الكتاب والسنة وإجماع الأمة والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ 1، وقال في آية أخرى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ 2، وقال في آية أخرى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ 3، وقال في ثلاث آيات من البقرة: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَة﴾ 4، ولا يجوز أن يقال قال الله ما لم يقله حقيقة. وأما السنة فالخبر الذي مضى ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" 5، وقد ذكره الغزالي في الإحياء وهو مشهور بالسنن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورتين. وأما الإجماع فإن أحداً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، وقد كان حدث الكلام في خلقه ولا يعرف أحد القرآن القائم بذات الله حتى أحدث ذلك ابن كلاب.6
وأما دليل العقل: فإنا نقول لهم لم قلتم: إذا كان القرآن سوراً وآيات وله 7 فواتح وخواتم كان مخلوقاً، فإن قالوا لأن هذا صفة الكلام المخلوق لبني آدم، قلنا لهم: هذا جمع بين الشاهد والغائب من غير دليل ومعنى موجب للجمع بينهما ولو كان هذا صحيحاً، قلنا: إن الله فاعل للأشياء
ورأينا في الشاهد أن كل فاعل جسم لا تجد فاعلاً غير جسم أن نقول بأن الله جسم لذلك1، وأيضاً فإن العقل إذا أدى إلى خلاف ما في الكتاب والسنة والإجماع وجب تقديم هذه الأدلة على العقل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 2، الآية.
وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ 3، وقد بينا أن القرآن والسنة والإجماع دل كل4واحد منهما5أن القرآن هو هذه السور والآيات6دون ما تدعي الأشعرية بعقولهم وتأويلهم الذي يؤدي إلى خلاف ذلك.
100- فصل وعندنا أن القرآن يرفع من المصاحف ومن الصدور، وأنكر الأشعري ذلك.1
والدليل على ما قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم من حفظ القرآن فعمل به وعلمه الناس، وهو كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رفع الله كلاماً أحب إليه من كلامه "3. وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "إقرأوا القرآن قبل أن لا تقدروا على آية منه"، فقيل وكيف نحن نعلمه أبناءنا وأبناؤنا يعلمون أبناءهم، فقال: "يسرى عليه في ليلة واحدة فينسخ من صدور الرجال والمصاحف فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه"4.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أقرأني سول الله صلى الله عليه وسلم آية فأثبتها في
مصحفي، فلما كان الليل جئت لأقرأها فلم أقدر على قراءتها، فعدت إلى المصحف فوجدت مكان الآية أبيض فأخبرت بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما علمت أنها رفعت البارحة "1.
101- فصل اللغة توقيف عن العرب1قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ 2، والأسماء على ثلاثة أضرب: ألقاب3كزيد وعمرو، وأسماء مشتقة كعالم وقادر وظالم، وأسماء وضعت للتمييز بين الأجناس كالبر والبحر وغير ذلك، والاسم مشتق من السمو والعلو.
وقال قوم: بل هو مشتق من السمة وهي العلامة.1
والصحيح هو الأول، لأنهم قالوا في تصغيره سُمَيْ والتصغير يرد الشيء إلى أصله. واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى أو غيره: فذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى أن الاسم للمسمى.2
وقال بعضهم هو صفة للمسمى. وقال بعضهم: هو علم للمسمى، والجميع واحد.3
وقال المعتزلة: الاسم غير المسمى.4
وقال أبو الحسن الأشعري: الاسم هو المسمى.5
ومنهم من قال: الاسم للمسمى.1
وقال بعض الناس: إذا خرج الاسم عن اللقب واسم الجنس فهو على قسمين: قسم هو المسمى كتسمية الأعيان المنفردة مثل قولنا شيء وموجود، وجوهر وحياة وعلم وقدرة وسواد وقديم ومحدث.
وقسم ليس هو المسمى وإنما هو معنى يقوم به، فيكون حكمه حكم ما قام به في إيحائه للوصف، وهو على ضربين: فضرب بني على المجاز، كقولهم فلان عدل مرضي يعنون به أنه عادل ومرضي.
والعدل والرضا في الحقيقة اسمان للفعل أجريا على الفاعل مجازاً، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ 2 أي فعل من آمن بالله.
والضرب الثاني: وضع للأشياء في الحقيقة، كقولك سواد وبياض وحمرة وصفرة لا سيما في الحقيقة إلا ما كان من جنسه.3واستدل من قال الاسم للمسمى بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ 4.
فأضاف الأسماء إليه بلام الاستحقاق والشيء لا يضاف إلى نفسه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الج نة"1.
فلو كان الاسم هو المسمى لكان لنا تسعة وتسعين رباً.
وأما الدليل على من قال إن الاسم غير المسمى أن يقال: لو كان كذلك لكان الله سبحانه غير مسمى في الأزل واحد فرد موجود لأن حقيقة الغير ما جاز مفارقته صاحبه2وإذا ثبت هذا فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: منها ما يرجع إلى ذاته كقولنا (الله موجود وشيء قديم).
ومنها ما يرجع إلى صفات ذاته كعالم وقدير وحي وسميع وبصير، ومريد، ومتكلم.
ومنها ما يرجع إلى صفات فعله كخالق، ورازق، وقابض، وباسط، وهذه الصفات لله سبحانه يستحقها في الأزل، وهو موصوف في الأزل بأنه سيخلق، ويرزق ويقبض ويبسط قبل أن يخلق ويرزق.3
وعند المعتزلة أن أسماء الله كلها مخلوقة.1
والدليل على بطلان قولهم لوكانت أسماؤه مخلوقة لم يخل إما أن يكون خلقها في ذاته أو في ذات غيره، أو لا في ذاته ولا في ذات غيره.
فبطل أن يكون خلقها في ذاته؛ لأن ذاته ليست بمحل للحوادث، ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمى أن يسمى من أحدثها فيه بشيء منها، فيسمى فرداً وصمداً، ولا يجوز أن يكون أحدثها بنفسها في غير ذات؛ لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها.
102- فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن عند أصحاب الحديث والسنة أن الله سبحانه بذاته بائن عن خلقه، على العرش استوى فوق السموات، غير مماس له، وعلمه محيط بالأشياء كلها.1
وقالت الكرامية1: إنه مماس للعرش.
وقالت المعتزلة: إن ذات الله بكل مكان حتى بالحشوش وأجواف الحيوان.1
قيل لبشر المريسي2فهو في جوف حمارك هذا؟ قال: نعم3، وهذا قول الحلولية4وهو كفر صريح لا إشكال فيه. وقالت الأشعرية: لا يجوز وصفه بأنه على العرش ولا في السماء.5
والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 6.
وروى الحسن البصري عن أم أن سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سئلت عن هذه الآية، فقالت: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار إيمان والجحود به كفر"1. وبعضهم ذكر أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.2
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ 3.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ 4.
وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ 5.
وقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ 6.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ 7.
والعرش فوق السماء فلذلك قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ 8.
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ 1، وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ 2، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ 3.
وروي عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله: إن لي جارية ترعى غنيمات لي وأنا أطلعتها يوماً اطلاعة، فوجدت ذئباً قد ذهب منها بشاة وأنا من بني آدم أسف كما يأسفون فصككتها صكة، فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت أفلا أعتقها، فقال: ادعها لي، فدعوتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ "، قالت: الله في السماء، قال: فمن أنا، قالت: أنت رسول الله، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة"4.
وروى أبو هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله: إن لي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟، فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعتقها "5.وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسولهن فتحت له ثمانية أبواب
الجنة يدخل من أي باب شاء "1. وقال صلى الله عليه وسلم: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء "2. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي"3.
وروى (جبير بن محمد بن) 4 جبير بن مطعم عن أبيه عن جده أنه قال: "إني لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابي فقال يا رسول الله: جهدت الأنعام وجاع العيال استسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما تقول سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد شأن الله أعظم من ذلك إنه لفوق سمواته وهو على عرشه "5.
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه إلى مشرك، ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته به"1.
وروي عن عبد الله أنه قال: "ما بين السماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة سنة، والعرش فوق الماء والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم"2.
وروي عن مجاهد أنه قال: "قيل لابن عباس إن ناساً يقولون بالقدر، فقال يكذبون بالكتاب لئن أخذت شعر أحدهم لأنصونه3إن الله على عرشه قبل أن يخلق شيئاً4، فخلق الخلق وكتب ما هو كائن إلى يوم
القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه"1.
وروي أن رجلاً جاء إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 2.
فما رأى مالك وجد من شيء كوجده من مقالته هذه وعلاه الرحضاء - يعني الورق - وأطرق ملياً فسري عنه، وقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"3.
وسئل ربيعة عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق"4.
وروي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اغفر لنا حوبنا وخطايانا رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع، فيبرأ" 5.
وروي أن حارثة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا مؤمن حقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ "، قال: كأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بالخلائق قد حشروا لفضل القضاء، واستوى عندي حجرها ومدرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عرفت فالزم"1.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن عبد الله بن رواحة كان نائماً مع امرأته في الفراش، فقام إلى جارية له في جانب البيت فاتاها، فانتبهت زوجته فطلبته فلم تجده، فقامت تطلبه فوجدته مع الجارية فرجعت وأخذت الشفرة فتلقاها، فقال: ما هذه الشفرة التي معك فقالت: لو وجدتك في الموضع الذي رأيتك فيه لوجأتك بها بين كتفيك، فقال: وأين كنت؟، قالت: مع الجارية، فقال: ما كنت معها، فقالت: بلى.
فقال: أليس قد نهى رسول الله صلى الله عليه سلم الجنب عن القراءة؟، قالت: اقرأ فأنشدها: شهدت بأن وعد الله حق... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد... ملائكة الإله مسومينا فقالت: صدق الله وكذب بصري، فغدى عبد الله بن رواحة على النبي
صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك كله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: "زوجتك أفقه منك"1.
ولقد قال أوس بن ثعلبة2قبل الإسلام قصيدة فيها: فإن تكن الأيام أبلين أعظمي... وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا رباً علا فوق عرشه... عليما بما نأتي من الخير والشر ولأن المسلمين مجمعون عند الدعاء على رفع أبصارهم وأكفهم إلى نحو السماء3فدل على صحة ما قلناه.
وروي عن عكرمة في قوله تعالى إخباراً عن إبليس ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ 4، قال ابن عباس: "ألم يستطع أن يقول من فوقهم علم أن الله فوقهم"5.
ويقال لهم: إذا لم يكن الله فوق العرش بمعنى يختص بالعرش كما قال أصحاب الحديث، وكان بكل مكان، فقولوا: إنه تحت الأرض والسماء
فوقها فهو تحت التحت وأنه فوق الفوق والأشياء تحته وهذا متنقاض، فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ 1، وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ 2.
فالجواب: أن المراد بالآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ أي من حديث بين ثلاثة إلا هو رابعهم بالإحاطة والعلم لا في العدد لأنه واحد لا من عدد ولا واحد في معناه3، وكذلك المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، يريد بالإحاطة والعلم لا بالذات والحلول. يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ الآية.. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فبدأ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المراد بذلك كله الإخبار عن علمه وإحاطته بهم في جميع هذه الحالات.4
فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾ 5 فأخبر أنه إله بكل واحد منهما.
فالجواب أن المراد بالآية أنه عند أهل السماء إله وعند أهل الأرض إله1كما يقال: فلان نبيل مطاع في العراق ونبيل مطاع في الحجاز، يعنون أنه نبيل مطاع فيهما وليس يعنون أن ذاته في العراق وفي الحجاز.
فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ 2 وبقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ 3.
فالجواب: أن المراد على أنه أراد بالحفظ والرعاية والنصر والتأييد مع الذين اتقوا ومع المحسنين ومع موسى وهارون صلى الله عليه ةسلم، فلا يقاس على هذا أنه مع الفساق والكفار4، ولا مع الكلاب والخنازير تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.5
وتأولت المعتزلة ومن تابعهم فول الله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على أن الاستواء هو الاستيلاء والقهر بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ولا دم مهراق1والجواب: أنه لا يقال هذا إلا لمن كان عاجزاً عن قهر شيء ثم قهره
واستولى عليه والله سبحانه قاهر ومستول على كل شيء.
وروي أن رجلاً سأل ابن الأعرابي1ما معناه قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: "هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه2استولى؟ فقال: اسكت ما أنت وهذا3ولا يقال استولى على الشيء أو يكون له فيه مضاد فإذا غلب أحدهما على الآخر قيل استولى أما سمعت قول النابغة: إلا لمثلك أو من أنت سَابِقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد4ولو كان ما ذكره صحيحاً لجاز أن يقال: إن الله مستو على الحشوش والأمكنة التي يرغب عن ذكرها لأنه مستول عليها، ولو كان كذلك لم يكن لذكره للعرش معنى.
وأما الأشعرية فقالوا: إذا قلتم إنه على العرش أفضى إلى أنه يكون محدوداً أو أنه يفتقر إلى مكان وجهة تحيط به وتعالى الله عن ذلك.5
والجواب: أنا وإن قلنا إنه على العرش كما أخبر بكتابه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم فلا نقول إنه محدود، ولا إنه يفتقر إلى مكان، ولا تحيط به جهة ولا مكان، بل كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، واستوى على العرش
بلا كيفية، ولم يخلق العرش لحاجة، بل كما حكي عن ذي النون المصري1لما قيل له: ما أراد الله بخلق العرش؟ فقال: أراد الله أن لا تتيه قلوب العارفين ولم يخلقه لحاجته إليه، فإذا قيل للعبد المؤمن أين الله؟ قال: على العرش2، وقد صرح القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري 3 في التمهيد بالقول في هذه المسألة كما قال أصحاب الحديث.4
وأما الغزالي فخالفهم في الاقتصاد وقال: "أما رفع الأيدي في الدعاء إلى السماء فلأنها قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة"5.
وهذا تمويه منه ومعاندة لما ورد به القرآن والسنة، وما عليه العلماء من الصحابة والتابعين.
وأما قوله: "إن السماء قبلة الدعاء"، فيقال له1: لو كان هذا كما قلت لم يصح الدعاء إلا لمن توجه بيديه إلى السماء كما لا تصح الصلاة إلا لمن توجه إلى الكعبة2،.3 ثم قال: "ولما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان الجارية لما أشارت إلى السماء فلأنه لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بإشارة إلى جهة العلو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنها من عبدة الأوثان فاستنطقت بمعبودها"4.
فعرّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس من الأصنام5، وهذا غير
صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: أين الله فأشارت إلى السماء، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فلو كان لا يجوز أن يقال: إن الله في السماء لبين لها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يجوز له الإقرار على الخطأ، لا سيما وكان ذلك بحضور جماعة من الناس، أو لو كان هذا لكونها عجمية لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لمن حضر مع أنه كان يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يسأل من تعبد.
وكيف يصح هذا التأويل، وقد روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا حتى ذكر سبع سموات، وفوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال كواهلهم تحت العرش وأقدامهن تحت الأرض السابعة السفلى وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك "
والطرق في الرواية والأخبار بذلك1مشهورة ولا تبطل بتأويل من تأولها ولا برد من ردها.
103- فصل قد ذكرنا أن في الكتاب والسنة صفات لله نؤمن بها كما جاءت ولا نفسرها1 منها قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ 3، 4، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ 5، وقال سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ 6، وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ 7، وقال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ 8,9 1 تقدم هذا أول الكتاب ص 99 وتقدم التعليق على قوله: "ولا نفسرها".
وقال سبحانه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ 1، وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ 2،.3 وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم على صورته "4،.5
مفقودة
وروي عن أبي موسى أنه قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع1إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفها2لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" 3،.4 وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته"، أخرجه مسلم.5
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" 1.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: أنت
موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، وتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى " أخرجه البخاري ومسلم.1
وروى أبو موسى - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها " أخرجه مسلم.2
وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول3شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين قال: فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول بر أو فجور رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر، وقال: اقرأوا إن شئتم ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ " 4، 5. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه يقول: أنا الملك "6.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني1فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له2، حتى يطلع الفجر"3.
وأخبار الصفات من هذا كثيرة، والمعتزلة والأشعرية يردون شيئاً منها، ومنها ما يتأولونه.
ومذهب السلف والعلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأعصار كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ينزهون الله عن الجسمية1والتصديق بما ورد من هذه الآي والأخبار والسكوت عن تفسيرها والاعتراف بالعجز عن علم المراد بذلك2، والتسليم والإيمان بذلك إيماناً جملياً كما آمنا وصدقنا بإثبات الذات من غير تكييف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بما يجوز على الله من الصفات، وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، فإذا سكتوا عن تفسير هذه الصفات وتأويلها وسعنا ما وسعهم3قال الله تعالى: ﴿وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ 1.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ 2.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتبعوا ولا تبتدعوا فإنما أهلك من كان قبلكم لما ابتدعوا في دينهم وتركوا سنن أنبيائهم وقالوا بآرائهم فضلوا وأضلوا "3. فإن قال قائل: فلم تأولتم قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ 4 الآية.
قلنا له: لأن القرآن يعاضد بعضه بعضاً ولا يتناقض، وقد أخبر الله تعالى أنه على العرش استوى، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فعلمنا أن هناك معنى يختص به العرش دونه5، فقلنا هو على العرش استوى.
ولا نكيف الاستواء ولا نفسره بل نصدق به ونؤمن به إيماناً مجملاً، وأنه تعالى الله أن يكون في الحشوش والأمكنة الدنيئة فنزهناه عنها، وحملنا هذه الآية على الإحاطة والعلم لذكره العلم في ابتداء الآية وآخرها، كما حملنا قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ 6 على النصر والتأييد وإن كان يسمع كلام
فرعون ويراه كما يسمع كلامهما ويراهما1، وليس كذلك هذه الآيات والأخبار التي وردت بصفات الذات فإن العقول تقصر عن معرفة المراد بها2فلزمنا بالضرورة التصديق بها والإمساك عنها.
104- فصل وقد1ذكرنا أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة بأبصارهم ولا يراه الكفار.2
وقالت السالمية: "يراه المسلمون والكفار"3.
وقالت المعتزلة: "لا يجوز وصف الله بأنه يرى"1.
وقالت الأشعرية: "المؤمنون يرونه ولكن لا يرونه عن مقابلة"2.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ 3، قال أنس بن مالك: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية فقال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى "4.