العباس: "يا رسول الله توصي بقريش فقال: إنما أتوصى قريشاً بالناس وبهذا الأمر وإنما الناس تبع لقريش بر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم "1 ويدل على ذلك ان الأنصار لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وطمع من طمع منهم بذلك وطال الكلام بينهم حتى روى لهم أبو بكر2وعمر - رضي الله عنهم - قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش "، فرجعوا عن قولهم واذعنوا وانقادوا، ولولا أنهم3 علموا صحة هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لردوا ذلك وظعنوا به لا سيما في مثل هذا الموقف.
وقد وقع التنازع والحجاج وإشهار السيوف4وإختلاط القول، بل رجعوا5وقال سعد بن عبادة وهو من رؤساء الأنصار لأبي بكر وعمر: "أنتم الأمراء ونحن الوزراء"، 6 فثبت أن ذلك إجماع.
ومن شرطه: أن يكون عالماً بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية بيضة الإسلام وما يتصل بذلك من الأمور، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لحق الخلل، وتتعدى الضرر إلى الأمة، وطمع بهم عدوهم، وأدى إلى إبطال ما نصب لأجله.
ومن شرطه: أن لا يكون فيه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود وضرب الرقاب المستحقة، لأنه إذا لم يكن7بهذه
الصفة قصر عما لأجله أقيم وانبسطت أيدي الظلمة إلى الدماء واخذ الأموال وارتكاب المحارم، ولم يصل المظلوم إلى حقه.
ومن شرطه: أن يكون ورعاً، وهذه أعز الصفات وأجلها وأولاها بالمراقبة وأجدرها، لأنه إذا لم يكن كذلك أخذ ما لم يحل له أخذه وارتكب المحارم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ملاك دينكم الورع" 1 وليس من شرطه أن يكون معصوماً من الخطأ والزلل، عالماً بالغيب، ولا بجميع الدين حتى لا يشذ عنه شيء2، وإنما كان كذلك لأن طريق العلم بالعصمة عن الخطأ والعلم بالغيب إنما يحصل من خبر الصادق وهو الشارع، ولم يرد ذلك في القرآن ولا في السنة المتواترة بالأخبار من3أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يصح اشتراط ذلك في المنصوب للإمامة، ولأنه لو احتيج إلى كونه معصوماً عن الخطأ لاحتيج أن يكون قاضيه وجابي خراجه وصدقته وأصحاب مصالحه
وأمراء جيوشه أن يكونوا كذلك، لئلا يفسدوا ما يتولونه من الأعمال.
وفي اشتراط ذلك إبطال لنصبهم بذلك، ويدل على بطلان ذلك اعتراف الخلفاء الراشدين بأنهم غير معصومين، وترك إنكار الأمة أو واحد منهم ولا يتهم للأمر مع اعترافهم بذلك.
إذا تقرر هذا ووجدت شروط الإمامة في واحد من العصر تعين العقد له وتعين له القيام والطلب، وإن وجدت هذه الشروط في أكثر من واحد فينبغي أن تعقد الإمامة للفاضل إن لم يكن هناك عذر يمنع من إمامة الأفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: "يؤم القوم أفضلهم "1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعوا "2، وروي في خبر آخر "أئمتكم شفعاؤكم إلى الله فقدموا خيركم"3، وقال صلى الله عليه وسلم: "من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين".4 وأعظم الإمامة هي الإمامة الكبرى، لأن الإمام الأعظم أولى بإمامة الصلاة من غيره، فيجب أن يكون أفضلهم.
ويدل عليه إجماع الصدر الأول على طلب الأفضل.
وقال عبد الرحمن بن عوف: "لا يعدلوا بعثمان أحداً"5 وقول أبي عبيدة لعمر: "مد يدك لأبايعك، فقال له عمر: تقول
هذا وأبو بكر حاضر والله ما كان في الإسلام فَهّه1غيرها" 2.
فإن خيف من عقد الإمامة للفاضل فتنة جاز عقدها للمفضول، والدليل عليه أن عمر - رضي الله عنه - جعل الإمامة إلى أهل الشورى وهم ستة، ولا شك أن فيهم فاضلاً ومفضولاً، وأجاز العقد لكل واحد منهم إذا3أدى إلى صلاحهم وجمع كلمتهم من غير إنكار أحد، ولأن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل، فإذا خيف بإمامة أفضلهم الهرج والفساد والتغالب كان ذلك عذراً في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ولأنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المفضول على الفاضل في إمامة الصلاة فكذلك في الإمامة العظمى.
فإن قيل: قد ذكرت صفة الإمام فبماذا تنعقد له الإمامة؟.
قلنا تنعقد له الإمامة بأمور، منها: أن يستخلفه إمام قبله.
والدليل على ذلك أن أبا بكر - رضي الله عنه - وصى بالخلافة لعمر - رضي الله عنه -، ووصى عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الشورى ورضيت الصحابة بذلك لوم ينكروه، وأيضاً فإن الأب لما ملك النظر في أمر أولاده الصغار بحياته ملك الوصية بأمرهم إلى من بعده4إذا لم يكن لهم ولي في الشرع بعده وهو الجد، فكذلك الإمام مثله.
وتنعقد الإمامة بعقد أهل الحل والعقد لمن وجدت فيه شروط الإمامة1، واختلف في عدد العاقدين فمنهم من قال: أقلهم ثلاثة، لأن ذلك أقل الجمع2، وقال اكثر أهل العلم: تنعقد بواحد لأنه إذا ثبت أن فضلاء الأمة هو ولاة عقد الإمامة، وثبت أنه لا يجب اعتبار حضور جميع أهل الحل والعقد وجميع الأمصار، لأن الصحابة لم يعتبروا ذلك فيمن عقدوا له الإمامة منهم لم يتعذروا تعدد3انعقاد ذلك بواحد.4
ومن شرط العاقد أن يكون ذكراً حراً بالغاً عاقلا مسلماً مجتهداً عدلاً ظاهراً وباطناً، لأنه من الأمور المهمة في الدين، فاعتبر أن يكون على أكمل الأحوال.
وهل من شرط العقد أن يكون بحضوره شهود؟.
اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا يعتبر حضور شهود، ومنهم من اعتبر حضور شاهدين، لأن أمر الإمامة أعظم من أمر النكاح، فإذا اعتبر الشهود في النكاح ففي الإمامة أولى، ومنهم من اعتبر حضور أربعة بعد العاقد والمعقود له1، لأن عمر - رضي الله عنه - اعتبر ذلك في أهل الشورى، وهذا ليس بشيء لأن عمر لم يعتبر حضور الستة لذلك، وإنما أخبر أنهم أفاضل وأن الأمر لا يعدوهم ولا يتجاوزهم.
وقال أصحابنا: وقد ثبتت الإمامة من وجه غير ما تقدم ذكره، فإن لم يكن هناك إمام فقام رجل له شوكة وفيه شروط الإمامة فقهر الناس بالغلبة فأقام فيهم الحق، فإن إمامته تثبت وتجب طاعته والدخول تحت حكمه، لأن المقصود قد حصل بقيامه، إلا إن قهره من هو بمثل صفته وصارت له الشوكة والغلبة فإن الأول يخلع ويصير الثاني أولى بالطاعة لما ذكرنا في الأول.2
# 121- فصل اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أهل الحديث وعلماء السلف أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه1- وأن إمامته ثبتت بعقد الصحابة - رضي الله عنهم - الإمامة له بظواهر أدلة استنبطوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينص النبي صلى الله عليه وسلم على إمامته ولا عهد بها إليه ولا إلى أحد من الصحابة، وأنه هو أحق الناس بالإمامة في وقته2وأن الإمام الحق بعده هو عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، ودرجاتهم في الفضل على درجاتهم في الإمامة. وقالت الخوارج بإمامة أبي بكر وعمر وبإمامة عثمان إلى الوقت الذي ادعوا أنه أحدث، وبإمامة علي بن أبي طالب إلى أن حكّم وتبرؤوا منهما بعد ذلك.3
وادعت فرقة منهم يقال لهم البكرية منسوبة إلى شيخ لهم يسمّى بكراً4
أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بالإمامة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ونص عليه.1
وقالت المعتزلة بإمامة أبي بكر وعمر2وفسقوا عثمان وعلياً وقاتلي عثمان وخاذليه وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وأبا 3موسى الأشعري.4
وقال
استاذهم عمرو بن عبيد: لو شهد عندي علي بن أبي طالب على شراك نعل ما قبلت شهادته.1
وذهب فرقة الرواندية2إلى أن3 الإمامة للعباس بن عبد المطلب، وقد نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم.4
وقالت الروافض والشيعة5بإمامة علي بن أبي طالب، فادعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامته نصاً لا يحتمل التأويل، ورفضوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وكفروا الصحابة كلهم إلا أربعة: علي بن أبي طالب وأبا ذر والمقداد وسلمان الفارسي.
ثم افترقت الرافضة والشيعة في الإمامة بعد علي - رضي الله عنه - على ثلاث فرق فقالت الغالية منهم: علي هو الإله وحكى أن قوماً أتوه وقالوا: أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا وإليك معادنا فقتلهم وحرقهم وهذه الفرقة يقولون هو حي وهو في السحاب.6
وقالت فرقة منهم وهم الزيدية1: الإمامة لعلي، ثم بعده ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم علي بن الحسن، ثم زيد بن علي، ثم يحيى بن زيد2، ثم محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن الذي يسمى النفس الزكية3، ثم أخوه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن4، ثم المثلث وهو الحسن بن
علي، وإنما قيل له مثلث لأنه حسن بن حسن بن حسن1، ثم يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن2، ثم محمد بن إبراهيم3، ثم بعده الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم.4
فهؤلاء ورثة الكتاب المخصوصون بالإمامة، ثم بعد ذلك يتبعون كل قائم يقوم من ولد علي، وهم أكثر الفرق نفوراً مع كل قائم حتى إنهم ينتقلون من إمام إلى إمام.
وقالت فرقة منهم: تسمى الباطنية5كانت الإمامة لعلي - رضي الله عنه
- ابتداءاً، ثم الحسين بن علي دون الحسن، لأنه أسلم الأمر إلى معاوية، ثم علي بن حسين، ثم محمد بن علي بن الحسين، ثم جعفر بن محمد1، ثم موسى بن جعفر2، ثم علي بن موسى3، ثم محمد بن علي4، ثم علي5بن محمد6، ثم الحسن7
ابن علي1وبعدهم إسماعيل بن جعفر2ثم ابنه محمد بن إسماعيل3.
وللروافض في الإمامة كلام كثير، لكنا نتكلم على إبطال ما ادعوه من النص عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بطل النص ثبت الاختيار.
فنقول: لو كان هناك نص من النبي صلى الله عليه وسلم على إمام بعينه بأن يقول هذا خليفتي والإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا لم يخل: إما أن يكون هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم بمحضر من الصحابة ممن يقع العلم بخبرهم أو كان ذلك منه بمحضر الواحد والاثنين والعدد الذين لا يقع العلم بخبرهم، فلو كان قد قال ذلك بمحضر جماعة يقع العلم بخرهم، لنقل ذلك نقل مثله ولشاع وذاع كما نقل أعداد الركعات وفرض الحج والصيام والزكاة التي لا خلاف بين الأمة في وجوبها، لأن الإمامة من الفروض العامة اللازمة
للجميع ولتوفرت الدواعي في كل عصر على نقل ذلك إلى يومنا هذا، وعدم ذلك يضطر إلى عدم النص منه، وإن كان قال ذلك بمحضر ممن لا يقع العلم بخبرهم فعند الروافض أن أخبار الآحاد لا توجب العمل في العبادات، فكيف توجب العمل في الإمامة، ولأنه لو كان كذلك لما وسع علياً - رضي الله عنه - عنه السكوت عن الاحتجاج به، ولما وسع بني هاشم وبني عبد المطلب الإغضاء على ذلك وترك نصرة علي، وفي عدم ذلك منهم ومنه ما يدل على عدم النص، ولأنه لو كان للنص أصل لكان يؤدي إلى أن الحق بذلك خفي على عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجمتع أمتي على الخطأ"1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ"2 وفي انقياد الصحابة - رضي الله عنهم - لأبي بكر وكونهم تحت طاعته وفيهم علي والعباس وعمار والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام دليل على عدم النص على غيره، ولأن كثيراً من القائلين بإمامة علي من الزيدية3والمعتزلة البغدادين4وغيرهم ينكر5النص ويجحده مع تفضيلهم لعلي على غيره وهذا في بابه أوضح دليل على عدمه.
ثم نعارض روايتهم هذه برواية البكرية أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة أبي
بكر - رضي الله عنه1- أو برواية الراوندية، حيث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة العباس - رضي الله عنه - 2. وكل جواب للشيعة عن هاتين الروايتين فهو جواب لنا عن روايتهم في النص على إمامة علي - رضي الله عنه -، وعلى أن فرقة من الرافضة يقال لهم الكاملية3كفروا خلقاً من الصحابة - رضي الله عنهم -، وكفروا علياً معهم، وذلك أنهم قالوا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي - رضي الله عنه - فردت الصحابة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكفروا بذلك، ولم ينازعهم علي ولم يقاومهم فكفر، وهذا يدل على أنهم أرادوا الطعن على الجميع وإبطال ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر به ويدل على عدم النص ما روى ابن عباس - رضي الله عنه -: "أن علي بن أبي طالب خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبح بحمد الله بارئاً فأخذ بيده العباس ابن عبد المطلب فقال: ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا4والله إني لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، فقال علي - رضي الله عنه -: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها
الناس أبداً، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً.1
وهذا يدل على عدم النص إذ لو له أصل لكان عندهما منه علم.
وأما بيان عقد الإمامة لأبي بكر - رضي الله عنه - فما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات اختل الناس لموته فاعتزلت الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي - رضي الله عنه - في رجال من قريش في بيت فاطمة - رضي الله عنها -، فقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: يا معشر الأنصار إن تقدموا قريشاً اليوم يتقدموكم إلى يوم القيامة، وأنتم الأنصار وفيكم كتاب الله وإليكم الهجرة، وفيكم أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلبوا رجلاً تهابه قريش وتأمنه الأنصار، فقال القوم: وما ذاك إلا سعد بن عبادة، قال: فسعد نريد وقام أسيد بن حضير الأوسي وهو من أهل الطاعة فيهم والرأي فقال: يا معشر الأنصار إنه قد عظمت نعمة الله عليكم بأن سماكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم الرسول صلى الله عليه وسلم فاجعلوا ذلك2لله شكراً، وإن هذا الأمر في قريش فمن قدموه فقدموه ومن أخروه فأخروه، فلم يقبلوا منه فلحق بالمهاجرين ثم قام عويم3بن ساعدة الأنصاري فقال: "يا معشر الأنصار إن يكن هذا الأمر فيكم دون قريش فانفروا حتى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم فسلموا لهم ذلك، فوالله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفنا أن أبا بكر خليفته حين أمره أن يصلي بالناس فلم يقبلوا منه، فلحق بالمهاجرين فاجتمع المهاجرون إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وفيهم عمر وقال عمر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، قال عمر:
فانطلقنا فلقينا رجلان صالحان1من الأنصار قد شهدا بدراً فقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا من الأنصار، قال: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلت: والله لنأتينهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل فقلت؟ من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة، فقلت: ما شأنه فقالوا: إنه وجع، فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر قريش رهط منا وقد دفت إلينا منكم دافة2، فإذا هم يريدون أن يخزلونا3من أصلنا ويحضنونا4من الأمر، قال: وقد زورت في نفسي مقالة وكنت أردت أن أقوم بها بين يدي أبي بكر، وكان أوقر مني واحلم، فلما أردت الكلام، قال: على رسلك وكرهت أن أعصيه، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم والله ما ترك كلمة كنت زورتها إلا جاء بها أو أحسن منها في بديهته ثم قال: "أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار فأنتم له أهل، ولكن لم5تعرف العرب هذا الأمر إلا بهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب داراً ونسباً، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، فوالله ما كرهت مما قال شيئاً6غير هذه
الكلمة، وكنت1لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى أبو بكر خطبته قام رجل من الأنصار يقال له حباب ابن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك2وعذيقها المرجب3منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فقال عمر: إنه لا يصلح سيفان في غمد، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء، قال: فارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف، فقلت: يا أبا بكر أبسط يدك أبايعك، قال: فبسط يده فبايعته بايعه المهاجرون وبايعه الأنصار.
وزعم الأوس أن أول من بايعه بشير أبو4النعمان، وزعمت الخزرج أن أول من بايعه أسيد بن حضر، فلما بلغ أهل السقيفة ازدحم الناس على أبي بكر ليبايعوه، فقال قائل منهم: قتلتهم سعداً، فقال عمر: قتل الله سعداً، 5 ثم زفوه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن أهله حجبوه فلما رقى أبو بكر المنبر نظر في وجوه اقوم فلم ير علياً - رضي الله عنه -، فسأل عنه فقام زيد بن ثابت وجماعة من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر: أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه6، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فقال: أين الزبير، فقام زيد وجماعة فجاؤوا به فقال له: أنت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وأردات أن تشق عصا المسلمين، فال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ثم
بايعه، ثم رجع علي - رضي الله عنه - إلى بيته وأقام حيناً من الدهر يسكن فاطمة - رضي الله عنها - من حزنها على أبيها إلى أن مرضت وماتت، فلما فرغ من دفنها - رحمة الله عليها - جاء إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فبايعه ثانياً البيعة المشهورة"1.
فنحن نقول لما بايع عمر - رضي الله عنه - أبا بكر انعقدت له الإمامة لا بمجرد مبايعته ولكن لتتابع الأيدي إلى المبايعة لسبب مبادرته، ولو لم يبايعه عمر وبقي الناس مخالفين وانقسموا انقساماً لا يتميز فيه الغالب من المغلوب لما انعقدت إمامته، لأن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المبايعة ومطابقة البواطن والظواهر على ذلك المقصود الذي يراد له الإمام، وهو جمع شتات الآراء ولا تتفق الإرادات المتناقضة على مبايعة ذي رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته ورسخت في النفوس رهبته ومهابته ولم يخالفه إلا من لا يكترث بمخالفته.2
ومما يدل على تقديم أبي بكر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي توفي فيه أغمي عليه ذات يوم في مرضه فأفاق فقال: " حضرت الصلاة قالوا: نعم قال: مروا بلالا فليؤذن وأمروا أبا بكر فليصل بالناس، ثم أغمي عليه فأفاق وقال مثل ذلك، فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عمر فليصل الناس، فقال مثل قوله الأول فقالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف1ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عمر قليصل بالناس، فقال مثل قوله الأول فقالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقم مقامك يبك فلا يستطيع فأمر عليا2فليصل بالناس، فقال: إنكن صواحبات يوسف مروا بلالاً فليؤذن وامروا أبا بكر فليصل بالناس"3.
وروى عبد الله بن زمعة قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعة الذي مات فيه كنت عنده ونفر من المسلمين فبينا نحن كذلك إذ دعى بلال إلى الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فخرجت فإذا بعمر بن الخطاب في الناس وكان أبو بكر غائباً عنهم، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده يقدم على أبي بكر وعمر، فقلت في نفسي إن كان أبو بكر غائباً فهاهنا عمرفقلت: يا عمر صل بالناس، قال فقام وكبر وكان جهوري الصوت فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فقال: أين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر فجاء من حيث كان وصلى بالناس بعد ذلك سبعة أيام"4.
وفي بعض الروايات أنه أقام يصلي
بالناس سبعة عشر يوماً.1
قال عبد الله بن زمعة: فقال لي عمر ويحك ماذا صنعت بي يا عبد الله ما ظننت إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تامرني، قلت: والله ما أمرني بذلك وإنما أمرني إلى أبي بكر فحين لم أره رأيتك أولى من حضر بالصلاة بالناس"2.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه عند صلاة الصبح يوم العاشر خفة فخرج يهادي بين الفضل بن العباس وأسامة بن زيد3عاصباً رأسه، وأبو بكر يصلي بالناس، ففرح الناس بدخوله صلى الله عليه وسلم، فلما أحسن به أبو بكر ذهب ليستأخر فنكص عن مصلاه، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم في ظهره وقال: صل بالناس وجلس إلى جنبه قاعداً عن يمينه.4
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأبي بكر، وأبو بكر يصلي بالناس1، وكان ذلك بحضور علي - رضي الله عنه -. وروي أن عبد الله بن الكوا2وقيس بن عباد3دخلا على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعدما فرغ من قتال الجمل فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، فإن كان رأياً رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهداً عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت الموثوق المأمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عنه.
قال: فتشهد علي وكان القوم إذا تكلموا تشهدوا، فقال: أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا والله، ولو كان عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم أجد إلا يدي هذه، ولكن نبيكم صلى الله عليه وسلم نبي رحمة لم يمت فجأة ولم يقتل قتلاً مرض ليالي وأياماً يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقول: مروا أبا بكر فليصل بالناس وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فولينا الأمر أبا بكر فأقام أبو بكر - رضي الله عنه - بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، وكنت والله آخذ إذا أعطاني وأغزوا
إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما حضرت أبا بكر الوفاة ولاها عمر - رضي الله عنه -، فأقام عمر بين أظهرنا الكلمة جامعة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد أحد منا على أحد بالشرك، فكنت والله آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، فلما حضرت عمر الوفاة ظن أنه إن يسختلف خليفة فيعمل ذلك بخطيئة إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم أن أدع نصيبي على أن أختار لله ولرسوله وآخذ ميثاقاً على أن نسمع ونطيع لمن ولاه أمرنا، فضرب بيده يد عثمان - رضي الله عنهما - فبايعه، فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لعثمان، فابتعت عثمان - رضي الله عنه - بطاعته حتى أديت له حقه.1
وروي الحسن البصري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فصلى بالناس وقد رأى مكاني وما كنت غائباً ولا مريضاً، ولو أراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا"2.
وروي شقيق3بن سلمة أنه قال: قيل لعلي - رضي الله عنه - "استخلف علينا فقال: ما أستخلفت ولكن إن يرد الله بهذه الأمة خيراً يجمعهم على خيرعم كما جعهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيرهم"4.
وروي أنه قيل: لعبد الله بن أبي أوفى: "هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قيل: فكيف أمر المسلمين بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله، وقال1: أبو بكر يتوثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ودّ أبو بكر أنه وجد عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم2أنفه منها بخزامة".
3 ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾؟ الآية، وهذا خطاب للصحابة - رضي الله عنهم -".
4 لأنهم هم المستخلفون الله عنهم -، ثم قال بعدها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ 5 الآية، قال الضحاك: "هذا العهد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - لأنهم هم المستخلفون بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنجز له ما وعدهم وجعلهم خلفاء بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، ومكن لهم في الأرض ففتحوا الفتوح وغنموا الغنائم وسبوا الذراري، وكان سيف أبي بكر - رضي الله عنه - في أهل الردة سيف حق، وسيف علي - رضي الله عنه - في الخوارج سيف حق، وظهر بهم في دين الله بعد نبيه صلى الله عليه وسلم.
يؤيد ذلك ويوضحه ما روى أبو بكرة وسفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا" قال سفينة: أمسك1، "خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشراً وعثمان اثنتي عشرة وعلي ستاً".
2 وروى عبد الله عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليكونن منكم اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلاً، وصاحب رحادارة العرب يعيش حميداً ويموت شهيداً فقال رجل: من هو يا رسول الله، فقال: عمر بن الخطاب، ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان، فقال: يا عثمان وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصاً كساكه الله فلا تخلعه، فوالذي نفسي بيده لإن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط "3. ويدل على ما قلناه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" 4.
فسمى الخلفاء بعده الراشدين، وأمر باتباع سنتهم، ولم يكن بعده من الخلفاء إلا هؤلاء الأربعة، فدل على أن خلافتهم خلافة حق.
ومما يدل على خلافه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - من القرآن قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ 1، وهذه الآية نزلت في المخلفين من الأعراب عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، فقيل إن القوم الذين وصفهم الله بأولى بأس شديد هم أهل اليمامة2، 3 جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار والذي دعى إلى قتالهم وقاتلهم هو أبو بكر - رضي الله عنه -، وقيل: إنهم فارس وقد قاتلهم عمر - رضي الله عنه - فوعد الله المطيع على قتالهم أجراً حسناً، وأوعد من أعرض عن قتالهم عذاباً أليماً. فدل على أن الداعي لهم إلى قتالهم محق فيما دعاهم إليه.4
ومما يدل على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ما روي عن جبير بن معطم: "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن لم أجدك كأنها تعرض بالموت فقال لها: "إن لم
تجديني فأت أبا بكر "1. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"2 ومما يدل على صحة إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - أن الله أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ 3 وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ 4، الآية، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ 5.
ومعنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أي: أنتم خير أمة6، ويقال: أراد كنتم في اللوح المحفوظ7، ويقال: في علم الله.8
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" 1 وهؤلاء الذين أثنى الله عليهم بايعوا أبا بكر - رضي الله عنه - وأطاعوه وانقادوا له وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قال: إن خلافة أبي بكر كانت باطلاً فقد ضلل من أثنى الله عليه وشهد لهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فدل على أن ما أمروا به معروف.
فإن قيل: فما الدليل على أن أبا بكر بصفة من تعقد له الإمامة، وما المعاني التي اقتضت تقديمه على غيره في عصره؟.
قيل: أما سببه ونسبه فلا ينكره منكر2، وظهر من النبي صلى الله عليه وسلم معان تدل على تقديمه على غيره، وظهرت من أبي بكر - رضي الله عنه - في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند موته أمور تدل على علمه وشجاعته وقوة عزيمته.
فأما ما ظهر للصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم فما ذكرناه من تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الإمامة بالصلاة وتعظيمه لأمره بذلك، وقوله لعائشة وحفصة: "إنكن لصواحب يوسف" حين راجعنه في إمامة غيره3، وقوله مع ذلك "يأبى الله ورسوله والمسلمون إلا أبا بكر"4
مع قوله الله صلى الله عليه وسلم: " يوؤ القوم خيرهم"1. وقوله: " أئمتكم شفعاؤكم"2 وقوله: "من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله"3 وقوله صلى الله عليه وسلم:" ما من نبي يموت حتى يؤمه رجل من قومه" 4، وقد أمَّ أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.5
وروى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت متخذاَ أحداً من أهل الأرض خليلاً لأتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً - رضي الله عنه - ولكن خلة الإسلام أفضل سدوا عني كل خوجة غير خوجة أبي بكر"6 وروي ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عاصباً رأسه بخرقة في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه
فقال: ليس أحد أمنّ عليّ بنفسه وماله من أبي بكر"1، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر" قال: فبكى أبي بكر وقال: "يا رسول الله أنا ومالي لك" 2، قالت عائشة3: كان مال أبي بكر4قد بلغ الغاية5ألف أوقية فضة لم يزد عليها مال قرشي فأنفق ذلك كله في الله6وقالت: "كان بلغ ماله في الجاهلية ألف ألف أوقية ففخرت بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسكني يا عائشة إني كنت لك كأبي زرع لأم زرع"7.
وروي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للجنة ثمانية أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب
الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وهو باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر: ما على من دعي من تلك الأبواب كلها من ضرورة، وهل يدعى أحد منها كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم وأرجو أن تكون منهم "1. وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله: من أحب الناس إليك قال:" عائشة فقال: إني لست أعني النساء إنما أعني الرجال، قال: أبوها قال ثم من؟ قال: ثم عمر"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته ونقلني إلى دار الهجرة وأعتق بلالاً من ماله" 3.
وروي أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة خرج ليلاً فتبعه أبو بكر - رضي الله عنه - فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك، قال: يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا
آمن عليك، قال فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه قد حفيت رجلاه حمله على كاهله وجعل يشتد به، حتى أتى به الغار فأنزله، وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خروق فيهن حيات وأفاعي، فشق أبو بكر - رضي الله عنه - ثوبه فحشى في كل خرق منها قطعه من ثوبه، فبقي خرق فوضع أبو بكر عقبه عليه فجعلت الحيات والأفاعي تضربه وتلسعه، وجعلت دموعه تنحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا"1.
فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما صنع ثوبك فأخبره بما صنع به فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة فأوحى الله إليه أني قد استجبت لك"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت: "هل قلت في أبي بكر؟ "، قال نعم قال: "قل وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين في الغار المنيف... وقد طاف العدو بهم إذ أصعدوا الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا... من البرية لم يعدل به رجلا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: "صدقت يا حسان" 1.
ومما يدل على تقديم أبي بكر - رضي الله عنه - في الفتيا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ما روى أبو قتادة أنه قال: لما التقى المسلمون بالمشركين يوم حنين كانت للمسلمين جولة يعني اضطراباً فرأيت رجلاً من المشركين وقد علا رجلا من المسلمين فاستدبرت له من روائه فضربت على حبل عنقه بالسيف، فأرسله ورجع إلي فضمني ضمة شممت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني ثم رجعنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلاً له به بينة فله سلبه" فقمت وقعدت2، فقال النبي صلىالله عليه وسلم: "أبا قتادة؟ " فقلت: قتلت رجلاً فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فارضه منه، فقال أبو بكر: لاها الله إذا3لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن
رسوله فيعطيك سلبه أردده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه إياه" فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً1في بني سلمة، فإنه أول مال تأثلته2في الإسلام"3 ولا يتقدم في الفتيا بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم إلا من له منزلة في العلم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوماً فقال: " إن رجلاً خيره ربه بين أن يعيش، في الدنيا ما شاء الله4أن يعيش ويأكل في الدنيا ما شاء أن يأكل، وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه "، فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - وقال: فديناك يا رسول الله بأبائنا وأمهاتنا، فقال أصحاب النبي صلىالله عليه وسلم: ألا تعجبون من هذا الشيخ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً صالحاً خيره الله بين لقاء ربه فاختار لقاء ربه، فكان أبو بكر هو أعلمهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أراد صلى الله عليه وسلم أنه هو الذي خيره الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد أمنّ إلينا في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته خليلاً"5.
وروى أبو الدرداء قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا امشي أمام أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: " يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر"6.
وروي أن أبا بكر1- رضي الله عنه - أول من أسلم.
وروي أنه سئل ابن عباس من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر - رضي الله عنه - أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأفضلها... إلا النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود شيمته... وأول الناس منهم صدق الرسلا2وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أول من ظهر الإسلام سبعة النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه وصهيب وبلال والمقداد3، وروي أبو سعيد الخدري: "أن أبا بكر قال لعلي - رضي الله عنهما -: قد علمت إني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت يا خليفة رسول الله فمد يده فبايعه، فلما جاء الزبير قال له
أبو بكر: قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك قال: صدقت، فمد يده فبايعه.1
وأما ما ظهر من أبي بكر - رضي الله عنه - من العلم وشدة الجأش بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتجت المدينة واختل الناس وأفحموا ودشهوا وطاشت عقولهم وذهلوا، فروي أن عمر - رضي الله عنه - كذب بموته وقال: ما مت رسول الله صلى الله عليه وسلم وليرجعنه الله2وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم من المنافقين يتمنون موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وعده ربه كما وعد موسى ربه وهو آتيكم.3
وأما علي - رضي الله عنه - فإنه قعد في البيت ولم يبرح، وأما عثمان فجعل لا يكلم أحداً حتى أنه يؤخذ بيده فيذهب به ولا يعقل، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - بالسنح4وتواتر أهل البيت إليه بالرسل، فلما أخبر بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل وعيناه تهملان وغصصة تترجع في حلقة، وهو مع ذلك ثابت العقل حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه وقبله، وقال: يأبى وأمي طبت حيا وميتا انطقع الوحي بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء فعظمت عن الصفة5وجللت عن البكاء بكلام له طويل، ثم خرج والنبي صلى الله عليه وسلم مسجى، فقام في الناس خطيبا فخطب خطبة خللها بالصلاة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء، وأشهد أن الكتاب كما أنزل، وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث"1 في كلام طويل، ثم قال: "أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ 2، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ 3.
قال عمر: "والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن"4.
فرجعوا صابرين محتسبين بقوة نفوس وسكون جاش في الدين، ولو لم يظهر منه غير هذا لكان ذلك كافياً في الدليل على علمه وفضله، ثم لما عقدت له الخلافة نادى مناده في المدينة بخروج جيش أسامة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بخروجه فاجتمع إليه قوم من الصحابة - رضي الله عنهم - فقالوا له: إن هذا الجيش فيه الحامية من نقباء المهاجرين والأنصار، وإن أهل الردة قد اطلعوا رؤوسهم وساقبوا5المدينة فانتظر بانفاذه6انكشاف الردة فقال: "والله لأن أخر من السماء على أم رأسي فتخطفني الطير وتنهشني السباع أحب إلي من أن أكون أول حال عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أنفذوا جيش أسامة
وأمرهم بالخروج1، فسأل نقباء المهاجرين والأنصار عمر أن يسأل أبا بكر أن يصرف أسامة ويولي من هو أسن منه وأدري بالحرب فسأله عمر ذلك، فقال أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب وعدمتك، أيوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أعزله؟ والله لا يكون ذلك أبداً فشيعهم أبو بكر حافياً والعباس معه ومن بقي من الصحابة في المدينة فما زال يدعوا لهم ويؤمن العباس ومن معه على دعائه وأسامة يقول: إما أن تركب يا خليفة رسول الله أو أنزل وهو يقول: لا أركب ولا تنزل وماذا عليّ أن تغبر قدماي في سبيل الله فنفذ الجيش وفتح وغنم ورجع في نيف وستين يوماً ولقي بهم أهل الردة"2.
ومن فضائله أن العرب لما ارتدت ومنعت الزكاة وقالوا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكر لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ 3، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم هي التي كانت طهارة وزكاة دون ابن أبي قحافة، فعزم على قتالهم، فقال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها"، 4 فقال أبو بكر: "الصلاة من حقها والزكاة من حقها، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقاً5، وروي عقالاً6مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه7، فرجع عمر وباقي الصحابة إلى قوله وعلموا أن الحق بقوله، وهذا يدل على أنه كان أفقه منهم، وأشجع منهم ولولا قتاله مانعي الزكاة لانحلت قوى الشريعة وعزائمها كالصلاة والصيام
والحج1، ولكن الله شد بعزيمته الدين فقاتل أهل الردة فقاتل أهل الردة وأثر فيهم2بالقتل وأبادهم واستأصل خضراءهم3، حتى ألقى الله في قلوبهم من الهيبة والفشل منه ما كان في قلوب الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال شاعرهم: ألا عللاني قبل جيش أبي بكر... لعل منايا نا قريب ولا ندر لعل جيوش المسلمين وخليهم... ستطرقنا قبل الصباح من الفجر4فكيف لا يصلح للخلافة من هذه صفته، هذا وقد كان مقدماً في الجاهلية تحتكم إليه العرب وترضى بحكمه وقوله.5
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخلوا به ويستشيره في كثير من أمور التي أمر الله أن يستشير بها6بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ 7، ولا يستشير إلا من يحمد لذلك بالعقل والعلم.
# 122 - فصل وقد تعلقت القدرية والروافض بمعان ضعيفة وأخبار غير صحيحة في الطعن على إمامة أبي بكر وعمر.
فمن ذلك أن علياً والزبير - رضي الله عنهما - تخلفا عن بيعة أبي بكر ثم بايعا مكرهين.
والجواب: أن هذا طعن على علي - رضي الله عنه - ونسبته إلى النفاق، لأنه إذا عام أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه في الإمامة وأمره بذلك كيف حلّ له ترك إظهار ذلك والقيام به، وكيف ساغ ترك نصرته لبني هاشم وبني عبد المطلب وغيرهم من قبائل قريش، مع أن المروي عنه أنه قال: "والله لو كان عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخاتيم بن مرة ولا ابن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم أجد إلا يدي هذه، وذكر استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الصلاة مع كونه حاضراً يرى مكانه"1.
وروي أنه قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم وصله: "والله ما قعودي في كسر بيتي قصداً مني لخلاف ولا إنكاراً لمعروف ولا زراية على مسلم، بل لما وقذني2رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقة وأودعني من الحزن بعده، وأنا غاد إلى جماعتكم غداً إن شاء الله بفراق ومبايع صاحبكم، فلما كان صباح ذلك اليوم وافى عليه السلام يخرق الجماعة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فبايعه طائعاً غير مكره، وقال خيراً ووصف جميلاً وجلس طويلاً واستأذن للقيام، فقام وشيعه عمر تكرمة له، فقال له علي - رضي الله عنه -: والله ما قعدت كاراهاً ولا أتيته فرقاً منه ولا أقول ما أقول تقية مني في كلام له طويل"3.