يا أبا سعيد قوله عزوجل: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ قال1: ما أنتم عليه بمضلين إلا من قدر له أن يصلي2الجحيم.3
وعن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ4فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ 5 قال: "الشرك يخلقه الله في قلوبهم"6.
وروى تمام بن نجيح7أن رجلاً أتى الحسن البصري وأخذ بعنان دابته وقال: زعمت أن من قتل مظلوماً فقد قتل في غير أجله، قال: "فمن يأكل بقية رزقه يا لكع خل الدابة، قتل في أجله"، قال: فقال الرجل: والله ما أحب أن لي بما سمعت منك اليوم ما طلعت الشمس عليه.8
وروي عن الحسن البصري أنه قال: "الشقي من شقي في بطن أمه"9.
وعن عاصم10قال: سمعت الحسن البصري في موضعه الذي مات فيه يقول: "إن الله قدر أجلاً وقد معه مرضاً وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب بالقرآن فقد كذب بالحق"11.
وعن عوف1قال: سمعت الحسن البصري يقول: "من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، ثم قال: إن الله خلق خلقاً فخلقهم بقدره وقسم الآجال وقسم أرزاقهم بقدر والبلاء والعافية بقدر"2.
وقال أيوب3: "كذب على الحسن البصري صنفان: قوم دأبهم4القدر فكذبوا عليه أنه قدري لينفقوا قولهم بذلك.
وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض يقولون من قوله كذا 5، وليس من قوله كذا"6.
وروي عن علي7بن الحسين - رضي الله عنهما8- أنه قال: "إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله على ضعف رأيهم قالوا، لم، ولا ينبغي أن يقال لله لم"9.
وروي أنه جاء رجل من أهل البصرة فسأل عن محمد ابن علي بن الحسين بن علي10– رضي الله عنهم -11 فقيل هو ذاك الغلام قال: فجئت
إليه قال: فقلت يا سيدي: إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد فشى في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس وأريد أن أسالك عنه، قال: سل، فقلت: أحببت الخلوة، فقام ومشى معي حتى خلا، فقال لي: سل، قال قلت: الخبر؟، قال لي: "اكتب علم وقضى وقدّر وشاء1وأراد ورضي وأحب"، قال: قلت زدني قال: فقال لي: هكذا أخرج إلينا سل، قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب علم وقضى وقدر وشاء وأراد ولم يرض ولم يحب، قال: قلت: زدني، قال: هكذا أخرج إلينا. قال الرجل: فرجعت إلى البصرة فنصب لي منبر في المسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت عليهم ما كتب، فرجع أكثر الناس.2
وروي أن رجلاً من الشيعة جاء إلى جعفر بن محمد الصادق 3،فقال: إن القدرية يقولون لنا إنكم كفار قال: فقال له: "اكتب عن الله لا يطاع قهراً، وإن الله لا يعصى قهراً، فإذا أراد الله الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت فإن عذب بحق، وإن عفا فبالفضل"4.
وروي أن رجلاً جاء إلى زيد بن علي بن الحسين5- رضي الله عنهم - فقال: يا زيد أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى قال له زيد: "أفيعصى عنوة"6.
وروي أن غيلان1قال لربيعة بن أبي2عبد الرحمن3: يا أبا عثمان أيرضى الله أن يعصى؟، فقال له ربيعة: "أفيعصى قسراً"4.
وروي عن محمد بن الحنفية5أنه قال: "من أحب رجلاً على عدل ظهر منه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن أبغض رجلاً على جور ظهر منه وهو في علم الله من أهل الجنة آجره الله كما لو كان من أهل النار"6.
قال إياس بن معاوية7لرجل من القدرية: "ما الظلم فيكم؟، قال: أن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت له: فإن لله كل شيء"8.
وقال وهب بن منبه9: "قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله فوجدت فيها كلها أن من وكل إلى نفسه شيئاً من القدر فقد كفر"10.
وقال يزيد بن زريع1لعمر بن محمد العمري2: "رجل يثبت القدر ويعلم بقلبه أنه مؤمن به ولم يتكلم فيه، أحب إليك أو رجل مؤمن يتكلم فيه، قال: لا، والله إلا من تكلم به حتى يتبين ضلالتهم"3.
وقال زيد بن أسلم4: "ما أعلم قوماً أبعد من الله عزوجل من قوم يخرجونه من مشيئته"5، ثم6قال زيد بن أسلم: "والله ما قالت القدرية كما قال الله عزوجل، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 7، وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ 8، وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ 9، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ 10، وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ 1 1. وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ 12".
وسئل الحسن البصري عن القدر؟ فقال: "إن الله تعالى خلق الخلق للابتلاء لم يطيعوه بإكراه ولم يعصوه بغلبة ولم يهملهم من الملك، وهو القادر على ما أقدرهم عليه، والمالك لما1ملكهم إياه، لأنه قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ 2.
فإنما يأتمروا بطاعة لم يكن الله مثبطاً لهم، بل يزيدهم هدى إلى هداهم وتقوى إلى تقواهم وأن يأتمروا بالمعصية فهو القادر على أن يصرفهم إن شاء، وإن خلى بينهم وبين المعصية فمن بعد إعذار وإنذار"3.
وقيل لمحمد بن واسع4: يا أبا عبد الله ما تقول في القدر؟، قال: "أقول إن الله إذا جمع الخلائق سألهم عما افترض عليهم ولم يسألوه عما قضى عليهم"5.
وقال رجل لإياس بن معاوية إلى متى يتوالد الناس ويموتون؟ قال: "إلى أن
يتكامل العدتان عدة أهل الجنة وعدة أهل النار، قال: صدقت"1.
وروي أنه اصطحب مجوسي وقدري، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تسلم، قال: إذا شاء الله أسلمت، قال له القدري: قد شاء الله أن تسلم ولكن الشيطان لا يدعك، فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما2فرجع القدري عن مقالته.3
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير4: "نظرت فإذا ابن آدم ملقي بين يدي الله تعالى وبين يدي إبليس، فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إلى إبليس"5.
وقال مطرف: "نظرت في هذا الأمر فإذا بدوه من الله، ونظرت فإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه؟ فإذا ملاكه الدعاء"6.
93- فصل شبهة لقدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ 1.
ولنا عن هذه الآية جوابان: أحدهما: ما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في تفسير هذه الآية ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ "يعني من فتح وغنيمة2فمن الله، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة ٍ﴾ أي من بلية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك"3.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ 4.
وأصل هذا أن المنافقين كانوا إذا أصابهم فتح وغنيمة قالوا: هذا من عند الله، وإذا أصابهم بلية وهزيمة قالوا هذا من محمد صلى الله عليه وسلم ومن شنآنه، فأخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ ببدر يعني وهي الفتح والغنيمة ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني القتل بأحد5﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، فأكذبهم الله وقال: قل يا محمد: قُل ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾، ثم قال بعد ذلك على وجه الإنكار
عليهم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ومعناه أفمن نفسك، فحذف ألف الاستفهام وهو مراد في الكلام لدلالة الحال1، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ 2. ومعناه ويقولون ربنا ما خلقت هذا باطلاً فحذف ويقولون لدلالة الحال عليه. والجواب الثاني: أن الآية تقتضي أن أفعال الطاعة خلق لله لأنه أضافها إلى نفسه، والقدرية يقولون إن أفعال العباد كلها في الطاعة والمعصية خلق للعباد، فإذا ثبت ذلك لله في أفعال الطاعة ولزمهم ذلك في أفعال المعاصي لأن أحداً لم يفرق بينهما.3
فأجاب المخالف القدري عن هذا بأن قال: إنما أضاف الحسنات إليه لأنه أمر بها وأرادها، ولم يضفها إليه لأنه خلقها، ولم يضف السيئات إليه لأنه لم يأمر بها ولم يردها ولم يخلقها.4
والجواب عن هذا أنه قد أضافها إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولا يمكن حمل إضافتها إلى نفسه هاهنا إلا على خلقه لهما وإرادته لهما لا على الأمر منه بهما، لأنه لا يأمر بالسيئات بالإجماع.
ثم قال القدري بعد ذلك: وأما قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فمن ذنب أذنبته نفسك.
وقد وافقت أيها المستدل أنه يوجد من النفوس ذنوباً لأجلها صار1يعاقب، وهذا تسليم منه، وقد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء.
والجواب عن قوله هذا أن يقال له: لا ننكر أن الذنب يضاف إلى المذنب لكونه مكتسباً والله خالق لحركاته فيه ويعاقب ويثاب على اكتسابه فيه لا على خلق الله، ثم نقول له: وقد وافقت أيضاً أن الله أنطق المستدل الذي أنطق كل شيء وحقيقة الإنطاق هو خلق الله المنطق فيه2.
94- فصل شبهة للقدرية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ 1 ولهم في الآية تعلقان: أحدهما: أنه نسب المشيئة إليهم في الإيمان والكفر. والثاني: أنه خيرهم بين الإيمان والكفر.2
ولنا على هذا جوابان: أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: "من شاء الله فليؤمن ومن شاء الله فليكفر"3.
والجواب الثاني: أن نسبة المشيئة إليهم لا يدل على أنها خلق لهم بل الله خالق لهم ولمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئته4، لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 5.
وأما قولهم إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر وحكمته.
فيقال لهم: لو كان هذا تخييراً من الله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو العتق لما خيرهم الله بذلك.6
وأما قولهم: إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر وحكمته. فيقال لهم: لو كان هذا تخييراً من اله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو العتق لما خيرهم الله بذلك.1
ويقال لهم2 المراد بهذا الأمر التهديد لا التخيير.3
فأجاب القدري عن هذا وقال: أما قول المستدل إنه تهديد فيدل على أن الكفر فعلهم، إذ لو لم يكن فعلاً لهم لما تهددهم به.
والجواب أن يقال: إنه تهديد بهذا كما يهددهم بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ4بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 5 ولم يخيرهم بالعمل وإنما توعدهم على العمل بغير بطاعة.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ6 قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ 7 الآية.
وكذلك توعدهم في هذه الآية8بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، فأضاف إليهم الإيمان والكفر لأنهما كسب لهم ومحل لخلق الله ذلك فيهم، كما أضاف الأفعال إلى الأرض والفلك لأنها محل لخلق الله ذلك فيها.
ثم قال9: وأما تعليق مشيئتهم بمشيئة الله فإنما علق مشيئتهم بمشيئته في الطاعات بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 1 0 وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ
اللَّهُ﴾ 1 بالمعاصي التي وقع فيها الخلاف.2
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وإن كان مذكوراً عقب الطاعة إلا أنه مستقل بنفسه تعم مشيئته في الطاعة والمعصية، ولأن الله تعالى قال في آية أخرى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 3 دل على أنه إذا لم يشأ الله ذكرهم4 له لم يذكروه.
وروي أن غيلان القدري سأل عمر بن عبد العزيز عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ 5.
فقال له عمر بن عبد العزيز: إقرأ آخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
فقال غيلان: "قد كنت يا أمير المؤمنين أعمى فبصرتني وضالاً فهديتني"، فلما كان زمن هشام بن عبد الملك6رجع إلى مقالته بالقدر، فقتله هشام ابن عبد الملك.7
وقد روينا8عن زيد بن أسلم أنه قال: "والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قالت الملائكة - إلى أن قال - قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ "9، وهذا تصريح منه بأن الله شاء من العباد ما وقع منهم من طاعة ومعصية.
وروى الربيع1أن الشافعي - رحمه الله - سمع قوماً يتجادلون في القدر فقال الشافعي: أخبر الله أن المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ 2.
وروي في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يفتح آخر الزمان باب من القدر لا يسده شيء، يكفيكم منه أن تقولوا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ 3 "4. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً وخلق فرعون في بطن أمه كافراً"5.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ1الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ 2، قال: "هم الكفار الذين خلقهم الله للنار وخلق النار لهم فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة"3.
وروى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت داعياً ومبلغاً وليس إلي من الهدى شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء" 4.
95- فصل روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله، وما أشركت بالله حتى يكون بدو شركها التكذيب بالقدر"1.
وروي عن عمرو بن شعيب قال: "كنت عند سعيد بن المسيب فجاءه رجل فقال: إن الناس يقولون إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال، قال: فغضب غضباً لم يغضب مثله، حتى هم بالقيام ثم قال: فعلوها ويحهم لو يعلمون.
أما إني قد سمعت فيهم حديثاً كفاهم شراً، قلت: وماذا2يا أبا محمد رحمك الله قال: حدثني رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون قال: قلت: يقولون ماذا يا رسول الله، قال: يقولون: الخير من الله والشر من إبليس، ويقرأون على ذلك كتاب الله ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاماً3قردة وخنازير، ثم يكن الخسف قل من ينجو منهم، المؤمن يومئذ
قليل فرحه شديد غمه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا لبكائه قيل يا رسول الله: ما هذا البكاء، قال رحمة لهم الأشقياء، إن فيهم المجتهد وفيهم المتعبد وليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعاً.
إن عامة من هلك من بني إسرائيل هلك بالتكذيب بالقدر، قيل يا رسول الله: فما الإيمان بالقدر؟، قال: أن تؤمن بالله وحده وتؤمن بالجنة والنار، وتعلم أن الله خلقهما قبل خلق الخلق، ثم خلق الخلق لهما، ثم جعل من شاء منهم للجنة، وجعل من شاء منهم للنار، وكل من يعمل على أمر قد فرغ منه وصائر لما خلق له"1.
وروي أن عيسى بن مريم لقي إبليس فقال له عيسى: "أما علمت ألا يصيبك إلا ما قدر لك، فقال إبليس: فأوف2بذروة هذا الجبل فترد منه، فقال: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده فخصمه"3.
روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قد مر رجل4بمكة في أول الإسلام وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذا الريح، فأبصر سفهاء من الناس ينادون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: مجنون، فقال: لو لقيت هذا الرجل، فلقيه فقال: يا محمد إني رجل إذا رقيت من هذه الريح يشفي الله على يدي
من شاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله نحمده ونستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً1عبده ورسوله أما بعد: فقال: أعد علي هؤلاء الكلمات فأعادهن، فقال: لقد سمعت قول السحرة وقول الكهنة وقول الشعراء وما سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغت قاموس البحر2أرني يدك لأبايعك على الإسلام قال: وعلى قومك، قال: وعلى قومي " أخرجه مسلم في صحيحه.3
روى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه4قال: "شهدت عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان أراني أُبَلَّغُ عنك (ويحك يا غيلان أراني أُبلغ عنك، ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك) 5 أحقاً ما ابلغ عنك، فسكت، فقال: هات فإنك آمن فإن يكن الذي تدعو الناس إليه حقاً فأحق من دعى إلى الله الناس نحن، فسكت طويلاً، فقال له عمر: تكلم فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل، ولم يكلف نفساً إلا ما آتاها، ولا يكلف6الله المسافر صلاة المقيم، ولا يكلف الله المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الله إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ وقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾.
فلما فرغ من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله تعالى: ﴿يس7
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
أنت تزعم يا غيلان -كلاماً سقط من الكتاب1- فأسكت غيلان لا يجيبه، فقال: ما منعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان، فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال عمر: اللهم إن كان عبدك صدقك فوفقه وسدده، وإن كان كاذباً أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن نصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به2، فلم يتكلم زمن عمر، فلما كان يزيد بن عبد الملك لا يهتم بهذا3ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام بن عبد الملك تكلم وأرسل إليه فجاء، فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر ألا تتكلم بشيء من هذا أبداً؟، قال: أقلني فوالله لا أعوده، فقال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم: قال: اقرأ، فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: قف على ما استعنته على أمر بيده لا يستطيعه أو على أمر بيدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه4فحلت به دعوة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فبلغ إلى عبادة بن نُسي5ما فعل هشام مع غيلان فقال عبادة: أصاب فيه والله
القضية والسنة، والأكثرين إليه ولأحسن رأيه"1.
وكذلك رجاء بن حيوة2كتب إلى هشام بن عبد الملك: "بلغني يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسك شيء من قبل3غيلان وصالح4فوالله لقتلهما أفضل من القتل5في الروم والترك6". عن حكيم بن عمير7قال: قيل لعمر بن عبد العزيز إن قوماً ينكرون من القدرشيئاً، فقال عمر - رضي الله عنه -: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا، فقال قائل: هيهات، هيهات يا أمير المؤمنين لقد اتخذوه ديناً، يدعون الناس إليه، ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تُسَل ألسنتهم من أقفيتهم سلاً، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار"8.
روي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: "طريق مظلم لا تسلكه"، فقال له: ما تقول في القدر؟ قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: ما تقول في القدر؟ قال: "سر الله فلا تكلفه"9.
وقال طاووس لرجل: "إن القدر سر الله عزوجل فلا تدخلن فيه".
ولقد سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام لما خرج من عند فرعون متغير الوجه، استقبله ملك من خزان النار وهو يقلب كفيه متعجباً لما قال له الروح الأمين: إن ربك عزوجل أرسلك إلى فرعون مع أنه قد طبع على قلبه فلا يؤمن1، قال جبريل2: فدعائي ما هو؟ قال: أمض لما أمرت، قال: صدقت ثم قال: يا موسى نحن اثنا عشر ملكاً من خزان النار قد جهدنا أن نسأل في هذا الأمر، فأوحى الله إلينا أن القدر سر الله فلا تدخلوا فيه"3.
وفي هذا كله إبطال لما أورد هذا القدري وبيان لمن نور الله بصيرته.
96- فصل قد ذكرنا أن الله سبحانه يوصف بأنه متكلم.1
وقالت الجهمية والمعتزلة والقدرية: لايوصف الله بأنه متكلم.1
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ 2، فأخبر الله تعالى أنه كلم موسى، وأتى بالمصدر توكيداً ليدل أنه كلمه بغير رسول ولا ترجمان، لأن الإنسان إذا قال: ضربت زيداً جاز أن يكون ضربه بنفسه، وجاز أن يكون ضربه غيره بأمره له، فإذا قال: ضربت زيداً ضرباً، كان ذلك خبراً عن ضربه له بنفسه.
ويدل على ما قلنا ما أخبر الله سبحانه عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين كسر أصنام قومه – إلى قوله3- ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما قال إبراهيم فقال بعضهم لبعض ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُون ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ يقول رجعوا إلى أمرهم الأول4بالشرك وقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ 5.
والنطق عبارة عن الكلام، فدل على أن الكلام غير مستحيل من الله، إذ لو كان مستحيلاً منه الكلام لكان دليل إبراهيم منقلباً عليهن ولكان للكفار إلى إبطال حجته دليل بأن يقولوا: فإن إلهك الذي تدعونا إليه لا يوصف بالكلام أيضاً.
دليل ثان يقال: من أنكر أن يكون الله متكلماً، فإنه ينكر تصور الرسول منه لأن معنى الرسول هو المبلغ لكلام المُرسِل إلى المرسَل إليه، فإذا قال الرسول: أرسلني إليكم من لا يتكلم كان1كما لو قال أرسلني إليكم الجبل أو الماء.
دليل ثالث: أن الخرس آفة ولا يجوز أن يوصف الله بالخرس، وإذا لم يوصف بالخرس تعين وصفه بالكلام لأنه ضد الخرس، كما أن الله سبحانه يوصف بالوجود لأن الوجود ضد العدم ولما لم يوصف بالعدم تعين وصفه الوجود.
فإذا تقرر هذا فإن كلام الله هو القرآن، وهو هذه السور التي هي آيات لها أول وآخر، وهو القرآن المنزل بلسان العرب تكلم الله به بحروف لا كحروفنا وصوت يسمع لا كأصواتنا، وهو صفة لله قديم يقدمه غير مخلوق.2
مفقود
وقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق1ولا يتصور على أصلهم2أن ما يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من الشعر والنثر وسائر الكلام.
وقالت الكلابية........................................................................................
والأشعرية1: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم وهذه الحروف والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاماً حقيقة بل مجازاً أو توسعاً.
والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق.2
وزعم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق وهم الواقفة.1
وقد كان سبق لي قبل هذا الاستدلال بكتاب مختصر في هذه الرسالة في الرد على الأشعرية والقدرية2، وأنا أعيد من ذلك ما يتضح به الحق لمن هداه الله إلى الرشد.
وأقول: الدليل على أن القرآن غير مخلوق، وأن الله تكلم بالحروف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 1.
فأخبر سبحانه أنه خلق الأشياء بقوله تعالى ﴿كُن﴾ وهما حرفان، فلو كان قوله وهو ﴿كُن﴾ مخلوقاً لاقتضى أن يكون مخلوقاً بـ ﴿كُن﴾ أخرى، وكذا2﴿كُن﴾ الثانية تقتضي أن تكون مخلوقة بـ ﴿كُن﴾ إلى ما لا نهاية له. وهذا يؤدي إلى المحال.3
ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ 4 والأمر هو القرآن بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ 5، ففرق سبحانه بين الخلق والأمر. فلو كان القرآن مخلوقاً لكان خلقاً، لأن المخلوق هو الخلق، والخلق هو المخلوق ولكان المعنى في الآية ألا له الخلق والخلق، وهذا خلف في الكلام.6
ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ َ7، والبيان هو القرآن8بدليل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ 9، فأخبر الله أنه خلق الإنسان وأنه علم البيان، ولم يصفه بأنه خلقه،
وقد ذكر الله الإنسان في القرآن في ثماني عشر آية وإجرائه خلقه، وذكر القرآن في أربع وخمسين آية ولم يذكر في شيء أنه خلقه. ومن الدليل لنا قوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ 1 وروى المفسرون عن ابن عباس أنه قال: "تأويله غير مخلوق"2. ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ 3 وما كان من الله فهو غير مخلوق.4
ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ 5.
فأخبر الله سبحانه أن كلماته لا تنفذ والمخلوقات تنفذ وتفنى، وتصديق ذلك ما روى في الصحاح أن الله يقول حين يفنى الخلق يقول الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيب الله بنفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ 6.
وسأل رجال أبا الهذيل العلاف المعتزلي عن القرآن، فقال: مخلوق، فقال له: يموت أو يخلد، قال: لا، بل يموت، قيل له فمتى يموت القرآن، قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، قيل: فقد أخبر الله سبحانه أه يقول بعد أهل الدنيا: لمن الملك اليوم، وهذا هو القرآن، فقال: لا أدري وبهت.1
ومن الدليل على مما قلناه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعو ومن قال إنه مخلوق فهو كافر"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "يا معاذ العرش والكرسي وحملتهما والسموات السبع وسكانها والأرضون وسكانها إلى الثرى الأسفل إلى الريح الهفافة إلى ما انتهت إليه لمخلوق ما خلا القرآن فهو كلام الله"3.
. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي1أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو يخطب على المنبر ويقول: "إن هذا القرآن كلام الله فلا أعرفن ما عظمتموه على أهوائكم، فإن الإسلام قد خضعت له رقاب الناس فدخلوه طوعاً وكرهاً قود وضعت لهم السنن فاتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم اعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه"2.
وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال في التحكيم لما أنكر عليه فيه "إني لم أحكم مخلوقاً وإني حكمت القرآن"3.
وهذا كان منه بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد قوله بل قال شاعره: أيها الحاضرون إن علياً لم يحكم في دينه مخلوقاً... إنما حكم القرآن وقدكان بتحكيمه القرآن حقيقاً4وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: "ليس بخالق ولا مخلوق"5.
وروي عن عكرمة قال: كان ابن عباس - رضي الله عنه - في جنازة فلما وضع الرجل في لحده قام رجال فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: "مه القرآن منه"6.
وقال ابن عمر - رضي الله عنه -: "القرآن كلام الله غير مخلوق"1.
وروي عن حنظلة بن خويلد العنزي2أن قال: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي فلما أشرفنا على السدة3إذ نظر إلى السوق فقال: "اللهم إني أسألك خبرها وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها"، فمر برجل يحلف بسورة من القرآن أو آية، فغمز عبد الله بيدي فقال: "أتراه مكفراً أما إن كل آية فيها يمين"4.
والكفارات لا تجب إذا حلف بمخلوق.
وقال عمرو بن دينار5: "أدركت تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر"6
وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: "أدركت مشائخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود"1.
وكتب ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور2يسأله عن أشياء فسأله عن لا إله إلا الله أهي خالقة أم مخلوقة، فكتب إليه أبو جعفر: "ليست خالقة ولا مخلوقة ولكنها كلام اللهعزوجل "3. وسئل جعفر بن محمد عن القرآن أخالق هو أو مخلوق؟ فقال: "لو كان خالقاً لعبد، ولو كان مخلوقاً لنفد هو كلام الله"4.
وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً يقولون من قال القرآن مخلوق فامرأته تطلق5بتة، قيل له: ولم ذلك؟، قال: لأن امرأته مسلمة والمسلمة لا تكون تحت كافر"6.
ولقد لقي ابن المبارك جماعة من التابعين مثل: سليمان التيمي7وحميد الطويل8وغيرهما، ولم يكن وقته رجل مثله وأكثر طلباً لعلم وأجمعه
له ولعله يروي عن ألف شيخ من أتباع التابعين.1
وروى الربيع عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق" وقال لحفص الفرد2حين قال بخلق القرآن: "كفرت"3.
قال مالك: من قال بخلق القرآن فهو زنديق يقتل"4.
وقال الليث بن سعد: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر5ومن لم يقل هو كافر فهو كافر".
ولو ذهبت إلى ذكر من قال بهذا من التابعين والعلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم لطال الكتاب6، وفيما ذكرته مقنع لمن طلب القدوة بأهل الحديث.
ومن الدليل على ما قلناه أن يقال لهم: لو كان القرآن مخلوقاً لم يخل إما أن تقولوا إنه خلقه في غير محل، أو خلقه في نفسه، أو خلقه في غيره.
فبطل أن يكون خلقه في غير محل لأنه صفة والصفة لا تقوم بتفسها، وبطل أن يكون خلقه في نفسه إذ يستحيل أن تكون نفسه سبحانه محلاً للمخلوقات.
وبطل أن يكون خلقه في غيره إذ لو كان كذلك لوجب أن يشق لذلك الجسم الذي خلق فيه الكلام اسم من أخص أوصاف الكلام اللازمة له
لنفسه وأخص الكلام1أنه كلام ذلك الجسم، ويكون ذلك الجسم هو القائل ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وإذا بطل ذلك كله ثبت أنه غير مخلوق، بل هو صفة لذات الله سبحانه.2
97- فصل إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن العربي السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفراً يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وردوا على قوله المعتزلة والقدرية إنه مخلوق.1
إلا أن الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى عليه السلام2، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآناً،
وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى وقومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغه عيسى قومه12 فادعوا أن كلام الله غير القرآن وأن القرآن غير كلام الله.3
فقولهم إن القرآن غير مخلوق تلاعب وخلف من الكلام.
والدليل على أن هذا القرآن يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ 4 ولا خلاف أنه أراد حتى يسمع منك هذا القرآن فإن قبله ودخل في الإسلام فهو منكم، وإلا فأبلغه مأمنه.
ومن الدليل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ 1.
ومعلوم أن المشركين لا سبيل لهم إلى سماع ما في نفس الله من الكلام ولا إلى تبديله.
فتقرر بهذا أن المراد بهذا كله هو القرآن المتلو المسموع.
ويدل على ما قلناه قوله تعالى ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوه﴾ 2، والمراد بكلام اله في هذه الآية التوراة، ويدل على هذا أن المتلو يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
الآية إلى قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ 3، أي لا تغيير لما وعد الله أولياءه من كريم ثوابه.
وأما الدليل على أن هذا المتلو يسمى قرآناُ فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ 4.
فالذي تحدى الله العرب أن يأتو بمثله وجعله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم واخبر أنهم لا يأتون بمثله هو هذا القرآن والسور والآيات، فأما ما في نفس الباري من الكلام فلا سبيل للعرب، ولا لأحد من الخلق إلى سماعه، ولا إلى معارضته.
ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ 5.
فقال: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ وهذه إشارة إلى شيء موجود مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما في نفس الباري ليس بموجود معه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنذرهم بما يتلى في هذه السور والآيات.
وأيضاً فإنه قال: ﴿وَمَنْ بَلَغ﴾ وأراد من بلغه القرآن من غاب عني أو حدث
بعدي فأضمر الهاء والعرب تضمر الهاء في الصلات مع "من والذي وما" فتقول: من أكرمت زيداً، أي من أكرمته زيداً، والذي أكلت خبزاً، أي الذي اكلته خبزاً، وما أخذت مالك، الذي أخذته مالك.
ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ1فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ 2.
والذي سمعته الجن هو القرآن والسور والآيات دون ما في نفس الباري، ويدل على ما فقلناه أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى اله عليه وسلم القرآن سمعوه شعراً، وسموا النبي صلى الله عليه وسلم شاعراً، فأكذبهم عزوجل فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ 3، فسمى الله4ما سماه المشركون شعراً قرآناً وذكراً، هو هذه السورة والآيات. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 5، والاستماع لا يكون إلا إلى هذه السور التي هي حروف ولا يسمع إلا الصوت أيضاً، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 6 ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 7. وهذا يدل على أن القرآن هو هذه السور وأنه متبعض، لأنه قال: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ 8. وعند الأشعرية، أن القرآن لا تتبعض.9
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ