عن1إرسال الرسل ونزول الكتب من الله - وليت شعري - ما في العقل مما يدل على أن الصبح ركعتان والظهر والعصر زالعشاء أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات وأمثال ذلك في الشرع كثير.2
ثم أجاب المخالف القدري عن قولنا: إن الله خص بالهداية بعضهم بأن قال: الهداية منقسمة إلى معان تقدم ذكرها3منها: الهداية بمعنى البيان والدلالة فهذا عام لجميع المكلفين، وفي ذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ4فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ 5.
وهداية بمعنى الزيادة في التوفيق والتسديد وهي تختص بالمهتدين بأنفسهم6لأنها مشروطة بتقدم الاهتداء منهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ 7. وكذلك التي هي بمعنى الثواب فإنها تختص بالمستحقين.8
والجواب عن ذلك أن نقول: لا ننكر أن الهداية تصح بمعنى البيان والدلالة وهي المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم ودللناهم، فتكون الآية حجة لنا ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ونسبت
استحباب العمى إليهم لأنه كسب لهم، ولأنهم محل لخلق ذلك فيهم، ولم يرد الهداية التي هي اللطف والتسديد، لأنه لو هداهم لاهتدوا كما أخبر في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ 1.
وأما قوله: الهداية التي هي بمعنى الزيادة والتسديد وهي تختص بالمهتدين، فإذا وافقت أن الله يخلق الهداية في قلوب المهتدين ويكون ذلك إنعاماً منه عليهم وتفضلاً لاهتدائهم أولاً بأنفسهم، قلنا لك: فلا يمنع أن ينعم الله عليهم أولاً بخلق الهداية في قلوبهم، لأن الموصوف بالهداية في الاستدامة والانتهاء كان موصوفاً بابتداء الهداية لهم، ونقول: لولا هداهم الله أولاً لما اهتدوا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ2اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ 3 ويرد بالهداية هاهنا اللطف في4التسديد والتأييد الذي يختص بالمؤمنين، ويدل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ 5 ولا يمكن استعمال هذه الهداية على البيان والدلالة، بل هداية الإرشاد والتوفيق فقد خص بها من يريد.
وأما قوله: في الهداية التي بمعنى الثواب في الآخرة فلا دليل له على ذلك، ولا نسلم له احتجاجه على ذلك بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ 6 أنه أراد الثواب، بل المراد به: الإرشاد والتسديد بدليل قوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ وهذه صفة إنعامه عليهم في الدنيا، وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّة﴾ إخبار منه عن إنعامه عليهم في الآخرة، والنعم على العبد في الدنيا والآخرة من الله يختص بها من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 7 وقال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ 8 ولو كانت الهداية التي هي التوفيق والتسديد
عامة لجميه الخلق كما يدعي القدرية لما خصها وعلقها بمن يشاء له ذلك، ويدل على هداية الله للمؤمنين في الدنيا هداية التسديد قوله تعالى في الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار…﴾ 1 الآية ثم قال بعدها: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ الطيب من القول الشهادتان2﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وهذا لا يمكن حمله على ثواب الآخرة.3
61- فصل قال المخالف القدري: وأما الطبع والختم الذي أوردناه في الاحتجاج فهو العلامة على الشيء، كما يقال: طبع فلان الدينار والدرهم معناه أظهر فيهما من العلامات والنقوش ما يتميزان به عن غيرهما، ومعنى هذا أنه علَّم على قلوبهم علامة تظهر للملائكة يعرفون بها ما هم عليه من الكفر الذي يضمرونه.
أو يعلمون بها منزلتهم1في استحقاق الذم واللعن لينزلوهم2 منزلتهم من ذلك، ويكون في ذلك للملائكة ولمن علم به من المكلفين3، لأنهم متى علموا أنه من أضمر شيئاً من المعاصي ظهرت على قلبه علامة تشهد به4وتدل عليه كان أقرب إلى توقي الخبائث، هذا معتمد قوله ونكتته في الطبع.
قال: وكذلك الختم معناه ومعنى الطبع واحد وهو العلامة.5
والجواب: أن حمل الطبع والختم على القلوب على العلامة عليها من التأويل الذي قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾ 1 ومن الجدل في الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، لأنه على ذلك في لغة
العرب ولا في الشرع، ولا يقبل إلا من أعدمه الله العقل وأغفله عن ذكره.
والدليل على بطلانه أن العلامة في اللغة تسمى السيما1ولهذا قال الله في علامة المؤمنين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ 2 وقال سبحانه في علامة الكفار يوم القيامة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ 3 وسيماهم اسوداد في وجوههم وزرق في أعينهم4، وقال في علامة الفقير: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ 5 يعني بعلامة الفقر، فإذا صح في السيما وهي العلامة أن تسمى بهذه6المعاني مع اختلافها فيجوز على مقتضى هذا أن يسمى أثر السجود في وجوه المؤمنين طبعاً وختماً، لأن حقيقة الاسم لا يتغير ولا يختلف لاختلاف المحل المسمى به، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: إذا صح في اللغة والشرع أن يحمل الختم والطبع على قلوب الكافرين على علامة على قلوبهم يعرفهم7بذلك الملائكة ليستعملوا فيهم ما هم له أهل من اللعن والذم وينزلوهم بمنزلتهم التي يستحقونها فما المانع أن تسمى الهداية8والتنوير في قلوب المؤمنين طبعاً وختماً، ويحمل ذلك على أن الله جعل ذلك علامة على قلوبهم ليعرفهم بها الملائكة ليستمعلوا بهم ما ندبوا إليه من الصلاة عليهم والدعاء
لهم، ويستوي المسلم والكافر في هذه التسمية كما استويا في اسم السيما وهي العلامة على ما مضى وهذا لا يقبله عاقل.1
وأما استدلال المخالف على تأويل هذا بقوله: طبع الدينار والدرهم إذا جعل عليه علامة فلا يسلم له،2بل يقال: طبع الدينار والدرهم إذا ختم عليه بالطبع المنقوش عليه ويسمى الطابع والخاتم، والطبع والختم معنى واحد، وهو: التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه يسمى ختام الكتاب: خاتمة لتغطية ما في باطنه وصيانته عن نظر الناظرين إلى باطنه.3
والدليل على أن الطابع يستعمل في معنى الختم، ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليكن كتب في رق ثم طبع عليه بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة"4.
ومعناه: ختم على الكتاب بطابع.
والطبع في اللغة: الوسخ والدنس يغشيان السيف ثم يستعمل فيما يشبه5الوسخ من الآثام والأوزار6ومنه الحديث
عن النبي صلى الله عليه وسلم: "استعيذوا1بالله من طمع يهدي إلى طبع"2.
أي إلى دنس.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب" 3 أي يخلق عليها، ويدل على أن الختم هو التغطية والسد على الشيء قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ 4 أي تغطي أفواههم ويسد عليها، ولو كان الختم في اللغة هو العلامة لكانت العلامة على أفواههم هاهنا لا تمنعهم عن الكلام ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ 5 أفترى يحسن استعمال العلامة على الختم على قلوبهم هاهنا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ6يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك﴾ 7 أي يربط على قلبك فلا تدخله المشقة لأنه شق على النبي صلى الله عليه وسلم تكذيب قومه8وهو قوله
: ﴿يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ 1 حين زعم أن القرآن من عند الله، فهل يحسن2استعمال العلامة في شيء من هذا أو يقبله عقل؟ ويدل على أن المراد بالطبع على قلوبهم هو سدها وتغطيتها عن الهداية والإسلام قوله تعالى: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ 3 فأخبر أن الطبع أورثهم عدم الفهم، وهذا المعنى لا يوجد في العلامة على القلوب.
ويدل على صحة قولنا: ما روي أن قوماً من المنافقين حضروا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فلما خرجوا من المسجد قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفاً؟ يعنون الساعة4وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفقهوه، فأخبر الله عن أن المعنى الذي أورثهم عدم تفقههم5 قول النبي صلى الله عليه وسلم6فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي في الكفر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ 7، فنسب إغفال قلوبهم إليه، كما نسب الطبع على قلوبهم إليه، واتبعوا لذلك أهواءهم ونسب اتباعهم لأهوائهم إليهم، لأنه كسبهم ولأنهم محل لخلق الله ذلك فيهم.
ويدل على صحة قوله قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى
أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ 1 وقد قرأ بعض القراء (غشاوة) بالنصب فيكون تأويل الآية غطاءاً على قلوبهم فلا تفقه2وعلى أسماعهم فلا تسمع وعلى أبصارهم غشاوة3 فلا تبصر4، ولو كان المراد بالختم هاهنا: العلامة، لكانت العلامة على آذانهم وعلى أعينهم مشاهدة يدركها كل أحد كما يدرك العلامة على وجوههم وعلى أبصارهم يوم القيامة ويشاهدها كل أحد، فبطل أن يكون الختم والطبع هو العلامة. واستدل المخالف على تأويله بقوله تعالى: ﴿بَلْ5 طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ 6 فأخبر أن الإيمان بالطبع يحصل من قليل منهم.7
والجواب: أن هذه الآية حجة عليه، وأن الطبع: هو السد8والتغطية لأن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنون قلوبنا في أكنة: أي عليها الغطاء فلا نفقه ولا نفهم ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ أي ختم عليها بكفرهم: أي جعل ذلك مجازاة لهم على كفرهم، وقيل: لما سبق في علمه بكفرهم، وأما قوله: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾
يقول ما أقل ما يؤمنون البيتة، ويجوز أن يكون المراد فلا يؤمنون إلا قليلاً ممن أراد الله منه الإيمان فأزال الطبع عن قلبه1لأنه قال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ 2.
63- فصل يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحداً بالهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهل ساوى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل وأبي لهب بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى عليه السلام وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن أصلهم الفاسد أن1يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ 2 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه علما"3، وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ 4، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة5 بالجنة، فكيف يتصور عاقل أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه في اللطف
أن الله سوى بين قلب من قال فيه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ 1 وبين قلب من قال الله فيها وهي أم موسى صلى الله عليه وسلم: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2، ومثلها قوله تعالى في أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ 3 وهل يتصور التسوية بين من قال الله فيهم: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ 4 وبين من قال فيهم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ 5 وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ 6.
ويقال للمعتزلة والقدرية: قلتم إن الله لم يخص أحداً بالعلم والإيمان ولكنهم آمنوا بأنفسهم فأين أنتم من قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ﴾ 7 وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة﴾ 8، وقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ 9، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ 10، وقال: ﴿عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ 11، وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ 12 فلو كان الإنسان علم نفسه، أو لم يخص أحداً بإيتاء الإيمان والحكمة، أو سوى بين الخلق بذلك لم يكن لذكر تخصيص الله بمن ذكر ممن ذكر معنى.
63- فصل يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحداً بالهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهل ساوى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل وأبي لهب بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى عليه السلام وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن أصلهم الفاسد أن1يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ 2 قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه عل ما"3، وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ 4، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة5 بالجنة، فكيف يتصور عاقل أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه في اللطف
والهداية إلى الإيمان به1لم يحكم أحد ممن له أدنى فطنة في الفقه بطلاق امرأة2من حلف، بل الذي لا شك فيه ولا مرية عند من له فهم ودراية في الفقه أن رجلاً لو قال: امرأته طالق ثلاثاً لقد ضل الله من يقول إن الله لم يساو بين الخلق في الهداية والإيمان على من قال إنه ساوى بينهم بذلك لم يحكم عليه بطلاق امرأته، لأن على ذلك أدلة قطعية من الكتاب والعقل.
ولو حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أن القدرية هم الذين يقولون: إنهم يخلقون أفعالهم دون من يقول إن الله خلق أفعالهم لم يحكم بطلاق امرأته على قول جميع الأئمة الذين جعل الله جميع أهل الأرض تابعين لهم وجمع هممهم على ذلك وهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأهل الظاهر ولم يخرج عن هؤلاء إلا من لا يعد قوله خلافاً.
استدل المخالف بقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ 3.
والجواب: أن نقول لا شك أن الله سبحانه قدر أفعال الشر على يد إبليس وخلقه سبباً للشر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس"4، وروي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قال الله عزوجل: أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر وقدرته على يدي من يكون فطوبى لمن خلقت الخير على يديه وويل لمن خلقت الشر على يديه"5.
ومن أشنع ما شهد به هذا المخالف على نفسه قوله:
إن الله خلق إبليس للعبادة.1
فيقال له: قل إن الله خلق إبليس لما خلق له جبريل وميكال ولما خلق له النبي صلى الله عليه وسلم من العبادة ولطف به في الهداية إلى معرفته وطاعته كما لطف بهؤلاء، ولم يفضلهم عليه إلا بالنبوة.
وهذا قول يشهد على قائله بالشناعة، فليت شعري من المراد بقوله2تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ 3، إن كان إبليس لم يخلق لجهنم؟! وأما تمويهه بتأويل4هذه الآية فلا يقبله من أنعم الله عليه بشيء من العقل وسيأتي بيان فساده.5
64- فصل قال المخالف القدري: وأما استدلال المستدل بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ 1.
فقد اختلف في تفسيره فمنهم من قال: إن الكفار كانوا إذا سمعوا تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن في صلاة الليل في الحرم أيام كان بمكة في أول الإسلام رجموه وآذوه فأراد الله منعهم من ذلك فألقى عليهم النوم والأمور المانعة من السماع للكلام والفهم له فسمى ذلك حجاباً مستوراً ووقراً في الآذان وأكنة على القلوب وهو قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾ 2.
ومنهم من قال: إنما ذكر الله ذلك على جهة التمثيل ممن هو على هذه الصفة كما سماهم عمياً وبكماً وصماً، وإنما أراد أنهم3بمثابة من هو كذلك وإلا فقد علمنا أنهم لم يكونوا كذلك حقيقة بل كانوا يبصرون ويسمعون ويعقلون أكثر الأشياء، فعلى أي التأويلين حملنا ما أورده4المستدل لم يكن فيه حجة.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: صحة قولك في التأويل فرع على صحة قولك في التنزيل، فإذا كان قولك في التنزيل غير صحيح وهو أنك لا تقر بأن هذا القرآن كلام الله حقيقة وإنما تطلق ذلك في احتجاجك لتغر العوام أنك تحتج بكلام الله وأن لك تأويلاً صحيحاً، وحقيقة قولك الذي تعتمد
عليه أنه لا كلام لله حقيقة فكيف يقبل منك التأويل، ثم يقال: عمن تروي هذا الاختلاف في التأويل من أهل التفسير، والمشهورون في تفسير القرآن من الصحابة علي وابن عباس وأبي بن كعب وابن مسعود، ومن التابعين أبو العالية1ومجاهد وعكرمة2وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار3مولى بني أسد4وطاوس5وعلي بن عبد الله بن عباس6وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي7وأبو مالك الغفاري.8
قال مجاهد: "قرأت القرآن على
ابن عباس ثلاثين مرة من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية فأسأله عنها وعمن نزلت فيه"1.
وقال أبو الجوزاء: "أقمت بالمدينة ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة فسألت ابن عباس عن كل آية في القرآن ظهرها وبطنها وفيمن نزلت"2.
وقال طاوس: "صحبت ابن عباس أربعين سنة وأدركت سبعين شيخاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا بدروا3في أمر انتهوا فيه إلى قول4ابن عباس"5.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس وقال: "اللهم علمه التأويل والتنزيل وفقهه في الدين واجعله من عبادك الصالحين" 6، ولم يذكر في كتب
هؤلاء1الأئمة شيء من هذه التأويلات التي أوردها هذا المخالف، وإنما ذلك من تخيلات المعتزلة والقدرية وتأويلاتهم الفاسدة التي يرومون بها صرف القرآن عن ظاهره الذي يشهد على بطلان مذهبهم الفاسد، والذي ذكره المفسرون المعتمد على تفسيرهم من الصحابة والتابعين أن الأكنة على القلوب: هي الغشاوة والأغطية عليها، وهي معنى الختم والطبع عليها عن الإيمان الهدى بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه﴾ وهذا يراد به عدم فقههم وفهمهم2 لمعاني القرآن المودعة في القرآن3، ولو كان المراد به ما ذكره المخالف من منعهم من أذى النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لذكر فقههم معنى، ولقال: أن يسمعوه.
ويدل على بطلان تأويله أن النوم وغيره من الموانع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم لا تسمى أكنة على القلوب ولا وقراً في الآذان، بل تسمى شاغلاً ومانعاً عن الأذى، وهذا المعنى الذي ذكره معلوم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ 4 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه إلى أصحابه بالليل وقال: "يأيها الناس انصرفوا5فقد عصمني الله من الناس"6.
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ 1.
ومعنى الآية أن الله يسمع الإيمان من يشاء من خلقه أن يفقههم ويفهمهم، وما أنت بمفقه2الكفار الإيمان الذين هم بمنزلة من في القبور3، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لآسْمَعَهُمْ﴾ 4 يعني لأعطاهم الإيمان5﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج في صدورهم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لما سبق عليهم في علم الله أنهم لا يؤمنون.
وأما قول المخالف: إنما ذكر ذلك على جهة التمثيل فإنما يحسن هذا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ أي هم6 بمنزلة من في القبور، وأما قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّة﴾ في مواضع كثيرة من القرآن فلا يصح7؛
لأنها كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظا﴾ 1 وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ 2 ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ 3، فخلق كل قوم لما لم يخلق له الآخرين، فمن قال: إن الله لم يجعل على قلوبهم أكنة وإنما شبههم به فقد رد على الله خبره وصرف الكلام إلى غير ظاهره لغير ضرورة ولا معنى يدل على ذلك.
65- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍِ﴾ 1 وأخبر سبحانه أنه عم جميع الخلق بالدعاء إلى دار السلام2وهي الجنة، وأخبر أن الهداية منه إلى إجابته خاصة لبعضهم.3
فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا عموم في هذا لأن قوله: (يدعو) فعل مستقل، والعموم أحد أقسام الأسماء ولا يدخل في الأفعال، وأما قوله: فإن الهداية إلى الإجابة خاصة لبعضهم فليس في الآية ما يدل على تخصيص بعض المكلفين بالهداية دون بعض، فإن أكثر ما فيها أنه يهدي من يشاء وليس فيها بيان من يشاء هدايتهم، فيحتمل أنه يريد الهداية العامة فيكون تخصيصاً للمكلفين جميعاً دون من لم يشأ تكليفه كالمجانين ومن شاكلهم، ويحتمل أنه يريد الهداية التي تختص بالمؤمنين وهي الزيادة في التوفيق والتسديد أو الثواب على ما مضى.4
والجواب أن يقال له: أما قولك بأنه لا عموم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام﴾ لأنه فعل5فهذا يدل على إفلاسك من العربية وجهلك بأقسام العموم.
والمعنى فيما ذكر أنا لا ننكر أن قوله (يدعو) فعل مستقل يتعدى إلى مفعول وهم الخلق المدعون إلى دار السلام، والسلام: هو اسم من أسماء
الله تعالى كقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ 1 فهو يدعو عباده إلى داره وهي الجنة، ويجوز أن يكون سماها دار السلام لأن من صار إليها سلم من الآفات والعذاب2، والدليل على صحة ما ذكرنا أن قولك: دعا يدعو من أفعال التي تتعدى إلى مفعول، فيفهم ذلك بالإطلاق كقولك ضرب وقتل، فلما حذف المفعول دل على أنه أراد دعاء جميع المكلفين3، فلما قال بعده: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍِ﴾ كان الظاهر أن الهداية منه إلى بعض من تقدم ذكره في الدعاء.
وأما قول المخالف: إنه أراد بالهداية هاهنا الهداية العامة فتكون لبعض المكلفين وهم العقلاء والبالغون.
فالجواب أنه لا يصح حمل الآية على هذا لأن المجانين والصغار غير داخلين في التكليف، فهم غير داخلين في عموم المدعين، لأنه لم يدع الخلق إلى دار السلام إلا بالتكليف، وهو: الإيمان به والشرائع، وهؤلاء غير داخلين في الخطاب العام، فيكون المكلفون مخصوصين بالهداية، وأيضاً فإن الهدى العام هو: البيان والدلالة، ولا يجوز أن يخص بالبيان والدلالة بعض الخلق دون بعض4، وإذا بطل هذا ثبت أن المدعيين إلى دار السلام هم جميع المكلفين الداخلين في واجبات التكليف، وأن الهداية إلى الإجابة خاصة منه لبعضهم.
وأما قوله: يحتمل أنه يريد بالهداية هي التي تختص بالمؤمنين من الزيادة في التوفيق والتسديد، فهذا غير صحيح لأنه علق ذلك على من يشاء ولم يخص به المؤمنين الذين اهتدوا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ 1 لا يختص به المؤمنون ولا الكافرون.2
وأما قوله يحتمل أنه3أراد بالهداية هاهنا الثواب في الآخرة غير صحيح، لأنا قد بينا أن حمل الهدى على الثواب لا يصح في اللغة ولا دليل عليه من الشرع4وعلى أنه لو صح أن الهدى يحمل على الثواب لم يعلقه الله بمن يشاء لأن الثواب يكون للمطيعين، وعندكم أن الله لو لم يثب المطيعين لظلمهم فلا يجوز تعليقه على مشيئته، وأيضاً فإنه قال في الآية: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍِ﴾ والصراط المستقيم قيل: "هو الإسلام"5، وقيل: "هو كتاب الله"6، وقيل: "هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره"7.
وقال ابن عباس: "هو طريق الجنة"8.
والصراط: "الطريق بلغة الروم"1 وهذا كله يدل على أنه لا يمكن حمل الهدى هاهنا على الثواب في الآخرة.
66- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ 1 فنسب الله سبحانه الإرادة في الهداية بشرح صدور المسلمين2إليه، ونسب الإرادة في إضلالهم وجعل صدورهم ضيقة حرجة إليه، وهذا كله أدلة على القدرية لا مخرج لهم عنها.
فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية وذلك لما بينا أن الهداية منقسمة إلى معان، أحدها: الثواب، والضلالة منقسمة إلى معان أحدها: العقاب3، فمعنى الآية من يرد الله أن يثيبه من المؤمنين يقدم له شرح الصدر الذي من جملة الثواب العاجل وزيادة اللطف لأجل الإسلام الذي فعله هو، فيكون عند الشرح أقرب إلى الاستقامة على ما هو عليه من الإيمان، ومن يرد أن يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر الذي هو جار مجرى العقاب على كفره، فيصير صدره ضيقا حرجا بما هو عليه من الكفر ليكون أقرب إلى الانتقال عن الكفر الذي هو سبب ذلك الحرج في الدنيا والعقاب، وقد دل على أنه أراد بذلك عقابهم بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
والرجس هو العقاب فأخبر أنه جعل عليهم الرجس لما لم يؤمنوا.
والجواب أن الهدي يعود إلى معنيين: أحدهما: هدي بيان ودلالة، وهذا هو الهدي4لجميع المكلفين، وهو
الهدي الذي أخبر الله أنه هَدَى له ثمود، والهدي المضاف إلى الرسل. والهدي الثاني: هدي تأييد وتوفيق، وهو هدي الله للمؤمنين، وهو الهدي الذي لم يجعله الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى غيره من الرسل، بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 1 وهو المراد بالهدي في هذه الآية التي نحن فيها، يشرح له الصدر: أي يوسعها ويفتحها للإسلام.2
فأما ما ادّعاه المخالف: من أنه قد ورد في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِم﴾ 3.
والمراد به الثواب، وعلى هذا يحمل الهدى في هذه الآية فغير مستقيمة في لغة ولا شرع، وقد قرئ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقرئ: ﴿قَتَلُوا﴾ بفتح القاف والتاء، أي قتلوا غيرهم وهم أصحاب بدر ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ 4 فيكون تأويل الآية على هذا: سيهديهم في الدنيا هداية التأييد والتوفيق5بدليل قوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمٍٍٍٍٍٍِِِْْْْ﴾ والبال هاهنا: هو سعة الرزق في الدنيا، وقيل عبر بالبال عن القلوب بدليل قول العرب: لم يخطر هذا على بالى6أي على قلبي، ونقول لغيرك: اجعلني واجعل حاجتي على بالك، أي على قلبك7، وأما قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ فأخبر8عما يفعل لهم في الآخرة بعد إخباره عما يفعل لهم في الدنيا، فيكون تأويلنا هذا أولى من تأويلهم؛ لأن ذلك
يفيد الإخبار عن إنعامه عليهم في الدنيا والآخرة، وعلى ما ذكره المخالف يكون مكرراً عن معنى واحد؛ لأن الثواب هو الجنة والجنة هي الثواب، ومتى أمكن حمل الكلامين على فائدتين محددتين كان أولى من الحمل على فائدة واحدة مكررة.
وأما قراءة من قرأ ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف، وقراءة من قرأ ﴿قُتِّلُوا﴾ بالتشديد وهم قتلى بدر ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فإن تأويل الآية على هذا: سيهديهم في القبور عند المسألة منكر ونكير إلى القول الثابت بالتوحيد، وهو قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ 1 والقول الثابت: قول لا إله إلا الله، وهذا مما يرده القدرية ويجحدونه وينكرون عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، ويقولون إن الله لم يثبت الذين آمنوا وإنما هم ثبتوا أنفسهم.
والآية حجة عليهم2، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله.3
ثم أخبر بما ينعم به عليهم في الآخرة وقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قيل: طيبها لهم4، وقيل: يعرفهم منازلهم فيها5ويكون6في هذا التأويل حمل
الكلام على فائدتين محددتين على ما مضى.1
وأما قول المخالف: إن الضلال قد يراد به العقوبة2واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ 3 فغير مسلم له، بل نقول: المراد بهذه الآية أن المجرمين في ضلال من الدين، وسعر يعني بعداً من الحق، وقيل: في شغل وعنا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: "هذه الآية أنزلت في أناس يكذبون بالقدر"4 ويدل على صحة هذا التأويل إخبار الله عن ثمود وهم قوم صالح في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ 5 وأرادوا وصف أنفسهم في هذا الحال، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 6 وأراد وصف المنافقين بالفسق، وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ 7 فأثبت الخلق لنفسه ونفى الخلق عن غيره ثم قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فوصف من أثبت الخلق لغير الله سبحانه بالظلم وأنهم في ضلال مبين، وأراد في ضلال من الدين، مبين أي بين، وهذا كوصف الله المجرمين أنهم في ضلال8، وسعر أي في عناء أو في بعد من الحق.
وأما استدلاله على تأويله بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ 9 فلا
يدل على أنه أراد وصفهم بالضلال يوم يسحبون وإنما أخبر سبحانه عما يصنع بهم في الآخرة فقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ فحذف يقال لهم لدلالة الكلام عليه1، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 2 أي يقال: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وأما قول المخالف: إن شرح صدور المؤمنين من الله من جملة الثواب على الإسلام الذي فعلوه فيه3، فيقال لهم: هل شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا أو بعد أن يسلموا؟ فإن شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا فكيف أثابهم على فعل شيء لم يوجد منهم؟ وإن قلتم: إنه شرح صدورهم بعد أن أسلموا قيل لهم: زاد إيمانهم بهذا الشرح أو لم يزد؟ فإن لم يزد إيمانهم بذلك فما أفاد هذا الشرح فائدة إذا لم تظهر له فائدة.
وإن قلتم ازداد إيمانهم4بهذا الشرح أدى ذلك إلى إبطال قولكم إن الإيمان لا يزيد.5
ثم يقال لهم: أيثيبهم الله على هذه الزيادة التي كانت من الله لهم بشرح صدورهم أم لا؟ فإن قلتم: لا يثيبهم عليها، قلنا: فلا فائدة منها ولا وجه لامتنان الله بذلك عليها، وإن قلتم بل يصيبهم الله عليها كما يثيبهم على ما خلقوه لأنفسهم قبل ذلك، قلنا لهم وكيف يثيبهم الله على شيء خلقه6فيهم كما لا يثيبهم على خلقه لألوانهم وصورهم؟، وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن
يكون إيمانهم شيئاً واحداً بعضه خلقوه لأنفسهم، وبعضه خلقه الله فيهم وقد نفى الله أن يكون له شريك فيما خلق.
وأما قول المخالف: إن بهذا الشرح يكون المؤمن أقرب إلى الاستقامة على ما هو عليه من الإيمان، فيقال له: فهل علم الله أن هذا المؤمن يستقيم على إيمانه قبل الشرح لو لم يشرح صدره، أو علم أنه لا يستقيم؟ فإن علم أنه لا يستقيم لو لم يشرح صدره أدى ذلك إلى أنه أجبره على الاستقامة بالشرح وأدى إلى أنه لا يستحق الشرح1، وإن قلتم: بل علم أنه يستقيم قبل الشرح، قلنا: فلا فائدة بهذا الشرح، ثم يقال لهذا المخالف ولأهل مذهبه: إذا جاز في العقل والشرع أن يشرح صدور خلقه للإيمان ثواباً منه في الدنيا على ما كان منهم من الإيمان ويثيبهم على هذه الزيادة في الآخرة فما المانع لكم من أن تصفوه بأنه يبتدئ الشرح في صدورهم للإيمان تفضلاً منه وإنعاماً عليهم في الدنيا على غير عمل سبق منهم ويثيبهم على ذلك في الآخرة، وتقولوا كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 2، وكقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ3وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ 4 وقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ 5 وليس فضل أفضل من الإيمان، وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ 6 وهلا قلتم كما أخبر الله عن أهل الجنة إذ استقروا في منازلهم فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ 7 وتأويله الذي هدانا بالإسلام8إلى هذا الخير ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ فنفوا عن أنفسهم الاهتداء لولا
أن هداهم الله، وهذا يرد قول القدرية، وبمثل هذا أخبر الله عن أهل النار بقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة1﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ لدينه وطاعته ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ 2 لدينه فنسبوا الهداية إلى الله سبحانه، والهدى في هذا كله لا يحتمل إلا التأييد والتوفيق إلى الإسلام.
وروي أن الحسن بن علي – رضي الله عنه – قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت... "3 إلى آخر الكلمات.
وهذا الخبر مما تلقته الأمة بالقبول، وعمل به الأئمة الأعلام4وهو موافق لما أمر الله عباده أن يدعوه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ 5
أي أرشدنا الطريق وعرِّفناه وثبتنا عليه، وقيل معناه وفقنا وسددنا1فدل على أن الهداية من الله، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل التراب يوم أمر2 بحفر الخندق وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا... وثبت الأقدام إن لاقينا3وهذا موافق لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ 4 ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ 5.
وأما تأويل المخالف لقول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ الآية بأنه أراد من يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر6، فقد بينّا أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقوبة7وإن سلّمنا له ذلك تسليم جدل لا تسلم نظر قلنا: فهل أراد عقوبته بإحراج صدره قبل وجود الكفر منه أو بعد وجود الكفر منه؟ فإن قال: أراد ذلك قبل وجود الكفر منه، قلنا: فقد وافقت أن الله أراد العقاب والكفر الذي نهى عنه قبل وقوعه8، وإن قال: أراد ذلك بعد
وجود الكفر من الكافر، قلنا لك: فقولك هذا يؤدي إلى أن الله خلق إرادته وأحدثها بعد أن1لم تكن، وهو سبحانه ليس بمحل لحوادث2، ثم يقال له أراد تلك الإرادة بإرادة قبلها أم بغير إرادة؟ فإن قال: بل بغير إرادة – ولا يقول إن له إرادة بالجملة3– قلنا: فيجوز وقوع الأفعال منه جميعاً وهو غير مريد لها فليس تقدم ما تقدم من الأشياء الحادثة بأولى من تأخرها، ومن قال: إن الله سبحانه خلق السموات والأرض ومن فيهن وهو غير مريد لخلقها أو لا إرادة له بخلقها يخرج من حيز العقلاء ويدخل في جملة البهائم والمجانين من بني آدم وقد سقط عنا جواب كلامهم فلا فائدة بالكلام معهم.
ثم نقول له مع ذلك: فهل بخلق الله الحرج في صدره ازداد كفره أو لم يزدد؟ فإن قالوا: لم يزدد، قلنا: فلا عقوبة إذاً، وإن قالوا: بل ازداد كفره، قلنا: فقد وافقت4أن الله خلق الكفر في صدور الكفار وهو كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ 5 وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ 6 وقد وجد الكفر في صدر الكافر، بعضه من خلق الكافر وبعضه من خلق الله، فهل يقدر الكافر على تمييز ما خلق في نفسه من الكفر عما خلقه الله فيه من الزيادة فيه؟ فإن ادعى مدّع أنه يقدر على ذلك ادعى البهت وعُلم خطؤه بذلك ضرورة، وإن قال: لا يقدر على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله قلنا له: فهو الخالق للجميع بدليل قوله تعالى: ﴿أَلا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ 1 وأيضاً فيقال له: فهل يعاقبه الله على ما خلق في صدره من الزيادة والحرج في الكفر في الآخرة كما عاقبه في الدنيا بزيادة الحرج؟ فإن قال: لا يعاقبه عليه، فلا عقوبة هاهنا أيضاً، وإن قال: بل يعاقبه على تلك الزيادة كما يعاقبه على الكفر الذي خلقه الكافر بنفسه.
قلنا: فقد وافقت أن الله عذب الكافر على ما خلق فيه فدخلت فيما أنكرت على خصمك.
وأما قول المخالف: إنما عاقبه بذلك2ليكون أقرب إلى الانتقال عن الكفر الذي هو سبب ذلك الحرج، فإن هذا كلام متناقض يشهد على قائله بقلة التمييز، فكيف يكون خلق الله الكفر بصدر سبباً داعياً له لانتقال الكفر؟ هذا كقول القائل: خلق الله الحركة في المتحرك علة أو سبباً للسكون أو خلق السكون علة للتحرك، وكان اللائق بمذهب المخالف وتمويهه أن يقول خلق الله الإيمان بقلب الكافر ليكون أقرب له إلى الانتقال عن الكفر الذي خلقه الله بقلبه ولكن لم يقبله قلبه، ولو قال هذا، قلنا: لو خلق الله الإيمان في قلبه لانتفى عنه الكفر؛ لأنهما لا يجتمعان معاً3، مع أنهم لا يقولون خلق شيئاً من أفعال العباد طاعة ومعصية، وإنما يقولون أراد وقوع الطاعة لا غير.
وأما استدلال المخالف على تأويله4هذا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ 5.
فالجواب: أنه لا حجة له بأنه جعل عليهم الرجس بعد أن لم يؤمنوا، وما تنكر أن يقول خصمك: بل جعل الرجس على قلوبهم فمنعهم عن
الإيمان كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ 1 وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ 2 مع أن الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل3، ويقال: الرجس المأثم ومنه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ 4 أي المأثم والكفر5، ومنه قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ 6 والرجس: العمل الذي يؤدي إلى العذاب7ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ 8 يعني اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.9
وإن حملنا الرجس في هذه الآية التي نحن فيها على المأثم والكفر وكل ما استقذر من العمل فهو حجة على الخصم لا له، وإن حملناه على اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة فهو عقاب من الله على ما سبق بعلمه وتقديره عليهم من الإضلال وجعله لصدورهم ضيقة حرجة.
67- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ 1.
فأجاب المخالف عن هذه بنحو أجوبته فيما مضى على أن المراد بالإضلال العقاب في الدنيا والآخرة2وبالختم العلامة على القلب.3
والجواب عن هذا: ما مضى على أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقاب4، ولا يستعمل الختم في موضع العلامة على القلب لما تقدم ذكره.5
ويقال له: هذه الآية6 نزلت في النضر بن الحارث السهمي، كان من المستهزئين7وكان يعبد الأوثان، فإذا رأى وثناً أحسن من الأول عبده وترك الأول8فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى
عِلْم﴾ 1 أي أضله الله عن الدين على علم، أي على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضال.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "علم قد علمه عنده"2، وقيل: "على علم أنه لا ينفعه ولا يضره) 3، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا يسمع4الهدى، وعلى قلبه فلا يعقل الهدى ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ يعني5 الغطاء ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ إذا أضله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ 6 وكقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ 7 ويدل على صحة هذا التأويل أنه أراد به إضلالهم عن الدين في الدنيا ما أخبر به عن قولهم بعد هذا8فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ…﴾ 9 الآية، أي وما يميتنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار ولا نبعث، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ 10 أنهم لا يبعثون11﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي ما يستيقنون.12
68- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الآيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ 1. (فامتن الله على المؤمنين بأنه حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان) 2، فلو كان فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه بذلك على المؤمنين معنى. فأجاب المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بذلك لأن عامة ما في ذلك أنه ذكر المؤمنين ولم يذكر الكفار، فإغفال ذكرهم لا يدل على أن حكمهم مخالف لحكم المؤمنين إلا عند من لا بصيرة له ممن تمسك بدليل الخطاب وهو باطل عندنا.3
وقوله: لو فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه على المؤمنين معنى، بل فيه فائدة من وجهين: أحدهما: أن المؤمنين أعظم انتفاعاً به من الكافر.
والثاني: أنه4 خصهم بالذكر تعظيماً لمرهم، وإن كان الكفار قد شاركوهم في ذلك، لأن الله تعالى إنما زين الإيمان في قلوب المؤمنين بما علق به من الأحكام الشريفة5والأسماء الحسنة والمدائح العظيمة في الدنيا، وبما وعد6 عليه من الثواب الجزيل، وقد اطلع الفار على ذلك ورغب الجميع غاية الترغيب وحسنه عند الجميع، ولذلك أسلم