أهل الأثرالأرشيف العلمي

تابع: النص المحقق...

صفحات 658-697

106 ـ فصل وعندنا أن الجنة والنار مخلوقتان1، وأن الجنة في السماء والنار تحت الأرضين.2

وأنكرت المعتزلة أنهما مخلوقتان1، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا2الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ 3.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ 4.
وقال الله لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ5مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ 6 فأخبر الله سبحانه أنه أخرج آدم وحواء من الجنة، ثم تاب عليهما ووعدهما أن يردهما إلى الجنة، وأخبر أنه أهبط إبليس وأخرجه من الجنة، وأنه لعنه وآيسه من الرجوع إليها.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ 7 قال: أي رب لألم تخلقني؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسبق رحمتك إلي قبل غضبك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم"8.
فأما آدم فسأل التوبة فتيب عليه، وأم إبليس فسأل النظرة فانظر.

ربه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ 1.
وروي عن عبيد2بن عمير3قال " قال آدم وذكر خطيئته فقال: رب أرأيت معصيتي التي عصيت أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أم شيء ابتدعته من نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال فكما كتبته عليّ فاغفر لي "4.وروي عن حسان بن عطية5قال: " بكى آدم على خطيئته ستين عاما وعلى ابنه حين قتل أربعين عاما6، فقيل له في بكائه على خطيئته فقال: أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة أسمع فيها أصوات الملائكة "7 8. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة

أرسل جبريل إليها فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، قال: فحفت بالمكاره، فقال: اذهب فانظر فنظرها ورجع وقال: وعزتك لقد حبست ألا يدخلها أحد, ولما خلق الله النار وما وأعد الله لأهلها فيها قال لجبريل: اذهب إليها فانظرها فنظر إليها فإذا هي تركب بعضها بعضا فرجع وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر الله فحفت بالشهوات، ثم قال له انظر إليها فنظر إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد "1. وقال صلى الله عليه وسلم: " اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء "2، فقالت امرأة لم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير"3.
والعشير الزوج.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمعنا وجبة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذا، قلنا: الله ورسوله أعلم

قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا الآن حين انتهى قعرها"1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوقد على النار ألف عام فاحمرت، وأوقد عليها ألف عام فابيضت، وأوقد عليها ألف عام فاسودت فهي سوداء مظلمة "2، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جنهم، فقيل: والله يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: إنها فضلت3 بتسعة وستين4جزءا كلها مثل حرها "5. ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ 6.
والمعد في اللغة لا يكون إلا حاضرا موجودا، ومن زعم أن المعد بمعنى يعد غير صحيح، لأن هذا مجاز فلا تترك له الحقيقة.
وأما قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ يعني سعتها وإنما ذكر الله هذا تمثيلا للعباد بما يعقلونه ويفهمونه، والعادة أن العرض دون الطول، فإذا كان

العرض على هذا فالطول أكثر، قال الشاعر: كأن بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المذعور كفة1حابل وروى طارق بن شهاب2أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " تقولون جنة عرضها السموات والأرض فأين تكون النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار فأين يكون الليل، وإذا جاء الليل فأين يكون النهار - يريد لذلك حيث يشاء الله - فقالوا: لقد برعت3بما في التوراة "4. ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ 5، ومعلوم أنه لم يتمن قومه بذلك إلا لكونهم في الدنيا، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ 6، والمعد: المستعد المهيأ.7
وعن حسان بن عطية8قال: " الأرض التي تحت هذه فيها حجارة أهل النار "9.

قال ابن مسعود: "حجارة النار حجارة من كبريت يجعلها كيف يشاء"1، وذكر أهل التفسير أن موسى صلى الله عليه وسلم ذكر الله له في الهاوية فيها حجارة توقد منذ استويت على عرش أعدت لكل جبار عنيد ولمن حلف باسمي كاذبا، قال: وما تلك الحجارة؟ قال: كبريت في النار عليها مستقر قدمي فرعون، قال: رب وما الكبريت؟ قال: غضبي وعزتي لو قطرت منها قطرة في بحور الدنيا لأخمدت كل بحر ولهدت كل جبل ولسعت2الأرضين من حرها"3.
وفي بعض الأخبار: "أن الحجر يتعلق في عنق الكفار فإذا اشتعل بالنار أحرق وجهه وفروة رأسه وهو أشد العذاب"4.
أعوذ بالله وأستجير به منها ونسأله الحنة.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سأل الله الجن ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار"5.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق الجنة بيضاء وإن أحب

الزي إلى الله البياض فلبسوه أحياءكم وكفنوا به موتاكم"1.

# 107 - فصل ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم وإن ماتوا قبل التوبة منها فأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك.1

وقالت المرجئة: "لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر"1.

وقالت الخوارج: "من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة"1.
وقالت المعتزلة والقدرية: "لا يجوز أن يعذب الله العباد على الصغائر وإن عذبهم عليها ظلمهم، ومن فعل كبيرة فإنه يخلد في النار، ولا يوصف الله بأنه يغفر الكبائر"2.
فعند القدرية من عبد الله ألف سنة بأنواع العبادات من الصلاة والصوم والجهاد وغير ذلك لم يعص الله فيها ثم ركب معصية من الكبائر مرة واحدة

غير مستحل لها، إنه يخرج من إيمانه ويخلد في النار، كمن لم يؤمن بالله طرفة عين، وهذا مع تسميتهم لأنفسهم أهل العدل، وجعلوا حكم الشاهد أصلا لهم، وهذا في الشاهد خلاف العدل، وحكم العدل في الشاهد إن لم يعف الله عنه ويصفح عن هذا العبد الذي هذا صفته أن لا يظلمه من حسناته التي عملها لأنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ 1،ويعاقب على المعصية التي عملها بقدرها. وحكى عن بعضهم أنه قال: صاحب الكبيرة يوما في الجنة ويوما في النار.2
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 3. ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمن يشرك به فيموت على الشرك، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أهل التوحيد.4
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ 5.
وهذه الآية في وحشي قاتل حمزة6، ولكنها وإن نزلت بسببه إلا أنها عامة في جميع العباد وجميع الذنوب.

والدليل عليه ما روي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما يسرني بهذه الآية الدنيا وما فيها ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ 1 يقول لا تيأسوا من رجمة الله أنه لا توبة لكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ يعني الشرك والقتل والزنا الذي ذكر الله في سورة الفرقان2﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾،وقال قوم: إنها لم تنزل بسبب وحشي لأنها مكية، ووحشي أسلم بعد ذلك بعد قتل حمزة بالمدينة، وبين نزولها وإسلامه قدر عشرين سنة، ولكنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل لي من توبة، فقال له نعم وقرأ عليه هذه الآية.3
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ 4.
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ 5 وهذا عام، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ

السَّيِّئَاتِ﴾ 1 وهذه الآية نزلت في أبي نفيل عباد بن قيس الأنصاري2: أتته امرأة تشتري منه تمرا فراودها على نفسها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني خليت بامرأة فما من شيء يفعل الرجل بالمرأة إلا وقد فعلته بها إلا أني لم أنكحها فنزلت هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَار﴾ يعني صلاة الصبح والظهر والعصر ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني المغرب والعشاء ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه ـ: يا رسول الله أهذا خاص له أم عام للناس؟ فقال: بل عام للناس "3. ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ 4 والكبائر ها هنا الشرك5، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

من الدليل على ما قلنا ما روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل فبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق " أخرجه البخاري ومسلم.1
وروى جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله ما الموجبتان، قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا2 دخل النار" 3.
عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ثم يضعها على اليهود والنصارى"4.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن رجلا أذنب

ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال الله: عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي " 1. وعن علقمة عن عبد الله مسعود قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْن﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال: ألم تسمعوا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 2.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا"3.
وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال المغفرة تحل على العبد ما لم يقع الحجاب، فقيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: الشرك به، قال فما نفس تلقاه لا تشرك به إلا حلت لها المغفرة من الله، فإن شاء غفر لها وإن شاء عذبها، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ …﴾ 4 الآية.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا

الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ 1، قال: "كلهم في الجنة"2.
وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ 3 قال لهم: "ما تقولون فيها؟ قالوا: استقاموا فلم يذنبوا، قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: حملتم الأمر على أشده استقاموا لم يرجعوا إلى عباده الأوثان"4.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "أربع آيات في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا وما فيها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 6،وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ 7، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ

اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ 1،2قال الحسن البصري: "وأنا أقول آية خامسة فيها3للمسلمين خير من الدنيا وما فيها قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ 4،.5 وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر.
وروي عقبة بن علقمة اليشكري6قال: "شهدت مع علي - رضي الله عنه - صفين فأتي بخمسة عشر رجلا أسرى من أصحاب معاوية وكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه"7.

وعن ثابت بن أبي الهذيل1قال: "سألت علي بن الحسين2عن أصحاب الجمل، فقال: مؤمنون وليسوا بكفار"3.
ويدل على ما قلناه أن من وعد الله ثوابا على عمل عمله بفضل من الله ونعمة ولا يوصف الله بأنه يخلف وعده لقوله تعالى: ﴿إِِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ 4، ومن أوعده عذابا على ذنب أذنبه فإن الوعيد حق له وترك الوفاء بالوعيد كرم وجود، وربنا موصوف بالجود والكرم، وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحظنا عليه ومدح فاعله.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ 5، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 6، قال ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ 7، وأخبر عن نفسه بالعفو فقال ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ 8.
وروي أن عمرو بن عبيد9كان يقول بالوعيد، فناظر أبا عمرو بن العلاء10، فاحتج عمرو بن عبيد بأن إخلاف الوعيد قبيح وذم عند أهل اللسان وأنشد لأعرابي يمدح رجلا: أن أبا ثابت لمجتمع الرأي... شريف الآباء والنسب لا يخلف الوعد والوعيد... ولا يبيت من داره11على قرب

.... فقال أبو عمرو: وإن كان هذا الشاعر قد مدح بالأمرين، فإن كعب بن زهير مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد توعده فأنشده قصيدته: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.......................... إلى قوله: أنبئت أن رسول الله أوعدني... والعفو عند رسول الله مأمول فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بل وقع موقعا منه فعفى عنه1، وأعطاه بردة كانت له فابتاعها منه معاوية - رضي الله عنه - بعشرة آلاف ردهم كانت مع الخلفاء خلفية بعد خليفة.
وروي أن أبا عمرو قال له يا أبا عثمان: أليس لك علم بمعاني كلام العرب.
العرب لا تعد العافي مخلفا ثم أنشده: وما يرهب المولى ولا الجار صولتي... ولا أختفي من سورة2المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته... لأخلف ايعادي وأنجز موعدي3وروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وعد الله على عمل4ثوابا فهو منجزه ومن أوعده على عمل عقابا فهو الخيار"5.

والعرب تذم من يفي بوعيده قال الشاعر: كان فؤداي بين أظفار طائر... من الخوف في جو السماء معلق حذار امرئ قد كنت اعلم أنه... متى ما يعد من نفسه الشر يصدق1فان احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ 2.
فالجواب عنه أن روي عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها قال: "من يشرك بالله"3.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: لمن أراد الله هوانه فأما من أراد كرامته فلا، قد ذكر الله قوما فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ 4.وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: "يا رسول الله أخبرني بأمر من يعمل سوءاً يجز به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبكر ألست تنصب، ألست تجزع، ألست تمرض، أليس يصيبك اللأواء قال: بلى قال: ذلك5تجزون به"6.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " ما سألني أحد عنها منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: هذه الآية ما يصيبه الله من العبد في

نفسه من الهم والنكبة والشركة حتى البضاعة يضعها في كم قميصه فيفقدها فيجزع لذلك فيجدها في جيبه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج البتر الأحمر من الكير"1. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: "لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا يا رسول الله: ما أبقت هذه الآية من شيء، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت ولكن ابشروا وقاربوا وسددوا فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة إلا كفر الله عنه بها خطيئة حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه "2. استدلت القدرية بآي الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ 3الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ 4 الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ 5، وما أشبه ذلك من الآيات.6
والجواب: أن لهم القرآن يعاضد بعضه ولا يتناقض بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ 7،فنحمل هذه

الآية التي أوردها القدرية وما أشبهها من آي الوعيد على من لا إيمان معه، فأما من مات مؤمنا فلا يحكم بتخليده في النار بفعل كبيرة غير مستحل لها، بل إذا لم يغفرها لم يظلمه من حسناته لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ 1.وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا﴾ 2 وجاء في التفسير أن الحسنة هو قول لا إله إلا الله، والسيئة هو الشرك3ومثلها قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ4وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 5 وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ 6.وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ 7وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ 8. فإن قالوا: من فعل الكبيرة لا يسمى مؤمنا.9
قلنا: بل يسمى مؤمنا لأنه مصدق بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وكيف يخلد في النار من عبد الله مائة سنة في معصية واحدة غير مستحل لها، مع أن ظواهر الأي ألا يدخل النار إلا الكفار، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ 10 وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ إلى قوله

تعالى: ﴿ذُوقُوا1عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلاّ الأشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ 3،وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ إ لى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم﴾ 4قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ 5 وأوجب النار لمن يكذب بالبعث.6
وقد احتجت المرجئة بهذه الآيات وأن الله لا يعذب إلا على الكفر به، وقالت المرجئة: لما كان توحيد ساعة7يهدم ما قبله من الكفر وجب أن يهدم التوحيد ما معه من المعاصي.
وقالت المعتزلة: لما كان الكفر ساعة في آخر عمره يهدم ما قبله من التوحيد، فكذلك سائر المعاصي تهدم ما معها.

والجواب: أن يقابل أحد هذين المذهبين بالآخر ويسقطان ويبقى لنا المذهب بينهما وهو مذهب أهل الحديث.
ثم يقال للقدرية: تسويتكم بين الشرك وبين المعاصي بهذا مخالف لنص القرآن وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1، فنفى أنه يغفر2الشرك ويغفر ما دونه لمن يشاء وتعليق مغفرته لما دون الشرك لمن يشاء يبطل قول المرجئة أيضا.
فإذا وقف المذهبان موقفا واحدا في البطلان ثبت ما قلناه.
فإن قالت القدرية: فيجب حمل آي الوعيد في المغفرة لأهل الصغائر دون أهل الكبائر بدليل آي الوعيد.
قلنا: آي الوعيد بالمغفرة عامة للسيئات كلها والشرك يخرج بدليل الآي التي ذكرنها والإجماع، وبقي العموم متناولا لما دون الشرك من السيئات وعلى أن عند القدرية لا يجوز أن يعذب الله العباد على الصغائر وإن عذبهم عليها ظلمهم3، فإن كانت غير متوعد عليها4لم يخص بها العموم في الذنوب وعلى أنه يلزم القدرية إذ قالوا: بتخليد أصحاب الكبائر القول بمذهب الخوارج وهو تكفير أصحاب الذنوب وتخليدهم في النار، وهذا رد لما به القرآن والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار.5

استدلوا بأنا لو لم نقل بالتخليد لأدى ذلك إلى الفساد، لأن المذنب متى علم أنه لا يخلد في النار لم يبال بالمعصية لأنه يعلم أنه يصير إلى الجنة فلهذا بُولِغَ بإدامة العذاب عليه.1
والجواب عليه أن يقال: فعلى مقتضى استدلالكم هذا أن تقولوا لا تصح توبته ولا تقبل منه، لأنه متى علم أن توبته تصح وتقبل منه ولم ييأس من البقاء بعد ارتكاب المعصية حمله ذلك على ركوب الكبائر اتكالا منه على التوبة في آخر عمره، فإذا كانت توبته صحيحة الإجماع، ولم يكن بها فساد، فكذلك القول بعدم تخليده.
استدلوا بأن الفاسق عدو لله وأمرنا بلعنه والبراءة منه، وبأن لا تأخذنا به رأفة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ 2.
مع أن الله وصف نفسه بالرحمة للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ 3 ولا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا مرحوما.
والجواب: أنا لا نحكم للفاسق بأنه عدو لله وأن الله لعنه إلا بشرط أن يكون في معلوم الله أنه يعذبه ولا يغفر له، لأن العداوة والبغض هو إرادة الله عذابه4وهذا كما تعبدنا بلعن من ظهرت منه كلمة الكفر والحكم عليه بأنه عدو الله بشرط أن يكون في معلوم الله أنه يموت كافرا، وكما تعبدنا

ببغض شهود الزنا والبراءة منهم إذا قصر عددهم أو اردت شهادتهم والحكم بفسقهم إن كانوا كذبة عند الله1، مع أنا نقول إن الفاسق من المؤمنين لا يكون معاديا لله بمعصيته مع إقراره بتوحيده وإيمانه بربه، لأن العداوة متضمنة للكفر به ويمكن أن يكون الله تعبدنا2بذم الفاسق ولعنه محبة له3، فيكون ردعا له عن فسقه لا لكونه مستحقا للتخليد في النار.4

.............................................................................................

.............................................................................................

..............................................................................................

# 108 - فصل قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة في أهل الكبائر من أمته يخرجون بشفاعته من النار، وله شفاعة في جميع الخلق في فصل الحساب، وكذلك الشفاعة للملائكة والأنبياء ولسائر العلماء.
ولكن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أعم وأكبر.
وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ الشفاعة1، وهذا لاعتمادهم على

عقولهم الفاسدة وأخذهم بالمتشابه من القرآن وتركهم الأخبار المروية الثابتة في الصحاح.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ 1.
وذلك أن المشركين قالوا لآلتهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ 2 ومثلها قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ 3 ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 4.
وذكر أهل التفسير أن الكفار إذا دخلوا النار نظروا إلى قوم من الموحدين من أهل الكبائر معهم في النار فيعيرونهم بذلك ويقولون: ما أغنى عنكم إسلامكم في الدنيا فيشتد غم الموحدين لذلك وحزنهم، فيطلع الله على ما

نالهم من ذلك، فيأذن في الشفاعة للملائكة والأنبياء والشهداء والعلماء، فيخرجون بشفاعتهم، فإذا نظر الكفار إليهم قد خرجوا قالوا: فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ويودون لو كانوا مسلمين، قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ 1، فيكبكبون هم وآلتهم فيها قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ 2.
وقال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ 3 وهذه الآيات كلها تدل على ثبوت الشفاعة.
وروى يزيد الفقير4قال: "كنا بمكة من قطانها وكان معي أخ لي يقال له طلق بن حبيب5، وكان يرى رأي الحرورية في إبطال القول بالشفاعة، فبلغنا أن جابر بن عبد الله قدم مكة فأتيناه، فقلنا له: بلغنا عنك قول في الشفاعة، وقول الله تعالى يخالفك، فنظر في وجوهنا وقال: من أهل العراق أنتم؟ فقلنا: نعم، فتبسم وقال: أين تجدون ذلك في كتاب الله؟

قال، قلنا: قال الله تعالى في كتابه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ 3 وأشباه هذا من القرآن، فقال جابر: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنت أعلم به منا، قال: فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد شهدت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الشفاعة في كتاب الله لمن عقل، قال: قلنا وأين؟ قال: في سورة المدثر، فقرأ علينا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ، فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ 4، ثم قال: لا ترونها5حلت لمن لم يشرك بالله شيئا"6.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وأخرت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا".
7 وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، إن

أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله الله مخلصا من قبله "1. وروى أنس بن مالك وجابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"2.
وروي أن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول: "اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله يغني المؤمنين عن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن الشفاعة للمذنبين من المؤمنين والمسلمين"3.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرني ربي بين أن يدخل نصف أمتي الجنة أو الشفاعة فاخترت الشفاعة"4.

وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ 1 قال: "هو مقام الشفاعة الذي أشفع فيه لأمتي"2.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة ويقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، فيأتون آدم صلى الله عليه وسلم فيقولون: أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء3، وأسكنك جنته، اشفع لنا إلى ربك يريحنا من مكاننا، واشفع لذريتك حتى لا تحرق اليوم بالنار، فيقول: ليس ذلك إلي - وروي لست هناكم - ويذكر لهم خطيئته، ولكن ائتوا نوحاً

فإنه أول نبي بعث الله إلى الأرض، فيأتون نوحاً فيسألونه فيقول لهم: لست هناكم ويذكر لهم خطيئته ولكن ائتوا عبداً اتخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا إبراهيم أنت عبده اتخذه اله خليلا فاشفع لذرية آدم لا تحرق بالنار، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته ولكن ائتوا عبداً اصطفاه الله بكلامه، وألقى عليه محبة منه وكلمه تكليماً، ائتوا موسى، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول: ليس ذلك إلي - وروي - لست هناكم - ويذكر لهم خطيئته، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست هناكم وروي - ليس ذلك إلي - ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال فيأتوني فيقولون: يا أحمد خلقك الله رحمة للعالمين، اشفع لنا إلى ربك فيقول: نعم أنا صاحبها، فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، ثم يفتح لي من التحميد والثناء على الرب ما لا يفتح لأحد من الخلق، ثم يقول: سل تعط واشفع تشفع فقال: يا رب ذرية آدم لا تحرق بالنار وروي أنه قال أمتي أمتي، فيقول الله: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من الإيمان أخرجوه ثم أسجد ثانياً فيفتح علي من التحميد ما لا يفتح على أحد، فيقال لي كما قيل لي في الأولة، وأقول كما قلت، فيقول الله تعالى: أخرجوا من في قلبه قيراط من الإيمان فيخرجون ما شاء الله، ثم أقع الثالثة، فأقول مثل ما قلت في الأولة والثانية، فيقال لي ما قيل لي فيهما، ثم يقول الله: اذهبوا فأخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيخرج منها ما لا يعلم عدده إلى الله، ثم يؤذن لآدم في الشفاعة فيشفع لعشرة آلاف ألف، ثم يؤذن للملائكة والنبيين فيشفعون حتى إن المؤمن ليشفع لأكثر من ربيعة ومضر، ولا يبقى في النار إلا من لا خير فيه"1.

وروي عن المقدام1أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للشهيد عند الله تسع خصال، يغفر له بأول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى بحلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه"2.
وعن عثمان - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يشفع يوم القيامة ثلاثة، الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"3.
وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن واستظهره وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار"4.

ومن الدليل على ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على المذنب وعلى غير المذنب من أمته، وكذلك أصحابه وإلى يومنا هذا، فلو كان الميت المذنب لا يشفع فيه ولا ينفعه الدعاء لما كان للصلاة عليه معنى.
فإن قيل: فقد رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الصلاة على من عليه درهمان ديناً1، فلو قبلت شفاعته في الكبائر لكان في الدرهمين أولى.
والجواب: أن هذا كان في أول الإسلام، ثم بعد ذلك لم يمتنع من الصلاة على أحد، فما داوم عليه من الفعل أولى.
ويحتمل أن يكون امتناعه من الصلاة عليه ليعلمهم أن حقوق بني آدم لا بد من قضائها، وأن السيئات التي بين العبد وبين الله إذا غفرها الله فإنه يبدل السيئات حسنات، ومن مات وعليه دين فإنه يؤخذ من حسناته وتجعل لمن له الدين، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصلوا على ذلك الميت.
وقال: "صلوا على صاحبكم" 2، فلو لم تنفعه صلاتهم عليه لكان أمره لهم بالصلاة عبثا.3

ومن الدليل على ما ذكرناه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قل: "يخرج الله قوماً من النار بعد ما محشتهم النار بشفاعة الشافعين فيدخلهم الجنة فيسمون الجهنميين"1، وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم "يخرجون منها ضبائر ضبائر2فيلقون على نهر الحياة فينبتون كما تنبت الطراثيث3والحبة في حميل السيل فيدخلون الجنة مكتوباً على جباههم4الجهنميون - وروي مكتوباً عليهم - عتقاء الله من النار"5.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آخر من يخرج من النار رجل يقول فيها يا حنان يا منان" 6.

فصول الكتاب · 21 فصل · 963 صفحة
فصول الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار · 963 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: حياته الشخصية...المبحث الثاني: حياته العلمية وآثارهالمبحث الأول: اسم الكتاب...المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلفالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتابالمبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتابالمبحث الخامس: مصادر الكتابالمبحث السادس: المآخذ على الكتابالمبحث السابع: قيمته العلميةالمبحث الثامن: موضوع الكتابالمطلب الأول: تعريف القدر لغة...المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلفالمطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلكالمطلب الرابع: التعريف بالقدريةالمبحث الأول: التعريف بالمخطوط...المبحث الثاني: منهج التحقيق
الباب الثاني: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
مصادر ومراجع...
عن المتن
الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار
تأليف العمراني
الأولى، 1419هـ/1999م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 658-697 — 33 من 40
جارٍ التحميل