أجزائه1، فكل تصديق تسليم2 وليس كل تسليم تصديقا3،وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، والإسلام ظاهر الأمر، والإيمان باطنه4 وحقيقة الإسلام الطاعة قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ 5،أي مطيعين.
وقد ورد ذكر الإسلام الطاعة في الشرع على وجهين: أحدهما: المراد به الإخلاص وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ وأراد به"أخلص" ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 6 يعني فقل: أخلصت، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ يعني فقل: أخلصت يعني أخلصت ديني لله - إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾،7 والمراد أأخلصتم فإن أخلصوا8، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ 9.
الوجه الثاني: المراد به الإقرار، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْض﴾ 1 يعني أقر بالعبودية، وقوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني من الملائكة وقوله تعالى: ﴿وَالأرْضِ﴾ يعني المؤمنين ﴿طَوْعاً﴾ ثم قال ﴿وَكَرْهاً﴾ يعني أهل الأديان2يعلمون أن الله خلقهم لأن الله قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 3، ومما ورد بذكر الإسلام والمراد به الإقرار باللسان قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ 4، لأنهم أقروا باللسان ولم يصدقوا بقلوبهم.5
وقد ورد الشرع بذكر الإيمان مفرداً على أوجه:
أحدها: المراد به الإقرار باللسان لا غير، وذلك لما أخبر الله عن إيمان المنافقين مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ - إلى قوله: - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّة﴾ 1، والمراد به إقرارهم بألسنتهم دون تصديقهم بقلوبهم.2
والوجه الثاني: ما ورد والمراد به التصديق والأعمال كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ 3، وبقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ 4 وما أشبهها مما وعد الله عليه الثواب والجزاء، فالمراد به التصديق باللسان والجوارح.
والوجه الثالث: ما ورد والمراد به التوحيد وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ 5، والمراد بكفره بالتوحيد6، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ 7 والمراد يدعون إلى التوحيد.
والوجه الرابع: ما ورد والمراد به به التصديق ببعض دون بعض كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 8 يعني مشركي العرب، لأنك إن سألتهم من خلقهم قالوا الله وهم يجعلون لله شركاء9، وأهل الكتاب
يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا... ﴾ 1 يعني إيمانهم ببعض الكتب2والرسل دون بعض.3
وورد ذكر الإيمان والإسلام في الشرع على سبيل الترادف والتوارد وعلى سبيل الاختلاف، فأما على سبيل الترادف فقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ 4، ولم يكن فيها بالاتفاق إلا بيت واحد وهم أهل بيت لوط5، لقوله6تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ 7 ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ 8.
ومن السنة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان "9.
وروى ابن عباس "أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تطوا الخمس من المغنم"1.
وروي أنه فسر الإيمان بالخمس التي قال بني الإسلام عليها2.
وأما وروده على الاختلاف والتداخل3 فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ 4 فأراد بالإيمان هاهنا التصديق بالقلوب، لأنهم ادعوا ذلك فأخبر الله أنهم ليسو كذلك، وأمرهم بأن يقولوا أسلمنا ومعناه استسلامهم في الظاهر باللسان والجوارح5 بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، لأن هذه الآية نزلت
بقوم من أعراب بني أسد بن خزيمة نزلوا المدينة وادعوا الإسلام وعلم الله منهم غير ذلك فقال: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، مخافة القتل والسبي.1
وروى أبو برزة2 السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عروته يفضحه في بيته "3. وروى عبد الله بن عمر عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فألزق ركبته بركبته ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال: أخبرني يا محمد عن الإسلام، وما الإسلام4؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا
فقال: صدقت قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: "فأخبرني عن الإيمان قال: تؤمن بالله وملائكته وكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل.
قال عمر: فلبثنا ملياً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر أتدري من السائل فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"1.
وروى سعد - رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم قسْما فأعطى ناساً ومنع آخرين، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً ومنعت فلاناً وهو مؤمن فقال: لا تقل مؤمن بل مسلم.
وروي في هذا أنه قال صلى الله عليه وسلم: أو مسلم فأعدته عليه ثلاثاً وهو يقول: أو مسلم"2.
وروي " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل، فقال صلى الله عليه وسلم الإسلام فقيل: أي الإسلام أفضل فقال: الإيمان"3.
وروي عن الحسن البصري وابن سيرين أنهما كانا يهابان أن يقولا مؤمن ويقولان مسلم.4
وفي جميع ما ذكرته دليل على أن الإسلام اسمه عام والإيمان أخص منه.1قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ 2 فثبت الإيمان بالتوبة وهو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب وبعمل الشرائع في الجواح3على موافقة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان التسليم بالقلب ثمرة التسليم باللسان والجوارح4، فإذا عبر بالإيمان عن تسليم القلب فكأنه عبر عن ثمرة الإيمان5وإذا عبر بالإسلام عن تسليم اللسان والجوارح والقلب كان جائزاً كما يطلق اسم الشجرة على الشجرة وثمرها.
ومما يدل على أن الصلاة من الإيمان6أن القبلة لما حولت من بيت المقدس إلى الكعبة قالت الصحابة - رضي الله عنهم - كيف بإخواننا الذين ماتوا وهو يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ 7، 8 واللام في ليضيع لام الجحود نصب به الفعل المستقبل، وأراد بالإيمان هاهنا صلاتهم إلى بيت المقدس.
ومن الدليل على ما ذكرناه ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "إن الله بعث نبيه محمداً عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا زادهم
الصيام، فلما صدقوا زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ 1،.2 وقيل: إن أول ما فرض الله عليهم من الصلوات ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس بمكة ليلة المعراج.3
قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان المعراج قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً4، وفرضت الزكاة بالمدينة، وصوم رمضان بعد الهجرة في السنة الثانية في شعبان، وفرض الحج في سنة تسع، فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر نزلت هذه الآية يوم عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ 5، وهي أخر آية نزلت في التحليل والتحريم، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إحدي وثمانين ليلة6، ثم توفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
وروي أن رجلاً سأل سفيان الثوري7عن الإيمان فقال: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن
الإيمان قول بلا عمل، فقال سفيان: كان هذا قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة أن يقولوا لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمره بالهجرة إلى المدينة، فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا كهجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً وأن يحلقوا رؤوسهم تذللاً ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم إقرارهم الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرتهم ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها ولا مهاجرتهم ولا قلتهم آباءهم ولا طوافهم، فلما علم الله الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾.
قال سفيان: "فمن ترك خلة من خلال الإيمان جاحداً كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً وتهاوناً أدبناه وكان بها عندنا ناقصاً، هكذا السنة أبلغها عني من أسلك من الناس"1.
وروي "أن رجلاً من اليهود قال لعمر - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين لو علينا أنزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية لا تخذنا ذلك اليوم عيداً.
فقال عمر - رضي الله عنه -: "إني لأعلم أي يوم أنزلت هذه الآية، أنزلت يوم عرفة في يوم جمعة ونحن بعرفات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.
ومن الدليل على ما ذكرنا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إلا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان "2، فجعل إماطة الأذى والحياء من الإيمان.
وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان"3.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده والده والناس أجمعين"4.
وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن
يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن توقد نار فيقذف فيها"1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"2.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"3.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم"4.
عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فقال: "فمن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن"5.
وروى أنس - رضي الله عنه - قال: "ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له"1. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قال: وما ذاك؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه" أخرجه البخاري.2
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه"3.
وروى أبو قلابة عن رجل من أسلم عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيكم يسلم4، قال، قلت يا رسول الله وما الإسلام؟ قال: أن تسلم لله عز وجل ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الهجرة قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: قلت وما الجهاد؟ قال: أن تجاهد الكفار إذا
لقيتهم ولا تغل ولا تجبن، قال: ثم عملان وهما من أفضل الأعمال وأكملها ثلاث مرات: حجة مبرروة أو عمرة" 1.
وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان"2.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر بالقلب وصدقه والعمل، والذي نفسي بيده لا يدخلن الجنة أحد إلا بعمل يتقنه قالوا: يا رسول الله وما يتقنه؟ قال: يحكمه"3.
وفيما ذكرته من الأخبار دليل على أن الإيمان أخص من الإسلام وهو
بعض منه.1
والإسلام المأمور به بقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ 2 وما يستحق به الثواب بالآخرة هو أعم من الإيمان.3
وقد يقع الإسلام على من أتى بلفظ الشهادتين وإن لم يصدق بقلبه، ويستفيد بذلك عصمة دمه وماله في الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 4.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ومن فرق من العلماء بين الإسلام والإيمان فمرادهم هو هذا.5
روي عن حماد بن زيد أنه كان يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإسلام عاماً والإيمان خاصاً.1
وروي عن أحمد بن حنبل أنه كان يفرق بين الإسلام والإيمان.2
وروي عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يهابان أن يقولا مؤمن ويقولان مسلم3.
فالكفر4الذي هو الجحود هو ضد الإسلام، وهو مبيح للدم والما، ويستحق به التخليد في النار، ويسمى من ترك الصلاة كافراً.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فهو كافر "5. وروي أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن أخذته غشية، فقال بعض الصحابة: إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: ففتح عينيه وقال: أصلي الناس؟ قلنا: نعم قال: أما إنه لاحظ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة، ثم صلى وجرحه يثعب دماً"6.
وكذلك روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: "من ترك الصلاة فقد كفر"7، وهذا حجة لمن قال العمل من الإيمان.
وقد اختلف العلماء فيمن ترك الصلاة عامداً مع اعتقاده وجوبها: فمنهم من قال: إنه يحكم بكفره ويجب عليه القتل في الدنيا واحتجوا بهذه الأخبار. ومنهم من قال: يجب قتله ولا يحكم بكفره، وتأولوا هذه الأخبار على أن أحكامه أحكام الكفار في القتل. ومنهم من قال: لا يقتل ولا يحكم بكفره، وتأولوا هذه الأخبار على من تركها جاحداً لوجوبها.1
والفسق اسم ذم وهو ضد الإيمان يقع على من فسق بالاعتقاد والجحود فيكون كافراً، هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ 2، وقال في آية أخرى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ 3 وقال
فيهم ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 1 وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ 2، وفي جميع هذا المراد بالفسق الكفر وقد يقع الفسق على من ارتمب المعاصي من الموحدين مع علمه بتحريمها، فهذا عندنا لا يخرجه من الإيمان بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بفسقه3لا يخلد في النار بذلك، خلافاً للمعتزلة والقدرية وبهذه المسألة سموا معتزلة: وذلك أن واصل بن عطاء رئيس المعتزلة كان من أصحاب الحسن ابن أبي الحسن البصري، وكان ممن لا يلازم مجلسه فوجد الناس قائلين فيها: فأهل الحديث قالوا هو مؤمن بإيمانه فاسق بفسقه لا يضاد فسقه الذي ليس بكفر إيمانه الذي في قلبه، وإن كان ينقص من دينه إلى ما هو دونها ولا ينزلون جنة ولا نار، بل إن عذبه الله بفسقه وإن عفى عنه فبفضله وإحسانه.4
وقالت الخوارج: بل كل من ارتكب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً خرج به من الإيمان إلى ضده وهو الكفر ويخلد في النار.5
فأحدث واصل بين عطاء قولا ثالثا وقال: أقول إنه فاسق ولا أسميه مؤمنا ولا كافرا ويخلد في النار، فأخرجه الحسن من مجلسه، واعتزله فسمي معتزليا لاعتزاله عما عليه كافة الأمة.6
والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ 1، فسماهم مؤمنين بعد اقتتالهم، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ 3 الآية، فسماهم مؤمنين مع إنكاره عليهم لما فعلوه، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ 4 الآية.
واحتجت الأشعرية ومن قال إن الإيمان هو التصديق بالقلب لا غير5بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدق لنا، وبقول الناس: فلا يؤمن بعذاب القبر وبالشفاعة وما أشبهها، وأراد به التصديق. والجواب: أنا لا ننكر أن هذا حد الإيمان، في اللغة.6
وأما في الشرع فهو أشرف خصال الإيمان ولا يمتنع أن يكون للشيء اسم في اللغة واسم في الشرع، وإذا ورد في الشرع به فإنه يجب حمله على ما تقرر اسمه في الشرع كالصلاة فإنها في اللغة المراد بها الدعاء، وهي في الشرع عبارة عن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة، وكذلك الصيام فهو في اللغة اسم للإمساك عن جميع الأشياء، وهو في الشرع اسم للإمساك عن أشياء مخصوصة، والزكاة في اللغة اسم للزيادة، وهي في الشرع اسم لأخذ شيء من المال، والحج في اللغة القصد، وهو في الشرع اسم لهذه الأفعال المشروعة، والغائط في اللغة اسم للموضع المطئمن، وفي الشرع اسم لما يخرج من
الإنسان1، وإذا أورد الشرع بشيء من هذه الأشياء فإنما يحمل على ما تقرر في الشرع لا على مقتضاه في اللغة.
واحتجت المرجئة ومن قال إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب دون الأعمال2بالأخبار المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة" 3.
وبما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم على النار"4.
والجواب عن هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن نقول كما قال الزهري: "الأخبار كانت قبل نزول الفرائض والأمر والنهي"5.
والثاني: أن نقول هذا خبر عما يؤول إليه أمر الموحدين بأن الله سيدخل الموحدين الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم ولا يخلدون في النار1كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية.
وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة منها في البقرة قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ 3 وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ 4، وفي النساء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ 5 وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 6، وفي المائدة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾،1وفي الأنعام قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 2 وفي الأعراف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ....﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ 3، وهذا كثير في القرآن وآخره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ 4، ولم يذكر الله في القرآن دخول الجنة بغير عمل بل أخبر أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأخبر أنه لا يغفر الشرك، فالقرآن لا يتناقض وإنما يؤيده بعضه بعضاً.
وروي أن رجلاً سأل أبا ذر عن الإيمان فقرأ عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِر... ﴾ 5 الآية حتى ختمها وقال: "إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ عليه هذه"6.
وروى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان ويقين بالقلب"7.
وروي عنه بلفظ آخر أنه قال: "الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"1.
وروي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: "لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة"2.
وكذلك روي مثل هذا عن الحسن البصري وسفيان الثوري وابن جريج ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان3ومالك بن أنس وفضيل بن عياض4وكيع والشافعي وأحمد بن حنبل والوليد5وأبي بكر بن عياش6وعبد الله بن المبارك.7
وهؤلاء هم العلماء الذين لا يُسْتوحَشُ مِنْ ذِكْرِهِم.
قال وكيع8: "وأهل السنة والجماعة يقولون: "الإيمان قول وعمل"9،
والمرجئة يقولون الإيمان قول، والجهمية يقولون الإيمان المعرفة1، ولو لم يكن عليهم من الدليل إلا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ 2 فأخبر الله أنه لا يتم الإيمان إلا بالإخلاص والعمل لكان كافياً في الاستدلال.
114 - فصل وعند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهل الإيمان على مراتب ولم يكلف الله الخلق أن يعرفوه كمعرفته لنفسه، لأن معرفته لنفسه بغير دليل1ومعرفة الخلق له من جهة الدليل، وأقل درجة في الإيمان هي المعرفة التي لا يجامعها الشك بالله2، وأكبر معارف الحلق معرفة الأنبياء لله سبحانه، والأنبياء متفاضلون بذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ 3، وأراد في درجات المعرفة4، ومعارف سائر الخلق دون معرفة الأنبياء، والمؤمنون متفاتون في المعرفة5وذلك لتفاوتهم في طرق الاستدلال عليه.
هذا قول السلف.
قال الغزالي: "والسلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول6، والإيمان7يقع على التصديق بالقلب وعلى العمل، فأما زيادة العمل ونقصانه فلا إشكال فيه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون8
خصلة"1 وروي "تسع وتسعون2باباً أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"3.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الطهور نصف الإيمان"4.
وأما التصديق والاعتقاد بالقلب فإن هذا الاعتقاد تارة يشتد ويقوى بالعمل الصالح وتارة يضعف5ويسترخي بالمعاصي، فالعمل للاعتقاد كالسقي للشجرة لأنه ينمي6بالسقي ويضعف.7
وقالت المرجئة والكرامية وأهل الزيغ من القدرية وغيرهم: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وإن إيمان الأنبياء كإيمان سائر العصاة من الخلق.8
مفقود
والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ 1.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ 3 وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ 6 وأثنى الله تعالى على أهل الكهف بقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى﴾ 7.
ويدل عليه قوله تعالى فيما أخبر الله عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ 8.
أي ليزداد إيمان قلبي9، ويقال إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم مر بحيفة هلى ساحل البحر فجعلت الدابة تخرج من البحر فتأكل منها ثم تسترجع10إلى البحر، وتجيء الدابة من دواب البر فتأكل منها ثم تذهب ويجيء الطير فيأكل منها ثم يذهب، فهيجه ذلك على ما سأل فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ لتعجبه من تفرق
ذلك الميت في البر والبحروأنواع الدواب، فقال الله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾، يعني ألم تصدق بإحياء الموتى1، وقيل: أراد أو لم تؤمن بالخلة وأنك خليل2وقيل معنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ أي أنك قد آمنت، وذلك على3 معنى إيجاب الإيمان له قال: ﴿بَلَى﴾ ولكن كان إيمانه من طريق الاستدلال لا من طريق المشاهدة، والمستدل لا تزول عنه الخواطر والوسواس، وهو في ذلك يقمع الشيطان ويقهره بالحجة، فأراد إبراهيم أن يستريح إلى المشاهدة والمعاينة، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنه - وأجلة العلماء4، فأجاب الله إلى ذلك لما علم فيه من المصلحة له ولأمته قال ابن المبارك ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ليرى من أدعوه إليك منزلتي ومكانتي منك فيجيبوني إلى طاعتك وما أجابه من إجابتهم إليه"5.
وقال سعيد بن جير: "ليطمئن قلبي بأني إذا سألتك أجبتني"6.
وللأنبياء زيادة في المعارف من الوقت الذي بعثوا فيه إلى أن قبضوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه علما"7.
وأمر الله نبيه أن يسأله زيادة علم8فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ 9.
وأجل المعارف المعرفة بالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المعرفة بالله رأس المعرفة" 1.
وروي "أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم فقال صلى الله عليه وسلم: ما صنعت في رأس العلم؟ فقال: وما رأس العلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الرب سبحانه؟ قال: نعم، قال: وما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله عليه وسلم: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال تعلم من غرائب العلم"2.
وما أثنى أحد من الصحابة على نفسه بمثل ما أثنى حارثة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقاً فقال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك، فقال: استوى عندي من الدنيا حجرها وذهبها، وكأني بعرش ربي بارزاً، وأهل الجنة يتنعمون فيها، وأهل النار في النار يتضاغون3، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عرفت فالزم "4. ومما يدل على أن العلم الحاصل بالمشاهدة أزيد من العلم الحاصل عن الاستدلال قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمشاهدة أخي موسى أخبره الله بما كان من قومه من بعده من عبادة العجل، ومع ذلك أخذ الألواح فحين شاهد ما صاروا إليه ألقى الألواح"5.
وأخذ برأس أخيه وتغير حاله، ولم يكن ذلك منه لأنه كان شاكاً في خبر الله بل كان عالماً بخبره وكذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم أراد العلم بالمشاهدة.1
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أكان عيسى صلى الله عليه وسلم يمشي على الماء؟ فقال: "نعم، ولو ازداد يقيناً لمشى على الهواء"2 وقد مشى النبي صلى الله عليه وسلم على الهواء ليلة أسري به، ولا شك أنه أشار بذلك إلى نفسه، وأن حاله فوق حال عيسى صلى الله عليهما3، قال الله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 4، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ 5، ومعارف الخلق على قدر عقولهم لأن العقل نور يجعله الله في القلب يفرق به بين حقائق المعلومات.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، ثم قال ادبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم منك بك آخذ وبك أعطي، ولك أثيب ولك أعاقب "6.
وروى أنس - رضي الله عنه - أن قوماً اثنوا على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغوا، فقال صلى الله عليه وسلم: "كيف عقله؟ فقالوا: يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الأحمق يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرفع العباد غداً في الدرجات الزلفى عند ربهم على قدر عقولهم" وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار1﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعملوا أن العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر رث الهيئة، وأن الجاهل من عصى الله وإن كان جميل المنظر شريف المنزلة".
وروي أن عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة - رضي الله عنهم - دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: "يا رسول الله من أعلم الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، فقالوا: أليس العاقل من تمت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفه وعظمت منزلته فقال صلىالله عليه وسلم: "إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين، إن العاقل هو التقي وإن كان في الدنيا خسيساً دنياً".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما العاقل من آمن بالله وصدق برسوله وعمل بطاعته".
وروى أبو هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة أحد فسمع الناس يقولون كان فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل غيره فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذا فلا علم لكم به، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ فقال: إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل، وكان نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم".
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: " يا رسول الله بم يتفاضل الناس؟ قال: العاقل، قلت: ففي الآخرة؟ قال: بالعقل، قالت، قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ قال: يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله من العقل وبقدر ما عملوا يجزون"1.
وقال الشافعي - رحمه الله -: مقادير علوم الناس على قدر سعة عقولهم، فمن وقع له صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأول والإيمان بالله علم أن عقله أوفر ممن بقي على الجاهلية2، ولهذا مدح الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ 3، ووعد الكل بالحسنى، وكذلك فضل من أنفق من قبل الفتح على من أنفق بعده ومن سبق بالإيمان على من تأخر، ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ 4 فللخائفين المطيعين5في المعرفة درجة
لم يبلغها العاصون، ولا ننكر أن العارفين بالله تلحقهم معارضات الشيطان، إلا أنهم يدفعون معارضته بالدلائل الواضحة.
وقد رروي أن الصحابة - رضوان عليهم - قالوا: "يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا شيئاً لا نقدر على ذكره ولو قطعت آذاننا1فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأصابكم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذلك محض الإيمان" 2. وروي أنه قال: "ذلك صريح الإيمان"3،ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن معارضة الشيطان هي محض الإيمان، وإنما أراد أن دفع ذلك بالحجج والدلائل من محض الإيمان.4
وروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمين الخط وعن يساره وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ 5 يعني الخط الأول، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ 6،7ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكير في ذات الله فقال:
"تفكروا في عظمة الله ولا تتكفروا في الله"1.
قال: "الناظر في الله كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظراً ازداد عمى"2.
ومن الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص بالطاعة وينقص بالمعصية ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة معروفة"3.
والمراد به كمال الإيمان4كقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له"5.
وفي وراية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان"6.
ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 1.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أذنب العبد كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو2قلبه"، وروي "حتى يسود" وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.3 وقال مجاهد: "هذا مثل قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ "4. وقال الحسن: "هو الذنب على الذنب يرين على القلب حتى يسود"5.
والرين هو الإحاطة والغلبة يقال: ران عليه النعاس إذا غلبه، وران به النعاس.
قال علقمة:
"أوردته القوم قد ران النعاس بهم فقلت إذ نهلوا من مائه قيلوا"1. ومنه قول عمر - رضي الله عنه - في أسيفع جهينة لما ركبه الدين: "قد رين به"2. وروي عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: "الإيمان يبدو لمظة في القلب فكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة"3، واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل: فرس ألمظ إذا كان تحجيله بياض.4
ومن الدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله"5.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فوعظهم ثم قال: "يا معشر6النساء تصدقن فإنكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لكثرة لعنكن وكفركن العشير، ثم قال: وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب، (وروى لذوي الرأي منكن)، فقالت امرأة منهن وما نقصان عقلها ودينها؟ قال:7 أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين بشهادة
رجل واحد، ونقصان دينها الحيض فتمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي"1.
فموضع الحجة من الخبر أنه وصفهن بنقصان الدين، فدل على أنه ينقص ويزيد، وأما العشير فإنه الزوج لأن المرأة إذا رأت منه أمراً تكرهه قالت: ما رأيت منك خيراً قط.
ومما يدل على ما قلناه ما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج من النار في الشفاعة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان"2.
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنهما قالا: "الإيمان يزيد وينقص"3.
وكذلك روي عن عمر بن الخطاب - وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمرو، وعمار، وحذيفة، وسلمان الفارسي وأبي أمامة، وعبد الله بن رواحة، وجندب بن عبد الله، وعمير بن حبيب وعائشة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: "الإيمان يزيد وينقص"4.
قال ابن أبي مليكة "أردكت كذا وكذا من الصحابة - رضي الله عنهم - ما مات
رجل منهم إلا ويخشى على نفسه النفاق"1، وكذلك روي عن التابعين كعب الأحبار وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن أبي مليكة2، وميمون بن مهران3، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والحسن والزهري، وقتادة، وابن جريج، وفضيل بن عياض وغيرهم من العلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم أنهم قالوا الإيمان يزيد وينقص.4
وروي عن جندب أنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة5فكان يعلمنا الإيمان قبل أن يعلمنا القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً"6.
وعن أبي سعيد الفريابي7أنه قال: "سألت المزني8في مرضه الذي مات فيه وهو يومئذ ثقيل من المرض يغمى عليه مرة ويفيق أخرى، وقد كانوا صرخوا عليه تلك الليلة وظنوا أنه قد مات، فقلت: أنت أمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الناس قد اختلفوا في الإيمان فمنهم