بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم الحمد لله وحده قال الشيخ الإمام الأوحد جمال الدين، مبطل حجج الزائغين، يحيى بن أبي الخير بن أسعد العِمْراني اليماني - قدس الله روحه - الحمد لله خالق الأشياء ومحكمها وموجد البرايا ومعدمها، وناقض العزائم ومبرمها، ولا شريك له في الخلق والتصوير، ولا شبه له في الفعل والتقدير، وسابق الأشياء في القدم، المنزه عن الخرس والصمم، وهادي المهتدين بفضله، وخاذل الضالين بعدله، والعالم بكل مظهر ومكنون، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الواحد الملك التواب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الموصوف بأكمل الصفات، المتعالي عن الوصف بالآفات.
أحمده على إفضاله وإنعامه، وأشكره على نواله وإلهامه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للحق داعيا، وإلى الجنة هاديا، ختم به النبيين وأنزل عليه قوله الحق المبين، وجعله معجزة له في الأولين والآخرين، وشفى به صدور المؤمنين وجعله حجة على الضالين، فقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 1.
صلى الله عليه وعلى أهل بيته الأكرمين، وعلى صحابته وخلفائه الراشدين وسلم وكرم وشرف وعظم، وبعد.
فانتهى إليّ العلم بأنه قدم إلى قرية إبّ2رجل من ولاة القضاء بصنعاء ينتحل مذهب الزيدية والقدرية، لقبه أهله شمس الدين.3
فأظهر القول
هنالك بأن العباد يخلقون أفعالهم وأن القرآن مخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم، ودعا الناس إلى ذلك وسأل الناس المناظرة من أهل السنة.
فرأيت من الحق الواجب والفرض اللازب إنشاء رسالة ونصيحة إلى أهل السنة، فيها بيان مذهب أهل الحديث بخلق الأفعال وإثبات الإرادة وما تشعب عليهما، وجعلت افتتاحها ذكر الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- بالتحذير عن القدرية، فلما وقف عليها هذا الرجل عبس وبسر، وغضب من ذلك ونفر، وصنف في الرد على ذلك كتابا سماه (الدامغ للباطل من مذاهب الحنابل) 1، أبان فيه خفي مقاتله بما ذكر من حججه ودلائله.
فقد قيل: من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه وقصمه.
ومن نظر من المحققين في كتاب هذا القائل وتبين في معناه الحاصل سماه (الدامغ الباطل)، لأنه جعل كلامه فيه الأذى والشتيمة والجفاء، ولم يراع بنفسه منصب القضاء، ولا تأدب بآداب العلماء، الذين صنفوا الكتب الموضوعة للمخالفين في كل فن من العلوم أصولها وفروعها، فاعتمدوا فيها على ذكر المعاني الدقيقة بالألفاظ الحسنة الأنيفة، ولو كان له بصر بالقرآن لتأدب بما أدب الله به أنبياءه، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 2 وقال لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ 3.
لكنه سلك طريق أسلافه وأئمته من المعتزلة والقدرية4في الوقيعة والشتيمة لمن هو مبرأ مما رموهم به وهم الصحابة - رضي الله عنهم - وأصحاب الحديث فهم الداخلون تحت قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ 5
وتحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ 1.
ولا يلزم على قولي هذا افتتاحي الرسالة بذكر الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في القدرية ولا في الرد عليهم، فإن تلك مذمة واردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والعلماء ولقب لهذه الفرقة لا يسع أحد إنكارها2، بل كل فريق يرد ذلك عن نفسه بما أمكنه من التأويل، والله يعلم المفسد من المصلح.
وما أورده من الكلام السخف يدل على انقطاعه وقلة علمه بلا شك ولا ريب عند المحققين من أهل النظر، ولولا خشية دخول الشك والارتياب على من اطلع على كلامه أو بلغه ممن لا خبرة له بمذهب القدرية من أهل السنة لكان الإعراض عن الجواب من الصواب.
فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا كافرا أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما الكافر فيقمعه كفره، وإنما أخاف عليهم منافقا عليم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون "3. وليس يعرفهم إلا من استحكم معرفة أصول الدين الذي يعرف به الحق من الباطل وهم الحجة في كل عصر.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " إن الله لاينزع العلم من صدور الرجال انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيتخذ الناس رؤوساً جهالا فضلوا وأضلوا"1.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة "2. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من لاوأ هم"3.
ومن المفترض على من عرفه الله طريق الرشد وأبان له سبيل الهدى إذا ظهرت بدعة في الدين أن يردها بما قدر عليه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ 4 وقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ 5.
وقد أخذ الله العهد على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والعلماء ورثة الأنبياء.1
قال علي - رضي الله عنه -: "خرج النبي - صلى الله عليه وسلم- يوما فقال: " اللهم ارحم خلفائي.
قلنا له: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحفظون سنتي وأحاديثي ويعلمونها الناس"2.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم-: قال: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها من لم يسمعها"3.
وقال - صلى الله عليه وسلم-: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم "4.
وأدلة العلماء كمعجزات الأنبياء.1
ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم.
وبذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله: "يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"2.
ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يزيل الشبه من حيث علم دخولها.
روي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- أن الشبهة قد دخلت عليه بولده، وأنه قد وقع عنده أن زوجته أتت به من غيره، ولو قال له النبي - صلى الله عليه وسلم- هو ابنك الولد للفراش، لم تزل عنه الشبهة، فعدل عن ذلك وقال له: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال له: "هل فيها من أورق؟ " - والأورق ما لونه كلون الرماد - قال: نعم إن فيها لورُقا قال: "فأنى ترى ذلك؟ " قال: لعل عرقا نزعها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم-: "وهذا لعل عرقا نزعه.."3.
فأزال عنه الشبهة من الوجه الذي يعلم أنه يفهمه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر "، فقال له أعرابي كالمعترض عليه: فما لنا نرى الإبل كالضباء فتكون النقبة بمشفر البعير فتجرب الإبل عن آخرها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "فما أجرب الأول "1. فقمعه بالحجة من حيث علم زوال الشبهة عنه، ولم يقتصر على قوله إن الله يخلق الداء.
وقد أدخلت المعتزلة2، والقدرية3على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا متشابه القرآن وأولوا القرآن على خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين المشهورين بالتفسير، لينفقوا4بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضرار على أصحاب الحديث، ثم بعدهم الأشعرية.5
لأنهم أظهروا
الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم.
فاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها وبينت انسلاخ القدرية منها.
وأما الأصل الذي بنوا عليه أقوالهم فقد1ذكرت الآيات والأدلة التي استدللت بها على خلق الله لأفعال العباد وعلى الإرادة والتعليل والتجويز2وما أورده هذا المعترض عليها بدامغه.3
فأجبت عما ذكر من الأدلة، وتركت من كلامه ما لا فائدة تحته إلا الأذية، فقدمت الأهم منها فالأهم، ثم ذكرت بعد ذلك المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أصحاب الحديث والمعتزلة والقدرية والأشعرية وما حضرني من الأدلة من الكتاب والسنة التي نقلها أئمة الحديث في أصولهم المشهورة
- كالبخاري 1، والترمذي 2 ومحمد بن الحسين الآجري 3، واللالكائي 4، وغيرهم وحذفت ذكر الأسانيد طلبا للإيجاز ليخف حمله ويسهل حفظه لمن أراد مطالعته.
والله أسأله أن يجعله خالصا لوجهه وينفعني والمسلمين به، آمين.
# 1 - فصل: في بيان عقيدة أصحاب الحديث التي أدين الله بها وهي الإيمان بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، قديم لا أول له، مُوجد لا موجد له، باق لا انقطاع له، ليس بجوهر1، ولا جسم2، ولا عرض3ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام، ولا يحلها4، مستو على العرش كما أخبر بلا كيفية، حي عالم، قادر، مريد سميع، بصير متكلم.
موصوف بصفات الكمال.
الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وأن هذه الصفات يستحقها لذاته قديمة بقدمه لا هي هو ولا هو هي، ولا هي غيره ولا هو غيرها1، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأن هذه السور والآيات كلامه تكلم به حقيقة بحرف يكتب وصوت يسمع - لا كحروفنا وأصواتنا - ومعنى يعقل، وأنه أنزله على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-، وأنه غير مخلوق ولا عبارة عن القرآن، وأن لله وجها ويدين كما أخبر بكتابه، ولا يفسر ذلك بالجارحة ولا بالذات والنعمة.2
ونؤمن بأخبار الصفات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في النزول وغيره إيمانا مجملا ولا نفسرها1بل نُمرُّها كما جاءت، وأن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة بعيون رؤوسهم ولا يراه الكفار، وأن الله خلق أفعال العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية، وأنه أمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية وأراد منهم وقوع ما هم عليه، وأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام بعض الإيمان وأن عذاب القبر حق، وأن مسألة منكر ونكير في القبر حق.
وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنه أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء في يقظة من النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأنه اطلع في الجنة والنار وبلغ سدرة المنتهى، فأوحى الله إليه ما أوحى، ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم- ربه.
وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك، فمنهم من قال: رآه بعيني
رأسه، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "ما رآه بعيني رأسه وإنما رآه بعيني قلبه "1. وأن للنبي - صلى الله عليه وسلم- شفاعة في أهل الكبائر من أمته، وكذلك لغيره من العلماء والصالحين، وأن الله سبحانه يغفر الكبائر من الذنوب غير الشرك لمن يشاء من عباده، وله أن يعذب على الصغائر، وأن معرفة الله وجبت بالشرع لا بالعقل، وأن بعث الله للرسل وتكليف الله للخلق أمر جائز غير واجب عليه، وأن الله سبحانه بعث نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم- ونسخ بشريعته جميع الشرائع وختم به النبوة فلا نبي بعده، وأن مراتب الخلافة في الصحابة - رضي الله عنهم - كما وقعت أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - رضي الله عنهم -، وأن الخلافة ثلاثون سنة ثم بعده ملك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة ووردت أخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في تفضيل آحاد الصحابة وجماعتهم لا تتنافى، فيفضل الصحابة - رضي الله عنهم - بما ورد فيهم من الأخبار، وبما جرى لهم من السابقة، ونمسك عن ذكر ما جرى بينهم، ونحمل ذلك على أمور دينية كانوا بها متأولين ويغفر الله لهم ما وقع بينهم فيها من القتل بسابقتهم.
ولا ننكر كرامات الأولياء.
ونصب الإمام في وقتنا حق واجب فمن وجدت فيه شروط الإمامة وظهرت شوكته وقوي أمره وجبت طاعته ولا يجوز الخروج عليه بقول ولا فعل، سواء كانت إمامته بعقد أهل الحل والعقد له، أو باستخلاف إمام حق قبله له أو بغلبته2بالسيف.3
# 2- فصل: والأصول التي بنى أصحاب الحديث عليها أقوالهم، الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهو: أدلة العقل، أما الكتاب: فهو قول الله تعالى وهو القرآن الذي هو سور وآيات الذي هو خارج عن أجناس النظم وعن كلام البشر بمعاني تصح ولا تفسد.1
منها أنه أخبر به2عما كان في التوراة والإنجيل من القرون الماضية والأنبياء المتقدمين، وكان أميا لا يقرأ كتابا، وأخبر عما يكون قبل أن يكون كدخوله مكة وغَلَبَة الروم وغير ذلك فكان كما أخبر، وأمره الله أن يقول: هذا كلام ربي، وأمرني أن أبلغه إليكم، فقالوا: إنما يعلمه بشر، ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فأمره الله أن يتحداهم بالإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، وهم أفصح العرب على النظم والنشر والخطب والرسائل وأنواع الشعر والسجع وبهم من الحمية والأنفة ورفع العار عن أنفسهم ما يدعوهم إلى أن يعارضوه بمثله، وكان الرجلان إذا تساجلا في الشعر والسجع أو غير ذلك وأتى أحدهما بأفصح مما جاء به صاحبه لحق الآخر من النقص والعار بينهم ما يضيق به ذرعه، وأخبر الله لما تحداهم بالإتيان بمثله أنهم لا يأتون بمثله وإن تظاهروا وتعاونوا فقال تعالى: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ 3 فكان كما أخبر أنهم لم يقدروا على معارضته.
وقد عاش فيهم نيفا وعشرين سنة مع حرصهم على تكذيبه وتنفير الناس عنه وتسفيه رأيه، فلو كان من جنس كلامهم لعارضوه ولم يعدلوا إلى قتاله وبذل مهجهم وأموالهم وكان تكذيب قوله بالمعارضة أسهل وأبلغ عند الخلق، ومن تعاطى معارضته بشيء من ذلك سخر منه من كان يحب تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم- وذلك مثل مسيلمة الكذاب، حين تعاطى
معارضة سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾، فقال: "إذا زلزلت القصعت زلزالها، وأسر الغضبان أحواه"ا"1 فالقم فإن اللقم أوحى لها، وفي سورة الفيل بقوله: "الفيل وما أدراك الفيل له ذنب ونبل2ومشفر طويل وإن هذا من كلام ربنا لقليل"3.
فضحك منه أصحابه وعلموا بأنه كذاب، فعلم بذلك كله أن القرآن كلام الله أبان به صدق النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما أتى به4من النبوة وأنه شاهد من الله له بالصدق لأنه يستحيل من الله إظهار المعجزة على يدي الكذابين لأن ذلك يؤدي إلى قلب الأدلة وبطلانها وقد أمر الله باتباع الوحي والاستدلال له بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ 5 ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ 6 وغير ذلك من الآيات.
فأصحاب الحديث هم القائلون بأن القرآن كلام الله حقيقة، وهم المستدلون به على أقوالهم ومذاهبهم وعليه عمدة أمرهم وأساس بنائهم.
فأما المعتزلة والقدرية فلا يصح تعلقهم ولا استدلالهم به لأنهم يقولون: إن الله لا يجوز أن يكون متكلما، ولا قائلا وإن هذا القرآن المتلو المنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مخلوق لله يقدرون على الإتيان بمثله.
وإذا احتجوا بآية أو تلوها فلا يقولون إن الذي يسمع منهم هو خلق
الله كالشجر والحجر بل هو خلق لهم1لأنه كلامهم وجميع كلامهم خلق لهم، فبطل أن يكون لهم فيه حجة أو دليل، وبطل أن يكون معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم- عندهم لأنه إنما ثبت أنه معجزة له ودليل على صدقه إذا ثبت أنه كلام الله حقيقة، وإذا لم يكن ذلك كذلك عندهم فإنما يضاف بأنه كلام الله مجازا كما يضاف قول الحوض إليه مجازا: وهو قول الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني2ثبت أن نبوته مجاز3ليست بحقيقة فهم الداخلون تحت عموم قوله تعالى فيما أخبر عن الوليد بن المغيرة4﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ 5 وتحت عموم قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ 6 وسأبين الحجة على أنه كلام الله حقيقة بعد هذا إن شاء الله.
# 3- فصل: الأصل الثاني الذي بنى عليه أصحاب الحديث أقوالهم: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أمر الله العباد بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ 1.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ 2.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ 3.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ 4.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ 5.
وأولى الناس بالعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وإقراره هم الصحابة جميعهم - رضي الله عنهم - شهد الله ورسوله لهم بالنزاهة مما رمتهم به القدرية وغيرهم من أهل البدع وطعنوا عليهم به.
وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ 6 الآية.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ 7.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"1.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر"2.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-:" ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله من هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي "3. ولو علم الله قرنا أطهر وأطيب منهم لبعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم-، نزل القرآن بلغتهم وعلموا سبب نزوله ومواضع النزول وأخذوا ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم- بلا واسطة بينهم وبينه، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من علماء التابعين وأخذوا
منهم كأخذ كف عن كف، كابن المسيب1وعروة بن الزبير2والحسن البصري3وابن سيرين.4
ثم نقل التابعون ما أخذوه عن الصحابة إلى من بعدهم.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"5.
وأيد الله الدين بأئمة جمعوا السنن ودونوها وصنفوا كتباً في أسماء الرواة وأنسابهم ومساكنهم ونخّلوا6عن طرائقهم في الدين، فميزوا العدل عن غير العدل عناية منهم في الدين لا للانتقاض7بل لميزوا النقل الصحيح عن غيره فكان أصحاب الحديث هم أهل السنة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،
وكل بدعة ضلالة "1. وقال عبد الله بن عمر: "من خالف السنة كفر"2.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ 3 ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: "أهل السنة والجماعة"و ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: " هم أهل البدع والضلالة"4.
وقال سعيد بن جبير5في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ 6 قال:"لزوم السنة والجماعة"7.
فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث مبتدع زائغ لا يستحق أن يصغى إليه.
فالمعتزلة والقدرية1عن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم- بمعزل لوجوه: أحدها: أنهم يطعنون على الصحابة - رضي الله عنهم - الذين بايعوا أبا بكر وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي - رضي الله عنه2- وقد أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم- بالاقتداء بهم جميعاً والأخذ عنهم.
ونقل صاحب كتاب الزيدية ص (356) عن القاسم الرسي المتوفى سنة (246?) قوله: "لنا أم صديقة غضبت على أبي بكر لمنعها فدك ونحن غاضبون لغضبها".
ونقل عن حفيده الهادي يحيى بن الحسين المتوفى سنة (298?) أنه قال بتخطئة أبي بكر - رضي الله عنه - في فدك بدعوى أنها كانت ملك فاطمة - رضي الله عنها- قبل وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي كان قد وهبها إياها، ويعتبر أن أبا بكر قد رد الجميل إلى عمر - رضي الله عنهما - حين عهد إليه بالخلافة من بعده، انظر: كتاب الزيدية ص 181. فهذا أغلظ كلام أئمة الزيدية في اليمن في الخلفاء، أما الباقون فهم على ما ورد عن زيد بن علي من تفضيل علي بن أبي طالب والترضي عن بقية الصحابة، فقد ذكر يحيى بن حمزة المؤيد بالله المتوفى سنة (749?) قول أئمتهم مفصلا في الصحابة في رسالة سماها (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين)، ننقل من ذكر منها صاحب كتاب الزيدية ص 319 وهو قوله: التكفير والتفسيق لا يكونان إلا بدلالة قاطعة ولم يقم البرهان الشرعي إلا على الخطأ في النظر إلى النصوص دون أمر زائد على ذلك من كفر أو فسق، إنا نعلم قطعا وبالضرورة صحة أديانهم وسلامة إيمانهم واستقامتهم على الدين ومحبتهم لرسول رب العالمين ورضاه عنهم ومعرفته لهم ونصرتهم له في المواطن التي تزل فيها الأقدام، وما ورد عنه نت الثناء عليهم وشهادته لهم بالجنة ورضاه عنهم في أكثر أحوالهم… ثم ذكر بعض النصوص الشرعية في الثناء على الصحابة، ثم ذكر حال علي - رضي الله عنه - مع الخليفتين، وأنه كان لهما الوزير والمعين وكذلك الحال بالنسبة لابنيه الحسن والحسين، ثم قال: أما حال زيد فقد كان انصراف الرافضة عنه وما لزم عن هذا من قتل كان أهون عليه من أن يقبل التبري من الشيخين قائلا: كيف أتبرأ منهما وقد كانا وزيري جدي وصهريه، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم-، كذلك فإن الأمر من محمد النفس الزكية وإبراهيم ويحيى ابني عبد الله ولو قد سبوهما لما تابعهم أكابر المعتزلة لأن لعن الصحابة عندهم يبطل العدالة فضلا عن الإمامة، وسئل جعفر الصادق عن أبي بكر فقال: ما أقول فيمن أولدني مرتين (يعني بذلك أن أمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فجده لأمه وأم أمه أبو بكر رضي الله عنه)، وكان الناصر للحق يملي أحاديث مروية عنهما بالترضية عليهما فلما كف المستملي من كتابة الترضية زجره الإمام قائلا: لم لا تكتب (رضي الله عنهما)، إن هذا العلم لا يؤثر إلا عنهما أو عن أمثالهما.
فخلص من هذا إلى أنه لم يؤثر عن أمير المؤمنين ولا عن أحد من أئمة أهل البيت بكفر أو فسق أحد من الصحابة، وأن الإقدام على الاكفار والتفسيق من غير بينة وعلى غير بصيرة إثم كبير، بينما التوقف فيهم ليس إقداما على محظور، وليس التوقف مذهبا وإن كان مذهب الهادي والقاسم والمنصور، وإنما الترضية، لأنا رضينا على من رضي الله ورسوله عليهم حيث قال فيهم الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَان﴾.
إن مذهبنا الذي نحب أن نلقى الله ونحن عليه: أن الإمام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- هو علي بن أبي طالب مع حسن الظن في الثلاثة الذين تولوا قبله، فما فعلوا ذلك جرأة على الله بل على سبيل الخطأ في النظر، وما خطؤهما في مخالفة النصوص بكبيرة ولا صغيرة لما اشتملت عليه النصوص من دقة وغموض، وما كان إقدامهم على مخالفة النصوص جرأة على الدين وأنهم يدخلون الجنة لما ورد فيهم من الأخبار.
ولقد قال الإمام المنصور: "إن أئمة الزيدية وعلماءها متابعون للجارودية، غير أن غرضه أنهم متابعون لهم في القول بالنص الخفي على علي لا فيما ورد عن أبي الجارود من تفسيق الصحابة فذلك ما لم يرد عن أحد من أئمة الزيدية".
وقال الهادي يحيى بن الحسين في كتاب الأحاكم: "من أنكر النص على أمير المؤمنين فقد كذب الله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فقد كفر بالله ورسوله".
ولكن هذا القول من الهادي محمول على من أنكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: "من كنت مولاه فعلي مولاه " وليس محمولا على الصحابة، وإلا فكتاب الأحكام محشو بالرواية عن الصحابة وعن أبي بكر وعمر ولو قد كفرهم أو فسقهم لما نقل عنه لأن الكافر أو الفاسق ساقط العدالة ولا يوثق بقوله.
انتهى.
وبهذا النقل المطول يتضح أن أكثر أئمة الزيدية في اليمن على مذهب زيد في عدم الطعن في الصحابة ما عدا الكلام الذي سبق ذكره عن القاسم والهادي وقد اعتذر عن الهادي المؤيد بالله بما سبق ذكره عنه، والله أعلم.
والثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار.1
وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل2إلينا القرآن الذي هو أصل السنة إلا منهم.
والثالث: أن السنة فرع للقرآن لأن نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم- إنما ثبتت بثبوت معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن الذي هو كلام الله القديم.3
وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو السنة.
والرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل ولا عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم1والترمذي، وسنن أبي داود2وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على روايتها والاحتجاج بها وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت وهم عنها3برءاء كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين في الأعراض والجواهر والأجسام.4
والوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- عارضوه بخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم فإن وافق ذلك وإلا فارموا به"5.
وهذا الخبر ليس بصحيح لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه ولو عرضنا الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في مواقيت الصلاة وأعداد
الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- نقلاً متواتراً وأجمع العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما يوافقها1فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ضبط الأحاديث.
# 4 - فصل: الأصل الثالث: الإجماع وهو إجماع علماء العصر على حكم الحادثة 1. وهو حجة في الأحكام الشرعية، وقال بعض المعتزلة: الإجماع ليس بحجة.2
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ 3.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ﴾ 4.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ 5.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على خطأ"6.
والأدلة في ذلك كثيرة.
فالقائلون بهذا الأصل هم أهل السنة الذين أفنوا أعمارهم بحصر أقاويل العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الأعصار.
كلما ذهب قرن أيد الله الذين بعدهم بقوم على صفتهم بذلك، والمعتزلة والقدرية من هذا بمعزل لوجهين: أحدهما: أنه لا يعتبر إلا1إجماع الفقهاء، والفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، ولا يعتد بخلاف أهل الكلام الذين لا معرفة لهم إلا بالجواهر والأجسام والأعراض، وهذا علم القدرية، ولا ينقل ذلك عن الصحابة والتابعين.2
الثاني: أن أول عصر العلماء هم الصحابة - رضي الله عنه - وهم يطعنون عليهم على ما مضى3فكيف يسوغ لهم النقل عنهم.
# 5- فصل: الأصل الرابع: هو القياس وهو أدلة العقل.1
وهو أصل من أصول الأدلة عندنا في العقليات والسمعيات، ولكنه غير موجب بنفسه بل الموجب والمحسن والمقبح هو الشرع.2
والعقل آلة للتمييز بين الصحيح والباطل، ولم يكلف الله المعرفة به إلا من له عقل3ولكنه تابع للشرع، ولم يلتزم القدرية بشيء من الأصول الأربعة إلا بالعقل إلا أنهم غلوا فيه وجعلوه عمدة أمرهم وأساس بنيانهم وركبوا فيه طرقا وعرة، وجعلوا مات ورد في الكتاب والسنة تابعا لما في عقولهم فإن وافقهم وإلا رموا به.4
وهذا خلاف قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 1 وغير ذلك من الآيات.
وسأبين ما تبعوا فيه العقل وخالفوا فيه الكتاب والسنة
# 6- فصل: معرفة الله وجبت بالشرع، ولو لم يبعث الله الرسل لم يجب علينا معرفة الله ولا عبادته. ولكن لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر بمعجزاتهم.1
وعرفنا الله تعالى بالعقل. وقالت المعتزلة والقدرية: معرفة الله وجبت بالعقل ولو لم يبعث الله الرسل لكان في العقول ما يدل على توحيدهم لله سبحانه.2
وهذا نفس قول البراهمة الذين قالوا بإبطال الوسائط 3.
والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ 4
وقوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ 1.
فقال بعد الرسل ولم يقل بعد العقل.
وأي طريق في العقل يؤدي إلى تحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله وما الفرق بين العمة وبنتها في النكاح.
# 7- فصل ومن أصول القدرية الفاسدة التي بنوها على عقولهم الفاسدة وخالفوا بها الكتاب وإجماع المسلمين قولهم: إن المعدوم شيء.1
وعندنا: أن اسم الشيء لا يقع إلا على الموجود فالموجود هو شيء والشيء هو الموجود. وعند أهل اللغة: أن المعدوم لم يستحق اسماً لعدمه وما يقوم به. والقدرية: قائلون بقدم العالم، فعبروا عنه بقولهم المعدوم شيء والعالم في حال عدمه كهو في حال وجوده، وأن الله لم يتقدم الأشياء في كونها أشياء.2
وهذا قول الدهرية: الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ 3.
وهو كفر لا إشكال فيه على من له فطنة صحيحة.
والدليل على فساد قولهم، قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ 2.
وقد احتج النبي - صلى الله عليه وسلم- على من قال بالعدوى، وأنه يتولد شيء من شيء بقوله: "فمن أعدى الأول "3.
# 8- فصل وعند المعتزلة والقدرية لا تصح المعرفة بالله لأحد إلا بالأدلة التي رتبها المتكلمون في الجواهر والأعراض، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى يعرف ستة أبواب وضعها الفلاسفة وهي: معرفة الجواهر الأعراض والأجسام، واستحالة الظهور والكمون عليها1، واستحالة عرو الأجسام والجواهر عن الأعراض، والبقاء، والمداخلة، والمجاورة.2
وقد أظهر هذا الرجل بدامغه الإنكار عليّ بقولي في الرسالة: تركت الاستدلال بأدلة المتكلمين، ولا شك أن رأيه بذلك رأي أسلافه.
واعتماد أهل السنة وأصحاب الحديث في الاستدلال على الله تعالى
وعلى صفاته وعلى البعث إنما هو بما أرشد الله إليه في القرآن، لأن الله سماه شفاءاً وبياناً بقزله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ 2 وليس بعد بيان الله بيان ولا بعد شفائه شفاء، وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم- أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ 3.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ 4 ونبه الله العباد على الاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ 5.
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبَابِ﴾ 6، وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ 7.
ومن خلق الله فيه أذناً فطنة، وأمده الله بالتوفيق إذا نظر ابتداء خلقه من نطفة وتنقلها من حالة إلى حالة إلى أن تصير لحماً وعظماً وعصباً ودماً وصوراً مختلفة، وما ركب فيها من السمع والبصر والشم والروح، وتغذيته في بطن أمه الذي أوصل إلى كل عرق وعضو من الغذاء ما يقوم به، وتنميته على التدريج في المادة التي لو أراد ذلك في لحظة لأمكنه، وإخراجه له من مكان ضيق، وما جعل فيه من الشهوة للغذاء التي يقوم بها جسده وما ركب به من الإلهام الذي يقصد به حين يولد إلى ثدي أمه ويمتص اللبن ويعلم أن
بالمص اللبن إلى بطنه، علم أن لذلك صانعاً صنعه ومدبراً دبره.1
وقد ضرب الله المثل بالبعوضة مع صغر خلقها ووهن قوتها، فمن فكر في نفسه في صغر خلقها وتقدير أعضائها وأجزائها والإلهام المركب فيها حتى حصل لها به المعرفة لمنافعها ومضارها، فلو أراد العاقل أن يعرف كيف ركب الإلهام فيها حتى عرفت أن بين جلد الإنسان ولحمه دماً هو غذاؤها ولولا معرفتها بذلك لم تقصد إلى مص الجلد ثم تديم المص إلى أن يخرج لها ذلك الدم، وكيف الإلهام الذي عرفت به أن في وقع الكفّ عليها تلفها، وكيف حذرها ومعرفتها بأن في الفرار من وقوع الكف عليها نجاة لها، وكيف هيئتها التي قصدت بها الطيران والفرار، لم يقدر على إدراك ذلك فيعلم بذلك أن لها خالقاً ومدبراً دبر هذا الصنع العجيب فيها.
ومن نظر إلى السماء وحسن خلقها واتساقه وعدم الفطور فيها، وإلى الشمس والقمر والنجوم الجارية فيها بلا فتور على نظام متسق في أوقات مختلفة متراخية، أو نظر إلى الأرض وما فيها من الجبال والرمال والأشجار والثمار والزروع المختلفة في المنظر والطعم والريح علم أن لها محدثاً وخالقاً ومدبراً دبرها، ومن توهم بنفسه أو تصور بعقله أن هذا كله أو بعضه وجد بغير صانع صنعه ولا موجد أو جده نسب إلى الجهل والحماقة، كما ينسب إلى الجهل وقلة العقل من كان بين يديه تراب وتصور عنده أنه يصير بنفسه طيناً ثم لُبْناً ثم داراً مبنية بغير صانع يصنعه من بني آدم، يستدل بما شاهد من الدور المبنية والصُنَع المتقنة ومشاهدته لمن يصنع ذلك على أن خلق السموات والأرض وما فيهن من الصنع المتقن من صانع صنعها، واستدل بإتقان الصنع بذلك على أن صانعها عالم بما صنع وقادر على2ما صنع، إذ لا يتأتى الصنع العجيب المتقن ممن لا علم له ولا قدرة على ما صنع،
واستدل بتقديم ما تقدم منها وتأخر ما تأخر منها على أن صانعها مريد لما صنع وأن له إرادة. واستدل على أنه حي بأن الأفعال المحكمة المتقنة لا تتأتى من الجماد والموت. واستحال أن يكون الفاعل الحي العالم القادر المريد موصوفاً بصفات النقص وهي: الصمم والعمى والخرس، ويتعين وصفه بضد ذلك وهو السمع والبصر والكلام، وقد وصف نفسه بذلك في القرآن.1
ويستدل على البعث من القبور بالآيات التي أرشد الله الخلق إليها بالاستدلال على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ 2.
فنبه الله الخلق على الاستدلال بإعادته الخلق بابتدائه لخلقهم لأنهم قد أقروا بأنه خلقهم ابتداءً والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 3 وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 4.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ 5.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ 6.
قال الضحاك1: ليس شيء من خلق الله إلا هو يطيعه في التسبيح والسجود والحياة والموت والنشور وإن كانوا عاصين له فيما سوى ذلك من العبادة.2
وتأويل الآية أنه إذا قدر على خلقه في الابتداء في بطن أمه نطفة ثم علقة ثم مضغة بغير مثال سبق فهو على إعادة خلقه أقدر ثم قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، والهين السهل الذي لا مشقة فيه من العمل.
وقد اختلف الناس في الهاء وهي الضمير في عليه فقال قوم: الهاء عائد على الله أي هين عليه الابتداء والرجوع، قال مجاهد3: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال: "خلق الإنسان في الابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة فإذا أعاده فإنما يقول له كن فيكون"4.
وقال قوم: الهاء عائدة على الميت لأن إعادته هينة عليه وهو أهون من خلقه طوراً بعد طور، وقال السدي1: "ليس يشتد على الله ولكن يعني به المخلوق أي يصاح به ويقوم سويا"2. وقال قوم: الهاء لله ومعناه وهو عليه عندكم فيما تعالجون أنتم لأن الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً فكر فيه وتثبت فيه كيف يعمله طويلاً أو قصيراً فإذا عمله ثم أراد إعادته رده بلا تفكر ولاتثبت، أي فأنتم قد أقررتم بابتداء الخلق وهو عندكم أشد من إعادته فمن أقر بابتداء الخلق فهو أحرى أن يقر بالإعادة.3
ومثل هذه الآية في الاستدلال قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ 4.
وسبب نزول هذه الآية أن أبي بن خلف بن وهب الجمحي، أخذ عظماً قد نخر بيده وجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا محمد تزعم أن الله يحي الموتى بعد أن كنوا عظاماً بالية وترابا، أترى الله يحي هذا بعد أن أرم
وجعل يفتته بيده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: "يحي الله هذا ويميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار جهنم", فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية.1
فاحتج الله عليهم بابتدائه لخلقهم الذي أقروا به وأنه يحييهم بعد أن صاروا عظاماً رميما كما أنشأهم أول مرة ثم أخبر عن صنعه الذي يشاهدونه فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً﴾.
أي الذي أخرج النار وهي حارة يابسة من الشجر الأخضر الرطب وهما ضدان فلا النار تحرق الشجر ولا رطوبة الشجر تطفئ النار2وكل عود يقدح منه النار إلا من عود العُنّاب3فإنه لا يقدح منه النار.