أهل الأثرالأرشيف العلمي

تابع: النص المحقق...

صفحات 398-437

كثير من الكفار، ولولا أنهم كانوا من جملة من حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ما كانوا من الراشدين، ومن أصر منهم على الكفر فليس لأن الله زين له ما هو عليه، بل زينه الشيطان ما قال: ﴿وَإِذْ1زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ 2 وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل﴾ 3، هذا نكتة قوله ومعتمده.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: طعنك على المستدل بدليل الخطاب بأنه لا بصيرة له طعن منك على الصحابة – رضي الله عنهم -، وهذا دأبك ودأب أهل مذهبك في الطعن عليهم، وهذا أدل دليل على قلة البصيرة من الطاعن4عليهم، وذلك أن الصحابة – رضي الله عنهم - استدلوا بدليل الخطاب، يروى عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر – رضي الله عنه -: ما لنا نقصر الصلاة في السفر وقد آمنَّا والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 5، فقال عمر – رضي الله عنه -: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "6. وهذا يدل أنهما7فهما من تعليق القصد على حال الخوف بأنه لا يجوز القصر في

الأمن1وأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاستدلال.
وروي: أن ابن عباس – رضي الله عنهما - خالف الصحابة –رضي الله عنهم - في توريث الأخت مع الابنة، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ 2 وهذا تعلق منه بدليل الخطاب وأنها لا تستحق مع وجود الولد3، وهو ترجمان القرآن ومن فصحاء الصحابة وعلمائهم، ولم ينكر عليه أحد الاستدلال بدليل الخطاب، وإنما احتجوا عليه بما هو أقوى منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " الأخوات مع البنات عصبة" 4.
فدل على أن المراد بهذه الآية الذكر5، وروي أن جماعة من الصحابة – رضي

الله عنهم - وهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي وسعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، قالوا في الاكسال: وهو إنزال الذكر في الفرج من غير إنزال، لا يوجب الغسل1واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الماء من الماء "2، وقال غيرهم من الصحابة: "يجب الغسل"3 واحتجوا عليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا التقى4الختانان وجب الغسل "5.

وقالت عائشة – رضي الله عنها -: " فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا "1، فأقرت الصحابة الأنصار على الاستدلال بدليل الخطاب2، واحتجوا عليهم بالنصر بالقول والفعل.
وكذلك العلماء احتجوا بأن المطلقة البائن الحائل3لا نفقة لها على الزوج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ 4، وبأن شهادة غير الفاسق تقبل، واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 5 فدل على أنه إذا جاءهم من ليس بفاسق أن يقبل قوله.6
فإذا تقرر هذا الاستدلال ممن ذكرنا من الصحابة والعلماء فكفى لهذا

المخالف نقصاً انتقاصه لهم، ولم نسلك1طريقهم في الاستدلال بما ذكرنا على2دليل الخطاب وإن كان دليلاً صحيحاً عندنا، وإنما استدللنا بما أخبر الله بكتابه، وبأنه3أنعم على المؤمنين بما لم ينعم به على الكافرين، فقال في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.
ووصفهم بأنهم الراشدون بما فعله لهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ وأخبرنا في4آية أخرى بتخصيصه لهم أنه لولا فضل الله عليهم ورحمته ما زكوا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ 5، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ 6، وكذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ 7، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ 8 وهي النعمة التي أنعم الله بها عليه بالإيمان.
وأخبر9الله أنه فعل بالكفار ضد ما فعل بالمؤمنين فقال: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ 1 0، وقال في آية أخرى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ 11.
قال الحسن البصري: "الشرك سلكه الله في قلوب المجرمين"12 وقال

مجاهد: "يسلك التكذيب والضلال"1 أي يدخله في قلوب المجرمين يقال سلكه وأسلكه لغتان يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها2، قال الشاعر: … … … … وقد سلكوك في أمر عصيب3ويدل على صحة ما لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ 4، فأخبر سبحانه أنه زين للذين لم يؤمنوا أعمالهم وهو ضلالهم وكفرهم فهم لذلك يعمهون ويترددون في ضلالهم5، وهذا بخلاف ما أخبر الله عن صنعه بالمسلمين6بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ 7 والطاغوت الأوثان8، ﴿وَأَنَابُوا﴾ أي رجعوا عن عبادة الأوثان إلى عبادة الله ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ يعني الجنة ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ أي بالجنة، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ يعني القرآن

﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه﴾ أي أحسن ما في القرآن من طاعة المطيعين لله ولا يتبعون المعاصي التي عملها من قبلهم من الأمم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لطاعته ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ يعني أهل اللب والعقل في الدنيا.1
وقيل: إن هذه الآية ونظيرتها في الأعراف نزلتا في ثلاثة نفر وهم: زيد بن عمرو بن نقيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله لم يأتهم كتاب ولا نبي إلا أنهم استمعوا أقوال الناس فكان أحسنها قول لا إله إلا الله فاتبعوه وتركوا أقوال من خالفه.2
وأما قول المخالف: إن الله قد زين الإيمان في قلوب الكفار وحبه إليهم كم حببه وزينه في قلوب المؤمنين إلى آخر كلامه، فغير صحيح، لأنه لو ساوى بينهم في الهداية لاهتدوا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ 3، ولأنه لو صح أن يقال: هداهم فلم يهتدوا لصح أن يقال: قد حركهم فلم يتحركوا، وقد سكن جوارحهم فلم يسكنوا، ولأن الله قال في آخر الآية في الذين حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
ومعلوم أن الراشدين هم المؤمنون دون الكفار فكان نتيجة تحبيب الإيمان إليهم الرشد، كما أخبر عمن طبع على قلبه بأن نتيجة ذلك الغفلة والخسران بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ 4 وفي أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ 5.

وأما قول المخالف: بأن الله لم يزين للكافرين أعمالهم، وإنما زينها لهم الشيطان، فقد بينا أن الله زين لهم أعمالهم بقوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ 1، ونسب2ذلك إلى الشيطان بأنه3زينه لهم بوسوسة الشيطان، والشيطان ووسوسته خلق الله بدليل أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ به4 من الشيطان ومن وسوسته بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 5 وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ 6 ولولا أنهما خلق الله لما استعيذ به منهما.
وأما قول المخالف: بأن التحبيب هو الترغيب بما وعد في الجنة من النعيم، وقد اطلع الكفار على ذلك ولهذا اسلم خلق منهم.
فالجواب: أنا لا ننكر أنه قد ساوى بينهم في الدعاء إلى طاعته وفي الترغيب والترهيب، وإنما المختلف فيه هو الخصيصة في قلوب المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ 7 وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ 8، فدل على أنه قد خص برحمته وفضله من يشاء من عباده ولم يعمهم بذلك كما عمهم بالخلق والدعاء إلى طاعته.

# 69- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ 1، ففرق الله في هذه الآية بين من شرح2صدره الإسلام وبين من لم يشرح صدره بتوعده لهم بالويل وأخبر أنهم في ضلال مبين.
فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة لنا في هذه الآية لأن الله نسب شرح الصدر إليه، وما نسب قسوة القلب غليه بل ذم عليها وتوعد3أهلها وذلك يدل على أنها فعلهم. والجواب: أن في الآية إضماراً وتأويلها ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ يعنى وسع قلبه وفتحه للتوحيد فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته.4
وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله ما معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن النور إذا وقع في القلب انشرح الصدر"، فقال الرجل: فهل لذلك من علامة تعلم.
قال: "نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتأهب للموت قبل نزول الموت "5. ويدل على صحة قولنا، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ 6 فنسب الله جعل القساوة في قلوبهم إليه في هذه الآية، كما

نسب شرح صدر المؤمنين إليه في هذه الآية. مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ 1. وقد مضى بيان صحة2 تأويلنا فيها وفساد تأويل المخالف فيها.3
وأما استدلال المخالف بقوله لما ذمهم الله على قسامة القلوب وتوعدهم عليها دل على أن ذلك خلقهم لا من خلقه.
فالجواب أن يقال له: فقد مدحهم الله على انشراح صدورهم بالإسلام، ووعدهم الجزاء عليه، وأخبر أنه شرح صدورهم للإسلام، فإذا لم يمتنع أن يخلق فيهم الشرح في الصدر ويمدحهم عليه ويثيبهم عليه لم يمتنع أن يخلق فيهم القسوة ويذمهم عليها ويعذبهم عليها.
وأما إضافة القساوة إليهم فلكونها كسباً لهم وقعت باختيارهم، ولأنهم محل لخلق الله لها.

# 70- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ 2، وعند القدرية أن الله جعل النور لجميع المكلفين فهذا رد نهم لخبر الله سبحانه.
فأجاب المخالف عن هذا وقال: قد سمى الله القرآن نوراً والإسلام نوراً والثواب في الآخرة نوراً، ولا شك أن بعض ذلك يخص المؤمنين وبعضه يعم المكلفين كنور القرآن والرسالة، وذلك متوجه إلى المكلفين، فمن قبله نفع نفسه ومن حاول إطفاء نور الله فالله متم نوره.
والجواب: أن هذا تسليم من هذا المخالف لما أردنا أن الله سبحانه خص المؤمن بشيء من النور المذكور في القرآن، وهو النور في قلبه بمعرفة الله، لأن أصل النور هو الشيء الذي يبين الأشياء، فالله سبحانه نور.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالآرْض﴾ 3.

فقيل معناه: منور السموات والأرض1، وقيل: هادي أهل السموات والأرض2، ﴿مَثَلُ نوٍٍٍٍرِِهِ﴾ ِ أي الذي هدى به وأصاب سبيل الحق وأراد بقلب المؤمن3، أي مثل نور الله في قلب المؤمن4﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي الكوة غير

نافذة1وقيل: المشكاة2 من المشكاة القائم في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة3﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ والمصباح النور الذي في قلبه، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ وهي قلبه فقد مضيء كأنه كوكب دري وهذا المضيء4، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ي عني شجرة الزيت، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال الحسن: والله ما هذه من شجر الدنيا، ولو كانت من شجر الدنيا لكانت شرقية أو غربية5، وقال غيره: بل في قلعة مرتفعة تصيبها الشمس عند الشروق والغروب فلم تخلص لأحدهما6، إلى قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي للإيمان به من يشاء7وهذا موضع التخصيص، ويدل عليه انه ضرب للكافر مثلاً، فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا…﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً﴾ أي في قلبه كما جعله في قلب المؤمن ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فهذا يبطل قول القدرية في أن الله سوى بين المؤمن والكافر في تنوير القلوب.

وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ 1 فأراد به اليهود والنصارى الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتموها، والنور هاهنا دين الإسلام ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ يعني دين الإسلام يظهره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وهم اليهود والنصارى.2

# 71- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ 1.
فأخبر سبحانه أنه الميسر لليسرى والعسرى، والتيسير: التهيئة.
فأجاب المخالف القدري وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية لأنه أخبر أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى يسره للجنة، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى يسره للنار، فلولا أن الأفعال من المحسن منهم والمسيء لما استحق المحسن ثواباً ولا المسيء عقاباً، كما لا يثيبهم ولا يعاقبهم على ألوانهم التي هي خلق له.
والجواب أن يقال: إضافة الله التصديق والتكذيب إليهم لا يدل أن لا يكون2ذلك خلقاً لله فيهم، لأنه أخبر أنه إذا أنزل الماء على الأرض اهتزت وربت وأنبت، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ 3 ومعلوم أنها لا تهتز ولا تربو ولا تنبت بنفسها، وإنما يفعل الله ذلك كله، وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ 4، والله هو الممر لها وإن أضاف الفعل إليها، والتصديق والتكذيب منهم خلق لله وقع بمشيئته منهم لوقوعه، ومشيئتهم معلقة، بمشيئة الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 5، ولأن التصديق منهم نعمة وتفضل من الله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 6، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ 7

، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ 1، فأنعم الله عليه بالإسلام وأنعم على النبي صلى الله عليه وسلم بالعتق2، فأضاف الله الإنعام بالعتق إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كسبه ووقع بقدرة محدثة من الله فيه، وموضع الحجة لنا من الآيات3: أن الله أخبر أنه يسرهم لليسرى: أي للأمر السهل الذي لا يقدر عليه إلا المؤمنون، ويسرهم للعسرى والتيسير هو التهيئة، ومنه يقال يسرت الغنم للولادة إذا تهيأت لذلك وأنشد الفراء4: هما سيدانا يزعمان وإنما... يسوداننا أن يَسَّرَتْ غنماهما5وقال الأعشى6: ويَسًّر سهماً ذا غرار7يسوقه... أََمِين القوى8في صلبة9المتَرَنّم10

واليسرى هاهنا: الأعمال التي يستحقون بها الجنة، والعسرى: الأعمال التي يستوجبون بها النار في الآخرة.
يدل على صحة ذلك ما روي في الصحاح عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد ونحن حوله وبيده مخصرة ينكت بها الأرض، وهو منكس رأسه ثم رفع رأسه وقال: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار"، فقال رجل من القوم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة، فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل1السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ …﴾ الآية"2، وهذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة قولنا.
ويقال: إن قوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر خاصة وهي بعد في الناس عامة، وذلك أنه اشترى سبعة من المسلمين كانوا في أيدي المشركين لله3، فأنزل

الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ من نفسه وماله ما كلفه1الله عن طاعته ﴿وَاتَّقَى﴾ فيما كلفه من دينه ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي الجنة.2
وقال الضحاك: "بلا إله إلا الله"3، وقال ابن عباس: "بالخَلَف من الله"4 ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ للحال اليسرى، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب بخل بماله واستغنى عن الله5﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي للعمل بالعمل بالمعاصي.
فدل على أن الله هو الموفق للأعمال.

# 72- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ 1 فأخبر أنه ألهمهم الفجور والتقوى.
فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأنه أخبر أن الفجور والتقوى من أفعال العباد، لأن الإلهام هو: التعريف للفجور وللتقوى، فلولا أنها من فعلهم لما كان لتعريفهم معنى لذلك، لأنهم متى عرفوا منفعة التقوى خملوا أنفسهم عليه، ومتى عرفوا مضرة الفجور تجنبوه.
والجواب: أن إضافة الفجور والتقوى إلى النفس لا يدل أنها خلق لهم، لأن الله قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ 2 فأضاف الماء والمرعى إلى الأرض، فلا يدل على أن ذلك من فعلها، بل أضافها إلى النفس لأنها3محل لخلق الله ذلك فيها4ولأنهما5كسب لها6، كما أنه أضاف الماء والمرعى إلى الأرض لأنها محل لخلق الله ذلك7 فيها.
وموضع الحجة من الآية لنا أن كثيراَ من أهل التفسير قالوا: ألهمها فجورها وتقواها أي جعل فجورها وتقواها8، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي الأسود الديلي9

أنه قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قد سبق، أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضى عليهم فمضى فيهم فقال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، فقلت: كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: يرحمك الله إني لم أرد بمسألتك إلا لأحرز عقلك، إن رجلاً من مزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم قال: ففيم العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "من كان خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ "1 وهذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل غير ما قلناه.
وأيضاً فإن ثبت بأن الإلهام المراد به التعريف، فلا يدل على أنهم خلقوا ذلك لأنفسهم بل هو كقول الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ 2 أي الخير والشر3وكقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ 4، أي بينا له ودللناه عليه.
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روى ابن عمر5

  • رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرغ الله من مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام وكان عرشه على الماء" 1، وروى عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن نفراً من اليمن قالوا: أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين ونسألك2عن أول هذا الأمر كيف كان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء قبله3 وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض "4.

# 73- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ 3، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ 4.
وهذا يدل على أنه لم يساو5بين المؤمنين والكافرين في ذلك.
فأجاب المخالف القدري عن الآية6فقال: معنى إرسال الشياطين على الكافرين هو تخليته بينهم وبين الكافرين، ولم يحل بينهم كما حال بين الشياطين وبين المؤمنين.
والجواب: أن هذا هو الحجة عليه، لأنه أخبر أنه لم يعصم الكافرين منهم وإنما أرسلهم عليهم ومكنهم من غوايتهم بالوسوسة، كما يقال أرسل السلطان عبيده على الناس، إذا لم يمنعهم من مضرتهم، وليس كذلك المؤمنين فإنه عصمهم منهم وأخبر بذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ 7 ومعنى الاستثناء: فإن لك عليهم سلطانا على8من اتبعك من الغاوين، فنسب الاتباع إليهم لأنه كسبهم،

ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ 1، أي أرسلناهم وسلطانهم عليهم ليضلهم، وأخبر عن ذلك بالمؤمنين2فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ 3.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا4 مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ 5.
قال سفيان6بقضاء الله7، وقال غيره: "إلا بعلم الله"8 ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ9مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ 10 أي بمضلين إلا من سبق في علم الله أنه يصلي الجحيم".
قال الحسن، ومحمد بن كعب11، والضحاك، وثعلب: "من قضيت عليه ذلك"12.
قال عمر بن عبد العزيز: "لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله جهله من جهله وعرفه من

عرفه، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين َإِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ "1. ثم قال هذا المخالف القدري: وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ فالمراد به من يعش عن ذكر الرحمن في الدنيا قيض2له شيطانا في النار وقرنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْن﴾ 3.
والجواب: أن في الآية ما يدل على أنه أراد بأنه يقيض له شيطانا أي يسهل له شيطانا في الدنيا يزين له العاصي، والدليل عليه من وجوه: أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ 4 أي سبيل الهدى وهذا لا يمكن حمله على السبيل في النار.
والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يعني يظنون أنهم على هدى، وهذا لايكون إلا في الدنيا، فأما في النار فقد تيقنوا أنهم لم يكونوا في الدنيا على هدى، وفي هذا دلالة على أن الإنسان قد يفارق الحق ولا يعرف ذلك، وعلى أن المعرفة ليست اضطرارا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 5.
والوجه الثالث: الدال على أن القرين قيض له في الدنيا قوله تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قد قرئ بالتثنية في ضمير الفاعلين1﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ فعبر عن قوله: حشرناهما وبعثناها، بأنهما جاء وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ 2، وكقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ 3.
فلو كان ابتداء اتخاذ الشيطان إنما كان في النار لما جمع بينهما في المجيء، وأيضاً فإن خَلَقَ الله القرين معه ابتداءاً في النار، فكيف يعذب القرين على غير ذنب كان منه في الدنيا؟ وهذا لا يجيء على أصل القدرية4، ولأنه قال: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ومعناه فبئس القرين كنت في الدنيا.
والوجه الرابع: مما يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ 5.
فأخبر أنهم كانوا ظالمين في الدنيا، والمعنى ولن ينفعكم إذ ظلمتم الناس بأنكم في العذاب مشتركون، لأنكم مختلفون في العذاب6لأن المبتلى في الدنيا إذا رأى من ابتلى بمثل بلائه تأسى به وسكن منه بعض ما هو فيه7، قالت الخنساء8: فلولا كثرة الباكين حولي... على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكني... لأعزر النفس عنه بالتأسي1ثم قال المخالف: وأما قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فقد قيل: هو كالأول وتقدير الكلام وقرنا بهم في النار قرناء فزينوا لهم معصية الله2، وهذا لا حجة فيه لأنه أورد ذلك مورد الذم للكفار وبين استحقاقهم للعقوبة على فعلهم، فلو كانت مخلوقة لله لما ذمهم عليها لوما عاقبهم عليها كما لا يحسن ذلك في ألوانهم.
والجواب: أن هذا من الكلام الغث الذي لا فائدة تحته ولا يساوي ما كتب فيه من بياض ومداد، والدليل على فساد قوله أن الله أخبر أن القرناء زينوا لهم: أي أحسنوا لهم العمل بالمعاصي ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ أي فيما قد علموه وفيما يستقبلونه وزينوا لهم التكذيب بالبعث والنشور3﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي العذاب لذلك في أمم، فهذا لا يمكن حمله على أنهم زينوا في النار أعمالهم، لأن الله أخبر أنهم أعداء في النار بقوله: ﴿الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِينَ﴾ 4 فأخبر أنهم يتكاذبون في النار ويختصمون قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ 5، فبطل أنهم يزينون لهم في النار.
وقول المخالف: وقرنا بينهم قرنا6تفسيراً لقوله: قيضنا، فغير صحيح،

لأن معنى قيضنا: أي سببنا1، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكرم شاب شيخا قيض الله له من يكرمه عند سنه"2 أي سبب الله له ذلك.
وأما قول المخالف: لما كانت المعاصي أفعالهم ذمهم الله عليها وعاقبهم عليها بخلاف ألوانهم، فقد مضى عن ذلك في مواضع كثيرة فلا معنى لإعادته.3

# 74- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ1عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ 2 ومثلها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ 3، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ 4، ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ 5، ومثلها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ 6.
فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة بهذا لأنه خبر عن قوم مخصوصين من الفساق والكفار علم أنهم7لا يؤمنون، فأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بهم وليس ذلك يكون في كل فاسق8وكافر9، لأن كثيرا منهم آمنوا وتابوا وكذلك قوله تعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ صحيح ولكن لا يدخل النار أحد إلا بعلمله، وهذا يدل على بطلان مذهب المستدل أن أفعال العباد مخلوقة لله إذ لو كانت مخلوقة لله لم يذمهم عليها ولا عاقبهم عليها.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: لا ننكر أن هذا خبر من الله عن قوم مخصوصين أنهم لا يؤمنون وأنه لم يرد به جميع المكلفين، وإنما الحجة لنا من هذه الآيات أن من لم يؤمن منهم إنما لم يؤمن بقضاء من الله سابق فيه

وكتاب ثابت بأنه لا يؤمن لأنه قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه لقد وجب القول على أكثرهم بالعذاب فهم لا يؤمنون، فأخبر سبحانه أن الذين وجبت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ يعني يوم القيامة، فإنه لا يمكنهم التكذيب.
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روي في الصحاح عن مسلم بن يسار1أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ 2 ف قال عمر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: "إن الله خلق آدم عليه السلام فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون.
فقام رجل فقال يا رسول الله: ففيم العمل؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل أهل النار فيدخل النار"3.

وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال يا رسول الله: العمل في شيء نأتنفه أو في شيء قد فرغ منه، فقال: "بل في شيء قد فرغ منه"، فقال: ففيم العمل؟، قال: "يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل"، قال: إذاً نجتهد"1. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الخلق في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل "، قال عبد الله بن عمرو: فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن.2
وهذه الأخبار في الصحاح3مروية عن الثقات وهي موافقة لهذه الآيات التي ذكرها، وأما قول المخالف: إنهم لم يدخلوا النار إلا بعملهم فقد مضى الجواب عنه في مواضعه فلا معنى لإعادته.4

# 75- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنّ…﴾ 1 الآية، فمن ذرأه الله لجهنم فهل ذلك إلا لأن الله أراد كفره ولم يرد إيمانه.
فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأن الله أورد الاية مورد الذم لهم ولم يستحقوا الذم إلا بأعمالهم، وقد اختلف في معنى الآية فمن الناس من قال معنى قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي ميزنا لجهنم، ومنه سميت الرياح الذاريات من حيث كانت تفصل بين كثير من الأشياء، وإنما ميزهم بعد أفعالهم بأسمائهم وأحكامهم، ومنهم من قال: بل المراد بالذري هو خلقهم بالآخرة بعد الموت، ولا شك أنه يخلق في ذلك الوقت خلقاً للنار، ولكنه قد أعلمنا أنه لا يبعث من الخلق إلى النار إلا من مات مصرا على الكفر، يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية وقد علمنا أنهم لم يكونوا في الدنيا هكذا فيجري مجرى قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً…﴾ 2 الآية، ومنهم من قال: بل المراد خلقهم في الدنيا إلا أن هذه اللام هي لام العاقبة، ومعناها أنه خلق الخلق للعبادة، إلا أنه علم أن عاقبة كثير منهم تصير إلى النار لكفرهم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ 3، ومتى حملت هذه الآية على أحد هذه الأوجه وافقت قوله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ 4.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: الآية وردت بلفظ الخبر وخبره لا يكون

بخلاف مخبره وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ 1. وقوله: إنهم لا يستحقون الذم إلا بأعمالهم إن سلمنا أن فيها ذماً فلا ننكر أنهم لايستحقون الذم ولا العقاب ولا الثواب إلا بأعمالهم، وأعمالهم خلق الله وكسب لهم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ 4. وقد مضى بيان الفرق بين الخلق والكسب ولكن لا يعقله إلا من جعل الله له نورا في قلبه.5
وأما قول المخالف: إن من الناس من قال معنى قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي ميزنا لجهنم ومنه سميت الرياح الذاريات، لأنها تفصل بين كثير من الأشياء، فغير صحيح ولا قال أحد من أهل اللغة ولا من أهل التفسير أن (ذَرَأْنَا) معناه: ميزنا، واستدلاله على ذلك بالذاريات يدل على قلة علمه بالعربية، لأن الذاريات من قولهم ذرت تذروا بغير همز ذروا فهي ذارية، والذاريات جمع ذارية وهي المفرقة للتراب6، وليس كذلك ذرا فإنه مهموز يقال ذرأ يذرأ ذرءاً7فهو ذارئ، والمراد به خلقنا8ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي

ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ 1 أي خلقكم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي بعد الموت ومثلها قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيه﴾ 2 أي يخلقكم في أرحام الأزواج3، وقيل يكثركم بالتزويج4، وفي الحديث عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "إني أظنكم آل المغيرة ذرأ النار"5 أي خلقها، فهذا يبطل تأويله الأول.
وأما الدليل على إبطال تأويله الثاني وأنه أراد خلقناهم بعد الموت فمن وجوه: أحدها: أنه أخبر قبل هذا6 بقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا﴾ الآية.
فأخبر سبحانه أن من يهديه فهو المهتدي، والمراد به من يوفقه ويسدده للإيمان به وطاعته فهو المهتدي لذلكن ولا يجوز حمله على الثواب، لأن الثواب لا يسمى هدى على ما مضى7ولو جاز أن يسمى الثواب هدى لم يقل هاهنا ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، وإنما كان يقول فهو المُهدي8، فلما قال المهتدي نسب

الاهتداء إلى المَهدي1ثم قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وأراد بالإضلال هاهنا ضد الهداية وهو الإضلال عن الدين ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ فأخبر أن الذين أضلهم في الدنيا عن الدين هم الذين ذرأهم لجهنم، فيحمل كل خبر على فائدة متجددة ولو حملناه على صنعه بهم2في الآخرة لكان الخبران خبراً3عن شيء واحد.
والوجه الثاني: مما يدل على أنه أراد بالذرء هو خلقهم في الدنيا أنه قال: ﴿كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ وكثيراً لفظه لفظة النكرة يدل على أنه لا يعود على نكرة متقدمة4فلو كان المراد به الذين ماتوا مصرين على الكفر لأخبر عنهم بلفظ المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ 5.
والوجه الثالث: أنه وصفهم بأنهم ليس لهم قلوب يفقهون بها، بل ختم على قلوبهم عن الهدى وعلى أسماعهم فلا تسمع آذانهم الإيمان، وعلى أبصارهم، فقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأنْعَامِ﴾، لأن الأنعام ليس لها همة غير الأكل والشرب، بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام تبصر مضارها ومنافعها وهم لا يعلمون، وهذه الصفات لا تصلح إلا لمن هو6 من أهل الدنيا، فأما أهل النار فلا تضرب الأنعام مثلا لهم لأنها ليست دار7

تكليف ولا ينفع فيها الاهتداء بالعقل1والسمع والبصر.
والوجه الرابع: أنه قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ أي ولا يوصف بالغفلة إلا أهل الدنيا الذين غفلوا عن الاعتبار بما يدلهم من خلق الله على معرفته.
وأما قول المخالف: بأنهم لم يكونوا في الدنيا ليس لهم قلوب ولا سمع ولا بصر، فالجواب أنه أراد أنهم لمالم ينتفعوا بالاعتبار بقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم صاروا كمن لا قلب له ولا سمع ولا بصر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ 2، فوصفهم الله بوصف من في القبور حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ 3، فسماهم الله موتى وصما حين لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكونوا كذلك وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم (تسمع) ولم يرد نفي أسماعهم في آذانهم، لأنهم قد سمعوا ذلك بآذانهم ضرورة، وإنما أراد بغض إسماع النبي صلى الله عليه وسلم لهم4 الهداية لهم5 بما أسمعهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 6.
وأما استدلال المخالف بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً..﴾ الآية، فلا ننكر أن الله يحشرهم عمياً وبكماً وصماً يوم القيامة مجازاة منه على عماهم وصممهم في الدنيا عن الدين.
وأما تأويل المخالف الثالث بقوله: إن الله خلقهم في الدنيا للعبادة إلا أن

هذه اللام لام العقبة، لأنه علم أن كثيراً منهم يصير إلى جهنم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها.
والجواب: أن هذا تناقض لا يخفى على عاقل فساده، وذلك أن العبادة ثوابها، كما أن الكفر جزاؤه جهنم لو قلنا إنه خلقهم للعبادة لكان تقدير الكلام (ولقد ذرأنا للعبادة والجنة كثيراً منهم، فصار عاقبتهم إلى جهنم) وهذا يخرج من التأويل إلى التبديل الذي قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ 1 ويدل على فساد هذا أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ﴾، ليدل أنه لم يذرأ لذلك جميع المكلفين بل هو كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾.
وعند القدرية: أن الله خلق جميع المكلفين للعبادة، وكان ينبغي على هذا أن يقال (ولقد ذرأناهم) فصار2لجهنم كثيراً من الجن والإنس وهذه اللام تسمى لام الاختصاص، كقولهم الباب للدار3، وكقول الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ4أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ 5.
وإن وافقنا أنها لام العاقبة فالمراد أن الله خلقهم للدنيا وليأمرهم بعبادته وقضى وعلم أن عاقبتهم ومآلهم إلى جهنم، كما قال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ 6 أي أعصر ما يؤول خمراً لا في حال عصره، كذلك هذا، فصار كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ 7.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ 8

فقال الفراء: "هذه لام كي وقعت مكان التمليك.
والمعنى ليكون لهم عدواً وحزنا في علم الله لا في علمهم"1.
وكذلك اللام في قول الشاعر:..............................:... فللموت ما تلد الوالدة2أي للموت في علم الله لا في علمها... ويدل على صحة ما ذكرناه من التأويل ما روى أبو صالح3عن ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: "الخلق أربعة، خلق للجنة لا يدخل النار منهم أحد وهم الملائكة، وخلق للنار لا يدخل الجنة منهم أحد وهم الشياطين، وخلقان بعضهم إلى الجنة وبعضهم للنار وهم الجن والإنس"4.
وروي في الصحاح عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: "أتدرون ما هذان5الكتابان؟ "، فقلنا: لا، يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم

أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبداً"، فقال الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان أمر قد فرغ منه؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: فرغ ربك من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير"1.
وروى أنس – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت"2.
وفي هذا من الأخبار المذكورة ما يضيق هذا المختصر عن ذكرها.
وأما استدلال هذا المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ 3.
فالجواب عن هذا من وجوه: إحداها: وهو المروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما - أنه قال: معناها إلا ليقروا له بالعبودية طوعاً وكرهاً4مضاهاة لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي

السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً﴾ 1 ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 2، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 3. والوجه الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا لآمرهم بالطاعة والعبادة وأنهاهم عن الكفر والمعاصي.4
والثالث: أن لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص وأراد بذلك الذين هداهم ووفقهم لطاعته وعبادته، يدل على هذا شيئان: أحدهما: أن فيهم الأطفال والمجانين ومن خرج من عموم الآية.
والثاني: أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ فأخبر بهذه الآية أنه خلق كثيراً منهم لجهنم، ومن خلقه الله لجهنم لم يخلقه للعبادة5، والقرآن لا يتناقض بل يؤيد بعضه بعضاً قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ 6، ولا ينتفي عنه الاختلاف إلا إذا حملت الآيتان على ما ذكرنا.

# 76- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ 1 وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ 2 وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ 3. فأمر الله الخلق أن يسألوه بأن لا يزيغ قلوبهم، ولا يجعل في قلوبهم غلاً للذين آمنوا، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، ولا يجوز أن يسأل العبد من الله إلا ما يجوز وقوع ضده منه، كما أمرهم أن يسألوه المغفرة والرحمة والرزق لأنه يجوز وقوع ضد ذلك منه. ألا ترى أنه لم يأمرهم بأن يسألوا بأن لا يظلمهم لأنه لا يجوز وقوع ضده منه.4
فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: لا حجة له بهذا، لأنه ليس فيما ذكر ما يقتضي نسبة شيء من هذه القبائح إلى الله، فكأنه يستدل بالشيء على عكس ما يدل عليه وهو غير صحيح.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: قد قدمنا أن كون تسمية المعاصي معاصي وقبائح وخبائث من العباد لكونهم مكتسبين لها لا يجب تسميتها بهذه الأسماء في حق الله لكونه خالقاً لها، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 5.
والخبائث هاهنا كلُّ ما حرم أكله كالميتة والدم والكلب والخنزير، وهذه الأشياء خلقها الله، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الكلب خبيثاً، وسمى ثمنه خبيثاً.6

فصول الكتاب · 21 فصل · 963 صفحة
فصول الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار · 963 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: حياته الشخصية...المبحث الثاني: حياته العلمية وآثارهالمبحث الأول: اسم الكتاب...المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلفالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتابالمبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتابالمبحث الخامس: مصادر الكتابالمبحث السادس: المآخذ على الكتابالمبحث السابع: قيمته العلميةالمبحث الثامن: موضوع الكتابالمطلب الأول: تعريف القدر لغة...المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلفالمطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلكالمطلب الرابع: التعريف بالقدريةالمبحث الأول: التعريف بالمخطوط...المبحث الثاني: منهج التحقيق
الباب الثاني: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
مصادر ومراجع...
عن المتن
الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار
تأليف العمراني
الأولى، 1419هـ/1999م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 398-437 — 26 من 40
جارٍ التحميل