الناس وما كلامهم إلا وإن قضى وإن قدر"5.
وعن عبد الله بن يزيد بن هرمز1أنه قال: "لقد2 أدركت وما بالمدينة متهم3بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له معبد"4.
وقال أحمد ين يحيى بن5ثعلب: "لا أعلم عربياً قدرياً قيل له: أيقع في قلوب العرب القول بالقدرة قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام وذلك في أشعارهم وكلامهم كثير"6.
وعن عبد الملك7عن8عطاء9قال: أتيت ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو ينزع في زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه قلت له: قد تكلم في القدر فقال: أو قد فعلوها؟، قلت: نعم، فقال: "والله ما أنزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 10، أولئك شرار هذه الأمة"11.
قال الأوزاعي1: "أول من تكلم بالقدر في البصرة رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد"2.
ومما موه به هذا المخالف القدري على العامة احتجاجه بحديث رواه عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال وقد سئل عن الكلالة؟ فقال: "أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك"3.
والجواب أنه لا حجة لهذا القدري بهذا الخبر بأن أبا بكر - رضي الله عنه - يقول إنه يخلق أفعاله، وإنما أراد إن كان صواباً فمن الله أي فهو من دين الله، وما وفقني لإصابته وإن كان خطأ فليس من دين الله وإنما هو من كسبي ومن خطئي وأضاف ذلك إلى الشيطان على سبيل التنزيه لله4، وإن كان الله خلقه، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ 5، فأضاف جميع هذه الأشياء إلى الله إلا المرض فإنه أضافه إلى نفسه وإن6 كان الله خالقاً للجميع فيه، وعلى أنه إن كان إضافة أبي بكر - رضي الله عنه - للخطأ إليه وإلى إبليس يدل على أنه الفاعل7،
لذلك فقد أضاف الصواب إلى الله، فدل ذلك على أن الله هو الخالق للصواب من اجتهاده.1
ثم نقول: المروي في الصحاح2عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أرأيت الزنا بقدر؟، قال: نعم، فقال له الرجل: فالله قدره علي ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم يا بن اللخنا"3.
ومما احتج به القدري ما روي "أن كاتباً كتب لعمر - رضي الله عنه -: هذا ما أرى الله عمر قال: امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن عمر"4.
وروي عنه أنه أتي بسارق فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: قضاء الله وقدره علي يا أمير المؤمنين، فقطع يده وضربه عشرين درة وقال: "قطعت يدك بسرقتك وضربتك بكذبك على الله"5.
والجواب عن الأول أنه كره إضافة الرأي إلى الله، لجواز أن يكون أخطأ برأيه على ما مضى.1
وأما حديثه الثاني: فلم يذكره أحد من أصحاب الحديث المشهورين فيجب إثبات سنده2، وإن صح عنه ذلك فإنه محمول على أن السارق أنكر على عمر قطع يديه مع كون ذلك بقضاء الله وقدره3، إذ لو لم يكن بقضاء الله سبحانه لا ستحق القائل به أكثر من ضرب العشرين4، والذي رواه أصحاب الحديث الصحاح عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كتبتني على الشقاوة فامنحني منها وأثبتني في السعادة فإنك تمحو مت تشاء وتثبت وعنده أم الكتاب"5.
وروي أن عمر - رضي الله عنه - خرج من المدينة إلى الشام ومعه جماهير الصحابة من المهاجرين والأنصار حتى قدم دمشق، فأخبر أن الطاعون وقع بالشام، فخاف عمر أن يتقدم بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشار الصحابة بذلك
فاختلفوا عليه، وكان أول من دعى المهاجرين، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني فارتفعوا عنه، ثم أمر أن1يدعى له الأنصار فدعوا فاستشارهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان2، وقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تدم بهم على هذا الوباء، فأذن عمر بالناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها وادياًً له عدوتان أحدهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت بالخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها بالجدبة رعيت بقدر الله3، فجاء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وكان مغيباً في بعض حاجاته فقال: إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف4، وخطبهم على باب الجابية ليقص عليهم ويعرفهم سبب انصرافه، وقال في خطبته: "من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد الله فلا مضل له"، فقال جاثليق5النصراني: إن الله لا يضل أحداً، مرتين أو ثلاثاً
، فأنكر الصحابة عليه، فقال عمر - رضي الله عنه - لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما يقول؟، قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحداً، فقال عمر: كذبت بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء، أما والله لولا ولث عهد لك لضربت عنقك. فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان.1
والوَلث: هو العهد الذي ليس بمحكم ولا مؤكد.2
ومما موه به القدري أنه قال: روي أنه لما حصر عثمان - رضي الله عنه - في الدار كان القوم يرمونه ويقولون: الله يرميك، فقال عثمان: كذبتم لو رماني الله ما أخطأني.
والجواب أن يقال له: هذا لا يعرف في مسند.
على أنا نحمله إن صح على أنهم أرادوا الله يرميك أي يبلغ السهام ويصيبك3 بها، فقال لهم عثمان - رضي الله عنه -: لو رماني الله ما أخطأني: أي لو بلغ سهامكم إلي ما أخطأني.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ 4.
وتأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي ان المؤمنين لما رجعوا من بدر جعل رجل منهم يقول: قتلت، وآخر يقول: قتلت، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، وأما الرمي فإن المشركين لما صافوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر دعى النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث قميصات من حصى الوادي ورمله فتأوله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فرماها في وجوه العدو، وقال: "اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم " فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية ولم يبق أحد منهم حتى أصابه5، فانهزموا عند الرمية
الثالثة فتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فأنزل الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ 1.
أي أن الله خلق الرمي بيدك يا محمد، وتولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فأضاف الله ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إذ وقع كسباً له وأضافه إلى نفسه لكونه مخلوقاً له، وانفرد بإيصال التراب إليهم وهذا حجة لنا على القدرية.
# 90- فصل استدل القدري بدامغه بخبر لا يعرف سنده عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يظن أنه حجة له وهو حجة لنا، وهو أنه قال: "روي أن علياً - رضي الله عنه - لما سأله الشيخ الشامي عن مسيره إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال علي - رضي الله عنه -: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قطعنا وادياً ولا علونا أكمة وتلة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: عند الله1، أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً.
فقال: علي عليه السلام: بل أيها الشيخ قد عظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كانا مسيرنا، فقال علي - رضي الله عنه -: لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر والنهي من الله ولما كانت تأتي من الله محمدة لمحسن ولا مذمة لمسيء، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، والمسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وخصماء الرحمن.
إن الله أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل هزلاً، ولم ينزل القرآن عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وعجائب الأمور باطلاً، فويل للذين كفروا، فقال الشيخ: ما القضاء والقدر اللذان ما وطئا إلا بهما؟ فقال علي - رضي الله عنه - الأمر من الله والحكم، فنهض الشيخ وهو مسرور"2.
والجواب: أنا نقول للمخالف هذا الخبر كله حجة لنا وحجة عليكم إلا قوله "أمراً تخييراً" فإن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ 1، وقد مضى بيان فساد قولهم إن العبد مخير2، ولكن قد أثبت علي - رضي الله عنه - القدر والقضاء في السير والانصراف والقضاء ينصرف إلى الخلق لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 4، والمخالف لا يقول إن مسيرهم وانصرافهم كان بقضاء من الله وقدر، وإنما يقول هو يخلقهم وإنما ظن الشيخ أن علياً أراد5 أن الله أجبرهم على المسير والانصراف بقضاء الله وقدره وقال6: ":لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين فاستثبته الشيخ وقال: "وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا" يريد أنهما ساقانا سوقاً لا امتناع لنا عنه، فنفى علي - رضي الله عنه - ذلك وأنهم ليسوا بمجبرين، فقال: "لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً" أي إنما وقع ذلك باختيار منكم ولو كنتم مجبرين لبطل الثواب والعقاب إلى آخر كلامه، وهذا كله حجة لنا، لأنا لا
نقول بالجبر وبطل أن يكون للمخالف علينا بذلك حجة، ولكن حمله على ذلك قلة بصيرته بالمذاهب وعدم البصيرة في وضع الحجج مواضعها. ثم نقول: المروي عن علي - رضي الله عنه - في الصحاح أنه مر بقوم فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين إن هذا يزعم أنه يصنع ما يشاء، فأقبل علي - رضي الله عنه - على الرجل فقال له: هل ملكك الله شيئاً فأنت تملكه فقال: ملكني صلاتي وصومي وعتق رقبتي وطلاق امرأتي وحجي وعمرتي وما افترض علي فقال له علي: هذا الذي تزعم أنك تملكه أتملكه من دون الله أو تملكه مع الله؟ قال له الرجل: ما أدري ما تقول، قال: أكلمك بلسان عربي، وتقول ما أدري ما تقول، فأعادها علي عليه فلم يجبه الرجل، فقال له علي: إن زعمت أنك تملكه من دون الله فقد جعلت نفسك مع الله شريكاً ومالكاً وإلا فالملك لله الواحد القهار.1
وكذلك روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: الأعمال ثلاثة: فرائض، وفضائل، ومعاصي، وقد مضى بيانهن وأن جميعها خلق لله سبحانه.2
# 91- فصل استدل المخالف القدري بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "من أضاف إلى الله ما تبرأ عنه فقد افترى على الله". وروي عنه أنه قال: "لعن الله قوماً يحملون ذنوبهم على الله ". وروي عنه أنه قال: "قاتل الله قوماً يعملون المعاصي ثم يزعمون أنها من الله ". والجواب: أن هذه الأحاديث لم يذكرها علماء الحديث في الأصول التي اتفق علماء الأمصار على صحتها والاحتجاج بها، فيجب على من احتج بها إثبات السند فيها، وعلى أنا نحمل هذه الأخبار على أنه لعن قوماً قالوا إن الله أخبر الخلق على أعمالكم وهلك من قال ذلك.1
والذي ذكر أصحاب الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قدمنا ذكره عنه.
وروى عنه مجاهد أنه قيل لابن عباس: إن ناساً يقولون في القدر، فقال: "يكذبون بالقرآن لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه2، إن الله عز
وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة إنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه"1.
وقال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وجد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره نقضاً للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها"2.
وقال عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل فقال: يا ابن عباس: أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة والردى ألا تراه قد ظلمني؟ فقال ابن عباس: "إن كان الهدى شيئاً كان لك عنده فمنعك فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني"3.
وروي عن أبي يحيى مولى بني عفراء4، قال: أتيت ابن عباس وعي رجلان من الذين يكذبون بالقدر وينكرونه، فقلت: يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن هؤلاء أتوك ليسألوك عن القدر إن زنا وإن سرق وإن شرب، قال: فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه فقال: يا أبا يحيى5، لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم أو هذين معك لجاهدتكم، إن زنا فبقدر وإن سرق6 وإن شرب الخمر فبقدر.7
وروى عكرمة قال: "كنت عند ابن عباس جالساً فجاء رجل فقال: يا ابن عباس أخبرني من القدرية فإن الناس قد اختلفوا عندنا بالمشرق.
فقال ابن عباس: القدرية قوم يكونون في آخر الزمان دينهم الكلام، يقولون إن الله لم يقدر المعاصي على خلقه ويعذبهم على ما قدر عليهم، فأولئك هم القدرية، وأولئك هم مجوس هذه الأمة، وأولئك ملعونون على لسان النبيين أجمعين فلا تقاولوهم1فيفتنوكم، ولا تجالسوهم ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، أولئك أتباع الدجال لخروج الدجال أشهى إليهم من الماء البارد، فقال رجل: لا تجد علي يا ابن عباس فإني سائل مبتلى بهم، قال: قل، قال2: كيف صار في هذه الأمة مجوس وهذه أمة مرحومة، فقال ابن عباس: أخبرك لعل الله ينفعك، فقال: افعل، قال: إن المجوس زعمت أن الله لم يخلق شيئاً من الهوام والقذر، ولم يخلق شيئاً يضر، وإنما يخلق المنافع وكل شيء حسن 3، وإنما القذر4هو الشر، والشر كله خلق إبليس وفعله، وقالت القدرية: إن الله لم يخلق الشر ولم يبتل به، وإبليس رأس الشر وهو مقر بأن الله خلقه.
وقالت القدرية: إن الله أراد من العباد أمراً لم يكن وأخرجوه من ملكه وقدره، وأراد إبليس من العباد أمراً فكان إبليس عند القدرية أقوى وأعز، فهؤلاء القدرية، فكذبوا أعداء الله.
إن الله يبتلي ويعذب على ما ابتلى وهو غير ظالم، لا يسأل عما يفعل، وبمن ويثيب وهو فعال لما يريد، ولكنهم أعداء الله ظنوا ظناً فحققوا ظنهم عند أنفسهم، وقالوا: نحن العالمون والمثابون والمعذبون بأعمالنا ليس لأحد علينا منة وذهب عليهم المن من الله والخذلان.
قال سويد بن سعيد5: لا إله إلا
الله ما أوحشه من قول، وأن الله هو الهادي والمضل الراحم المعذب.1
قال عطاء: قال ابن عباس: "كلام القدرية كفر وكلام الحرورية ضلال".
قال ابن عباس: "لا أعلم الحق إلا في كلام قوم ألجوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله تبارك وتعالى، وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلاً بقضاء الله وقدره"2.
وروي أن ابن عباس - رضي الله عنه - مر على قوم يتنازعون في القدر فقال: "لا تختلفوا في القدر فإنكم إن قلتم إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه، وإن قلتم إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها قلتم إن الله ظلمهم"3.
قال الأوزاعي: بلغني عن ابن عباس أنه ذكر عنده قولهم في القر فقال: "ينتهي بهم رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً كما أخرجوه عن أن يكون قدر شراً"4.
وروي في الصحاح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال موسى عليه السلام: يا رب أبانا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم عليه السلام فقال له: أنت أبونا آدم؟ قال: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر ملائكته
فسجدوا لك؟ ن قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة، قال له آدم: من آنت؟، قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه قال: نعم، قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق، قال: نعم، قال: فلم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل أن أخلق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى "1. استدل القدري بما روي عن ابن عمر أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، قيل: منهم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: الذين يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من الله".
والجواب: أن على هذا المستدل أن يثبت هذا بسند صحيح، ولم يذكره أحد من أصحاب الحديث.
وعلى أنا نحمله على أنه أراد الذين يزعمون أن الله يجبرهم على المعاصي ولا حجة له علينا بذلك.
ثم نقول للذي ذكره أصحاب الحديث عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر2قال: قلت لابن عمر: إنا نسافر فنلقى قوماً يقولون لا قدر، قال: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات"3.
وروى ابن نافع1أن رجلاً قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إن قوماً يتكلمون في القدر بشيء، فقال ابن عمر: "أولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة، فمن زعم أن مع2الله قاضياً أو قادراً أو رازقاً أو مالكاً لنفسه ضراً أو نفعاً أو موتاً أو حياة أو نشوراً لعنه الله وأخرس لسانه وأعمى بصره وجعل صلاته وصيامه هباء منثوراً قطع به الأسباب وكبه على وجهه في النار"3.
وروى نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر قال: يا أبا عبد الرحمن الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: قدره الله علي ويعذبني به؟، قال: نعم، يا بن اللخنا4، لو كان عندي إنسان لأمرته أن يجأ أنفك"5.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب6، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد ذكر عنده يوماً7 القدر، فأدخل بأصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم باطن يده فقال: "أشهد أن هاتين الرقمتين كانت في أم الكتاب"8.
وروي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: ما تقول يا أمير المؤمنين في القدر؟ فقال: ويحك أخبرني عن رحمة الله أكانت قبل طاعة العباد أم لا؟، فقال: بلى، فالتفت علي إلى الصحابة وقال: أسلم صاحبكم بعد أن كان
كافراً فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أليس بالمشيئة الأولى التي أنشأ بها وقوم خلقى حتى أنا أقوم وأفعل وأقبض وأبسط وأفعل ما أشاء، فقال له علي: إنك بعد في المشيئة، أما إني أسألك عن ثلاث فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت، وإن قلت: نعم فأنت أنت، فمد القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول، فقال له الرجل: هات يا أمير المؤمنين.
فقال: علي - رضي الله عنه - أخبرني1، هل خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟، قال: بل كما شاء، قال: فخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟، فقال الرجل: بل لما شاء، فقال: هل تأتيه يوم القيامة بما شاء أو بما شئت؟، فقال: بل بما شاء، فقال له: قم فلا مشيئة لك"2.
وروي أن علياً - رضي الله عنه - خطب يوماً وذكر قاتله، فقال: ما يمنعه أن يقوم فيخضب هذه من هذا3فقالوا4: يا أمير المؤمنين أما إذ عرفته فأرناه نفعل به كذا، فامتنع، قالوا: فما تقول لربك إذا قدمت عليه5قال: "أقول وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم حتى توفيتني، وهم عبادك إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم"6، وهذا كله يبطل القدرية.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "لأن أعض على جمرة أو أقبض عليها حتى تبرد أحب إلي من أن أقول بشيء قضاه الله ليته لم يكن"1. وقال ابن مسعود - رضي الله - "أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره"2. وعن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب فقلت يا أمير المؤمنين إنه وقع في قلبي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني فقال: إن الله عزوجل لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار. قال: ثم أتيت ابن مسعود فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.3
وروي أن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة قال له ابنه
عبد الرحمن: أوصني، فقال: أجلسوني، فأجلسوه ثم قال: يا بني اتق الله ولن تتقي الله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "القدر على هذا من مات على غير هذا أدخله الله النار"1.
وبمثل هذا المعنى روي عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وعمران بن الحصين، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهم -2.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار"1.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فأخلف يده ورائي وقال: "يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا استعنت فاستعن بالله، إذا سألت فاسأل الله جرى القلم بما هو كائن، فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يعطك الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئاً قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع اليقين، وإن مع العسر يسراً إن مع اليسر يسراً".2. وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر"3.
وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله"1.
# 92- فصل استدل القدري بدامغه بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والشعبي1ومالك بن دينار2، وقتادة3وغيرهم، ممن لا ينكر فضلهم أحد وهم برءاء مما أضافه إليهم.
ولو طولب بسند خبر من ذلك لم يقدر عليه إلا بالتخرص.
وأنا أذكر ما ذكره عنهم أصحاب الحديث في الأصول المشهورة عند علماء الأمصار.
يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "لو أن الله كلف العباد العمل على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكنه أخذ منهم اليسير، ولو أراد أن لا يعصى لم 1 يخلق إبليس رأس المعصية"2.
وقال الأوزاعي: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتاباً فكان فيما كتب إليه أن يسأل الله الذي بيده القلوب يصنع بها ما يشاء من ضلالة وهدى"3.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "ما طن4ذباب بين اثنين إلا بكتاب وقدر"5.
وقال رجل للحسن البصري: لهذه أي للسماء خلق آدم أم للأرض؟، فقال: بل للأرض، فقال له: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان يترك في الجنة؟ قال: سبحان الله كان له بد من أن يعملها، قال: قلت له: