القرآن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه " وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا رآهم قال: "مرحباًُ بمن عاتبني ربي فيهم "1 وهو سلمان الفارسي وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة وبلال ونحوهم من فقراء المسلمين، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ 2، قال أهل التفسير: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان قاله سعيد بن جبير3، وعن الضحاك4: يحول بين المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة.5
# 45- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة1قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ 2، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 3 ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ 4، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ5مَا فَعَلُوهُ﴾ 6، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ 7.
وعند القدرية: إن الله شاء إيمان جميع من في الأرض، وآتى كل نفس هداها وشاء هداهم ولم يشأ شركهم ولا8اقتتالهم، وهذا تكذيب لما أخبر الله عنه بكتابه.
فأجاب القدري عن ذلك كله وقال: المشيئة تنقسم إلى معنيين: مشيئة تمكين واختيار ومشيئة قهر وإجبار، فالله قد شاء الطاعات والإيمان من المكلفين باختيارهم9وعلى ذلك تحمل الآيات المقتضية أنه أراد منهم الصلاح، وأما مشيئة القهر والإجبار، وهو أن يخلق فيهم الطاعة جبراً ويشاء ذلك منهم جبراً، فلم يشأ ذلك منهم، ولو شاء ذلك منهم لوقع لا محالة، ولكن تبطل فائدة التكليف وعليه نحمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ وما أشبهها من الآيات.10
والجواب أن يقال له: قد تقدم القول منك أن الله ليس له مشيئة وهي الإرادة1، فكيف تقول: إنها تنقسم إلى معنيين؟ فإما أن ترجع إلى مذهبك الفاسد وتقول: ليس لله مشيئة، فيفسد عليك التأويل في مشيئة الاختيار أو القهر، وإما أن ترجع إلى مذهب أهل التوحيد أن لله مشيئة شاء بها
الاختيار من العباد أو القهر والإجبار فيكون الاختيار في الفعل راجعاً إلى صفات العباد في أفعالهم1، وأما القهر والإجبار فلا يتصف به إلا فعل الله لأنه هو القاهر2والمجبر، والخلق مقهورون مجبورون.3وأما المشيئة التي
الإرادة فلا تتصف بذلك.1
ثم يقال لهذا المخالف: لسنا ننكر أن الله سبحانه لو شاء أن يجبر العباد على أفعال الطاعات والإيمان ويضطرهم إلى ذلك لكان قادراً عليه لأنه لا يعجزه شيء أراده.
وقد أخبر سبحانه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ 2، ونقول مع ذلك: إن الله سبحانه لو شاء أن يؤمن جميع أهل الأرض باختيار منهم بأن يحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم فيطيعوه ويخلق فيهم الرغبة إلى ثوابه، ويكره إليهم الكفر3والعصيان ويخلق في قلوبهم الرهبة والخوف من4عذابه لكان قادراً على
ذلك ولا يسمى ذلك إجباراً أو قهراً، وقد أخبر1عن تفضله بذلك على المؤمنين فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ 2، وقال في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ 3.
فهذا ما أخبر عن لطفه بالمؤمنين وتنوير قلوبهم وتأييدهم بالإيمان مع ما أخبر الله عن فعله ضد ذلك بقلوب الكفار والمنافقين4كقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ 5، قوله6تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ 7، وقوله في آي كثيرة ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ 8. وسأبين فساد تأويله في الختم والطبع في موضعه إن شاء الله.9
ويقال في تقريب هذا الدليل للقدري: هل يقدر الله على فعل يفعله بالعبد يختار العبد لأجله الإيمان على الكفر والطاعة على المعصية؟ فإن قالوا: نعم يقدر على ذلك، رجعوا إلى قولنا وقول جماعة الموحدين ما شاء الله كان10وفارقوا قولهم الفاسد، وإن قالوا: لا يقدر، قلنا: فأنتم
محجوجون بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 1، وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ 2، فأخبر سبحانه أنه لو بسط الرزق للعباد لبغوا في الأرض وخالفتم قول جماعة المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.3
ويقال للقدري: إذا كانت المشيئة عندكم تنقسم إلى مشيئة الاختيار ومشيئة القهر والإجبار، وقلتم: إن الله قد شاء من جميع العباد الإيمان مشيئة الاختيار منهم ولم يشأ منهم الإيمان مشيئة القهر والإجبار، ولذلك لم يكن خبر الله بخلاف مخبره بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ 4، فما يقولون لو أجبرهم على الإيمان وشاء ذلك منهم مشيئة الإجبار؟ 5 أيكون خبر الله في هذه الآية بخلاف6مخبره، قيل لهم: فما يؤمنكم من قائل يقول إنه لا يصير كذلك ويقول أراده مشيئة الاختيار لا مشيئة الإجبار7، فإن قلتم: لا يقبل منه هذا التأويل لأن المشيئة عامة في المعنيين، قلنا لهم: ونحن لا نقبل منكم هذا التأويل لأن المشيئة عامة في المعنيين8، ولهذا قال رجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن شئت من عبدك أن يدخل
الدار1، فقالت لعبدها: شئت أن تدخل الدار ولا أجبرك عليه، فإنها تطلق بإجماع الفقهاء، ولو أجبرته حتى دخل الدار وحملته بغير اختياره فدخلت به الدار كان في وقوع الطلاق خلاف بين العلماء2، فدل على أن إطلاق المشيئة إنما يصرف إلى إرادة المأمور باختياره وأن إجباره على الفعل لا تنصرف إليه المشيئة.
# 46- فصل استدل القدري المخالف على أن الله سبحانه أراد من أفعال العباد الخير، ولم يرد منهم ما وقع منهم من شر ومعصية1بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 2 قال: واليسر: اسم جنس يدخل تحته كلما يسمى يسراً، ولا شك أن النفع يسر والطاعات من ذلك، والعسر: اسم جنس يستغرق كل عسر ولا شك أن العسر هو الضرر وأعظم المضار النار وما يؤدي إليها، هذا نكتة قوله. والجواب: أن يقال لهذا المستدل: قد رددت التنزيل وأخطأت التأويل، وأما ردك للتنزيل فإنك زعمت أن هذا القول ليس بقول الله حقيقة، فإن لم يكن قوله حقيقة، وإنما هو حقيقة قولك وخلقك فلا دليل لك فيه ولا تأويل. وإن قلت: إنه قول الله حقيقة أجبناك عن تأويلك هذا، وقلنا: الذي دعاك إلى هذا الذي ذكرت جهلك بلغة العرب وبتفسير القرآن، أما لغة العرب فإن أحداً من أهل اللغة ما ذكر أن اليسر: اسم لما ينفع من أعمال الطاعات ولا العسر اسم لما يضر من أفعال المعاصي، وإنما قالوا اليسر: اسم للغنى والرخاء والسعة.3
والعسر: اسم للفقر والشدة والضيق4قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ 5.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: "ابشروا لن يغلب عسر يسرين ويسران
يغلبان عسراً" 1، وقال ابن مسعود: "لو أن العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يستخرجه لن يغلب عسر يسرين"2.
وتفسير ذلك أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها منكرة فهي غيرها، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادت ذكرها بالألف واللام فهي الأولة بعينها، تقول: إذا كسبت درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، ولو قال: إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول، فلما ذكر الله العسر معرفاً بالألف واللام ثم أعاد ذكره معرفاً بالألف واللام علم أن الثاني هو الأول، ولما ذكر اليسر بغير ألف ولام ثم أعاد ذكره أيضاً علم أن اليسر الثاني غير الأول، فلذلك قيل: "لن يغلب عسر يسرين" فهذا المذكور في لغة العرب، وأما اليسر والعسر المذكوران في الآية التي احتج بها فأراد باليسر السعة في الرخصة بترك الصوم للمسافر والمريض لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 1حين رخص للمسافر في ترك الصوم ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ حين لم يجعل الصوم عليهما متحتماً وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 2 أي ضيق3فبطل تعلق المخالف بهذه الآية.
# 47- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 1، ومعنى ﴿نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ2الْمَلائِكَةَ﴾ كما سألوا في الفرقان ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ 3 ومعنى ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ لأن كفار قريش قالوا: يا محمد ابعث لنا موتانا فنسألهم عما تحدثنا به أنه يكون بعد الموت4، ومعنى ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ يعني عيانا5ويقال (قُبُلا) 6 يريد جماع القبيل7، أي ضروب العذاب8﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ يعني ليصدقوا
﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لهم الإيمان فدل على أن الله لم يشأ لهم الإيمان.
فأجاب هذا القدري المخالف وقال: المراد بالمشيئة هاهنا مشيئة الإجبار والقهر ولم يرد مشيئة الاختيار1؛ لأنه لو أراد ذلك لما كان عليهم لوم ولا توبيخ.
والجواب: ما قدمناه أن لله تعالى مشيئة2، والاختيار والإجبار يرجعان إلى صفة العبد لا إلى مشيئة الله، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره، وإذا ثبت أنه أراد من الكافر الذي لم يؤمن الإيمان ومن العاصي الطاعة مشيئة الاختيار وقع خبر الله بخلاف مخبره؛ لأنه يقع عليها اسم المشيئة3وكان ذلك مخالفا لقول جميع أهل التوحيد (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) وأيضاً فلو كان عند رجل لآخر4دين حال وهو موسر به فطالب من له الدين بدينه اليوم فقال من عليه الدين: امرأته طالق ثلاثا أو حلف بالله ليقضيه حقه هذا اليوم إن شاء الله، فمضى اليوم ولم يقضه، فإن جميع الفقهاء قالوا: لا يحنث بيمينه في الطلاق ولا بالله تعالى، وقضاء الدين الحال واجب، وعلى مذهب القدرية أن الله تعالى لا يوصف بأنه لا يشاء قضاءه لأن تأخير القضاء5معصية6، ولو كان الأمر كما ذكروه لحكم عليه
بالطلاق وبالكفارة باليمين بالله، وهذا لم يقله أحد من أهل العلم، بل قالوا جميعا: لا يحكم عليه بالطلاق ولا بالكفارة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "من حلف يمينا وقال إن شاء الله كانت له ثنياه"1.
ولأن مشيئة الله سبحانه لا تعلم، فإذا وجد القضاء علمنا أن الله شاء القضاء، وإذا لم يوجد القضاء علمنا أن الله لم يشأ القضاء إذ لو شاءه لو قع لأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن.
وأما قول المخالف: إذا قلتم: إن الله سبحانه لم يشأ ممن لم يؤمن الإيمان فلا لوم عليهم ولا توبيخ، غير صحيح لأن الذم والتوبيخ والعقاب على مخالفة المأمور للأمر، والأمر لا تعلق له بالمشيئة، لأن الأمر يعلمه بمجرد القول لمن هو دونه (افعل) 2 ومشيئة الله لوقوع الفعل المأمور به لا تعلم إلا في ثاني الحال، فإن وفق الله العبد المأمور ولطف به وأعانه على فعل ما أمر
به1وفعله علمنا أن الله شاء منه وقوع ما أمر به فهو المحمود على فعل ما أمر به، ونعلم أنه أراد إثباته، وإن لم ينعم عليه ويتفضل بالإعانة على فعله ولم يفعله علمنا أنه لم يشأ منه فعل ما أمر به، وعلمنا أنه أراد عقابه وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ 2.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ 3.
# 48- فصل ومن الأدلة المذكورة قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ 1 في آي كثيرة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ 2 وهذا عام فيما أورده من فعل نفسه وفعل عباده، ولولم يتم ما يريد من ذلك لحقه الوصف بالعجز ويتعالى عن ذلك علوا كبيراً.
فأجاب القدري المخالف وقال: لا حجة لهذا المستدل لأن أفعال العباد غير مخلوقة لله فتخرج بجريانه3عن عموم قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وإنما العباد هم الخالقون لأفعالهم والعجز يلحقه إذا لم يتم ما أراد4من فعل نفسه، فأما إذا لم يتم ما أراد5من فعل غيره فلا يلحقه بذلك الوصف بالعجز، لأنه لم يرد مغالبتهم بل أراد فعلهم للطاعة باختيارهم وأمهل من عصى منهم إلى اليوم الموعود، فإقدامهم على ما لم يرد لا يدل على عجزه، كما أن السيد إذا قال لعبده: أعمر هذه الدار في هذا الشهر، فإن فعلت ذلك أعتقتك، وإن لم تفعل ذلك عاقبتك بعد الشهر، فإذا لم يفعل العبد ما أمره به السيد لم يدل ذلك على عجز السيد عن الانتقام منه بل يدل على حلمه، وعلى هذا6 المعنى نبه قوله تعالى7: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ 8 الآية.
والجواب عما أورده في ثلاثة فصول:
أحدها: قوله: لا خلق لله ولا فعل له في أفعال العباد، فنقول له: هذا غير مسلم بل أفعال العباد صفات لهم وأعراض فيهم، والله خالق للعباد ولصفاتهم وأعراضهم كما خلق ألوانهم وتركيبهم بدليل قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 1 ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 2 وقد مضى بيان ذلك وإبطال تأويل المخالف فيه.3
الفصل الثاني: قوله: إن العجز إنما يلحقه إذا لم يتم فعل نفسه ولا يلحقه إذا لم يتم فعل غيره، فنقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ذكر ذلك على سبيل المدح لنفسه وأخبر بذلك عباده فلا يخرج شيء من إرادته عن امتداحه بتمامها4ولا يقع خبره بخلاف مخبره كما لا يخرج عن علمه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وأما قوله: إنما يلحقه العجز إذا لم تتم إرادته من أفعالهم إذا أراد مغالبتهم، فأما ما5إذا لم يرد مغالبتهم لم يلحقه عجز، فغير صحيح، ولو كان ذلك دليلاً على ما ذكرت لجاز أن يخرج شيء من الخلق أو من أفعالهم عن ملكه إذا لم يرد مغالبتهم، فلما لم يخرج شيء من الأشياء عن ملكه وسلطانه لم يجز أن يقع شيء في ملكه وسلطانه مما لا يريد وقوعه؛ لأن ذلك يلحقه الوصف بالعجز.
ألا ترى أن الملك من العباد لأجل6محله يلحقه النقص إذا وقع في ملكه وسلطانه شيء من الأمور بغير تدبيره وإرادته، فكيف مالك السموات والأرض7وما فيهن؟!.
وأما الجواب عن الفصل الثالث: وهو ما أورده من إمهاله لهم وضرب المثل بالعبد، فيقال له: هذا لا يعود إلى ما نحن فيه من وصفه بالعجز إذا لم تتم إرادته، وإنما يلحقه ذلك لو أراد أن يعاقبهم في الدنيا ولم يتم ما يريد من العقوبة، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: لم يرد منهم1ما لم يقع منهم من الإيمان والطاعة2ولم يرد عقوبتهم على ذلك في الدنيا، بل أراد تأخير عقوبتهم إلى اليوم الموعود فبطل تعلقه3بما ذكرناه.
# 49- فصل استدل القدري المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ 1، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ 2.
وهذا يقتضي نفي إرادته لكل ظلم منه أو من غيره لأنه أدخل حرف النفي وهو (ما) على نكرة فاقتضى3استغراق الجنس كقول القائل (ما في الدار رجل)، فإنه يقتضي نفي كل من يقع عليه اسم رجل. هذا نكتة قوله ومعتمده.4
والجواب: أن هذا ليس بصريح5في نقي فعل الظلم من العباد؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: (وما الله يريد ظلما من العباد)، وإنما هو صريح6في نفي عذاب الله لهم ظلما بغير ذنب كان منهم، وسياق الآية يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ ومعنى ذلك مثل أشباه عذاب7هذه الأمم ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ فيعذب على غير ذنب، ويجوز أن يحمل ما الله يريد ظلما لهم من أعمالهم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ 8، وقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ 12 وحمل الآية على أنه لم يرد وقوع الظلم منهم صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل.
والدليل على صحة هذا التأويل أنك تقول: علمت الظلم من زيد ورأيت الظلم من زيد إذا علمته أو رأيته يظلم غيره بنفسه، ولا تقول: علمت الظلم لزيد ولا رأيته لزيد3 إلا إذا رأيت أو علمت4من غيره له.
ويقال للخصم: إذا ادعيتم العموم بقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ قابلك خصمك بالعموم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ 5 وبقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ 6، فلو أراد ممن لا يؤمن الإيمان أو من العاصي الطاعة لكان يعاضده7أن الكافر والعاصي أراد المهصية وإرادتهم متعلقة بإرادة الله تعالى بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 8، والقرآن لا يتناقض بل يعاضد بعضه بعضا9، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ 1.
والقدرية يسقطون أكثر الآي بعقولهم الفاسدة وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 2، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وأهل السنة يأخذون بالجميع ويقدمون الكتاب والسنة على أدلة العقل.
# 50- فصل استدل المخالف القدري على أن أفعال المعصية مكروهة عند الله بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ﴾ ثم قال بعد ذلك ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ 1، وإذا كان مكروها عند الله فكيف يريده لأنه يستحيل أن يكون مريدا للشيء كارها له.
والجواب: أن ما2يستحيل ويتنافض أن لو قلنا إنه أمر به وأوجبه أو استحب وقوعه3، وكرهه وأما إذا قلنا بل نهى عنه وحرمه وجعله سيئه ومكروها في حق المنهي عنه وأراد4مع النهي عنه فلا يتناقض ولا يستحيل، كما أنه أراد خلق الكفار وإبليس وعلم أنهم يخالفون أمره فهو5يبغضهم ولا يحبهم، فإذا لم يستحل إرادته لخلقه لهم مع بغضه لهم لم يستحل إرادته لأفعالهم مع كراهيته لها.
# 51- فصل استدل القدري بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ 1، والمحبة والإرادة واحدة لأنه لا يجوز نفي أحدهما وإثبات الأخرى2، فلا يجوز أن يقول قائل: أريد أن تأكل طعامي وما أحب أن تأكله، ولا أن يقول: أحب أن تأكل طعامي وما أريد أن تأكله، ولو قال ذلك لعد متناقصا وصار بمنزلة من قال: أريد أن تأكل طعامي وما أريد أن تأكله.
والجواب: أنا لا نسلم له أن المحبة هي الإرادة بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ3اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ 4، ومعلوم أنه أراد وجودهم وخلقهم، وإنما معنى أنه لا يحبهم أي لا يرضى عملهم أو لا يغفر لهم5، فيكون معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي لا يرضاه ربنا كقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ 6 أي لا يرضاه لهم دينا وإن أراد وقوعه منهم.
وأما قول هذا القائل: لا يجوز أن يقول: أريد أن تأكل طعامي وما أحب أن تأكله، فغير صحيح، فإن الإنسان قد يريد أكل طعام يبغضه7، ولا يحبه لعلة لا يقفها أكله.8
ذلك الطعام لقول1الطبيب الحاذق، ولا يحب أكله لمرارته أو معنى فيه، فكلما مضغه رجع من حلقه فيقول: أريد أكله ولا أحب أكله بل أبغضه.
ويتصور2مثل ذلك فيمن عنده طعام يحتاج إليه لنفسه فيقول له: السلطان أو القاهر له إما أن أقتل ولدك أو تُطِعم هذا الطعام، فيرى أن بذله للطعام أهون من قتل ولده، فتوجد منه الإرادة لأكل القاهر له الطعام لسلامة ولده مع محبته ألا يأكله لحاجته إلى طعامه، فثبت أن الإرادة غير المحبة وقد تقع الآكل3في أنملة إنسان ويقال له لا ينفعك إلا قطعها فيقول للطبيب: أقطعها، فقد أراد قطعها ولا يحبه ويكرهه فدل ذلك على بطلان ما أورده.4