أهل الأثرالأرشيف العلمي

المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلف

وفيه ثلاث نقاط: أولا: الإيمان بالقدر إجمالا: وأدلته: السلف - رحمهم الله - يؤمنون بأن كل شيء بقضاء من الله وقدر سبق صغيرا أو كبيرا حقيرا أو جليلا خيرا أو شرا حلوا أو مرا طاعة أو معصية والأدلة على ذلك بحمد الله ظاهرة وكثيرة منها قوله عزوجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 1 و ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ 2 ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ 3 ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 4 ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 5

ومن السنة حديث جبريل وفيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"1 وحديث طاووس قال: "أدركت ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقولون كل شيء بقدر" قال: "وسمعت عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"2.
وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله تعالى به من البخيل، فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل" 3.
وحديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول اله - صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" 4.
فهذه الأدلة كافية في بيان المراد من إثبات الإيمان بالقدر وأن كل شيء بقضاء وقدر.
ثانيا: مراتب الإيمان بالقدر وأدلتها: الإيمان بالقدر لا يقوم ولا يتم إلا بالإيمان بأربع مراتب قامت عليها الأدلة من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- وهي:-

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله السابق بكل شيء فعلم جل وعلا ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وعلم طاعات العباد ومعاصيهم وكل دقيق وجليل من أحوالهم علما تاما لا يغيب عنه جل وعلا منه شيء صغر أو كبر.
وهذا مقتضى وصفه جل وعلا بالعلم وأنه العليم قال عزوجل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ 1 ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 2 ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ 3 ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ 4 ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ 5 ﴿عَالِمِ الْغَيْب لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ 6 ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 7.
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "سئل النبي - صلى الله عليه وسلم- عن ذراري المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" 8.
وعلى هذا فإن الله عزوجل علم أهل الجنة وأهل النار وخلقهم وهو عالم بما يصيرون إليه، وهم سيصيرون إلى علمه بهم جل وعلا يؤكد هذا ويوضحه حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه - قال: "قال رجل: "يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال: نعم قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له" 9.

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله عزوجل قد كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة الصغير والكبير والحقير والجليل من أحوال بني آدم وأعمالهم، فهم يصدون عن شيء قد كتب عليهم وسجل قبل خلقهم ووجودهم، ويردون إلى شيء قد سجل عليهم وخط به القلم، فكتبت طاعاتهم ومعاصيهم وكتب أهل الجنة وأهل النار وهم لن يتعدوا ما كتب لهم وعليهم.
والدليل على ذلك قوله عزوجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ 1 ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ 2 ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ 3 ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ 4 ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ 5 ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" 6 وحديث عمران بن الحصين قال إني عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا

جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" 1.
فكل شيء قد كتب ومضى به القدر وعُرِفَ أهل الجنة وأهل النار يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله تعالى مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ:- ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ 2.
المرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله عزوجل وأنها الموجبة لكل ما في الوجود فما وقع في الوجود من عمل فإنما وقع بمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله عزوجل لم يشأ وقوعه ولو شاء وقوعه لوقع، وهذا معنى قول المسلمين:- ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ 3 ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 4 ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ 5 ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ 6

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ 1 ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ 2 ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 3 وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" 4.
وفي قصة نومهم في الوادي قال - صلى الله عليه وسلم: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء" 5.
وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الله عزوجل له المشيئة النافذة في خلقه فكل صلاح وخير وطاعة وإيمان وقعت في هذه الحياة إنما وقعت بمشيئته جل وعلا ولو شاء لم تقع قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ 6.
وكل فساد وانحراف ومعصية وكفر وقع في هذه الحياة إنما وقع بمشيئة الله عزوجل ولو شاء لم يقع قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ 7 ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ 8 ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 9 ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ 10.
ويعتقد السلف أن الله عزوجل يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله.

وقد دلت الآيات الكثيرة على هذا منها قوله عزوجل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ 1 ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ 2 ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ 3 ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ 4 ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 5.
ولا بد أن يعلم هنا أن الله عزوجل أعلم بخقله وأخبر وأنه جل وعلا الرحيم الحكيم المحمود على كل فعل فمن هداه الله عزوجل فذلك محض تكرم وتفضل منه سبحانه من غير استحقاق من العبد لذلك، قال عزوجل: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمَانِ﴾ 6 وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ 7.
وقال - صلى الله عليه وسلم- يرتجز ومعه المسلمون في حفر الخندق: "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" 8 قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ 9 الآية.
وله سبحانه وتعالى الحكمة البالغة فيمن هدى وأضل لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه المناسب.

فهدايته جل وعلا مع أنه تفضل منه فهو أيضا وضع لها في الموضع المناسب إذ هذا مقتضى وصفه جل وعلا بالحكمة قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ 1.
ومن ضل فإن الله سبحانه لم يظلمه شيئاً ولم يبخسه حقه إنما منعه فضله وهدايته، وذلك أيضاً لحكمة بالغة فإن الضال ليس بمحلٍ للهداية فهدايته وضع لها في غير موضعها قال عزوجل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ 2.
فكل من ضل عن الحق فإنه من هذا الصنف الذين علم الله عزوجل أنه لا خير فيهم ولو علم فيهم خيراً لهداهم.
بقي هنا مسألة تتعلق بالمشيئة وهي: أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة وذلك أن المشيئة لا تأتي إلا بمعنى الإرادة الكونية القدرية حيث الإرادة تنقسم إلى نوعين: النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ 3 ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ 4 ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ 5.
وغير ذلك من الآيات، وهذا النوع من الإرادة بمعنى المشيئة إذ لابد من وقوعه لأنه يتعلق بالقضاء والأمر الكوني القدري.
النوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ

يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ 1 الآية ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ 2 ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ 3. فهذا النوع من الإرادة ليس بمعنى المشيئة وإنما تعلقه بما يحب الله ويرضى فقد يقع وقد لا يقع فلا تلازم بينه وبين المشيئة.4
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك العباد وأفعالهم فلا يخرج شيء في هذا الوجود عن ملكه وخلقه فهو خالق كل عامل وعمله وكل صانع وصنعته، وما من حركة ولا سكون في هذا الكون إلا وهو خالقه وربه لا يشركه في ذلك أحد بل هو المتفرد سبحانه بالخلق وحده. قال عزوجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ 5. وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 6. وقال - صلى الله عليه وسلم: "إن الله خالق كل صانع وصنعته" 7. فهذا أربع مراتب يؤمن بها السلف ويثبتونها للباري جل وعلا، فمن أثبتها وآمن بها فقد آمن بالقدر ومن أنكرها أو أنكر شيئا منها فقد كفر بالقدر.8
ثالثا: مسائل تتعلق بالإيمان بالقدر أولا: قيام الحجة على الخلق: مع ما تقدم من بيان مراتب الإيمان بالقدر فإن السلف يعتقدون أن الله عزوجل له الحجة البالغة على خلقه ويتضح ذلك بأمور:

# 1- أن الله خلق للعباد قدرة وإرادة ومشيئة وفعلا، فبالقدرة يستطيعون القيام بالتكاليف المناطة بهم، وبالإرادة والمشيئة يصح توجيه الخطاب إليهم بالأوامر والنواهي.
وعلى الفعل يقع الجزاء على الخير خيرا وعلى الشر شرا، إلا أن يعفو الله جل وعلا فأثبت السلف رحمهم الله: أن الله له مع ما تقدم من تقديره السابق الحجة البالغة على خلقه بأن خلقهم على الهيئة الصالحة للتكليف والخلقة المناسبة لمخاطبتهم بالأوامر والنواهي1وقد دل على ذلك الأدلة.
قال عزوجل: في إثبات القدرة للعبد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ 2 ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ 3 ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ 4.
وفي إثبات المشيئة والإرادة للعبد قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 5 ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ 6 ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ 7 ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ 8 ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَة فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ٌ﴾ 9 ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ 10.
وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾ 11 ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ 12 ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ 13 ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ 1 ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ 2.
إلى غير ذلك من الآيات المثبتة أن للعبد إرادة.
وقال عزوجل إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 3 ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 4 ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ 5 ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ 6 ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ 7 وفي إثبات القدرة والمشيئة والإرادة والفعل للعبد كما أنه ظاهر من الشرع فهو ظاهر من حال الإنسان، حيث يدرك ذلك تمام الإدراك من حاله وأحواله مع الأمور في الأخذ أو الترك والفعل أو عدمه والإرادة وعدمها، ومن أنكر ذلك فقد أنكر أظهر الأمور وأوضحها وأجلاها، فالسلف يثبتون هذه الأمور مع إثباتهم للقدر بمراتبه الأربع المتقدم ذكرها، فتكون قدرة العبد هي من إقدار الله عزوجل له، وإرادته ومشيئته تابعة لمشيئة الله وإرادته لا يخرج عنها، كما قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وكذلك فعل العبد إنما وقع بإقدار الله له على هذا الفعل ومشيئته وخلقه جل وعلا لفعل العبد على ما تقدم بيانه في خلق الأعمال.
2- إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع وترتيب الجزاء عليه.
يعتقد السلف أن الله عزوجل مع خلقه للعباد الإرادة والمشيئة والقدرة على الفعل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فدعوا العباد إلى الله عزوجل ووضحوا وبينوا طريق النجاة والفلاح، وجاهدوا في الله حق

جهاده حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وتقوم الحجة على الخلق بالتكليف، قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ 12 3- عدم التكليف بما لا يطاق.
يعتقد السلف مع ما تقدم أن الله من فضله ورحمته بخلقه لم يكلفهم إلا ما هو في طاقتهم، فلم يكلفهم ما يشق ويثقل عليهم فعله وإن كانوا مستطيعين لذلك رحمة منه وتفضلا قال جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ 3 ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ 4 قال ابن جرير: "يعني بذلك فيتعبدها إلا بما يسعها فلا يضيق عليها ولا يجهدها"5 وهو تحقيق لقوله عزوجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 6 ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ 78.
ثانيا: تنزه الله جل وعلا عن الظلم: ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ 9 وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ 10 ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ 11 ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً

يُضَاعِفْهَا﴾ 1 ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ 2 ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ 3 ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ 4 ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ 5.
وقال عليه الصلاة والسلام فيما يروي عن ربه عزوجل: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجلته بينكم محرما فلا تظالموا"6.
وغناه جل وعلا وقدرته وربوبيته أمور تجعل الظلم منتفيا عنه سبحانه والظلم عند السلف هو: وضع الشيء في غير موضعه وهذا منتفٍ عنه، إذ هو العدل الحكيم فلا يظلم الناس شيئا، ومن ذلك أنه لا يحمل العباد في القيامة سيئات لم يعملوها ولا ينقص من حسناتهم7- كما دلت عليه الآيات السابقة.
ثالثا: إثبات الحكمة له جل وعلا في فعله وأمره: يعتقد السلف أن الله عزوجل حكيم في فعله وأمره قال عزوجل فيما حكاه الله عزوجل عن ملائكته: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 8 وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 9 ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ 10 ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 11 إلى غير ذلك من

الآيات الكثيرة التي تدل على إثبات الحكمة له جل وعلا صفة من صفات ذاته لا تنفك عن فعله وأمره جل وعلا، ومن نظر في نفسه وما حوله من خلق الله أدرك أنه صدر عن حكيم خبير، وأنه إنما خلق لغاية وحكمة، وكذلك أمره جل وعلا وشرعه فيه دلالة واضحة على حكمة المشرع جل وعلا. ويعتقد السلف أن الله إنما خلق الجن والإنس لغاية وحكمة وهي عبادته جل وعلا فلم يخلقهم عبثا ولم يكلفهم شططا. وله جل وعلا الحكمة البالغة في قدره وقضائه الذي قضاه على العباد وقد تعلم هذه الحكمة وتظهر وقد لا تعلم ولا يضر عدم العلم بها إذ المراد هو الإيمان بأنه الحكيم جل وعلا في فعله وأمره.1
رابعا: التلازم بين الإيمان بالقدر والتوحيد: يقول ابن عباس - رضي الله عنه -: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه بالقدر توحيده"2، كيف صار الإيمان بالقدر ينظم التوحيد والتكذيب بالقدر ينقض التوحيد؟ الجواب عن ذلك أن الإيمان بالقدر على ضوء ما تقدم هو اعتراف بالسيادة الكاملة للباري جل وعلا على ملكه، والتكذيب بالقدر وصف للباري جل وعلا بالعجز وخروج أمور كثيرة عن ملكه.
وذلك أن الإيمان بالقدر إيمان بعموم علم الله عزوجل وأنه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يغيب عنه الظاهر ولا الخفي، ولا الجزء ولا الكل كل ذلك في علمه، والتكذيب بذلك وصف له جل وعلا بالجهل وعدم الإحاطة، والجاهل

وعديم الإحاطة لا يكون ربا ولا إلها تعالى ربنا عن ذلك.
أما الكتابة فإنها تأكيد للعلم وتأكيد للسيادة على الكون في انتظامه على ما هو مكتوب لا يخرج عنه قيد شعرة، فالكتابة دليل على عظمة هذه السيادة والربوبية.
أما المشيئة فشأنها عظيم، فإثباتها إثبات لربوبية الله عزوجل وسيادته السيادة الكاملة والمباشرة على خلقه، فإرادته جل وعلا ومشيئته نافذة فيهم في الصغير والكبير والحقير والجليل، ومن أنكرها فقد طعن في هذه الربوبية المطلقة على الخلق، لأن إنكارها معناه أنه يوجد في هذا الوجود شيء لا يريده الله ولا يشاؤه، وقد يشاء أمرا فلا يقع، فأي طعن في ربوبية الله عزوجل أعظم من هذا الطعن، وأي تنقص للرب جل وعلا أعظم من هذا التنقص؟ وهو كاف في نقض التوحيد وانهدام أركانه، لأنه إذا كانت مشيئته غير نافذة فملكه ناقص وعجزه ظاهر، ومن هذه صفته لا يصلح للربوبية ولا أن يكون معبودا تعالى الله عن ذلك.
ومعلوم من حال ملوك البشر أن الملك الذي يصدر شعبه عن رغبته وينصاع لأمره وإرادته فيهم أعظم ملكا من الملك الذي يأمر ولا يطاع ويريد ولا تنفذ إرادته، بل هذا الأخير ليس له من الملك في الحقيقة إلا اسمه، فالله عزوجل أحق بإثبات الحال الأكمل، وملكه وسيادته وربوبيته أعلى وأظهر من كل ملك وسيادة، والأمور جميعها منوطة به جل وعلا، قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 1 أما خلق الأعمال فهو إثبات بأن الخالق واحد ولا شريك له في ذلك، وأن جميع ما في الوجود من متحرك وساكن هو خلق له سبحانه فإثباته إثبات لعموم الخلق الذي هو من لوازم الربوبية قال عزوجل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ

مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 1 ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ 2 فعاب على هؤلاء أن عبدوا ما لا خلق له، بل جعل الله من يخلق هو المستحق للعباد فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ 3.
فمن أنكر خلق أفعال العباد فقد زعم أنه يوجد خالق آخر مع الله أو من دون الله وهذا هو الكفر، لهذا ثبت عن كثير من السلف وصف القدرية المنكرين لخلق أفعال العباد بأنهم مجوس هذه الأمة4حيث زعموا مع الله خالقين وهم العباد الذين يخلقون أفعالهم. فثبت بهذا كله أن الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع بينه وبين التوحيد تلازم فينتقض التوحيد بالتكذيب بالقدر. خامسا: فوائد الإيمان بالقدر: تقدم بيان أن الله حكيم في خلقه وأمره جل وعلا وهو إذ جعل الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فله في ذلك الحكمة البالغة فإن للإيمان فوائد عديدة: أولا: تعظيم الرب عزوجل التعظيم الواجب له سبحانه باعتقاد شمول علمه ونفوذ مشيئته وعموم خلقه جل وعلا لكل شيء.5
ثانيا: تنشيط النفوس الصالحة إلى العمل وتخويف النفوس المفرطة لعلها تتوب وترجع إلى ربها، وذلك على ضوء قوله - صلى الله عليه وسلم-: "اعملوا فكل ميسر لما

خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة"1.
فإن السائر على طريق الخير يزداد نشاطه في الخير لتوقعه أن يكون قد سلك الله به طريق أهل السعادة فإن من علامة ذلك كونه على الطريق، وكذلك المنحرف عن طريق أهل السعادة فإن ذلك يخيفه من أن يكون قد سُلكَ به طريق أهل الشقاوة فيختم له به فينتبه ويفيق ويرجع إلى ربه جل وعلا لعله يسلم ويسلك طريق النجاة، وما عند الله جل وعلا لا يحصل إلا بالعمل.
يوضح ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يكون صانعا أو تاجرا أو عالما فإنه لا يمكن أن يكون كذلك بدون عمل، فإذا كان ماهرا بالصناعة يدرك أنه سيكون في المستقبل صانعا، وكذلك إذا كان ماهرا في التجارة فإنه سيكون في المستقبل تاجرا، فإذا كان راغبا في هذه الوجهة فإنه يضاعف من جهده حتى يحسن العمل ويصل إلى غايته بأكمل ما يكون من العدة والاستعداد.
وكذلك إذا كان يأمل أن يكون من العلماء ويرى نفسه مهتما بالتجارة فلا شك أنه سيجتهد في صرف نفسه عن التجارة، ويجتهد في العلم حتى يبلغ الغاية التي يأملها ويتمناها، فكذلك من أيقن أن الله قد يسر كل إنسان لما خلق له فإنه إن رأى نفسه على الطريق فرح بذلك واستبشر وزادت همته ونشاطه بدافع الحرص والوصول إلى أسمى المراتب.
وإذا رأى نفسه قد تنكب الصراط فإنه يخاف أن يكون قد سلك به طريق الهالكين فيحزم ويعزم حتى يسلك سيبل السعادة لعله يكون من أهلها وهذا ظاهر بحمد الله.2

ثالثا: أن الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء وأن ما كتب سيكون لا محالة يدفع النفوس إلى الإقدام والعمل والجد والاجتهاد وكسر طوق الخوف من الفشل والهزيمة الذي كثيرا ما يستولي على السالك أو الراغب في أمر فيثنيه عن أمره ووجهته، لهذا قال - صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل". ويروى عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "حرس أمراً أجله"1 وهذا حق فإن الإنسان إذا كان لن يموت إلا في يومه الذي قدر له، فإنه محروس محفوظ إلى حين الأجل وهذا يدفعه إلى الإقدام والشجاعة. رابعا: أن المسلم إذا آمن بالقدر على ضوء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- "حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك" 2، أيقن بأن المقدر لا بد أن يكون فتهون عليه المصيبة إذا وقعت ووجد في احتساب الأجر فيها عند الله أعظم العزاء. كما أن الإنسان العاصي بعد توبته وإقلاعه عن ذنبه يجد في القدر عزاءً لنفسه فيقل من لومها وعتابها، فإن اللوم وعتاب النفس إذا تعدى حدَّه قد يوصل إلى اليأس أو يشغل عما ما هو أولى من الطاعة والعبادة.3
النافع الضار وأن كل خير بيده وأن كل شر لا يدفعه إلا هو جل وعلا، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن مشيئته هي الموجبة لكل ما يقع في هذه الحياة، فإن المسلم تزداد رغبته في

الله جل وعلا رجاء النفع ورجاء دفع الضر فيدعوه ويلتجئ إليه، وهذا الدعاء واللجوء إليه جل وعلا هو أعظم المنة وغاية الرحمة فإنه العبادة التي من أجلها خلق الإنسان، والدعاء هو: العبادة، فلا أعظم بركة من الأمر الذي يوصل أو يشد إلى هذه الغاية التي خاتمتها مستقر رحمة الله ورضوانه، وأما من لم يؤمن بهذا فإنه لا يجد في نفسه التعظيم الواجب للباري وتقل رغبته فيه جل وعلا، إذ لا خير يرجى جلبه ولا شر يُرْجى دفعه، فبالتالي لا يسأل الله عزوجل ولا يدعوه ولا يرغب إليه، وأي شيء على الإنسان أعظم من إحساسه بالاستغناء عن ربه وسيده ومن بيده خير الدنيا والآخرة.1

فصول الكتاب · 21 فصل · 963 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار · 963 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: حياته الشخصية...المبحث الثاني: حياته العلمية وآثارهالمبحث الأول: اسم الكتاب...المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلفالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتابالمبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتابالمبحث الخامس: مصادر الكتابالمبحث السادس: المآخذ على الكتابالمبحث السابع: قيمته العلميةالمبحث الثامن: موضوع الكتابالمطلب الأول: تعريف القدر لغة...المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلفالمطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلكالمطلب الرابع: التعريف بالقدريةالمبحث الأول: التعريف بالمخطوط...المبحث الثاني: منهج التحقيق
الباب الثاني: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل