المطلب الرابع: التعريف بالقدرية
القدرية اسم يطلق على من نفى القدر وقد سبق بيان أن المعتزلة تبنوا نفي القدر وضموه إلى بدعهم الأخرى، فنعرف هنا بالمعتزلة وبالزيدية الذين تبنوا مذهب المعتزلة وهم المعنيون برد المصنف في هذا الكتاب: أولا: المعتزلة: هم أتباع واصل بن عطاء الغزال تلميذ الحسن البصري، وكان زمنه بين أيام عبد الملك بن مروان وأولاده الثلاثة وعمر بن عبد العزيز، وكان اعتزل الحسن البصري بسبب قوله في مرتكب الكبيرة، وذلك أنه جاء رجل إلى حلقة الحسن البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة
يكفرون أصحاب الكبائر وجماعة يرجئونهم فلا تضر مع الإيمان عندهم كبيرة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة المسجد يقرر ما أجاب عن هذه المسألة.
فقال الحسن البصري: "اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة، ثم استقر مذهب الاعتزال بعد ذلك على خمسة أصول وهي: أولا: التوحيد، وهو عندهم نفي صفات الباري جل وعلا، وإثبات أسماء لا معاني لها كقولهم عالم بلا علم قادر بلا قدرة.
ثانيا: العدل، وحقيقته عندهم نفي قدر الله عزوجل ومشيئته النافذة على خلقه، وأن العباد خالقون لأفعالهم، فسموا لذلك مجوس هذه الأمة، وسموا قدرية لنفيهم القدر، وهم يلقبون أنفسهم أهل العدل والتوحيد.
ثالثا: إنفاذ الوعيد، وهو أن مرتكب الكبيرة عندهم إذا لم يتب فهو من الخالدين في النار.
رابعا: المنزلة بين المنزلتين، وهو قولهم إن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا ولا كافرا.
خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه جواز الخروج على الأئمة عندهم وقتالهم بالسيف.
وعلى هذه الأصول الخمسة يقوم مذهب الاعتزال، وهم ينقسمون إلى إحدى وعشرين فرقة، ذكرها أصحاب كتب المقالات.1
ثانيا: الزيدية: 1- نشأتها: الزيدية إحدى الفرق التي تنسب إلى التشيع، وهم ينتسبون إلى زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وكانت ولادته حوالي ثمانين من الهجرة، وقتل سنة اثنتين وعشرين ومائة للهجرة النبوية، وكان من خبره: أنه التف عليه طائفة من الشيعة وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه النصحاء عن الخروج، وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: إن جدك خير منك وقد التف على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا ثم خانوه أحوج ما كان إليهم وإني أحذرك من أهل العراق، فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتاب الله وسنة رسوله، حتى استفحل أمره بها في الباطن وهو يتجول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة فأمرهم أن يتأهبوا للخروج أول هذه السنة، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك، فانطلق رجل يقال له: سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره وهو بالحيرة يومئذ خبر زيد ومن معه من أهل الكوفة، فأرسل يوسف بن عمر يتطلبه ويلح بطلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله، في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة 1، فقالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذاً؟
قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- وإحياء السنة وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية. ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من تلك السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر فكتب إلى نائبه على الكوفة، وهو الحكم بن الصلت، يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع فجمع الناس لذلك يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد ورفع أصحابه النيران وجعلوا ينادون: يا منصور يا منصور فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا، فجعل يقول: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون، وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد ابن علي فبعث إليه بسرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وتقاتل الفريقان في اليوم الأول إلى المساء، وفي اليوم الثاني إلى المساء حيث أصيب زيد بسهم في جبهته نفذ إلى دماغه فلما أخرج منه مات لساعته ودفن من ليلته وتفرق بعده أصحابه، ثم أخرج يوسف بن عمر جثته وصلبه.1
فالزيدية تنتسب إلى زيد هذا ويعدونه الإمام الرابع لهم، وأول الأئمة لديهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم زيد بن علي ثم كل من قام ودعا إلى نفسه وكان موصوفا بالعدل والأمانة وهو من أولاد فاطمة.
وقد قامت لهم دولة في اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري على يد يحيى بن الحسين بن القاسم الملقب بالهادي واستمرت دولتهم بين مد وجزر وظهور وكمون إلى عام (1382?).
# 2- تبني الزيدية لمذهب المعتزلة: الزيدية تميزت في أول ظهورها بمسألة الإمامة وأنهم يرونها كما تراها الشيعة الاثنى عشرية في علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين بن علي، ثم يختلفون عن الاثنى عشرية بأن الإمامة تثبت لكل من قام ودعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وكان من ولد الحسن أو الحسين وهو جامع لخصال العدل والعلم فلهذا قالوا: بإمامة زيد بن علي بعد الحسين ولم يعدوا أباه زين العابدين ولا أخاه محمد الباقر ولا ابن أخيه جعفر الصادق من أئمتهم لأنهم لم يخرجوا ولم يدعوا لأنفسهم.
هذا ما تميز به الزيدية من الأقوال، وأما بقية أقوالهم في مسائل الاعتقاد فإنها مبنية على مذهب المعتزلة.
وعلاقة الزيدية بالمعتزلة ذكر أنها قديمة من أيام زيد بن علي، فقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن زيد بن علي أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة.
وهذا لم ينقل عن زيد بن علي بسند يطمأن إليه، كما أن الشهرستاني ذكر أن محمد الباقر اعترض على أخيه زيد في أخذه عن واصل لأن واصلا يرى أن عليا أخطأ في قتاله أهل الجمل وصفين وأن كلا الفريقين على خطأ.
وهذا وإن لم ينقل بسند صحيح فإن فيه دلالة على مانع صحيح يمنع زيدا من الأخذ عن واصل، والله أعلم.
ويظهر بعد هذا الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة حيث ذكر الأشعري في مقالاته (1/154) خروج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في البصرة سنة خمس وأربعين ومائة أيام المنصور قال: وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي، فبعث إليه أبو جعفر بعيسى ابن موسى وسعد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه.
فهذا يدل على الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة، ولعل ما يقرب بينهما هو الخروج وذلك أن الزيدية يرون أنهم أحق بالإمامة، والمعتزلة يرون الخروج على الأئمة إذا جاروا. ثم يظهر الالتقاء واضحا أكثر مع القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام (240?)، وذلك أنه أخذ الفقه عن علماء المذهب الحنفي، وأخذ عن شيوخ المعتزلة في وقته في الأصول، وله مؤلفات منها العدل والتوحيد (الصغير) والعدل والتوحيد (الكبير)، الأساس في علم الكلام وغير ذلك من الكتب.1
ثم جاء بعد القاسم حفيده يحيى بن الحسين الملقب بالهادي، الذي استولى على اليمن وهو معتزلي كتب في الاعتزال كتبا كثيرة2فصار بعده الزيدية معتزلة لا يختلفون عن المعتزلة إلا في الإمامة.
قال الشيخ صالح المقبلي "كالزيدية في هذا الجبل من اليمن هم معتزلة في كل الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة وهي مسألة فقهية وإنما عدها المتكلمون من فنهم لشدة الخصام كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام… والمخالف في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يعد فرقة كما قال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير - رحمه الله تعالى - وهو من أشد الناس شكيمة في مذهب الزيدية والتعصب لهم والرد على مخالفيهم فقال فيهم وفي المعتزلة: "وإنهما فرقة واحدة في التحقيق إذ لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار والتفسيق) ذكر هذا في خطبة منظومتة التي سماها (رياض الأبصار) عدد فيها أئمة الدعاة من الزيدية وعلماءها وعلماء المعتزلة متوسلا بهم، فذكر الأئمة الدعاة من الزيدية، ثم علماء المعتزلة ثم علماء الزيدية
من أهل البيت ثم من شيعتهم واعتذر عن تقديم المعتزلة على الزيدية بما لفظه: (وأما المعتزلة فقد ذكرت بعض أكابرهم وكراسي منابرهم، مع إجمال وإهمال إذ هم الأعداد الكثيرة والطبقات الشهيرة، ورأيت تقديمهم على الزيدية؛ لأنهم سادتها وعلماؤها فألحقت سمطهم بسمط الأئمة وذلك لتقدمهم في الرتبات، ولأنهم مشايخ سادتنا وعلماءنا القادات، وهذا الذي قال هو حقيقة الأمر في اتحاد هاتين الفريقتين كما لا يخفى على من صح أن يعد من أهل هذا الشأن، هذه كتبهم شاهدة بذلك، وإنما بعضهم يوافق هذا وبعضهم يوافق ذاك.
فانظر كلام الإمام المنصور بالله في كتبه كلها، وكلام الإمام المهدي في كتبه، وكلام أبي طالب في كتبه كشرح البالغ المدرك والسيد ما نكديم والمؤيد بالله تجدها كلمات الجبائية بأعيانها مع تصريحهم بقولهم؛ المختار كلام شيخنا أبي علي أو أبي هاشم أو أبي رشيد أو غير ذلك، وكذلك كلام الهادي غالبه كلام أبي القاسم الكعبي وكذلك كلام يحيى بن حمزة موافق غالب أمره لأبي الحسين البصري ساير بسيره"1 انتهى.
وبه ينتهي المراد من بيان تبني الزيدية لمذهب المعتزلة، وينتهي المراد من هذه الدراسة في هذا الفصل حيث تحدثنا فيه عن القدر والقدرية، وهما اللذان تعلق بهما عنوان الكتاب وأهم وأطول موضوعاته.