52- فصل ومن الدليل لنا أن الله سبحانه أمر بما أمر لما يرد وقوعه: وهو1أن الله أمر نبيه إبراهيم بذبح ولده2بدليل قوله إخباراً عن ولده إبراهيم لأبيه3: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؛ لأنه أمره به في المنام ثلاث ليال4، ولم يرد منه الذبح، إذ لو أراد منه الذبح لوقع عندنا5ولما نهاه عنه عند6القدرية؛ لأنه لا يجوز أن ينهاه عن الحسن عندهم.7
فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: لا يأمر الله إلا بما يريد وقوعه، وأما إبراهيم قد اختلف فيما أمر به.
فمنهم من قال: إنما أمره الله بمقدمات الذبح ولم يأمره بنفس الذبح، بل
صار إبراهيم مستشعرا لورود الأمر بالذبح ولذلك قال الله: قد صدقت الرؤيا.
ومنهم من قال: إنما أمره بالذبح وأن إبراهيم - رضي الله عنه - كان كلما فرى المَذْبَح من جانب التحم ما فراه فعلى كلا الأمرين، فقد1فعل إبراهيم ما أمر به.2
والجواب: عن القول الأول من أوجه: أحدها: أنه خلاف القرآن؛ لأن الله أخبر عنه أنه قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ 3، وروي أن الله لما بشره بإسحاق قال هو إذاً لله ذبيحاً4،
فلما بلغ معه السعي قال: وقت العمل، وقيل: المشي1إلى الجبل، رأى في المنام ثلاث ليال متتابعات أنه يذبحه، فلما دخل معه الشعب قال: يا أبت2أين قربانك الذي تتقرب به إلى الله، قال: يا بني أنت قرباني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت افعل ما تؤمر.3
والوجه الثاني: أنه لو كان المأمور به هو مقدمات الذبح لما قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. وروي أنه قال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلي فترحمني وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله واربط يدي إلى رقبتي.4
وروي أنه لما أراد ذبحه أخذ الشفرة والرسن5وذهب بإسحاق، قال ابن
عباس هو إسماعيل1، فلقي إبليس إسحاق فقال: أفتدري ما يريد بك؟، قال: لا، قال يريد أن يذبحك، قال: ولو، قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.
قال: هو أهل أن يطيع ربه، فتركه وأتى سارة فقال: يا سارة أين ذهب إسحاق؟، قالت: أمره أبوه أن يتبعه، قال: فما أخذ قالت: الشفرة2والرسن، قال: أفتدرين ما يريد؟ قالت: لا، قال: يريد أن يذبحه، قالت ولم؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك3، قالت: هو أهل أن يطيع ربه.
فلما أراد أن يذبحه قال له: أي أبت أوثقني لا أجد حر السكين فأضطرب، فأوثقه فجعل يمر السكين على حلقه وملك يقلبها حتى عرف الله منه الصدق فنودي بالفداء، فأوحى الله إليه أن يا إسحاق: إن لك بما صبرت للذبح دعوة، قال: يا أبت ائذن لي أن أدعو بها4، قال: بل أخرها إلى يوم القيامة، قال: يا أبت ائذن لي أن أدعو بها قال: ادع بها، قال: اللهم لا يلقاك أحد مخلصا بأنه5لا إله إلا أنت إلا أدخلته الجنة6، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبقني بها إسحاق "7.
والوجه الثالث: أنه لو كان المأمور به هو مقدمات الذبح الذي فعله لما احتاج إلى الفداء. وقد قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وأما قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي اطلع الله على صدق إرادتك وقوة عزيمتك على الذبح فكافأه الله على ذلك وفداه بالذبح. وأما الجواب عن قول من قال: إنه قد قطع حلقه ولكن كلما قطع شيئاً التحم. أن يقال: لا يستحيل ذلك بقدرة الله، ولكن لو كان ذلك كما ذكر لأخبر الله عنه؛ لأنه من الآيات الباهرة، فقد أخبر عن صبر إبراهيم وولده وهذا أولى بالإخبار، وأيضاً فلو كان لما احتيج معه إلى الفداء؛ لأنه قد فعل ما أمر به.1
ويدل على أن الله سبحانه أمر بما لم يرد وقوعه ما روي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرض الله على أمتي ليلة المعراج خمسين صلاة، فلما لقيت موسى بن عمران قال: ما فعل معك ربك؟ قلت2: فرض على أمتي خمسين صلاة، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا
تطيق ذلك، فراجعنته فنقص منهم خمساً فما زلت أتردد بين ربي وبين موسى حتى جعلها خمساً فقال موسى: ارجع إلى ربك1فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك. فقال: إني أستحيي من ربي، فإذا النداء من عند الله: ألا إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وجعلت الحسنة بعشر أمثالها هي خمس وهن خمسون ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد" 2. وهذا الخبر إنما يؤمن به من يؤمن بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والإسراء، فأما القدرية فإنهم يردون الإسراء وما فيه من الأحاديث، كما ردوا المعجزة في القرآن بأنه ليس من كلام الله.3
ومما يدل على أن الله سبحانه أمر بما لم يرده وقوعه هو أن الله سبحانه أمر الناس بالجهاد والخروج إلى غزوة تبوك، فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ 4 الآية، ثم أخبر عن المنافقين واستئذانهم للنبي صلى الله عليه وسلم في التخلف لما بعدت عليهم المشقة إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ والتثبيط: ردك للإنسان عن الشيء يفعله5﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ 6 أي ألهموا ذلك في قلوبهم.
فأجاب القدري المخالف عن هذا وقال:
لا حجة بهذه الآية1، لأن الله سبحانه إنما ثبطهم وكره انبعاثهم لأن خروجهم لم يكن للجهاد، وإنما كان غرضهم المعاندة والفساد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً…﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً﴾ 2.
والجواب أنا نقول: الحجة لنا في أن الله أمرهم بالخروج ولم يرد خروجهم لأنه ثبطهم عنه ولم يقدرهم عليه، وإن كان المعنى الذي ثبطهم لأجله هو ما ذكرت3من خروجهم للفساد فقد حال بينهم وبين ما أمرهم به بتثبيطه لهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ 4.
وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ 5 وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ 6.
استدل المخالف على أن الله لا يأمر إلا بما يريد وقوعه: أن صيغة الأمر وهو قوله: افعل، قد يرد والمراد به7الأمر، ويرد والمراد به التهديد، ويرد والمراد به الإباحة، وترد والمراد بها التصغير والتحقير كقوله ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُون﴾ ِ.8 ولا بد من مخصص يقتضي كون هذه الصيغة أمراً وليس ذلك إلا كون الآمر مريداً لحدوث المأمور به.9
لا حجة بهذه الآية1، لأن الله سبحانه إنما ثبطهم وكره انبعاثهم لأن خروجهم لم يكن للجهاد، وإنما كان غرضهم المعاندة والفساد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً…﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً﴾ 2.
والجواب أنا نقول: الحجة لنا في أن الله أمرهم بالخروج ولم يرد خروجهم لأنه ثبطهم عنه ولم يقدرهم عليه، وإن كان المعنى الذي ثبطهم لأجله هو ما ذكرت3من خروجهم للفساد فقد حال بينهم وبين ما أمرهم به بتثبيطه لهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ 4.
وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ 5 وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ 6.
استدل المخالف على أن الله لا يأمر إلا بما يريد وقوعه: أن صيغة الأمر وهو قوله: افعل، قد يرد والمراد به7الأمر، ويرد والمراد به التهديد، ويرد والمراد به الإباحة، وترد والمراد بها التصغير والتحقير كقوله ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُون﴾ ِ.8 ولا بد من مخصص يقتضي كون هذه الصيغة أمراً وليس ذلك إلا كون الآمر مريداً لحدوث المأمور به.9
تكون الصيغة أمراً وإن كره المأمور به.1
وأما قوله: يكون الأمر تهديداً والتهديد2أمراً فغير صحيح، لأنا قد قلنا الأمر3 هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب عند من قال: إن المندوب ليس مأموراً4به5، والتهديد ليس باستدعاء الفعل فبطل ما قاله.
استدل المخالف: أن العقلاء متى سمعوا أو علموا أن الواحد أمر بشيء من الأشياء علموا أنه مريد لحدوثه.
والجواب: أنا لا نسلم، بل قد يحسن من الأشياء الأمر بالشيء ولا يريد حدوثه.
ألا ترى أنه لو كان لرجل عبد وكان لا يطيعه فيما يأمره به فعاقبه على ذلك وشكاه العبد إلى قاهر له أو صديق له فقال له: لم عاقبت عبدك
، قال: لأنه لا يطيعني، قال: فما الدليل، قال: أريك ذلك مشاهدة، فاستدعى عبده بحضرة من عاتبه عليه وأمره بأمر ليقرر عذره عند من عاتبه على عقوبته، فإنه يحب أن لا يفعل المأمور به ليكون صادقاً عند من عاتبه، فلو كانت إرادة المأمور به شرطاً في الأمر لما تمهد عنده عذره لأنه يقول له أمرته بفعل ذلك وأنت لا تريد وقوعه منه1فبطل بذلك ما تعلق به المخالف.
53- فصل استدل المخالف على مذهبه بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ 1.
قال: ولا شك أن ضلالهم شر وقد أراده2، فأي لوم على من أضاف إلى الشيطان ما أضاف الله إليه من الشر.
والجواب: أنا لا ننكر أن الشيطان يريد الشر ولا يريد الخير، وإنما الخلاف بيننا أن الله أراد كل كائن من الخلق من خير وشر، فنقول: إن الله أراد الشيطان وخلقه وأراد إرادته وخلقها فيه، وأراد إغواء3إبليس فأغواه، ولهذا قال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ 4 فنسب الإغواء إلى الله، وليست الآية حجة له أن الله لم يرد إرادته، بل قد دل على ذلك بآية أخرى وهي قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 5.
54- فصل استدل المخالف بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ 1 فأخبر الله تعالى أنه يريد لهم الهداية والبيان والتوبة، وأن المتبعين للشهوات يريدون منهم الميل عن الصواب.
والجواب: أنه لا حجة للمخالف بما ذكر، لأنا ننكر أن الذين يتبعون الشهوات يريدون الميل عن الحق، ولكنا نقول إن الله تعالى أراد وجودهم وخلقهم وأراد إرادتهم وخلقها بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 2، وإرادتهم صفة لهم، وصفاتهم مخلوقة لله تعالى كألوانهم وهيآتهم.
وبيان معنى الآية أن الله سبحانه لما بين المحرمات في النكاح، وبين لهم من يحل لهم نكاحه من الإماء قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ 3 يعني لبين لكم حلال النكاح وحرامه ويعرفكم العدد4في تزويجكم الإماء إذا لم تقدروا على تزويج5الحرائر، ثم قال ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي يرشدكم سنن6 الأنبياء والذين من قبلكم من المؤمنين أي شرائعهم ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني يتجاوز عنكم من نكاحكم إياهن قبل التحريم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يدخل في الأمور المحظورة التي بين أمرها ﴿حَكِيمٌ﴾ في جميع ذلك ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني من نكاحكم7إياهن قبل التحريم، وهذا
التكرار للإطناب والتشديد1﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات﴾ يعني الزنا، وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح بنت الأخت من الأب حلال2وذلك3﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن الحق ﴿مَيْلاً عَظِيماً﴾ في استحلال بنت الأخت من الأب ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ في تزويج الأمة إن لم تجدوا طولاً للحرة ﴿وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ لا يصبر عن الجماع.4
55- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة مما روي عن ابن عباس – رضي الله عنه - أنه قال: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن آمن بالله وكذب بالقدر كان تكذيبه بالقدر نقضاً لتوحيده"1.
وصدق – رضي الله عنه -، فإنه لا يصلح للقدري القول بالتوحيد إلا وناقضه، لأن الله سبحانه نبه على وحدانيته بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 3.
ومعنى قوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ لوقع الخلاف والتضاد كما نرى ذلك في الشاهد في ملوك الدنيا، ولكان إذا أراد أحدهما شيئاً أمكن الآخر خلافه فيفسد التدبير4وحقق الموحدون التغالب5والتمانع6في المعنى المراد بقوله: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
فقالوا1: لو كانا اثنين لم يخل إما أن يتم ما يريدان، أو لا يتم ما يريدان أو يتم ما يريد أحدهما، فإن تم ما يريدان أدى إلى اجتماع الشيء وضده إذا أراد أحدهما إحياء شيء وأراد الآخر موته، أو أراد أحدهما وجود شيء وأراد الآخر عدمه، وإن لم يتم ما يريدان أدى إلى تناهي قدرتهما وعجزهما، والعاجز لا يكون إلهاً، وإن تم ما يرد أحدهما دون الآخر كان من تمت إرادته هو المستحق للإلهية، فثبت القول بأن الإله واحد لا شريك له.2
فالقدرية لا يتم ما يريد إلههم، لأنه لو أراد الإيمان من الكافر والطاعة من العاصي، وأراد إبليس من الكافر الكفر ومن العاصي المعصية، فلم يتم ما أراد الله وتم ما أراد إبليس، فعلى مقتضى قولهم أن المستحق للإلهية هو إبليس دون الله ويتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإنما شبه النبي صلى الله عليه وسلم القدرية بالمجوس3، لأن المجوس قالوا: النور يريد الخير ولا يريد الشر.4
فأجاب المخالف عن هذا بأن قال: لا حجة بهذا لأن التكذيب بالقدر1يقتضي نقص التوحيد: هو الذي يقتضي نسبة فعل الله إلى غيره، ولم يثبت أن المخازي فعل الله حتى يكون من نفاها عنه، ناقضاً لتوحيده، بل قد ثبت بالأدلة التي2مضت3أن المخازي والمعاصي من أفعال العصاة والفسقة، وإنما يكون نافياً لقدر الله من نفى عنه شيئاً في النعم والخيرات من الحياة والعافية، أو في المحن التي يبتليهم بها من المرض والخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس4، لأن هذه الأمور لا يتولاها غيره، ولذلك لم يصح أن يأمر بها أحداً من عباده ولا أن ينهاه.
والجواب أن يقال: لهجك بتسمية الأفعال مخازي ومعاصي وخبائث لا يقر ذلك صحة المذهب ولا إبطال قول خصمك بأن الله له أن يخلقها، فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الكلب خبيثاً5، ولا يدل ذلك على أن الله لم يخلقه، وقد بينا فيما مضى6أن هذه الأفعال إنما تسمى معاصي وخبائث ومخازي في حق من حرم عليه فعلها وهم العباد المكتسبون لها، ولا تسمى بذلك في حق الله وإن كان خالقها، وأيضاً فإن كانت العلة التي تقتضي نفي خلق الله لأفعال المعاصي في العباد كونها خبائث وقبائح، فإن هذه العلة التي تقتضي غير موجودة في أفعالهم7بالطاعات، بل تسمى بضد هذه الأسماء فيقتضي أن الخالق لها هو الله، لأنها طاعة حسنة جميلة، وإذا ثبت خلق الله لها لزمكم أن
يكون الله خالقاً لأفعالهم في المعاصي والمباحات لأن أحداً لم يفرق بينهما.
وأما قوله: إنما يكون نافياً لقدر الله من نفى عنه1أفعاله في النعم في الحياة والعافية أو في المحن وهي الابتلاء بالخوف والجوع، فغير صحيح، لأن أجلَ النعم التي أنعم الله بها على العباد الإيمان بالله وبرسوله وياليوم الآخر، فينبغي أن يكون الله خالقاً لتصديق العبد بذلك ولأعمال الطاعات مثل أفعال الصلاة والحج والجهاد، وقد أخبر بذلك بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَان﴾ 2 فتكون هذه النعمة من جنس النعم3عليه بالعافية والحياة، وأعظم المحن والابتلاء المحنة بالمعاصي، فينبغي أن يكون الله خالقاً لأفعاله فيه لأنها أعراض في العبد فتكون مخلوقة فيه كالأعراض التي فيه من الجوع والخوف.
وأما قول المخالف: بأن الحياة والعافية والجوع إنما كانت خلقاً لله لا يصح الأم بها ولا النهي عنها، فغير صحيح.
لأن الأمر والنهي والمدح والذم إنما لا يصح في هذه الأشياء، لأن الله لم يقدر العبد عليها ولا جعلها من كسبه، وهذه الأفعال أقدر الله العبد عليها وتنسب إلى العبد، والحركة من العبد في الأفعال الاختيارية في المشاهدة كالحركة في الأفعال المضطر إليها كرعدة الحمى والخوف، فإذا ثبت أن الله خالق لحركة العبد في الاضطرار إليها كرعدة الحمى والخوف، فإذا ثبت أن الله خالق لحركة العبد في الاضطرار كان خالقاً لحركته في الاختيار.
وأجاب المخالف: على أن امتناع مرا الله إنما يلحقه العجز بذلك إذا أراد إلجاء عبد على فعل فامتنع منه، وأما إذا لم يرد إلجاءه ولا مغالبته لم يلحقه العجز بامتناع ما أراده من غيره، وكذلك إذا امتنع ما أراده من فعل نفسه فم يتم، لحقه العجز وبغير هاتين الصورتين لا يلحقه النقص، هذا تحقيق قوله.
والجواب أن يقال: إذا وقع في ملكه وسلطانه ما لم يرده أو ما ليس في تدبير لحقه العجز1كما يلحق ذلك المالك المملك من العباد، وإذا أراد شيئاً من غيره فلم يتم له ما أراد لحقه العجز كما يلحقه ذلك إذا أراده من فعل نفسه لعموم قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ 2، وقوله: إذا لم يرد إلجاء الفاعل ولا مغالبته، غير صحيح، لأن ذلك لو كان علة لما ذكر لما جاز أن يخرج شيء من الأعيان عن ملك الله، أو عن أن يكون معلوماً لله أو مقدوراً لله، أو عن إدراك الله له، وهو أنه لم يرد مغالبة ذلك الشيء ولا مكابرته، ولما لم يجز أن يخرج شيء من الكائنات المكونات عن ملك اله ولا عن علمه ولا عن إدراكه لها ولا عن اقتدار الله عليه3لم يخرج عن أن يكون مراداً لله ولا أن يكون خلقاً له.
ثم قال هذا المخالف: ودلالة التمانع عندنا هو أن نقول: لو كان مع الله قديم آخر لوجب أن يكون حياً قادراً عالماً بذاته كما أن الله سبحانه حي، قادر، عالم بذاته، لأنه إذا شارك الباري في أخص أوصافه وهو كونه قديما وجب أن يكون مثلاً له، ومن حق المثلين أن يجب لأحدهما ما يجب للآخر، ثم قال بعد ذلك: ودلالة التوحيد في هذا التمانع لا يمكن هذا المستدل وأهل مذهبه القول به لوجهين: أحدهما: أنهم سدوا القول بالتوحيد على أنفسهم لأنهم أثبتوا مع الله صفات4كثيرة قديمة وسموها صفات لله5، وقالوا مع ذلك ليست حية
ولا قادرة مع أنها مساوية لذات الباري في القدم1، فلا يمكنهم أن يقولوا بأنه واحد، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 2 وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ 3.
والوجه الثاني: أن تقدير4تمانعهما لو كان اثنين قادرين مبني على ما يعقل بالشاهد من تمانع القادرين، فيتوصل بذلك إلى نفي ثان للقديم، وقد سدوا على أنفسهم هذا الباب بقولهم ليس في الشاهد قادر يحدث الأفعال ويتمكن من غلبه سواه أو مساويه.5
يحقق هذا أن الطريق الذي به يعلم أن الواحد منا قادر هو6 صحة الأفعال منه ووجوده من جهته وعندهم أنه لا
يوجد من العباد1شيء من الأفعال وإنما هي مخلوقة من الله2فلا يمكنهم أن يعلموا أن في الشاهد قادراً فلا يصح منهم تقدير التمانع.
والجواب عن اعتراضه الأول وهو أن يقال له: تشنيعك على أهل السنة بإثباتهم لله ما أثبته لنفسه هو أكبر الشناعة عليك ونفيك عن الله ما أثبته لنفسه3 هو كإثباتك لله ما نفاه عن نفسه وهي الصاحبة والولد، وما أغناك عن إظهار هذا القول المتناقض وهو قولك: إن الله حي ولا حياة له وإن الله قادر ولا قدرة له وإن الله عالم ولا علم له، وهل إلا كقول من أثبت الحياة لغير حي وأثبت القدرة لغير قادر وأثبت العلم لغير عالم فإن استقام قول من قال هذا4 استقام قولك، وإن لم يستقم قول من قال هذا5لم يستقم قولك.
وأعجب من هذا أن هذا المخالف استدل بهذا الفصل على أن الله ليس له قول حقيقة ولا حياة ولا قدرة ولا علم بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقال: أنتم لا يمكنكم القول بهذا لأنكم قلتم إن له صفات قديمة فليس بواحد، فقال له: إن كان لله قول حقيقة فقد اعترفت بصحة ما أنكرت على خصمك، وإن لم يكن لله قول حقيقة فلا حجة لك على قولك بما ادعيت من هذا6، ثم يقال: إنه لا يلزمنا7ما زعمت، لأنا نقول: إن هذه الصفات آلهة كما أن صفات الإنسان ليست بإنسان مثله، وإنما الشناعة تلزمك وأهل مذهبك،
لأن على قولك: إنكم لا تعبدون الله الرحمن الرحيم الإله الخالق، لأن هذه الأسماء خلق لكم إذا سميتموها، وهذا كفر صريح لا يخفى على أحد من ذوي العقول السليمة.1
وأما الجواب عن الوجه الثاني الذي زعم المخالف، فإنا نقول له: قولك: بأنا إذا قلنا: إنه لا خالق لشيء من الأفعال إلا الله يسد علينا الباب في تمانع الخالقين غيرصحيح، بل حقيقة التمانع وإثبات القول بالواحد لايكون إلا على قولنا، لأنا نفينا أن يكون مع الله خالق يخلق في الجملة، إذ لو كان كذلك لأدعى إلى التضاد والتغالب، فلما لم يوجد ذلك دل على أن الخالق واحد، وهذا لايوجد على قول القدرية لأن العباد كلهم وسائر الحيوان من البهائم والطير كلها خالقة لأفعالها: وقد نفى الله أن يكون معه خالق بقوله: ﴿ْهَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿أَمْ3جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ 4.
ولا تعلق لهذا المخالف بجميع ما أورده في هذا الفصل على ما يقول إلا الشهادة منه على نفسه بفساد مذهبه وبطلان قوله في نفي الصفات وإثبات المشارك لله في الخلق، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
56- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس"1. فيقال للقدرية: إذا قلتم إن الله لم يخلق الشر ولا أراد كونه فقد خلق إبليس وهو رأس الشر.2
فأجاب المخالف القدري: لا حجة بهذا، لأن جسم إبليس ليس بشر بل خلق الله له إنعام منع عليه ويستحق عليه الشكر والعبادة وهو من جملة الجن3، وخلقه الله للعبادة وإنما الشر من فعل إبليس والله لم يخلق فعله ولا كفره، وإنما إبليس هو الخالق لفعل نفسه ووسوته في صدور الخلق، هذا نكتة قوله ومعتمده.
والجواب أن يقال له: القرآن يشهد على بطلان قولك: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 1 وقال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ 2.
فجعل أجسامهم شراً وإبليس منهم، فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستعيذ منه فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ 3.
وأما قول المخالف لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْس﴾ 4 فهل عصاه أحد من الخلق بمثل5معصية إبليس له فلم يخلقه إلا للنار وللمعصية التي فعلها.6
وأما قول المخالف: إن إبليس خلق فعل نفسه ولم يخلقه الله فقول إبليس أقوم7من قول هذا المخالف القدري لأن الله أخبر عنه أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ 8 وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ 9 ولو ينكر الله عليه ذلك، بل قول إبليس بهذا موافق لقول نوح عليه السلام فيما أخبر عنه بقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم﴾ 1 00 فما أحد من الخلق نفى عن الله الخلق والتدبير في شيء من ملكه11وسلطانه إلا القدرية ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم وحذر منهم.12
57- فصل ومن الأدلة لنا أن يقال لهم: هل يوصف الله بأنه يعلم لما خلق إبليس وأقدره على إضلال الضالين منهم أن يضلهم أو لا يعلم ذلك. فلا بد أن يقولوا نعم: يعلم ذلك.1
وقد قال بعضهم إنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون2إلا أن هذا المخالف صرح3بذلك.
فيقال لهم: فهل كان يقدر على منعه عن إضلالهم أو لا يقدر؟.
فإن قالوا: لا يقدر نسبوه إلى العجز وبطل مدحه لنفسه بأنه على كل شيء قدير، وإن قالوا: يقدر ولكنه لم يمنعه.
قلنا لهم: فترك منعه عن ذلك مع قدرته عليه إرادة1منه إضلالهم.
فأجاب هذا القدري عن هذا بكلام لا يفهم منه إلا الأذى وضمنه معنيين: أحدهما: أن إبليس لم يخلقه الله إلا للعبادة ولم يرد الله منه إلا ذلك.
والثاني: أن ترك المنع منه ليس بإرادة منه لإضلالهم، فأما الأذى فلا جواب له عنه إلا الإضراب عنه.
وأما قوله: إن الله لم يخلق إبليس إلا للعبادة فقد مضى الجواب عن ذلك2في الفصل قبل هذا3، ويقال له: لو خلقه الله للعبادة ليسرها له كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل ميسر لما خلق له"4.
وأما إنكاره لقولنا: إن تركه لمنع إبليس عن إضلالهم مع قدرته على ذلك إرادة منه لإضلالهم فدفع للعيان5ألا ترى أن ترك الحركة من المتحرك سكون وترك السكون منه تحريك وكذلك ترك الإعدام من الله إيجاد، وترك الإيجاد منع إعدام، وكذلك ترك الهداية منه إضلال وترك الإضلال منه هداية.
58- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا أن يقال لهم: من أولى بالإلاهية؟.
من لا يكون منه إلا بعلمه ولا بعزب1عن علمه شيء؟ أو من يكون منه ما لايعلمه ويغيب عن علمه أكثر الأشياء؟.
فمن قولهم وقول كل قائل: إن من لا يكون منه شيء إلا بعلمه ولا يغيب عن علمه شيء أولى بالإلاهية.
قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا كان، ولا يكون شيء إلا ما يريد، ولا يعزب عن إرادته أولى بالإلاهية ممن يكون ما لا يريد ويريد كون شيء فلا يكون، وعلى ذلك أجمع الناس مسلمهم وكافرهم وجميع أهل الملل بأن ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال بعض رجاز أهل الجاهلية: تجري المقادير على غرز الإبر... ما تنفذ الإبرة إلا بقدر2وقال لبيد:3 إن تقوى ربنا خير نفل... وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى... ناعم البال ومن شاء ضل وقال بعض أهل الجاهلية: هي المقادير فلمني أو فذر... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر4
وهذه أقوال أهل الجاهلية قل الإسلام، ثم جاء الإسلام على ذلك، فدل على أن القدرية مخالفون لجميع الخلق وأهل الملل والأديان1بقولهم.
فأجاب القدري عن هذا الاستدلال بنكت منها أن قال: جمعت بين العلم والإرادة من غير علة جامعة بينهما وكل قياس بين أمرين بغير علة جامعة بينهما فهو باطل.
والجواب أن يقال له: قولك من غير علة جامعة بينهما نفي للعيان، والعلة الجامعة بينهما لا تخفى على أحد، وهو أن كونه عالماً من صفات كماله لينتقي عنه الجهل وكذلك كونه مريداً2من صفات كماله3لأنه لو لم يكن مريداً لم يكن تقدم ما وقع من المكونات بأولى من تأخرها4، وليس هناك مخصص لذلك إلا كون الله مريداً لتقديم ما تقدم وتأخير ما تأخر فهذه العلة المقتضية للجميع بينهما.
ثم قال هذا المخالف في جوابه عن هذا: إنما كان العالم بجميع المعلومات أولى بالإلاهية ممن لا يعلمها، لأن الإله لا يكون إلا قديماً، والقديم يجب أن يكون عالماً بذاته ممتنعاً بذاته عن علم يعلم به، ومن حق العالم للذات أن يكون عالماً بجميع المعلومات إذ لا اختصاص لذاته بمعلوم دون معلوم، فلذلك كان عالماً بجميع المعلومات وأولى بالإلاهية من غيره.
والجواب أن يقال له: لهجك1بإطلاق القول بأن هذه الأفعال خبائث وقبائح لا يوجب صحة مذهبك لما تقدم بيانه من أنها خبائث وقبائح ممن حرمت عليه2وولي اليتيم والشاهد ممن حرم عليه فعلها، ولا يتوجه ذلك في حق الله تعالى.
وأما قولك إنه أراد الطاعات من جميع العباد ولم يرد من واحد منهم المعصية، فهذا غير مسلم به، فطيف تحتج بمذهبك على مذهبك، وهذا يدل منك على عدم3الرواية والاستدلال. وأما قولك: عدم المنع منه لا يدل على إرادته، واحتجاجه بالآية فقد مضى الجواب عن ذلك كله بما يغني عن إعادته.4
ثم قال هذا المخالف: أما قول المستدل: بإجماع الناس مسلمهم وكافرهم على القول: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) فلا يصح لأن هذه اللفظة من إطلاقات المجبرة على أصلهم المنهار، ولو صح الإجماع على إطلاق هذه اللفظة فإن المقصود بها ما شاء الله من فعله كان، وما لم يشأ لم يكن5لأن غرض المكلفين بذلك مدح الله بأحسن المدائح والثناء عليه بأبلغ المحاسن وليس من الثناء الحسن ولا من المدح البليغ بأن يصفوه بأنه مريد المخازي والخبائث والمعاصي، وإنما يصح المدح إذا تعلق ذلك بأفعاله تعالى لأنه ينبئ عن عظيم الاقتدار، وقد روينا عن أجلاء الصحابة والتابعين6نفي هذه الخبائث عن الله فدل على بطلان الإجماع بما ذكر.
والجواب أن يقال: إنكارك الإجماع بذلك جحد بالضرورة، فإن هذه الكلمة جارية على ألسنة الخاصة والعامة، وينقل ذلك كل خلف عن سلفهم كنقلهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهجرته إلى المدينة وموته هنالك، ويعلم وقوع ذلك كل مسلم وكافر وموافق ومخالف، وإنكار القدرية للنقل والإجماع على مقتضى هذه الكلمة لا يؤثر في صحة العلم بها كما لا يؤثر خلاف السوفسطائية1للعلوم الضرورية بادعاء النبي صلى الله عليه وسلم للنبوة بمكة وتكذيب قومه له وهجرته إلى المدينة وموته بها.
وأما قول المخالف: لو صح الإجماع على هذه اللفظة يكون المراد2بها ما شاء الله من فعله كان وما لم يشأ من فعل نفسه لم يكن دون ما شاء من فعل غيره وما لم يشأ منه، غير صحيح، بل الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل نفسه هو الدليل الذي دل على تمام إرادته من فعل غيره وهو عدم وصفه بالنقص، ولأنه3موصوف سبحانه بالاقتدار على غيره ولا يوصف بالاقتدار على نفسه4، ومن كمال صفته بالاقتدار على غيره تمام إرادته من غيره وإلا كان موصوفاً بإرادة ما لم يتم من فعل غيره بالتمني، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إرادته لإسلام أبي طالب وغيره ممن كان يحب إسلامه
ولم يسلم فإن إرادته لذلك تعود إلى معنى التمني، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ويدل على صحة ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ 1 فأخبر أنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن فعل ما أراد من ذلك وهو ما أراده من فعل غيره، فإن قالوا لو شاء لأجبرهم2على ترك القتال.
قلنا: فعلى قولكم أنه أجبرهم على القتال3، لأنه أخبر أنه أراد قتالهم.
وأما قول المخالف بجوابه: إن غرض المكلفين بذلك مدح الله بأحسن المدائح إلى آخر كلامه، فيقال له4: مدحهم الله بأحسن المدائح يقتضي أن يتم ما يشاء من فعله وفعل غيره، وعلى أن هذا الكلام الذي أورده في هذا لا تعلق له بما نحن فيه5وإنما يليق إيراد هذا احتجاجاً لأهل السنة إذا قيل لهم: لم لا تقولون يا خالق الزنا، يا خالق المعاصي كما تقولون يا خالق السموات والأرض؟ فيقولون: أمرنا الله بأن ندعو بأسمائه الحسنى وصفاته العليا6فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ 7، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ 8.
فيقال: يا خالق الشمس والقمر ويا منزل الأمطار ويا منبت الأشجار ومخرج الثمار ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير والعذرة، وإن كان خالقاً للجميع1، وكذلك لا يقال: يا خالق المعاصي وإن كان خالقاً لها، وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك" 2 أي ليس يتقرب به إليك، أو لا يدعى بأنك خلقته وإن كنت خلقته3، ولهذه العلة قال إبراهيم عليه
السلام فيما أخبر الله عنه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب إلى الله الإطعام والسقي والشفاء من المرض والإماتة والإحياء، ونسب إلى نفسه المرض وإن كان لا يمرض نفسه، وإنما ذكرت هذا ليعلم أن هذا المجيب يضع الدليل على ما لا متعلق له فيه.
وأما ما ذكره عن1الصحابة والتابعين فلا حجة لما ذكر، وسأبين ذلك في غير هذا الفصل إن شاء الله.
قال هذا المخالف: وأما ما ذكره من أبيات الشعر التي تتضمن ذكر القدر فلا حجة فيها، لأن الشعر الصحيح لا يحتج به إلا في تصحيح الألفاظ اللغوية لا في إبانة الحقائق العقلية.
والجواب أن يقال لهذا المجيب: إنكارك الاحتجاج بالشعر بهذا2جهل منك بحكم الشعر في الألفاظ والمعاني، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر لحِكَماً "3 والحكم لا تكون إلا في معنى.
وقال صلى الله عليه وسلم: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح
الكلام"1، ولا يكون حسناً وقبيحاً إلا لحسن معانيه وقبحها وعلى أنا إنما احتججنا بالشعر هاهنا لنبين أن أحداً من الخلق في الجاهلية والإسلام لم ينكر أن المقادير كلها جارية ن الله حتى جاءت القدرية.
ثم قال: وإن كان فيه حجة فالقدر قد ورد في القرآن واللغة على معان منها: ما يراد به الخلق.
ومنها: ما يراد به الإخبار بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ2قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ 3 أي أخبرنا بحالها.
ومنها: ما المراد به الكتابة كما قال العجاج4: اعلم بأن ذا الجلال قد قدر... في الصحف الأولى التي كان سطر أمرك هذا فاجتلب منها النتر5فليس لهم أن يحملوا القدر على ما يوافق مذهبهم إلا ولخصمهم أن يحمله على غير ذلك.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: أما ورود القدر على معنى الخلق فلا ننكره، وأما على معنى الإخبار واحتجاجك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ فغير صحيح في المعنى ولا مسلم، واحتجاجه بهذا يدل على جهله بالنحو وإفلاسه منه، لأن ضمير المرأة ههنا في موضع النصب، وإذا كانت مخبراً عنها في موضع جر، ولو أراد ذلك لقال: قدرنا عنها أو بها، ولم يقل أحد من أهل التفسير هذا الذي ذكر المخالف، وإنما قال ذلك برأيه على ما يوافق مذهبه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار "1. والذي قال أهل التفسير في هذا: قدرناها أي قدرنا هلاكها مع الغابرين.2
وأما احتجاجه ببيت العجاج فهو حجة عليه لا له، لأنه إذا كتب في الصحف شيئاً وقدره فهل يتوهم عاقل أن الله أراد وقوع شيء قد كتب وقوع ضده، وإنما يحسن هذا على قول من قال من القدرية إن الله لا يعلم الغيب ولا يعلم إلا ما كان3ولكن لم يصرح هذا المخالف بهذا في دامغه بل (عن صَبُوح تُرَقِّق) 4 ولو صرح به كما صرح به أسلافه لاختطفته
السيوف بهذا الصقع قبل المناظرة له1ممن يريد استتباعه وجدعه بالكلام، ومن صرح منهم بهذا القول الشنيع فهو محجوج بقوله تعالى في آي كثيرة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ 2.
والغائب ما غابن وقد أخبر الله سبحانه عما لم يكن قبل أن يكون، وعما لا يكون لو كان كيف كان يكون، فقال تعالى إخباراً عن أهل النار: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ 3 فأخبر سبحانه عن تمني أهل النار الرد إلى الدنيا قبل أن يكون، وأخبر سبحانه عما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون وهو تكذيبهم لو ردوا.
59- فصل استدل المخالف القدري على صحة قوله: بقوله تعالى فيما أخبر عن المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 1 الآية، قال: وهذا صريح بمذهب المجبرة، واستدل على ذلك بأن الله رد عليهم ذلك بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وأذاقهم البأس وجعلهم من الخراصين.2
والجواب: أننا لا ننكر أن الله ذمهم ووبخهم ولنا عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: أنهم لم يعبروا بالمشيئة هاهنا التي تقول إنها الإرادة، وإنما عبروا بالمشيئة هاهنا عن الأمر فادعوا أن الله أمرهم وأمر آباءهم بعبادة الأصنام، وأنه أمرهم بتحريم ما حرموا من الحرث والأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونظيرها في النحل3فأكذبهم الله بما ادعوه من أنه أمرهم فقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلهم ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوه﴾ يعني بياناً بأن الله أمركم.4
والدليل على أنهم لم يعبروا بالمشيئة عن الإرادة لأن الله أكذبهم فقال: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ 5، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ 6، فأخبر أنه ما شاء منهم الإيمان مشيئة
اختيار ولا إجبار، لأن الخبر عام ولا معنى لتخصيص مشيئته بالإجبار1على ما يدعي المخالف فقد مضى الدليل على إبطال دعواه لذلك.2
والجواب الثاني أن نقول لهذا المخالف: وما ننكر أن يدعي خصمك أنهم أرادوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ أي ما أجبرنا على ذلك، ولكنه أجبرنا على ذلك فأكذبهم أنه ما أجبرهم ولا اضطرهم إلى ذلك، ولكن وقع الشرك منهم بخلقه له3وإيثار واختيار منهم له، ونقابل ما ادعيت أن مشيئته هدايته لهم مشيئة إجبار بما ادعاه المشركون من أنه أجبرهم، وكل جواب لك عن هذا فهو جوابنا لك عن مشيئة الهداية أنها إجبار.
والجواب الثالث: أن يقال إنهم4لم يقولوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا، مصدقين بالله وبمشيئته، ولكنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قالوا لما أمرهم بالاتفاق مما في أيديهم ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ 5 فأكذبهم الله على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ…﴾ الآية كما ذمهم ووبخهم على ما قالوه في الإطعام بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
والجواب الرابع: أن يقال: إنما ذمهم الله ووبخهم على إشراكهم وتكذيبهم للرسول ولم يذمهم على قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ لأن الله قد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ 6 والدليل على هذا أنه قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وكذلك في النحل ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 7 ولو كان الذم والتوبيخ على قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، لقال: كذلك قال الذين من قبلهم، كما أخبر عن مشركي العرب فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي هلا يكلمنا الله فنسمع كلامه ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فقال الله توبيخاً لهم وذماً ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 1 يعني اليهود حيث قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ 2.3
60- فصل خلق الله الخلق فجعلهم على بنية يصح منهم قبول التكليف، وهو البلوغ والعقل، وسوى بين1المسلم منهم وبين الكافر بذلك، ودعاهم جميعاً إلى الإيمان به2 والطاعة، وسوى بينهم بذلك، ثم وقع منه التخصيص لبعضهم في الهداية فخلق فيهم لطفاً آثروا به الإيمان والطاعة على الكفر والمعصية، وخالفوا أهواءهم والشيطان، ولم يخلق الله ذلك اللطف فيمن كفر به ولا فيمن عصاه بل طبع على قلوب الكافرين به وجعل صدورهم ضيقة حرجة بالإسلام فآثروا بذلك الكفر على الإيمان، وكذلك العصاة من المسلمين لم يجعل في قلوبهم من التنوير والإيمان ما جعل في قلوب المطيعين.
وعند القدرية: أن الله ساوى بين المسلم والكافر والمطيع والعاصي في الهداية والتسديد والطف والتنوير وشرح الصدور، ولم يطبع على قلوب الكافرين ولا ختم عليها عن الإيمان، ولكن غلب عليهم الهوى والشيطان.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ 3 ومثله قوله تعالى في آي كثيرة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ 4 ومثله قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ 5.
فمن قال: إن الله لم يطبع على قلوب الكفار فقد كذَّب الله في خبره فاعترض هذا المخالف القدري على مواضع من هذا الفصل منها:
إن قال: أما قولك إنه جعلهم على بنية يصح معها قبول التكليف لا يصح إطلاق هذا لأن من لا عقل له لا يدخل فيه.
والجواب أن يقال: قد قلت: وجعلهم على بنية يصح معها قبول التكليف والمراد بها بنية البلوغ والعقل فلا اعتراض على هذا.
ثم قال بعد هذا: التكليف لا يتصور على قول من يقول: إن الله خلق جميع أفعال العباد، فإن التكليف لا يكون على أصلهم معنى معقول لأنها تجري مجرى ألوانهم.
فالجواب أن يقال له: جمعت بين ألوانهم وأفعالهم في استحالة تكليفهم بغير علة جامعة بينهما إلا بكونهما مخلوقين له، وهذا غير صحيح، لأن ألوانهم لا تدخل تحت تقديرهم ولا توصف بأنها كسب لهم فلذلك لا يتصور التكليف فيها وأفعالهم أقدرهم الله عليها وتوصف بأنها كسب لهم فلذلك صح التكليف فيها.
وقول المخالف: إن قولنا أن الكسب عبارة فارغة لا معنى تحتها.
غير صحيح بل المعنى فيها واضح لمن جعل الله له حظاً من الهداية، وهو خلق اله فيهم إيثار الإيمان على الكفر والطاعة على المعصية ووقوع ذلك منهم باختيارهم بقدرة