وروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - بعد ما بويع له وبايعه علي - رضي الله عنه - أقام ثلاثاً يقول: يا أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره، فيقوم عليّ في أوائل الناس فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يؤخرك.1
واحتجوا بما روي أنا أبا بكر - رضي الله عنه - قال في بعض خطبه: "وليتكم ولست بخيركم فإذا استقمت فاتبعوني، وإن اعوججت2 فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"3.
قالوا فاعترف على نفسه أنه ليس بخيرهم وأنه يعصي الله.
والجواب على ذلك من وجوه: أحدهما: أنه أراد وليتكم بالإمامة في الصلاة "وليست بخيركم" يومئذ لأن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه أراد لست بخيركم قبيلة ولا عشيرة، لأن بني هاشم وبني عبد المطلب أعلى منه في ذروة النسب، ليدلهم بذلك أن الأمر لا يستحق بعلو النسب.
والثالث: أنه أراد التواضع وكره أن يزكي نفسه4لأن الله قال: ﴿فَلا
تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ 1، وإذا شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لأبي الدرداء: "ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر"2 كان ذلك كافياً في بيان درجته وفضيلته على غيره.
وأما قوله: "فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"، فإنه نفي عن نفسه أن يكون معصوماً عن الخطأ، وليس من شرط الإمام عندنا أن يكون معصوماً3، وكيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما منا معاشر الأنبياء إلا من عصا أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا" 4، وقال لنبيه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ 1، فإذا كانت هذه حالة الأنبياء فكيف الأئمة.2
احتجوا بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه خطب وقال: "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها"3، وقالوا: وكيف يستحق الخلافة وبيعته بهذه الصفة.
والجواب: أن يقال لهذا المحتج: بهذا سهوت وجهلت مراد عمر - رضي الله عنه - بذلك، أنه لم يرد بذلك الطعن على بيعة أبي بكر، والا زدراء بها وكيف يليق به هذا وإمارة عمرة صدرت من أبي بكر وإنما أراد بها كانت فلتة أي تمت وانتظمت لم يحتج فيها إلى مشاورة الأحلاف ومن يريد شق عصى المسلمين، وقى الله شرها بتمامها ولم يتم من أراد من الأنصار نصب إمام منهم1حيث قال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير.2
واحتج من ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي - رضي الله عنه - بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألست أولى المؤمنين من انفسهم، من كنت مولاه فعلي مولاه وإلى الله من والاه وعادى من عاداه"3
قالوا: فأوجب1لعلي من الطاعة على المؤمنين ما أوجبه عليهم لنفسه، ثم قال: "وإلى الله من والاه وعادى من عاده"، ومن أئتم بغيره فقد عاداه. والجواب عنه من وجوه: أحدهما: أن نقول للراوفض والقدرية أنتم ل تقولون بأخبار الآحاد فإنها لا توجب العمل.2
فكيف يمكنكم الاحجناج علينا بما لاتقولون به.
والثاني: أنا نقول لهم النص هو القول الذي لا يحتمل التأويل3- حتى إن بعض العلماء قال: النص بعد وجوده4وهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 5 ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 6 فهو نص فى الثلاثة وفي القرء غير منصوص لأن القرء لفظ مشترك7، فقولكم بأن هذا القول نص من النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة علي قول صدر ممن لا يميز بين النص والظاهر.8
والجواب الثاني: أن يقال لهم قولكم بأنه صلى الله عليه وسلم أوجب لعلي على الخلق ما أوجبه لنفسه عليهم غير صحيح، لأنه قال في هذا الخبر: "ألست نبيكم والمخبر لكم بالوحي عن ربكم، وناسخ شرائع من كان قبلكم".
فأثبت لنفسه النبوة، والإخبار بالوحي، وأنه ناسخ الشرائع، كما أثبت لنفسه الولاية عليهم، فلما لم يشاركه علي - رضي الله عنه - بالنبوة ولا بالوحي ولا بنسخ الشرائع لم يشاركه بالولاية، وعلى أنه لو كان صحيحاً لكان علي ثابت الولاية عليهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يقوله أحد، فثبت أن قوله "من كنت مولاه فعلي مولاه "ليس المراد به الواي، لأن المولى لفظة مشتركة تقع على معان مختلفة منها: المولى: يقع علي المولى من أعلى وهو المعتق، وهذا لا إشكال فيه ويقع على المولى من اسفل وهو المنعم عليه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ ْ1والمولى: يقع على ابن العم والعصبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ 2. قال في التفسير: بني العم.3
قال الشاعر: مهلا بني عمنا مهلا موالينا... لا تظهروا بيننا ما كنا مدفونا لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا4وأراد بالمولى هنا: ابن العم، والمولى يقع على الناصر، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ناصرهم ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ 5أي لا ناصر لهم.
والمولى يقع على المحب والموالي، ومنه قوله صلىالله عليه وسلم:" مزينه وجهينة وأسلم وغفار موال الله ورسوله"1.
أي محبون موالون لهما.
والمولى يقع على الجار2، قال مربع بن وعوعة الكلابي وكان جار كليب ابن يربوع فأحسنوا جواره: - جزا الله خيرا بكفه... كليب بن يربوع وزادهم حمدا هم خلطونا بالنفوس وألجموا... إلى نصر مولاهم مسومة جردا3وأراد إلى جارهم.
وإذا كانت لفظة المولى مشتركة بين هذه المعاني حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" أي من كنت ناصره ومحبه أو ابن عمه فعلي مولاه4، ولا يكون ذلك إلى الوالي.
وأما قوله: "وإلى الله من والاه وعادي من عاداه" فما أحد من الصحابة ولا من أهل الحديث عاداه، وليس من ائتم بإنسان سمى معاديا لسائر الناس، وإنما المعادي لهم هم الخوارج.
واحتجوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"5.
والجواب أن يقال: إن هذا ليس بنص على إمامته، لأن النص ما لا يحتمل التأويل، وإنما الخبر ورد على سبب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في غزوة تبوك خلفه على المدينة فقال المنافقون: إنه أبغض عليا وقلاه حين لم يخرجه معه، فتبعه علي - رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله أتتركني مع الذرية والعيال فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"1، وأراد بذلك حين خلفه على قومه يوم توجه لكلام ربه، ولم أخلفك بغضا ولا قلا، ولم يرد أنك تَخْلفُنُى بعد موتى، لأن هارون لم يخلف موسى صلى الله عليه وسلم بعد موته بل مات فقبل موسى وإنما خلفه يوسع بن نون.2
فإن قالوا: فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة يومئذ، وما روي أنه عزله عن ولايته عليها فيجب أن تكون ولايته ثابتة عند موته وبعد موته.
قيل لهم: هذا لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع عن3غزوته كان حكم المدينة وأمرها إليه، ولم يقل أحد إن عليا كان يملك الولاية عليها بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته، ويعارض هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى أبا بكر الإمامة في
الصلاة بالمدينة1وأقامه على الحاج في الموسم2وما روي أنه عزله فكل جواب لهم عن هذا فهو جوابنا لهم.3
احتجوا على النص على إمامة علي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أتت أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي"4.
والجواب: أن هذا ليس بنص على الإمامة بعده لا يحتمله التأويل5، لأن هذا الخبر إذا ثبت حملنا قوله: "أنت أخي" أنه أراد التعظيم له، وهو كذلك لأنه ابن عمه.
وقوله: "خليفتي على أهلي" أي على فاطمة وولديها وهم أهل له صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: " وقاضي ديني" يحتمل أنه أمره بقضاء دين عليه بعد موته أو في حياته6، وكذلك قوله: "منجز عداتي" وليس في هذا كله نص على الإمامة، بدليل أن إمامة لو قال لرجل بهذا القول لم
يكن ذلك وصية إليه بالإمامة بلا خلاف بين أحد من أهل الفقه، فكذلك من النبي صلى الله عليه وسلم.
ونعارض هذه1الأخبار بأخبار هي أصرح منها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 2.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة "3 وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بأم الناس4، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر أن يتقدمه غيره "5 وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا "6 ورشدت أمتهم، وإن يعصموهما غووا وغوت أمتهم".
# 123- فصل: في خلافة أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - وذلك أنه لما حضرت أبا بكر - رضي الله عنه - الوفاة قال: "يا معاشر المسلمين إنه قد حضرني من قضاء الله ما ترون، ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم ويجمع فيكم، فإن شئتم فاجتمعتم هنا وأتمرتم، وإن شئتم اجتهدت لكم برأيي فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا، قال عثمان بن عفان: لقد أحضرني أبو بكر فقال لي اكتب: هذا ما عهد به عبد الله بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا وقت يسلم فيه الكافر ويبر فيه الفاجر، وثقل لسانه فلم1يبين عن نفسه وإغمي عليه، قال: فكتب اسم عمر، فأفاق أبو بكر، فقال لي: أكتبت أحداً؟ فقلت: خشيت الفرقة فكتبت عمر، فقال: يرحمك الله أصبت ما في نفسي ولو كتبت نفسك لكنت أهلا لها"2.
وروي "أنه خرج معصوبا رأسه فخطب خطبته المشهورة وقال: سأخبركم باختياري فوصف فيها عمر ونعته فذكر شدته من غير عنف، ولينه من غير ضعف، وقدرته على الأمر، وكل الصحابة - رضي الله عنهم - صوب رأيه فيه ورضوا بوصيته1إلا طلحة فإنه قال: أذكرك الله واليوم الآخرأنك استخلفت علينا رحلا فظا غليظا، ماذا تقول لربك إذا لقيته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فأجلسوه، فقال: أتفرقوني2بالله أقول له إذا لقيته اسختلفت عليهم خير أهلك3، فقال عثمان وعبد الرحمن4لأبي بكر: امض لشأنك وأنفذ أمرك وأعهد إلى عمر فإنه أهل لها"5.
وروي أن عليا - رضي الله عنه - قام وقال: "ما6نرضى إلا عمر بن الخطاب"7 وروي أن طلحة - رضي الله عنه - صوب رأي أبي بكر بعد ذلك في استخلافه لعمر وذكر عمر بأجمل الذكر.8
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على خلافة عمر بعد أبي بكر - رضي الله عنهماـ بقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب"2.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما عمر ابن الخطاب أو أبي جهل بن هشام" 3.
فسبقت الدعوة في عمر فدل أن الله يحبه.
وقال ابن عباس: "لما أسلم عمر - رضي الله عنه - نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد لقد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر"4.
وقال ابن مسعود: "لما أسلم عمر - رضي الله عنه - قال المشركون لقد انتصف المسلمون منا"1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"2.
"وقد كان يكون في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب"3.
وقال علي - رضي الله عنه -: "ما كنا نبعد أن السكينة4تنطق على لسان عمر"5.
وروي عن أنس بن مالك أنه قال: "نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه عدل"1.
وقال ابن مسعود: "كان إسلام عمر - رضي الله عنه - عزا، وكانت هجرته نصرا، وكانت خلافته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر2، وإني لأحسب أن بين عينيه ملكا يسدده"3 وروي أن أبا بكر لما استخلف عمر - رضي الله عنهما - قال له: "إني موصيك بوصية إن حفظتها، إن لله عز وجل حقا في الليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله في الليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق4لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان5لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا، ثم قال في آخر وصيته: فإن حفظت قولي هذا لم يكن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت قولي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت، ولا بد لك منه ولن تعجزه"6.
فحفظ عمر - رضي الله عنه - وصية أبي بكر في نفسه ورعيته، فكان في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا. فروي أنه أتي له بلبن فشربه فقيل له: إنه من إبل الصدقة فتقيأه، وذلك أنه كره بقاءه في جوفه.1
وروي أنه أتى إليه بمسك من بيت المال فقسم بحضرته فسد على أنفه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما يتجاوز إليك ريحه فقال: وهل يراد من المسك إلا رائحته".2 وهذا غاية في الورع.
وروي أنه قال: "لو شئت أن أدعو بصلاء3وصناب4وأفلاذ5وأسنمة6وأكباد لو شئت أن يدهمق7لي لفعلت، ولكن الله عاب قوما ذلك فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ 8.
وروي أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - دخل على عمر بعد قتله وقد سجي بثوبه، فقال: "ما أحد إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بينكم1، ثم قال: "يرحمك الله يا ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما، وإن كان الله بصدرك لعظيما، وإن كنت لتخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله، كنت جوادا بالحق بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا، بطينا من الآخرة، لم تكن عيابا ولا مداحا"2.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: "كانت خلافة عمر رحمة"3 وروي عنه أنه قال: "أفرس الناس ثلاثة العزيز الذي تفرس بيوسف عليه السلام وابنة شعيب في تفرسها4بموسى عليه السلام بقولها يا أبت استأجره إن خير من
استأجرت القوي الأمين، وأبو بكر - رضي الله عنه - في استخلافه عمر"1.
وأما شدته وصرامته فما لم يخف على أحد، جندّ الأجناد وفتح البلاد ومصر الأمصار، واستأصل الكفار، واستولى على الديار، وصلح بنظره الحاضر والبادي والقاصي والداني حتى قال: لئن عشت ليبلغن الراعي حقه بصفنه2بسر وحمير3لم يرق به جبينة4، ولما فتح أرض السواد قسمها بين الناس فاستغلوها ثلاث سنين فخاف أن يشتغل الناس بذلك فقال: لولا أخشى أن يكون الناس بَبّانا واحدا لكنتم على ما قسم لكم، وأرى أن تردوها5فمنهم من طابت نفسه ورد ما بيده6، ومنهم من لم تطب نفسه
بالرد إلا بعوض إعاضة، فردها على أهلها وضرب عليهم خراجا1يؤخذ منهم كل سنة إلى وقتنا هذا، فساوى بين الأولين والآخرين في ارتفاع2هذه الأرض، وهذا معنا قوله: لولا أخشى أن يكون الناس ببانا أي شيئا واحدا.
هكذا الرواية ببائين مجموع3كل واحدة منقطة من تحتها والثانية مشددة ونون.4
وما شيء يلزم القيام به إلا قام به، حتى إنه ليباشر الأعمال بنفسه في الإنفاق على الأرامل والصغار، ويطوف في سكك المدينة ليلا ونهارا ليستمع، أو يرى ما يتوجه عليه فيه حق، فسمع امرأة ذات ليلة تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه وأرقني أن لا حليل ألا عبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره... لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني... وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فسأل عنها، فقيل: إن زوجها في الغزو، فسأل عمر حفصة ونساء معها: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين وفي الثالث يقل الصبر وفي الرابع ينفر، فكتب إلى أمراء الجيوش في الآفاق أن لا يحبس الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.1
وله من المحافظة والمراعاة للرعبة ما يطول ذكره، وفيما ذكرته دلالة على ما لم يذكر والله أعلم.
# 124- فصل: في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. وذلك أن عمر - رضي الله عنه - بلغه أن قوما كانوا يخوضون في الخلافة ويقولون: لئن مات عمر لنولين فلانا ويريدون إخرجها عن الستة الذين جعلها عمر إليهم، وكان شديد الاحتياط في أمر المسلمين، فقام خطيبا يوم الجمعة فحمد اله أثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - رضي الله عنه - وقال: إني رأيت في النوم كأن ديكا نقرني نقرتين وما أراه إلا لحضور أجلي، ألا وإني قد جعلت الأمر في هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقد بلغني أن قوما يقولون إن مات عمر لونلين فلانا، أولئك أعداء الله الضلال الجهال، والله لقد جالدتهم بيدي هذه على الإسلام، وأرى أقواما يأمرونني أن استخلف ويطعنون في هذا الأمر، فإن أعهد فقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لبث بعد ذلك إلا قليلا حتى أصيب1فدخل2يوماً المسجد لصلاة الصبح، وكان إذا أراد الصلاة قام بين الصفوف، وقال: استووا فإذا استووا تقدم وصلى، فلما فعل ذلك وكبر بالصلاة طعنه العلج، فقال: قتلني الكلب فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ليتم الصلاة بالناس وكان بيد العلج سكين ذات طرفين لا يمر برجل يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً ليأخذه، فلما ظنّ أنهُ يأخذه طعن نفسه، فصلوا صلاة الفجر صلاة خفيفة، فأما من في نواحي المسجد
فلا يدرون ما الأمر، غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، فلما انصرفوا.
قال عمر لابن عباس: انظر من قاتلي فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة بن شعبة وكان نجارا، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل من المسلمين، لأنه كان نصرانيا1، ثم قال: قاتله الله لقد كنت أمرت به معروفا، فأسقوه لبناً فخرج من جرحه، فعلم أنه يموت فقال لابنه عبد الله: احسب ما عليَّ من الدين فحسبه، فإذا هو ستة وثمانون ألفا، وقال: إن وفى بها مال عمر فأدها، وإلا فاسأل في بني عدي ابن كعب، فإن لم يف من أموالهم فسل قريشا ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، ثم قال لابنه عبد الله: ايت عائشة - رضي الله عنها - فسلم2وقل: يستأذن عمر، - ولا تقل أمير المؤمنين فلست لهم اليوم بأمير - بأن3يدفن مع صاحبيه، فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي، فأخبرها بذلك فقالت: بقي موضع قبر كنت أريده لنفسي، ولأؤثرنه على نفسي، فلما جاء قالوا جاء عبد الله بن عمر قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك، قال: قد أذنت، قال: ما شيء أهم إليّ من ذلك المضجع إذا قبضت فجهزوني واحملوني، ثم استأذنوا فإن أذنت فأدخلوني، وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين، فلما مات فعل ذلك فاذنت ودفن مع صاحبيه، ولما حضره الموت قال: لآ أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وسمى: عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فذكر ابنه عبد الله بن عمر لأجل فضله وعمله فقال: شاوروه وليس له من الأمر شيء".
وروي أنه قال: لم أكن بالذي أتحملها حيا وميتا، وقال: يكفي آل الخطاب أن يسأل منهم رجلا واحدا، وكان طلحة غائبا فقال لهم عمر: إن استقام أمركم قبل أن يقدم طلحة فامضوه على ما استقام عليه، وإن قدم طلحة قبل أن يستقيم أمركم فآذنوه، فإنه رجل من المهاجرين وقال لهم: لا تنتظروا أكثر من ثلاثة أيام، ثم منعهم أن يصلي رجل منهم بالناس قبل أن يستقيم أمرهم خوفا أن يظن هو أو غيره أنه نص عليه، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس أيام مشورتهم حتى قال شاعرهم: صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمها... إلى ابن عفان ملكا غير مردود1ثم إن الرهط الذين ولاهم عمر - رضي الله عنهم - اجتمعوا وتشاروا وكانوا خمسة - فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: إنكم لا تستقيمون على أمر وإنكم خمسة فليعادكل رجل رجلا وأنا عديد الغائب، فتعاد علي والزبير وولى الزبير أمره عليا، وتعاد عثمان وسعد وولى سعد أمره عثمان، وخلا علي وعثمان وعبد الرحمن2فقال لهم عبد الرحمن: إما أن تتبرآ من الأمر فأوليكما الأمر فتختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم رجلا، وإما أن تولياني ذلك وأبرأ من الأمر، فولياه ذلك.
وروي "أن عبد الرحمن قال لهم: لست أنافسكم هذا الأمر، ولكن إن شئتما اخترت لكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن وقد كان قال لهم عمر: إن انقسم الناس شطرين فكونوا في حيز عبد الرحمن بن عوف لعلمه بفضله وأمانته وانه مرضي عند الكافة وأزهدهم في هذا الأمر.
قال المسور ابن مخرمة: فلما ولوا ذلك عبد الرحمن مال الناس عليه يشاورونه ويناجونه فطرقني عبد الرحمن بعد هزيع من الليل فضرب الباب فاستيقظ، فقال: ألا أراك نائما فوالله ما اكتحلت بكثير نوم فادع لي
الزبير فدعوته، فناجاه حتى ابهارّ الليل1، ثم قام منه على طمع ثم قال لي: ادع عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما المؤذن، فلما كانت الليلة التالية وعبد الرحمن في دار القضاء قال له سعد: يا أبا محمد ما كان أحد أحق بهذا الأمر منك قال: إنك يا سعد تحب أن يقال ابن عمه خليفة، وإنك يا مسور تحب أن يقال خاله خليفة والله لئن توجد مدية فتوضع هاهنا وأشار إلى لبته2وأمر بيده إلى لبته أحب إلي من أن أليّ من أمر الناس شيئا، فقام سعد فقال له عبد الرحمن: يا أبا إسحاق اشهد الصبح والبس السيف، ثم قال لي عبد الرحمن: اذهب إلى علي وعثمان وأتني بهما، قال المسور: وكان هواي مع علي فأحببت أن أعلم ما في نفسه فقلت: له بأيهما أبدا، فقال: بأيهما شئت، قلت: آتيك بهما جميعا أو فرادى قال: لا بل جميعا قال: فبدأت بعلي فقلت له: أرسلني إليك خالي قال: أرسك إلى غيري معي؟ فقلت نعم.
إلى عثمان.
قال: بأينا أمرك أن تبدأ؟ قلت: قد سألته فقال بأيهما شئت فبدأت بك، قال: جميعا أو فرادى قال: لا بل جميعا فخرج معي في موضع الجنائز، وقال: اذهب إلى صاحبك فخرجت إلى عثمان فوجدته يوتر في بيت شيبة بن ربيعة، فخرج إلي عاقدا إزاره في عنقه آخر الليل، فقلت إن خالي أرسلني إليك، فقال: أرسلك إلى غير معي؟ قلت: نعم إلى علي، فسألته بأيهما أبدأ؟ قال: بأيهما شئت، فبدأت بعلي وهو ينتظرك في موضع الجنائز، فخرجت أنا وعثمان حتى جئنا عليا، ثم دخلنا على عبد الرحمن فحمد الله وأثنى عليه، ثم أقبل عليهما، وقال: أشيرا علي وأعيناني على أنفسكما هل أنت يا علي متابعي على سنة الله ورسوله وبعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلي، - وروي سنة الشيخين قبلك - فقال علي: لا، ولكن أبايعك على طاقتي، قال: فصمت ثم تكلم كلاما دون كلامه الأول، ثم قال: هل أنت يا علي مبايعي على إن وليتك
هذا الأمر على سنة الله سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلي، قال: لا، ولكن على طاقتي، ثم قال: هل أنت يا عثمان مبايعي إن وليتك على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعهد الله وميثاقه وسنة الماضين قبلك؟ فقال عثمان: نعم، قال: فأحب أن تقوما عني إن شئتما، فقاما عنه، فقام عبد الرحمن فاعتم ولبس السيف وخرج المسجد، وقد جاءت المهاجرون والأنصار من دورهم، وصار المسجد كالرمانة، وأرسل إلى من تخلف وإلى الأمراء، وكان قد وافق تلك الحجة مع عمر1، فصلى الصبح وتشهد ولا أشك أنه مبايع لعلي لما رأيت من حرصه على علي، ثم أخذ بيد علي فقال: الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولتتقين الله عز وجل، وإن أنا لم أبايعك لتسمعن ولتطيعن لمن بايعت؟ قال علي: نعم، ثم أخذ بيد عثمان فقال: الله عليك راع إن أنا بايعتك لتعدلن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولتتقين الله عز وجل، وإن أنا بايعت غيرك لتسمعن ولتطيعن؟ قال عثمان: نعم، فقال عبد الرحمن: إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، ثم صفق علي يد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد وسائر المسلمين وبايعه طلحة لما قدم وانقادوا له وسموه أمير المؤمنين"2.
فروى سعيد بن كعب3والليث بن سعد عن عبد الرحمن أنه قال:
"والله ما بايعت عثمان حتى شاورت كل أحد حتى صبيان الكتاب فكل يقول عثمان فبايعته"1.
فعبد الرحمن في فضله وعلمه وسابقته مما لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكره يصلح لعقد هذا الأمر، وعثمان - رضي الله عنه - ممن يصلح له العقد لكون الشرائط كلها موجودة فيه، ومن فضله أن النبي صلى الله عليه وسلم زوجه ابنتيه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أزوج كريمتي عثمان"2، ولما ماتت الثانية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كان لنا ثالثة لزوجناك" 3.
وروي أنه قال: "لو أمدنا الله بالبنات لأمددناك يا عثمان بالأزواج"4.
وإنما سمي ذا النوريين لأن أحدا من لدن آدم لم يتزوج ابنتي نبي غير عثمان1، فهذه أشرف مناقبه.
وروى ربعي بن خراش: "أن عثمان - رضي الله عنه - خطب إلى عمر ابنته حفصة، فأبى عليه، فلبغ ذلك بني الله صلى الله عليه وسلم، فلما راح عليه عمر قال: يا عمر ألا أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خيرله منك؟ قال: نعم.
قال زوجني ابنتك وأزوج عثمان ابنتي"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان"3،
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تستحي من عثمان"1.
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - معه، فرجف بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أثبت أحد فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان"2.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت بهم الصخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"3.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقتل شهيدا، وأن الله يقمصه قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تفعل4، وسبحت الحصى بكفه5، وله من الفضائل ما يكثر ذكره.
# 125- فصل ومذهبنا أن القوم الذين اجتمعوا على قتل عثمان - رضي الله عنه - وقتلوه فسقة، وهو مظلوم وكلما تأولوه عليه لا يبيح قتله لهم ولا خلعه، لأن أكثر ذلك باطل لا أصل له، ولا يصح شيء منه فلا يقتضي قتله، وذلك لما ثبت من إيمانه وثبوت بيعته ووجوب طاعته والقوم الذين قصدوه من غير أهل الحل والعقد في الإمامة، وإنما حملهم على ذلك أمور دنيوية فمنهم من طلب امرأة فمنع منها، ومنهم من حمله على ذلك الغيظ على أمرائه وعماله.1
ومما يرويه الشيعة وأهل البدعة من الأخبار أن عليا وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة كاتبوا أهل الآفاق وأمروهم بخلعه أو قتله2فأخبار آحاد لا يثبتها أهل النقل ولا يبطل بها ما ثبت من نزاهة الصحابة وفضلهم.
وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله"3.
وروي أنه قيل لعائشة - رضي الله عنها ـ: إن الناس قد أكثروا في عثمان وشتموه ولعنوه، قالت: لعن الله من لعنه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى صدري وجبريل يوحي إليه وعثمان عن يمينه وهو يقول4:
" اكتب يا عثمان فما1نزل تلك المنزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كريم على الله ورسوله"2.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم ذبحتموه كما تذبح الكبش، فقال لها مسروق: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم أن يجروا3إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء ولا بيضاء4 حتى جلست مجلسي هذا".قال الأعمش: وكانوا قد كتبوا على لسانها.5
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ابن عفان اللهم لا أرضى قتله ولا آمر به"6.ويدل على ما ذكرناه ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تكون بعدي أمور فقلنا فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمير وحزبه فأشار إلى عثمان بن عفان"7.
وروى كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال: "ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فتنة فمر بنا رجل مقنع1، فقال: "هذا يومئذ على الهدى فأخذت بضبعه فقتلته أو قلبته، فاستقبلت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا يا رسول الله قال: هذا فإذا هو عثمان ابن عفان"2.
وروت عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: "إن الله سيقمصك قميصا إن روادوك على خلعه فلا تخلعه"3.
وروى ابن عمر أن عثمان - رضي الله عنه - أصبح يحدث الناس فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا عثمان أفطر عندنا فأصبح صائما وقتل من يومه"1.
وروي عن أبي جعفر الأنصاري2قال: "لما دخل علي عثمان يوم الدار مررت مجتازا في المسجد، فإذا رجل عليه عمامة سوداء وحوله نحو من عشرة فإذا هو علي، قال: ما فعل الرجل؟ قلت: قتل، قال: تبا لهم3آخر الدهر4، وروي أنه قال: "لو أعلم ان بني أمية يذهب ما في أنفسهم لحلفت لهم خمسين يميناً مرردة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم آمال على قتله"5.
فإن قيل: فإذا كان الأمر في الصحابة1فما منعهم عن نصرته ولم خذلوه.
قيل لهم: معاذ الله أن يكون فيهم من خذله أو قعد عن نصرته، وإنما نهاهم عن ذلك وناشدهم الله، وعرف أن الجيوش قد سارت إليه من الأمصار، ولم ير أن في الصحابة من يماثل عددهم، وخاف إراقة دماءهم، لما روي أن المغيرة بن شعبة قال له: إنه قد نزل بك ما ترى، وأنا أعرض عليك خصالا ثلاثا: إن شئت خرقنا لك بابا من الدار سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، أو تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، وإن شئت خرجت بمن معك فقاتلهم وإن معك عدة وقوة، وإنك على حق وهم على باطل، فقال عثمان: أما قولك تخرق لي بابا من الدار فاقعد على رواحلي فألحق بمكة فإنهم لن يستحلوني وأنا فيها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يلحق2رجل من قريش بمكة3عليه نصف عذاب العالم فلن أكون إياه4، وأما قولك الحق بالشام فهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وأما قولك: إن معي عدة فأخرج فأقاتلهم فإني على الحق وهم على الباطل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإهراق ملء5محجم من دم بغير حق"6.
وروي أن ابن عمر دخل على عثمان - رضي الله عنه - وعرض عليه نصرته وذكر بيعته1، وكذلك أبو هريرة - رضي الله عنه - دخل وعرض عليه نصرته، وقال: اليوم طاب أمضرب2فقال: أنتم في حل من بيعتي وإني لأرجوا أن ألقى الله سالما مظلوما3وقال لعبيدة وكانوا أربعمائة عبد من أغمد سيفه فهو حر، بل4منعهم من القتال فأغمدوا كلهم سيوفهم إلا العبد الأسود الذي قاتل حتى قتل معه، وقاتل معه الحسن بن علي حتى حمل من الدار مغلوبا من الجراحات.5
وإنما فعل عثمان ذلك لما علم أنه مقتول فبذل دمه دون دماء الصحابة والمسلمين.6
والدليل عليه ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعوا لي بعض أصحابي قلت: ادعو لك أبا بكر فسكت، قلت: أدعو لك فسكت قلت: أدعو لك ابن عمك عليا فسكت قلت: ادعو لك عثمان فقال: نعم، فجاء عثمان فقال لي: هكذا أي
تنحي عني، قال: فرأيته يقول لعثمان ولونه يتغير ووجهه، فلما كان يوم الدار قيل له: ألا تقاتل؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي"1.
قال عبد الرحمن بن مهدي2: "لو لم يكن في عثمان إلا خصلتان لكفتاه جمعه المصحف وبذله دمه دون دماء المسلمين"3.
وروي "أن عليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة - رضي الله عنهم - خاطبوا هؤلاء القوم وأغلظوا عليهم القول بسبب ما يريدونه، فلما أحسوا منهم نصرته وأنهم منكرون عليهم فعلهم أظهرت فرقة منهم موالاة علي ولزموا باب علي، وأظهرت فرقة منهم موالاة طلحة ولزموا بابه، وأظهرت فرقة منهم موالاة الزبير ولزموا بابه ومنعوهم من الخروج وقد برأهم الله منهم، وكان قتله بذي الحجة سنة خمسين وثلاثين من الهجرة، وله إحدى وثمانون سنة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة ولم يستخلف أحدا... "4.
# 126- فصل: في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. ذلك أنه لم يكن أحد بعد عثمان - رضي الله عنه - أحق بالخلافةمن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - لما جمع الله به من الفضائل وشرفه به من سني المنازل ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وزوج فاطمة البتول وأبو الحسن والحسين ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من السابقين ممن عظم بلاؤه وجهاده في سبيل الله، فختم الله به الخلافة كما ختم بمحمد صلى الله عليه وسلم النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" 1. وتمام الثلاثين بخلافة علي - رضي الله عنه -. وأما بيان عقد إمامته فما روي: "أن عمثان - رضي الله عنه - لما قتل مظلوما ودخل علي - رضي الله عنه - داره وأغلق عليه بابه غضبا منه على ما فعل بعثمان فاستولى الغافقي ومن معه من قتلة عثمان وأهل الفتنة على المدينة وهم بالفتك بهم، وحلفوا للصحابة.2
لإن لم يعقدوا الإمامة لرجل منهم ليعيدوها جَذّعَة3فيهم، فأتى المصريون منهم إلى علي فعرضوها عليه فأبى، وأتى البصريون إلى طلحة فعرضوها عليه فأبى، ثم عرضوها على الزبير فأبي، وكل ذلك منهم إنكار وإعظام لما فعلوا بعثمان، فلما كان عشي يوم الثالث من قتل عثمان - رضي الله عنه - خاف أهل المدينة المهاجرون والأنصار من فتك أهل الفتنة4بالمدينة، فاجتمعوا وأتوا إلى باب علي، فضربوا عليه
الباب واستأذنوا بالدخول عليه، فدخولوا وقالوا: إن عثمان قد قتل ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدا أحق بها منك فامتنع عليهم وقال: كوني وزيرا خيرا من أمير، قالوا: لا والله ما نعلم أحدا أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني، فخرج إلى المسجد، فبايعه خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم النبهان ومحمد بن مسلمة وعمار ورجال يكثر عددهم وبايعه الناس1، فلما بايعوه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أما بعد: فإن الدنيا قد أدبرت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل ومن ورائها أجل، فمن قصر في أيام عمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله، ثم إن الله في سمائه وعرشه ليعلم أني كنت كارها للولاية على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأني سمعته يقول: "أيما وال ولي أمر أمتي بعدي أقيم على الصراط ونشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان جائرا انتقض به الصراط انتقاضا يتزايل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام، ثم ينحرف به الصراط فأول ما يتقي به النار أنفه وحر وجهه"2 ولكن لما اجتمع رأيكم علي لم يسعني ترككم.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، ونزل"3 والدليل على علو منزلة علي عندي النبي صلى الله عليه وسلم ما روي أنه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر
قال: "لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال عمر: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتطاولت لها، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا فدفع اللواء إليه، وقال: "اذهب فلا تلتفت حتى يفتح الله عليك فمشى هنيئة، ثم قام ولم يلتفت للعزمة فقال: علام أقاتل الناس؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي"2.
وروي عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه"3.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله، رحمه الله عمر يقول الحق وإن كان4 مرا تركه الحق وماله من صديق، رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة, رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار"5.
قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه ـ: "إن كنا لنعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب".1 وقالت أم سلمة - رضي الله عنها ـ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول2: " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن".3 وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربي أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله: منهم قال علي منهم، قالها ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان" 4.
وروى أنس بن مالك قال: "كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي - رضي الله عنه - فأكل
معه"1.
وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال: "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فجاء علي - رضي الله عنه - تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم توآخي بيني وبين أحد، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة"2.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا دار الحكمة وعلي بابها"3.
وروي عن سعيد بن أبي وقاص أنه قال: "ثلاث قالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم