فمتى حصل للإنسان المعرفة بالله وبصفاته وعلم أن من جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم- حق، حصلت له المعرفة وأدنى المعرفة ما لا يجامعها الشكوك، وأعلى معارف الخلق لله معارف الأنبياء والملائكة لله وهم بذلك متفاضلون.1
ولم يكلف الله الخلق أن يعرفوه كمعرفته لنفسه ولا كمعرفة الأنبياء له بل إذا حصلت للإنسان المعرفة بالأدلة من القرآن أو أخذ ذلك بالتلقين من أبويه في الصغر أو بتقليده العلماء والصالحين في صغره ثم بلغ وصمم على هذه العقيدة فإنه مؤمن كامل الإيمان2وإن لم يحصل له المعرفة بالأدلة التي رتبها المتكلمون ووضعوها، بل قد صرح العلماء من أهل الحديث والفقهاء المشهورون بتحريم الكلام، وقالوا: هو محدث وبدعة في الدين، وقالوا: لو كان طريقاً صحيحاً لمعرفة الله سبحانه لنبه الله سبحانه عليه في القرآن ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- به وتكلمت به الصحابة رضي الله عنهم.
وقد علَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- أصحابه الاستنجاء ودلهم على جميع الأحكام فلو كان الكلام من مهمات الدين لنبه النبي - صلى الله عليه وسلم- عليه.
وروي عن الشافعي3أنه قال: "لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا
الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام"1 وسئل الشافعي - رحمه الله - عن شيء من الكلام فغضب وقال: "سل عن هذا حفص الفرد 2 وأصحابه لعنهم الله"3.
ودخل حفص الفرد على الشافعي - رحمه الله - وهو مريض فقال حفص: من أنا؟ وكان من المتكلمين فقال: "حفص لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت عليه"4.
وقال الشافعي: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة إلى الكلام"5.
وقال أحمد بن حنبل6: "لا يفلح صاحب الكلام أبداً ولا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل"7.
وقال أحمد: "علماء الكلام زنادقة"8.
وقال أبو يوسف1: "من طلب العلم بالكلام تزندق"2.
وقال الحسن البصري: "لا تجالس أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم"3.
وروي أن رجلاً4كان يتهم بالإرجاء فقال لمالك5: "يا أبا عبد الله اسمع شيئا مني، أكلمك به وأحاجك قال مالك: فإن غلبتني قال: تتبعني، قال مالك: فإن جاءنا آخر فغلبني وإياك، قال: تبعناه، فقال مالك: بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم- بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين"6.
قال الغزالي7- رحمه الله - وهو ممن عرف الكلام وخبره: "ما يشوشه الكلام في الدين والجدل أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه، وتقوية المعرفة بالكلام يضاهي ضرب الشجر بالمرقة من الحديد رجاء تقويتها، فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا يحركه شيء، وعقيدة المتكلم الحارس
عقيدته بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا"1.
......................... وحجج القرآن والسنة لا يدفعها ويردها إلا صاحب هوى أو عناد كما أنها مأمونة العاقبة على المستدل بها، أما الكلام فإنه غير مأمون العاقبة على المستدل به كما ذكر الغزالي وهو حجة في هذا وقد ذكر هذا الأمر أيضا كثير ممن ابتلوا بالكلام وبلغوا فيه الرئاسة والتقدم فقد ذكر شارح الطحاوية ص 227 عند قول الطحاوي: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائها شاكا - رحمه الله - مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً" نقل الشارح بعد هذا الكلام اعترافات أساطين الكلام بفساد الكلام وحيرتهم، فنقل ذلك عن ابن رشد الفيلسوف والآمدي المتكلم والرازي والشهرستاني والجويني وشمس الدين الخسروشاهي من كبار تلاميذ الرازي وابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة وأبي عبد الله محمد بن ناماور الخونجي، وفي هؤلاء العبرة والعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والمراد بأدلة المتكلمين ومناهجهم هو كل دليل ومنهج في الاستدلال على الخالق وصفاته والأمور الغيبية لم يرد له أصل في الشرع، وإنما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين أكثروا في الإله من غير قواعد شرعية ولا مناهج إلهية، ومن ذلك قولهم في الاستدلال على حدوث العالم: إن العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث مخلوق ونحو ذلك مما يوصل في حالة تعميمه إلى إنكار وردما جاء به الشرع، كإنكار الصفات أو تأويلها، أو إنكار القدر والشفاعة، وإخراج أحد من النار إلى غير ذلك مما هو معلوم من أقوال المبتدعة والمتكلمين.
# 9- فصل ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله.1
قال هذا الرجل بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول من الأشياء ومعروف2لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما3العزة والجلال.
وهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب أهل السنة لماّ وصفوه بذلك إلى الكذب.
واستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ 4.
ودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ 5.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ 1.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ 2.
والقوة القدرة وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ 4.
والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ 5، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ 6.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي" 7.
والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ 8.
ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلباً عليه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم- في دعائه: "يا من وسع سمعه الأصوات"9.
والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ 1، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف بصفة ثبوت الصفة له وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفاً بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له2كما أثبتته المجسمة.3
ولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية4، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ﴾ 5.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ 6.
وقال الله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 7، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس.
وأما قول هذا المخالف إنه لا يحتاج في الاتصاف إلى آخر كلامه.
فإن أراد بقوله هذا أنه يحتاج ويفتقر فلسنا نقول إنه يوصف بالحاجة والافتقار، وإن أراد أنه لا يوصف بصفة العزة والجلال فغير صحيح، لأن الله وصف نفسه بكتابه بذلك فقال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ 1 وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ 2، ولا يوصف بالعزة والجلال إلا من له العزة والجلال.
وأما الجواب عن استدلال القدري على عدم هذه الصفات لله تعالى بقوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ... ﴾ 3 الآية.
فإنه يقال له ولأهل مذهبه في كل دليل يستدلون به بأنه من كتاب الله قولك: قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أهذا قول الله حقيقة، أو هو قولك حقيقة وقول الله مجازاً؟ فإن قال: بل هو قول الله حقيقة، فقد رجع عن قوله بأن القرآن مخلوق4وقلنا الدليل على إبطال تأويلك لهذه الآية من وجهين: أحدهما: أن نقول: لو كان قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليلا على عدم ثبوت هذه الصفات لله حقيقة لبطل أن تكون هذه الآية قولا له حقيقة5لأن قوله من صفاته وإذا لم تكن قولا له حقيقة لم تكن دليلا على عدم إثبات صفته لأنه يؤدي ثبوت كونها دليلا6إلى عدم ثبوتها، وما أدى ثبوته إلى بطلانه بطل ثبوته، وهذا من التنافي الذي لا يعقله إلا العالمون.
ثم يعارض هذا التأويل بالنص على ثبوت هذه الصفات على ما مضى.1
والوجه الثاني من الاستدلال أن نقول: هذه الآية واردة على سبب، وذلك أن اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت قريش: الملائكة بنات الله، وأخبر الله عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾ فنزه نفسه عن قولهم هذا، ثم قال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي عن الولد، وأخبر أن الجميع ممن نُسب أنه ولد له ملك له، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي حجة أن له ولداً ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ 2 فإذا ثبت أن الآية نزلت على هذا السبب كان تأويل هذا المخالف على ما ذكر مما يوافق مذهبه تبديلا، وإن تجاهل هذا الرجل وتجاسر بالتصريح عن مذهبه وقال بل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ليس بقول الله حقيقة وإنما هو قولي حقيقة.3
قلنا عن قوله هذا جوابان: أحدهما: بأن نقول له: إذا لم يكن هذا قول الله حقيقة فلا جواب لك علينا، لأنا إنما يلزمنا الجواب عن الاحتجاج بقول من قوله حجة4وهو الشارع، فأمّا قول غيره فليس بحجة.
والثاني: أن نقول له: فإذا لم تكن هذه الآية وغيرها قول الله حقيقة فكيف ساغ لك أن تقول: قال الله، وهو كذب وباطل أنه ليس بقول له، وقد شنعت على خصمك بالكذب حين أثبتوا هذه الصفات لله، وهم إنما قالوا كما قال الله، ونطالب هذا القائل وغيره من أهل مذهبه عند الاحتجاج بالقرآن بالتصريح بأي القسمين ليرجع إلى الحق، بأن القرآن قول الله حقيقة، أو بأن القرآن قوله وخلقه، ليتبين كفره، ونقول له إذا صرح بذلك: فمن القائل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ 1، ومن القائل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ 2.
# 10- فصل وقد سمى هذا المعترض نفسه وأهل مذهبه أهل العدل، وسمى أهل الحديث الحشوية1لاستدلالهم بالأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، فيقال له: أما تسميتك وأهل مذهبك لأهل الحديث (الحشوية)، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم-: "يأتي في آخر الزمان قوم من الزنادقة يسمون أمتي الحشوية لاتباعهم الأخبار"2.
وأما تسميتهم لأنفسهم بأهل العدل: هذا اسم لقب فيهم غير مشتق من معنى موجود فيهم بل ضده.3
وقد تسمي العرب الشيء بضده كما قالوا في المهلكة: إنها مفازة، وكما قالوا في تسميتهم للغراب بـ: أبي البيضاء، وتسمية النبي - صلى الله عليه وسلم- لهم بالقدرية.1
والزنادقة2هو الاسم الحقيقي لأن الله أخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو3 إلا وحي يوحى.
# 11- فصل روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- خرج يوماً فإذا ناس من أصحابه على بابه يخوضون في القدر، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم- فغضب حتى كأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال - صلى الله عليه وسلم-: "ألهذا خلقتم أم بهذا أمرتم؟ إنما هلكت الأمم قبلكم بمثل هذا انظر الذي أمرتم به فاعملوا به وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه "1. فهذا الخبر وما أشبهه من الأخبار الواردة في النهي عن الخوض في القدر محمول على الكلام الذي تكلمت به القدرية، كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها وعذب عليها.
وكما تعرض عزير2لذلك فقال: "يارب كيف خلقت الخلق وتعلم أنهم لا يؤمنون ولم تجعل الخلق كلهم طائعين وأنت
تقدر على ذلك، وقال: اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصي لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب"؟ فأوحى الله إليه أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ونهاه الله عزوجل عن الكلام بذلك فأبت نفسه فمحى الله اسمه من النبوة.1
فهذا الوجه من الكلام هو المنهي عنه، فأما القول بأن الأشياء كلها بإرادة الله وخلقه وأن أحداً لا يمنعه عن إرادته وما أشبهه من الكلام فليس ينهى عنه وقد تكلم آدم وموسى في القدر بمثل ذلك2وتكلم به جبريل وميكال3
وتكلم به أبو بكر وعمر وتكلمت به الصحابة.1
روي عن ابن الديلمي2أنه قال: قلت لأُبي بن كعب: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بحديث لعل الله أن يذهب ذلك عن قلبي فقال أبي: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير هذا مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم".
قال: "فأتيت ابن مسعود وسألته فحدثني بمثله، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثني بمثله، وكلهم يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم"3.
# 12- فصل وقد أظهر القدري المعترض على كلامي في الرسالة الإنكار وأكثر التعنيف لما ذكرت فيها أنها نصيحة للمسلمين، فأورد كلاماً كثيراً عمدته أن قال: إن كانت هداية المقصودين بالنصيحة إن اهتدوا أو ضلالتهم إن ضلوا من الله وخلقا له كما في مذهبك فأي فائدة بنصيحة من نصحهم؟ وإن كان لكلام الناصح تأثير في إرشادهم فقد خرج من مذهبه، وإن كان لا تأثير له فلا فائدة به، وكذلك إن كان كلام خصمه الذي نهوا عن استماعه خلقاً لله فأضلهم الله به فأي ذنب على خصمه؟.
والجواب أن يقال له: قد ورد الشرع بالنصيحة لدين الله والمسلمين.
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "رأس الدين النصيحة.
قيل: لمن يا رسول الله؟ فقال: لله ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وللمسلمين عامة"1.
وأمر الله نبيه بتذكير العباد فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2.
وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ 3.
فالنصيحة والتذكير من الناصح والمذكر هو كسب له مأمور به ومندوب إليه ويثاب عليه، والهداية للمنصوح بقبول ذلك والعمل بموجبه تفضل من الله على
# 13- فصل ذكرت في الرسالة أخباراً ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في الصحاح1وهو قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم"2 وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم شيعة الدجال"3.
وقال - صلى الله عليه وسلم-: "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية"1.
فلما نظر الزيدي المخالف هذه الأخبار علم لا محالة أنه هو وأهل مذهبه هم المرادون بهذه الأخبار أخذته العزة بالإثم وأطلق لسانه بالأذية والشتيمة لأصحاب الحديث، وذلك لما لم يمكنه رد هذه الأخبار، وادعى أن المراد بهذه الأخبار هم أهل الحديث الذين يثبتون القدر لله وينفونه عن أنفسهم2، واحتج على ذلك بأخبار لا تعرف بشيء من الأصول المشهورة عند الأئمة فقال: روى حذيفة وأنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "صنفان لا تنالهما
شفاعتي لعنهم الله على لسان سبعين نبيّاً القدرية والمرجئة.
قيل يا رسول الله: ومن القدرية؟ قال الذين يعملون المعاصي ويقولون هي من قبل الله"1.
والجواب أن يقال له ولأهل مذهبه: إذا أدلوا بالاحتجاج بشيء من الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة - رضي الله عنهم - "ليس بعشك فادرجي"2 اعتمادكم على تحكيمكم العقل، وتسمون أهل الحديث الحشوية3لاحتجاجهم بالأخبار فكيف تشاركونهم الاحتجاج بها، ثم يقال لهم: الأخبار إنما يحتج بها إذا صح إسنادها.
قال عبد الله بن المبارك4: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"5 فإذا قيل له من حدثك بقي متحيراً.
وقال ابن سيرين: "كان الناس في الزمن الأول - يعني عصر الصحابة والتابعين - لا يسألون عن الإسناد لكونهم أهل سنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ليميزوا رواية أهل السنة من رواية أهل البدعة"6.
فعلى هذا المستدل أن يثبت سند هذا التفسير7، فإن هذا التفسير لا يعرف عن أحد من أهل النقل الذين أرصدوا أنفسهم لجمع السنن واختلاف
الألفاظ في الروايات حتى إن كثيراً منهم اعتمد على نقل ما سمع من غير زيادة حرف ولا نقصان حرف معولين على قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: " نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع "1، ومنهم من اعتمد على نقل المعاني وتساهل باللفظ الذي لا يخل بالمعنى2معولين على قوله - صلى الله عليه وسلم- " إذا أصبت المعنى فلا بأس"3، وصنفوا بذلك كله كتباً مشهورة لا ينكرها إلا من لا يعتد بخلافه في الأخبار وفي الرواة وأنسابهم وحلاهم4ومساكنهم وحرفهم حتى لا يشتبه الواحد منهم بغيره يرويها ثقات عن ثقات إلى وقتنا هذا، ولذلك سموا أهل الحديث وأهل السنة، وسماهم القدرية لذلك (الحشوية) لينفروا أتباعهم عنه، وإلا فليظهر القدرية لهم كتباً محبرة هذا التحبير5ومنظومة على هذا النظم فإذا ذكر فيها هذا التفسير لزمنا الجواب
عنه، فأما اختراع الكذب والباطل على ما يوافق مذهبهم فلا تقوم به حجة ولا ينقطع به خصم بل يجري مجرى رواية اليهود عن موسى بن عمران - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "شريعتي مؤبدة لا تنسخ " لقنهم ذلك ابن الراوندي1فقيل لهم: هذا شيء باطل، لأنه لو كان صحيحاً لاحتجت به اليهود على النبي - صلى الله عليه وسلم- لأنهم أقرب إلى موسى منكم، ثم يقال لهذا المخالف: تروي عن حذيفة وأنس وابن عمر وغيرهم من الصحابة وأنت وأسلافك تطعنون عليهم وتكفرونهم لبيعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وتركهم لعلي - رضي الله عنهم2-؟ وكيف يسوغ لك الرواية عنهم؟، وأيضاً فإن الأخبار والقرآن لم يتصل لنا العلم به عن الصحابة إلا من أصحاب الحديث، وقد صرحت بالطعن عليهم بقولك: "هم حمال أسفار أو أسمار3لا يميزون بين الصحيح والسقيم والحق والباطل".
وهذا قول شنيع لا يقبله إلا من لا بصر له، فما حمل هذا المخالف على الاحتجاج بالأخبار التي أوردها إلا ليري العامة الذين يطلب استمالة قلوبهم أن له تعلقاً في الأخبار وهو عن هذا الباب بمعزل، ثم يعارض هذا التفسير الذي ذكر بتفسير منقول في الصحاح التي اتفق على صحتها أئمة الأمصار4وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيّاً أنا آخرهم، قلنا: من هم يا رسول
الله؟ القدرية والجهمية والمرجئة والرافضة، قلنا يا رسول الله ومن القدرية؟ قال: الذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم ألا وإن الخير والشر من الله، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا: يا رسول الله فمن الجهمية؟ قال: الذين يقولون القرآن مخلوق ألا وإن القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا يا رسول الله: فمن المرجئة؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، ألا إن الإيمان قول وعمل من قال غير ذلك فعليه لعنة الله.
قلنا: يا رسول الله، فمن الرافضة؟ قال: الذين يسبون أبا بكر وعمر، ألا فمن أبغض أبا بكر وعمر فعليه لعنة الله"1.
وهذا المخالف وأهل مذهبه يقولون بقول الجهمية2والرافضة3بخلق
القرآن وسب أبي بكر وعمر مع قولهم بأن الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم فيحق فيهم الوعيد من جميع الجهات.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "يكون في آخر الزمان قوم يكفرون بالله ولا يشعرون فقيل: يا رسول الله وكيف يقولون؟ قال: يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم "1، وهذه نصوص في موضع الخلاف.
# 14- فصل احتج هذا المخالف بدامغه بما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال للشيخ الشامي الذي سأله عن مسيره إلى الشام، أكان بقضاء من الله وقدر: "لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتما لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب"1، هذه نكتة قوله ومعتمده من الخبر.
فالجواب: أنه لو صح هذا عن علي - رضي الله عنه - لم يلزم علينا بهذا حجة، فإنما يلزم الحجة بذلك على المجبرة2الذين يقولون لا كسب للعبد بفعله ولا صانع له، وهذا يدل على انه لا فهم عند هذا المخالف في الفرق بين المقالتين، ثم تعارض هذه الرواية برواية صح إسنادها عن علي - رضي الله عنه - قال: "الأعمال ثلاثة: فرائض، وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله وبمشيئة الله وبقضاء الله وقدره وبرضاء الله ومحبته وتخليق الله وبإذن الله وبعلمه، ثم يثاب العبد عليه، وأما الفضائل فليست بأمر الله3ولكن بتحضيض الله، وبمشيئة الله وبقضاء الله وقدره وبرضا الله وبمحبة الله وبإذن الله وبعلم الله وتخليق الله ويثاب العبد عليه، وأما المعاصي فمشيئة الله ليس بأمر الله4وبقضاء الله ليس برضا الله وبقدر الله ليس بمحبة الله
وبتخليق الله ليس بتحضيض الله وبعلم الله ليس بإذن الله1ثم يعاقب العبد عليه"2 وهذا يدل على صحة قولنا.
واحتج هذا المخالف بحديثين أحدهما عن ابن عمر والآخر عن الحسن البصري، انهما فسرا القدرية (هم الذين يقولون الخير والشر من الله).
والجواب أن هذا لا يصح عنهما ولم يذكر ذلك عنهما أحد من الأئمة الذين نقلوا أقوال العلماء واختلافهم، وإنما ذكروا عنهما كمقالة أهل الحديث وأنا أذكر بعد ذلك ما نقل عنهم، وعلى هذا المحتج أن يثبت السند عنهما بذلك.
# 15- فصل ذكرت في الرسالة أن الذم الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- للقدرية إنما يلزم الذين يثبتون القدرة لأنفسهم على أفعالهم وينفونها عن الله. فأجاب هذا المخالف عن ذلك بجواب مشوب بالأذية يكرم لسان الكريم عن إعادته لقلة ثمرته وفائدته، وعمدته فيه أن قال: هذا يدل على جهل المستدل بألسنة العربية بأن القدري منسوب إلى القدرة، لو كان كما زعم لقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (القُدْرية) بضم القاف وسكون الدال، فلما لم يقل ذلك وإنما قال: "القدرية" بفتح القاف والدال على أنه نسبة إلى القدر وذلك أليق بقول من يقول كل شيء بقضاء وقدر. والجواب أن نقول: هذا التجهيل منقلب على هذا المخالف، فإنه لا علم عنده بالمصادر الصادرة عن الأفعال والصادر عنها الأفعال على حسب اختلاف النحاة بذلك، وأنه لا علم عنده بتوارد القدر والقدرة على معنى واحد واختلافهما وجواز النسبة إليهما، لكني أبين الفائدة بذلك لمن له دربة وفهم في العربية مما وضعه علماء العربية، وذلك أن أهل العلم اختلفوا في المصدر لم سمي مصدراً. فقال بعضهم: بل سمي بذلك لأن الفعل صدر منه. وقال بعضهم: بل سمي بذلك لأنه صدر عن الفعل.1
وأدلى كل قائل بحجة لا معنى للإطالة بذكر ذلك هاهنا، والفعل الماضي في مسألتنا هو قولهم قدر بتخفيف الدال، وفي المستقبل يقدر بكسر الدال وبضمها لغتان2، فالدليل الماضي قول الله سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ 1، وقال سبحانه وتعالى في المستقبل: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ 2، بكسر الدال، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " فإن غم عليكم فاقدروا له "3 روي بكسر الدال وبضمه، وقالت عائشة - رضي الله عنها- في حديث لها طويل: " فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن المشتهية للنظر" 4، وروي أيضا بكسر الدال وبضمها، وفي المصدر من هذا كله لغات، قالوا: يجوز أن يقال قدر يقدر قدراً بسكون الدال في المصدر مثل حفر يحفر حفراً وغدر يغدر غدراً، قال الشاعر: كل شيء حتى أخيك متاع... وبقدر تفرق واجتماع5وقال آخر: وما صبّ رجلي في حديد مجاشع... مع القدر إلا حاجة لي أريدها6ويجوز أن يقال: قدر يقدر قدراً7، بفتح القاف والدال كقولهم: ختر يختر خترا، وسرف يسرف سرفا، ويجوز أن يقال: قدر يقدر مقدرة وقدرانا، وكذلك هرب يهرب هرباً وطلب يطلب طلباً.
قالوا: ويجوز أن يقال قدر يقدر بضم الدال في المستقبل قدراً وقدرة8، مثل قولهم: نضر
ينضرنضراً، نضرةً، فإذا تقرر هذا علم أن قدرة مصدر كقدر فنسب النبي - صلى الله عليه وسلم- القدرية إلى القدر لقولهم نقدر على أفعالنا قدراً. وأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم- على اللغة الواردة في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 1، والقدر والقدرة واحد، وفي قدر لغة أخرى قدر بتشديد الدال يقدر تقديراً، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ 2، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ 3 قرئ بتخفيف الدال وتشديده.4
وأما قول المخالف: إن اسم الذم بهذا يلزم أهل الحديث لأنهم يقولون كل شيء بقضاء وقدر، فغير صحيح، لأن الإنسان لا يوصف إلا بصفة توجد فيه كالخياطة والصناعة لا يوصف بها إلا من يدعي صنعتها بنفسه، فأما من يقول إنها تصنع لي فلا يسمى بها5، وعلى الجملة فلو سئل الناس من العرب عامتهم وخاصتهم: من القدرية الذين لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يرشدوا إلا إلى الذين يثبتون القدر لأنفسهم، وإلا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ولنبتهل في مواقف الحج التي يجتمع فيها الخاص والعام ولنقل: "لعن الله القدرية" فننظر لمن تحق اللعنة، ونسأل أهل الموقف من المفهوم عندكم والمراد بالقدرية؟ ولنحكم قولهم وقول أكثرهم لأنهم شهداء الله في أرضه.
# 16- فصل ويدل على صحة قولنا قول الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ 1، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "لا يزال هذا الدين ظاهراً"2، وخبر الشارع لا يقع بخلاف مخبره.
ولا شك أن دين الإسلام هو الظاهر على سائر الأديان، قيل في التفسير: إنه أراد ظهوره على سائر الأديان بالدلائل والحجج الباهرة والغلبة والقهر في جميع الأقطار فما من أهل دين إلا وقد أثر فيهم الإسلام بالنكاية والإذلال، وقيل: أراد ليظهره على الدين كله في أرض الحجاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- بعث فيها3، وإذا تقرر هذا في الإسلام فلينظر الآن في الظاهر من مذاهب فرق الأمة، ولا شك عند من أنصف في النظر أن الظاهر منها في الأقطار والأمصار هو مذهب أصحاب الحديث وأهل السنة دون مذهب القدرية وغيرهم من أهل الأهواء، فيعلم أنه دين الحق الذي وعد الله بظهوره.
فإن قيل فبأي شيء استدللتم على ظهوره؟ قلنا: ظهوره بأمور: إن نظرت إلى الكثرة بالعدد وجدت أهل الدهماء في الآفاق من بلاد الإسلام جمع
الله همهم على اتباع أئمة مشهورين بالعلم أفنوا أعمارهم بجمع أقوال الصحابة والتابعين، وعلموا أدلتهم من الكتاب والسنة والقياس واجتهدوا فيما اختلفوا فيه فما أدى اجتهاد كل واحد إليه اختاره مذهباً ونصره وهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة1، وأحمد وداود2، فتبعهم الخلق لما أبانوه من طرق الاجتهاد، ولم يشذ عنهم إلا من لا علم عنده بذلك وإنما أفنى عمره بعلم الفلاسفة والمتكلمين وهم القدرية والزيدية وغيرهم من أهل الأهواء، ولا يعتد بخلافهم إ لا نظر لهم بها، وهؤلاء الأئمة مجمعون على أصول التوحيد ومذاهب أهل الحديث وإن اختلفوا في المسائل الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين الصحابة والتابعين، والقدرية والزيدية منهم جزء لا ينسب.
ون نظرت إلى ظهورهم بالعلم وجدت فيهم من أفنى عمره بجمع القراءات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- باللغات السبع التي قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " أنزل القرآن على سبعة أحرف "3، وهم القراء السبعة4، ومن روي عنهم.
ووجدت منهم من جمع في السنن المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه ما لا تجده في غيرهم، فلذلك سموا أهل الحديث، وكذلك في الفقه وحصر أقوال العلماء، ولا تجد عند أحد من الزيدية وأهل الأهواء مثل ذلك، وإنما عندهم خطب وأشياء يضيفونها إلى أهل البيت لو طولبوا بسندها لم يقدروا إلا بالاختراص والاعاء.
وإن نظرت إلى ظهور الكلمة لم تجد القائم بالجمع والأعياد والمناسك إلا منهم، ولا تقرع المنابر في الأمصار في مكة والمدينة فلا بكلامهم وبما تقتضي مذاهبهم، ولو أن خطيباً من القدرية خطب بمكة بما يقتضي مذهبهم بأن يقول الحمد لله الذي لم يسبق الأشياء في الوجود الذي ليس له سمع ولا بصر ولا إرادة ولا كلام ولا حياة ولا قدرة الذي لا يتم ما أراده من خلقه ويتم ما أراده إبليس منهم الذي لا يغفر للمذنبين ولا يعلم ما يكون حتى يكون ولا يقدر على أفعال خلقه، ويعدد ما يقتضيه مذهبهم الفاسد من إبطال الشفاعة والتكذيب بعذاب القبر والميزان والصراط، وكون الجنة والنار غير مخلوقين وغير ذلك، فهل يقع لكل عاقل إلا أن السيوف تسبق إلى حز رقبة هذا الخطيب، وإن كان هو المستولي على البلد قبل الرد عليه بالكلام، فعلم بذلك صحة قولنا، وفي هذا ما يبطل قول هذا المخالف الموضوع للأذى وهو قوله: إن هذا القائل في بلد أهله بحكم الموتى إلى آخر كلامه الذي لا معنى تحته إلا قلة الحياء والعلم.
وقد احتجت القدرية وغيرهم من أهل الأهواء: أن القلة فيهم تدل على إصابتهم للحق بقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ 1.
والجواب عن هذا من وجوه.
أحدهما: أن نقول: يجوز أن تكون (ما) هاهنا للنفي فيكون المعنى ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ أي ما هم قليل1، فيسقط احتجاجهم.
والثاني: أن الآية واردة على سبب وهو قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يزيد بأخذ اكثر من حقه ويظلم خليطه إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يبغون على خلطائهم وقليل من لا يبغي على خليطه2، بل الغالب أن كلا يريد أخذ أكبر من حقه، ولم يرد أنهم قليل في كون قولهم غير ظاهر أو عددهم في الأمة قليل لأن هذا يخالف قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ 3.
والجواب الثالث: يجوز أن يكون عددهم قليلاً مع يأجوج ومأجوج4،
وناسك ومنسك1، على ما ثبت في الأخبار الواردة ولم يرد أن عدد المخلصين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- أقل عدد المبطلين.2
# 17- فصل قال هذا المخالف: اسم القدرية يلزم أصحاب الحديث وأهل السنة، لأنهم يقولون: إن المؤمن يقدر على الخير ولا يقدر على الشر، والكافر يقدر على الشر ولا يقدر على الخير فلذلك سمو قدرية.
والجواب: أن هذا دعوى لا برهان عليها، ومخالف لما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن القدرية؟ فقال: "هم الذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم "1، فبطل أن يكون المعنى هو ما فسره المخالف.
وبعد هذا فإنا لا نقول إن المؤمن يقدر على الخير ولا يقدر على الشر ولا الكافر يقدر على الشر ولا يقدر على الخير كما قالوه، وإنما نقول القدرة وهي الاستطاعة التي خلقها الله في العبد تصلح للخير والشر فإن أراد الله منه الخير وفقه فآثر بها فعل الخير على الشر، فوقع ذلك وهو مختار لوقوعه، وإن حرمه الله التوفيق وخذله آثر بتلك الاستطاعة عمل الشر على عمل الخير، فوقع ذلك وهو مختار لوقوعه وهذا هو الكسب الذي قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 2.
وإنما التبس على القدرية معرفة ذلك، فهم لا يفرقون بين مذهب المجبرة وبين مذهب أهل الحديث فيرموننا بمذهب المجبرة3، ونسبتنا لهم إلى قول المجبرة أحق وهم به أليق وذلك أن أسلافهم وشيوخهم من المعتزلة يقولون: إن الاستطاعة في الفاعلين ينعدم وجودها قبل الفعل، وأفعالهم توجد منهم باستطاعة لا
يوصفون على إحداثها حال الفعل فصاروا مجبرين على الفعل.1
وأهل الحديث يقولون: إن الاستطاعة لا توجد في الفاعل إلا في حال الفعل، ولا يوصف بالقدرة عليه قبل الفعل بل يخلق الله كل جزء من الاستطاعة في الفاعل حين فعله2فثبت أنهم يرمون أهل السنة بالقدر
والإجبار وهم مبرءون، وأنهم بذلك أحق فهم الداخلون تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ 1.
# 18- فصل ومما استدللت به في الرسالة على أن الله خلق أفعال العباد في الخير والشر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 2 في آي كثيرة، وأفعال العباد أشياء فوجب أن تكون داخلة في جميع المخلوقات.
فأجاب القدري المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية لمعنيين أحدهما: أن أفعال العباد متنازع فيها فعليه أن يدلل على أنها مخلوقة كسائر المخلوقات.
والثاني: أن الآية وإن كانت عامة فإنا نخصصها بالعقل ونخرج أفعال العباد من جملة الأشياء المخلوقة بالعقل، كما خصصنا جميعاً ذات الله سبحانه وإن كانت شيئا من الأشياء المخلوقة، وكما خصصتم أنتم صفاته كعلمه3وإرادته وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه من جملة الأشياء المخلوقة.
هذا نكتة قوله التي يعتمد عليها ولا معنى لذكر ما أورده مع ذلك من الأذية التي استحسنها لنفسه ولا تليق بالعلماء.
والجواب عن الفصل الأول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 4، وحركات العباد داخلة في العمل وآثار عملهم في الأعيان المعمول فيها تسمى أعمالاً لهم فثبت أنها خلق الله.5
والثاني: أن أعمال العباد تسمى شيئاً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ 1، و ﴿جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ 2، و ﴿شَيْئاً إِمْراً﴾ 3 وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ 4، وأعمال العباد محصاة، وإذا سميت أشياء كانت داخلة في عموم الأشياء التي امتدح الله بخلقها ولا يخرج شيء عما مدح به نفسه.
والثالث: أن أفعالهم صفات لهم كألوانهم، فلما كانت ألوانهم خلقاً لله كانت أفعالهم خلقاً له5، وأما قوله إن أفعال العباد وإن كانت أشياء فإنها مخصوص كما خصصنا ذاته وصفاته، قلنا عن ذلك أجوبة: أحدها: أن نقول له: جمعت بين الله وبين صفات الخلق في نفي الخلق عنها من غير علة جامعة بينهما وهذا لا يجوز.
والثاني: أن يقال له: شبهت الله بصفات خلقه بكونهما غير مخلوقين لله1وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والثالث: أن يقال له ولأهل مذهبه: إذا كانت أفعال العباد مساوية لله ولصفاته في عدم الخلق فسموها آلهة وأرباباً كما ألزمتمونا هذا الإلزام في قولنا إن لله صفات قديمة هي علمه وحياته وقدرته وإرادته وكلامه وسمعه وبصره.2
والرابع: أنا علمنا انتفاء الخلق عن الله وعن صفاته بمقتضى العقل الذي لا يجوز ورود الشرع بخلافه، لأنه لو أخبرنا نبي الله خلق ذاته أو خلق صفاته لاستحال في العقل صدقه3لأن المخلوق معدوم الوجود قبل الخلق والخالق له موجود حال الخلق فكيف يوصف الشيء الواحد بأنه معدوم موجود بحاله واحدة؟ وهذا المعنى لا يتصور في أفعال العباد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- لو أخبرنا أو أخبرنا الله بنص القرآن الذي لا يحتمل التأويل بأن الله خلق أفعال العباد في الخير والشر لوجب قبوله، لأن ذلك غير مستحيل ولا مؤد إلى المحال فبطل الجمع بينهما.4