والخامس: أن يقال: لما كانت أفعال العباد ملكاً لله ويوصف بالقدرة عليها وبإقدار غيره عليها لم يستحل وصفه سبحانه بأنه خالق لها وموجد لها وليس كذلك ذاته وصفاته فإنه لا يوصف بأنه مالك لذاته وصفاته ولا بأنه موصوف بأنه يقدر على ذاته وصفاته1ولا بإقدار غيره عليها فبطل الجمع بينهما.
والسادس: أن يقال: لما كانت ذات الله سبحانه ليست من جنس المخلوقات من الجواهر والأجسام والأعراض، ولا يفتقر وجوده إلى مكان وزمان2لم يجز وصفه بأنه مخلوق وليس كذلك أفعال العباد فإنها أعراض فيهم ويفتقر وجودها إلى زمان ومكان فلم يستحل وصفها بأنها مخلوقة لله كسائر الأعراض، وعلى الجملة من بلغ به العمى إلى أن يشبه ذات الله بأفعال العباد ويساوي بينهما في أنهما غير مخلوقين ويسأل الفرق بينهما، هذا كفانا المؤنة في الكلام وأبان شناعة قوله بلسانه.
19- فصل قال هذا المخالف بكتابه الدامغ له: لو كانت أفعالنا خلقاً لله لم تقف على أحوالنا فتوجد بحسب قصودنا ودواعينا وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا، متى أردنها وجدت ومتى كرهناها لم توجد، مع سلامة الأحوال كما لا يجب ذلك في ألواننا وصورنا وطولنا وقصرنا.
والجواب أن نقول: ما قدر الله من وقوع أفعالنا المكتسبة ما ننكر أن ذلك وقع بقصدنا واختيارناأ وعلى هذا القصد والاختيار وقع المدح والذم والثواب والعقاب، إلا أن الله هو الخالق لقصدنا ومشيئتنا لأنه شيء وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 1 ومشيئتنا وقعت بمشيئة الله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 2.
وأما قوله: متى أردناها وجدت ومتى كرهناها لم توجد فغير مسلم3، فإن الإنسان قد يريد بقلبه وقوع أفعال منه من الخير أو الشر ويجب ذلك، فإذا لم يرد الله وقوع ذلك منه لم يقع منه بالجملة أو يقع بعضها إذا أراده الله وقضاه، بدليل أن الإنسان قد يريد الجماع ويحبه، وإذا لم يرد الله وقوع ذلك منه لم يقدر عليه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم- "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس "4.
ثم نعارض هذا القول ونقول: لو كانت أفعالنا خلقاً لنا ومنفردين بإيجادها لكنا عالمين بعدد حركاتنا وكيفية وقوعها منا قبل الفعل وبعده لأن الله أخبر أن الخالق يعلم ما خلق بقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ 1.
وأما استدلال هذا المخالف على معناه الذي أورده بقوله: لما كانت ألواننا وصورنا خلقاً لله لم تقع تحت إرادتنا وقصدنا، فالجواب عنه أن نقول: ليس امتناع ألواننا وصورنا بحسب إرادتنا كونها خلقاً لله، وإنما العلة بامتناع وقوعها حسب إرادتنا وقصدنا كونها غير كسب لنا2، ألا ترى أن جماعنا لما كان كسباً لنا إذا قضى الله وقوعه منا يقع يقصدنا واختيارنا ونثاب عليه إذا وقع فيما يحل ونعاقب عليه إذا وقع بما يحرم، والولد المخلوق من الجماع لما لم يكن كسباً لنا ولم يقدرنا الله، بل قد يقصد الغني الجماع ليكون منه الولد فلا يكون، وقد يجامع الفقير فيعزل كراهة الولد فيكون منه الولد فلم يقع بحسب إرادتنا وقصدنا.3
20- فصل قال المخالف بكتابه المنقلب عليه: لو كانت أفعال العباد خلقاً لله سبحانه لم يحسن الأمر بشيء منها ولا النهي عنها ولا الذم ولا المدح ولا الثواب ولا العقاب، كما لا يحسن ذلك منه في ألوانهم وصورهم فثبت بذلك أن أفعالهم خلق لهم لأنه أمرهم بخلق شيء منها ومدحهم وأثابهم عليها، ونهاهم عن خلق شيء منها وذمهم وعاقبهم عليها.
والجواب أن نقول: هذا الإلزام لا يتوجه علينا الجواب عنه، وإنما يلزم ذلك المجبرة الذين نتبرأ عنهم1ونرد عليهم، وقد بينا أن مذهب المعتزلة القدرية بمذهب المجبرة أليق2، ثم يقال لهذا المستدل: ولم قلت: إذا قلنا: إن أفعال العباد خلق لله لم يحسن الأمر منه بشيء ولا النهي عن شيء منها، وما المعنى المقتضي لذلك لنجيب عنه؟ فإن قال: كما لا يأمرهم بخلق ألوانهم وصفاتهم ويمدحهم ويذمهم ويعاقبهم ويثيبهم عليها. قلنا: قد بينا الفرق بين الألوان والأفعال فلا معنى لإعادته.3
ثم نقول له: وما حجتك ودليلك أن الله أمر العباد بخلق شيء من أفعالهم ومدحهم وأثابهم عليها ونهاهم عن خلق شيء منها وذمهم وعاقبهم عليها فهذا نفس الحكم المتنازع فيه لأن الخلق متسحيل من المخلوق، وما ننكر أن الذي أمر الله العباد به هو اكتساب شيء من الأفعال، ومدحوا وأثيبوا عليه ونهوا عن اكتساب أفعال وذموا وعوقبوا عليها، وجعل الله هذا الاكتساب علماً على من أراد ثوابه أو عقابه، ولو جعل ألوانهم وصفاتهم سبباً أو علماً للثواب والعقاب بأن يقول: من خلقته أبيض فهو علم على أنه
من أهل الجنة ومن خلقته أسود فهو علم على أنه من أهل النار لم يخرجه ذلك عن الحكمة والعدل1كما أنه جعل طول العمر سبباً وعلماً لكثرة الأعمال التي يقع عليها الثواب والعقاب، وقصر العمر سبباً وعلماً لقلة الأعمال التي يقع عليها الثواب والعقاب ولم يخرجه ذلك عن الحكمة والعدل.
21- فصل قال هذا المخالف بكتابه: لو كان الله سبحانه خالقاً لأقوال العباد وأفعالهم لكان ساباً لنفسه ومكذباً لرسله بخلقه قول من قال ذلك، ولكان قائلاً بأنه ثالث ثلاثة، وأن عيسى ابن الله كما قالت النصارى، وأن عزيراً ابن الله وأن يده مغلولة كما قالت اليهود، ومع ذلك فقد مدح نفسه وأثنى عليها بكتابه فإذا كان الجميع منسوباً إليه فيجب أن يستوي جميع ما أخبر به في الصدق فيكون ممدوحاً مذموماً واحداً ثالث ثلاثة، وهذا كله متناقض فثبت أن ذلك خلق غيره من العباد لا خلقه، هذا نكتة قوله.
والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن نقول: لو كان قولنا بأن الله يكون بخلقه لقول من سبه أو كذب رسله يكون ساباً لنفسه ومكذباً لرسله لكان قولنا جميعاً بخلقه القدرة1لمن سبه أو كذب رسله مع علمه أنه يكون ذلك إذ يكون موصوفاً بالقدرة على سب نفسه وتكذيب رسله، ونحن لا نصفه بذلك وإن كان على كل شيء قدير.
والجواب الثاني: وهو أن نقول أليس الله خالقاً للسيوف التي قتل بها أعداؤه أنبياءه، وعلم أنهم يقتلونهم بها قبل أن يخلقها، وخلق ألسنتهم التي كذبوا بها رسله وسبوه، ولا يقال: إنه أعان على قتل أنبيائه وذم نفسه وتكذيب رسله بما خلق لهم من الآلة التي علم لا محالة أنه يكون منهم بها ما وقع، كما أن في الشاهد أن من أعار كافراً سيفاً وعلم بخبر نبي أنه يقتل به نبيّاً فإنه يكون معيناً على قتله.
والجواب الثالث: أن يقال: إذا منعتم خلقه لأقوالهم لسب الله وتكذيب رسله لأنه يستحيل منه سب نفسه وتكذيب رسله فجوزوا خلق الله لأقوال عباده في مدحه وتصديق رسله لأنه موصوف سبحانه بذلك، فإذا سلمتم ذلك لزمكم القول بخلق أقوالهم في الجميع لأن أحداً لم يفرق بينهما.
22- فصل وقد أورد هذا المخالف بكتابه الدامغ له كلاماً موه به في الاستدلال على من لا بصر له بأن القدرية هم أصحاب الحديث الذين يقولون أفعال العباد خلق لله، منها أنه قال: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "القدرية مجوس هذه الأمة"1 قال وهم هؤلاء الحشوية.2
واستدل عليه بأن رجلاً جاء من أرض فارس فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: أخبرنا بأعجب شيء رأيته، فقال: رأيت قوماً ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ويقولون هذا قضاء الله علينا، فقال عليه السلام: أما إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم يقولون بمثل مقالتهم أولئك مجوس أمتي"3.
والجواب: أن هذا الخبر لم يذكره أحد من علماء الحديث ولا ذكر في شيء من الصحاح، وإنما وضعته الزيدية على وفق مذهبهم وإلا فليسندوه ولا تقوم المذاهب بالاختراص، ونعارضه بالأخبار المذكورة في الصحاح4التي قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم- من القدرية؟ قال: " الذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم "5، وهذا الخبر مما تلقته الأمة وعلماء الأمصار
بالقبول1ولم يرده إلا من لا يعتد بخلافه.
قال هذا المخالف: ولأن عند هذا القائل وأهل مذهبه أن العبد يثاب ويعاقب ويذم ويمدح بما لم يفعل، لأن الطاعات والمعاصي خلق غيرهم وهذا نفس قول المجوس، وحكي أنهم يأخذون عنزاً ويدفعونها من شاهق ويضربون رأسها فإذا ماتت أكلوا لحمها وقالوا: عصت الله، هذا عمدة قوله.
والجواب: أن هذا جهل منه بمذهب أهل السنة على ما مضى من رميه لهم بمذهب المجبرة الذي قولهم أشبه بقولهم2، ولسنا نقول: إن أفعال العباد من الله دون العباد ولا من العباد دون الله ولا من الله ومن العباد على حد واحد، لأنها لو كانت من الله دون العباد لعذبهم على غير ذنب ولم يصف نفسه بذلك، ولو كانت من العباد دون الله لشاركوا الله في الخلق، وقد قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ 3 ولو كانت من الله ومن العباد على حد واحد لأشتبهت صفات الخالق بالمخلوق، وقد قال الله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ 4.
وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنها من الله خلقاً وتقديراً، ومن العباد عملاً واكتساباً.
وأما ما ادعاه من أن أهل السنة يشابهون المجوس بما ذكر فغير صحيح.
لأن أكثر ما قالوا: إن أفعالهم أشياء وسماها الله أشياء وقد قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 1، وإنما المشابه لهم هم القدرية لأنهم يقولون: إن الله سبحانه يريد الخير ويقدر عليه ولا يريد الشر ولا يقدر عليه2وإبليس لا يريد الخير ولا يقدر عليه ويريد الشر ويقدر عليه، وهذا كما قالت المجوس: من أن النور يريد الخير ويقدر عليه، ولا يريد الشر ولا يقدر عليه، والظلام لا يريد
الخير ولا يقدر عليه ويريد الشر ويقدر عليه1، فنقلت القدرية صفة النور إلى الله وصفة الظلام إلى إبليس، فلذلك سماهم النبي - صلى الله عليه وسلم- " مجوس هذه الأمة "2 وبهذا المعنى فسر ابن عباس هذا الحديث على ما نقله عنه أهل النقل.3
ومما موه به هذا القدري المخالف على العامة في الاستدلال أن ادعى أن خصمه يقولون: المعصية من اثنين أحدهما محمود عليها وهو الله، والآخر مذموم عليها وهو العبد، وهذا مثل مذهب المجوس في قولهم إن العالم من صانعين أحدهما محمود والآخر مذموم، هذا نكتة قوله.
والجواب عن ذلك: أن يقال له: قولك المعصية من اثنين غير مسلم أنها تسمى معصية في حق الله سبحانه وإنما هي معصية في حق العبد، ووجودها من أحدهما غير وجودها من الثاني على ما مضى قبل هذا4، فقولنا إنّ كون الفعل خلقاً لله وكسباً للعبد لا يقتضي مشابهته لقول المجوس، وإنما يشبه قول المجوس من يقول إنه مريد الخير غير مريد الشر
ومن يقول: إن للعباد صانعاً ولحركاتهم في الأفعال صانعاً غيره وهم القدرية فقد جعلوا لله شريكاً في الخلق وقد كذب الله من ادعى له شريكاً في الخلق.
ومما موه به هذا القدري على العامة والضعفاء بالاستدلال على أن القدرية هم أهل السنة بقوله: لأنهم يقولون لكل ما وقع منهم من الفساد والمعاصي هو بقضاء من الله وقدر لهجوا بذلك ومن لهج بشيء ينسب إليه.
وقال: نحن ننفي عن الله القضاء بالباطل ولا يقضي إلا بالحق، وقد قال الله تعالى بكتابه: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ 1 ولا شك أن المعاصي باطل، قال فإذا ثبت أنهم يثبتون لله ما ينفيه وتلهج ألسنتهم به كانوا أولى بهذا الاسم لأن المثبت للشيء هو أولى بأن يشتق له اسم منه دون من نفاه.
ألا ترى أن الثنوي اسم لمن أثبت لله ثانيا، والمشبه اسم لمن أثبت التشبيه لله لا لمن نفاه، وكذلك ينسب الشيء إلى من لهج به فيسمى التمري2من يلهج به، هذا نكتة قوله.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدهما: أن تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم- في القدرية أولى من تفسير غيره، وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: "القدرية هم الذين يقولون: الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم"3.
وهذا كاف في جميع ما أورده المخالف من التمويهات في كتابه، ولكني مع هذا لا آلو جهداً في إبطال ما أورده من طريق المعاني التي أوردها، فأقول في الجواب الثاني عن قوله: إن أهل السنة أولى باسم القدرية لأنهم
يثبتون القدر لله في جميع أفعال العباد، ونحن ننفي ذلك عن الله فكانوا أولى بالاسم أن يقال: هذا المعنى غير صحيح لأنك علقت على العلة ضد مقتضاها ومقتضى العلة أن اسم القدرية أولى أن يقع على من يثبت القدر لنفسه على جميع الأفعال وينفيه عن الله فنسبة الشيء إلى من يدعيه لنفسه وينفيه عن غيره ألوى من نسبته إلى من ينفيه عن نفسه ويثبته لغيره، ألا ترى أنه لا يقال النحوي واللغوي إلا لمن وجد معه نحو ولغة، وكذلك الخارجي لا يقال إلا لمن خرج على علي - رضي الله عنه -، والرافضي لمن رفض الصحابة وكذلك الثنوي1إنما سمي ثنوياً لأنه أثبت لله ثانياً يشاركه في الإلهية، فيجب على هذا أن يسمى القدري من أثبت لله من يشاركه في القدر.
وألسنة القدرية لهجة بأن لهم قدراً وقدرة على أفعالهم دون الله فهم أولى بتسميتهم قدرية.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ 2 ولا شك أن المعاصي من الباطل وأراد بذلك أن الله لا يقضي بالباطل.
والجواب على ذلك أن يقال: القضاء في القرآن ينصرف إلى وجوه3كثيرة وكذلك لفظة (الحق) تنصرف في القرآن إلى معان كثيرة4ولا تكون
الآية حجة على مذهبه إلا إن صرف لفظة القضاء إلى الإرادة، فيكون المعنى والله يريد الحق، ولم يقل أحد إن القضاء يعبر به عن الإرادة بالجملة، ولا يتوجه المعنى بالحق على هذا، وإن حمل على هذا كان مجازاً واتساعاً كان ذلك استدلالاً منه بدليل الخطاب وهو ممن لا يقول به.
وإن صرف لفظ القضاء إلى الخلق فهو مما ينصرف إليه القضاء في القرآن لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ 1 أي خلقهن في يومين2وقالوا: أراد به لم يخلق الباطل من أفعال العباد، قيل: فعلى مقتضى هذا أن يكون خلق ما ليس بباطل من أفعالهم وهم لا يقولون بذلك3، فعلم أن هذا الاستدلال منه تمويه لا يعلم معناه، ومع هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ 4 فأخبر أن الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً من أفعالهم، فتكون الآية حجة عليه لا له لأن لفظة الذين جمع لما يعقل وذلك ينصرف إلى ما كانوا يعبدون من الملائكة والجن لا إلى الأصنام5وعلى أن المراد بهذه الآية غير ما أراد من ذلك، والمعنى
فيها: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي يحكم بالعدل1هي كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.2
ومما موه به هذا القدري على العامة أن ادعى أن الذين نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن مجالستهم3هم أصحاب الحديث لمعان ادعاها لا معنى لإعادة أكثرها لكثرة ترداده لذكرها في الاستدلال أو وقوع الجواب عنها.
فمنها: أن قال: لأن قولهم يؤدي إلى أنه لا فائدة في بعثة الرسل، وأن ذلك يؤدي إلى ختم باب التوبة لأن المذنب إذا علم أن الله هو الخالق لفعله في المعصية قال: لا سبيل لي إلى توبة عمَّا لم أفعله.
ولأن ذلك يؤدي إلى سوء الظن بالله لأنه يعذب العبد على ما لم يفعله.
وهذا نكتة ما طول بذكره بذلك.
والجواب أن هذا منه إلزام لا يلزم إلا المجبرة الذي قوله بقولهم أحق وهم بهم أليق على ما مضى4، وأما قوله: إن ذلك يؤدي إلى سوء الظن بالله فقوله بذلك أيضاً أولى لأن عنده إن الله لا يغفر الذنوب الكبيرة ولو تاب المذنب منها5رداً لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.6
23- فصل قال هذا القدري المخالف بكتابه: لو كان الله هو الخالق لما يوجد من العباد من الظلم والجور والكذب لوجب أن يسمى ظالماً وكاذباً وجائراً ويتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن ذلك أن يقال: هذا الاستدلال صدر ممن يجهل حد الظلم والظالم في اللغة وذلك أن الظلم في اللغة هو: مجاوزة الحد1، ولهذا قيل في المثل: "من أشبه أباه فما ظلم"2 أي لم يجاوز الحد.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم- فيمن زاد على الثلاث في الوضوء: " فقد أساء وظلم "3. فإذا تقرر هذا فالظالم هو: من حد له حد فجاوزه، وليس فوق الله سبحانه من يحد له الحدود فيجاوزها.
وجواب آخر: وهو أن يقال بالإجماع إن الله قد خلق لهم الاستطاعة4التي وقع بها منهم الظلم والكذب والجور مع علمه أنهم يظلمون بها فيلزمكم على اعتلاكم5هذا أن يسمى بذلك ظالماً ومعيناً على الظلم.
وجواب آخر أن يقال: إن كان بخلقه الظلم يسمى ظالماً فينبغي أن يكون بخلقه حركة الاضطرار يسمى متحركاً وبخلقه السقم سقيماً، وإذا لم يلزم ذلك عليهم لم يلزم علينا.
24- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ 1 وأخبر سبحانه أنه خلقهم ونفس أعمالهم، كما أخبر أنه يجازيهم على نفس أعمالهم بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 2، فانصرف ذلك إلى حركاتهم في العمل وصار التقدير (خلقكم وعملكم). فأجاب القدري المخالف وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية، لأن المراد بالآية والله خلقكم والحجارة التي تعملونها أصناماً بدليل قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ 3 وأراد الأصنام لأنهم عبدوها ولم يعبدوا أعمالهم، هذا نكتة قوله. ولنا عن ذلك أجوبة أحدها: أن يقال: هذا صرف للكلام عن ظاهره وتبديل، والتصريف يشهد لصحة ما قلنا وذلك أنه يقال: عمل يعمل عملاً فهو عامل، والعين معمول فيها، فالعمل هو المصدر وهو اسم العمل وهو حركته بالعمل أو آثار عمله، فاسم العمل يقع على ذلك حقيقة فمن حمل العمل عليه صرفه إلى الحقيقة، والعين المعمول فيها وهي الأخشاب والأحجار المنحوتة لا تسمى عملاً وإنما تسمى معمولاً بها وتسمى معمولاً بها مجازاً لا حقيقة لأنه لا يعملها حقيقة.4
جواب ثان: أنه يصح نفي العمل عن العين المعمول بها ولا يصح نفي العمل عن حركات العامل ولا عن آثار عمله بأن تقول: ما رأيت بناء زيد ولا نحته، وإنما رأيت الأحجار والأخشاب التي بنى بها ونحتها بعد زوال بنائه ونحته، ويصح أن تقول: رأيت عمل زيد ونحته إذا رآه يتحرك بالبناء والنحت وإن لم ير العين التي بنى بها ولا أثر نحته، ولا يصح أن تقول:
ما رأيت عمله إذا رأى حركته في العمل أو آثار عمله، وإن رأى العين بعد زوال عمله بها.
جواب ثالث: أن المشركين إنما كانوا يعبدون من الأخشاب والأحجار أوثاناً وأصناماً، فالأوثان: ما نحتوه على مثال ما ليس له صورة، والأصنام على مثال ما له صورة1فقوم إبراهيم عليه السلام إنما عبدوا تلك الأوثان والأصنام لأجل نحتهم وتصويرهم الذي نحتوه وصوروه تعظيماً للنحت والتصوير لا للأعيان2بدليل أنهم كانوا لا يعبدونها قبل ذلك، ولما كسرها إبراهيم عليه السلام وأزال تصويرها ونحتها بطلت عندهم أن تكون آلهة، فرد الله عليهم ذلك وأخبرهم أن هذا النحت والتصوير الذي عبدوها لأجله لا يقتضي كونها معبوده لأنه الخالق له فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي خلقكم وخلق عملكم ويدل هذا التأويل أن الصنعة في الأعيان تدل على حكمة الصانع لها ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ 3 فالمسلمون إنما استدلوا على الله وعلى
حكمته وعلمه بآثار صنعته في الأعيان، وكذلك المشركون إنما عبدوا الأصنام لأجل الصنعة فيها.
جواب رابع: وهو أن قول القائل نحت كقوله ضرب وذلك يشتمل على ستة أشياء: على الفاعل، وعلى المصدر وهو الضرب والنحت وهو المفعول حقيقة وإنما فعل الفاعل فعلاً أو قعه فيه فيسمى مفعولاً له مجازاً، والفاعل لها هو الله1، وعلى ظرف الزمان وظرف المكان وهما مفعول فيهما حقيقة2، وعلى الحال وهو مفعول فيه أيضاً حقيقة3فإذا كان الله هو الخالق للخمسة الأشياء وجب أن يكون خالقاً للسادس وهو المصدر.
جواب خامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " إن الله صانع الخزم وصانع كل صنعة" 4، وهذا نص في موضع الخلاف يؤيد ما ذهبنا إليه من تأويل الآية.
فاعترض هذا المخالف على هذا بثلاثة أمور أحدها أن قال: هذا الخبر غير موثوق بسنده.
الثاني: قال: هذا من أخبار الآحاد فلا يستدل به في الأصول.
الثالث: قال: هو عام فيكون مخصوصاً بما قدمنا.
والجواب عن اعتراضه على السند أن يقال: هو مذكور في الصحاح التي اتفق أئمة الأعصار على الاحتجاج بالمذكور فيها ورواه أبو عبيد القاسم ابن سلام1في غريب الحديث2عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.3
وأما الجواب عن قوله إنه من أخبار الآحاد فإن هذا مما تلقته الأمة بالقبول
ويوافق ظاهر القرآن فجرى مجرى أخبار التواتر، وعلى أنه إذا جاز الاستدلال بأخبار الآحاد في جلد الإنسان وضرب الرقاب وتحليل الفروج وتحريمها جاز الاستدلال بها في الأصول.1
وأما الجواب عن قوله إنه عام فيكون مخصوصاً بما قدمناه: فإن هذا جهل من المخالف بصيغة العموم والخصوص وكيفية الاستدلال بهما، وذلك أنا لا ننكر أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم- "إن الله صانع كل صنعة" عام في جميع الصفات والأعمال في الخير والشر، وعلى مذهب هذا المخالف أن الله لم يصنع شيئاً من الصنع الموجودة من العباد لا في الخير ولا في الشر فيحمل عليه الخبر، وقد اعترض هذا المخالف على قولي: "فأخبر أنه خلق نفس أعمالهم كما أخبر أنه يجازيهم على نفس أعمالهم بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ 2.
وقال: "هذا دليل على المستدل بأن الجزاء من الله هذا لا يكون إلا على شيء أتواهم به فأما ما خلقه الله فلا يجازون به".
والجواب عن هذا أن يقال له: هذا شرح لمذهبك فهو غير مسلم، ونحن
نقول: إن الثواب والعقاب من الله على اكتسابهم لأعمالهم في الخير الذي وفقهم لاكتسابه وفي الشر الذي لم يتفضل عليهم بالتوفيق بضدها. وأما قوله: لا يجازيهم بما خلقه فيهم فينتقض بما خلق فيهم من زيادة الهداية وزيادة الضلال عند هذا المخالف بأنه يجازيهم على ذلك في الآخرة على قول المخالف وإن كان ذلك من خلقه.1
استدل المخالف على صحة تأويله في الآية بمسألة فقهية فقال: لو كان لرجل عبد مستأجر على نسج ثوب فقال: أنا مالك لهذا الغلام ولما يعمل فإن الذي يسبق إلى أفهام السامعين أنه أراد مالك لهذا العبد ولهذا الثوب الذي يعمله.
والجواب أن يقال له: سلكت في هذا طريقاً متوعراً عليك لجهلك به فيوشك أن تبقى منقطعاً فيه، فأنت إذاً المراد بقول الشاعر: دع المكارم لا تنهض لبغيتها... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي2ثم بقال له: أما قول القائل هذا العبد الناسج وما يعمله ملك لي فإنه خبر والخبر: ما دخله الصدق أو الكذب ولا يتعلق بقول هذا حكم إلا معرفة صدقه أو كذبه، وقوله وما يعمل هو كقوله وعمله، (وعمله) 3 حقيقة هو حركته بعمل الثوب في النسج فيكون منصرفاً إليه ولا ينصرف إلى الثوب إلا بتفسير منه أنه أراده4فيكون معمولاً له مجازاً على ما مضى.5
وسمع الآن الإلزام الصحيح من الفقه عند أهل النظر والتحقيق فيه: أنه لو حلف رجل بطلاق امرأته ثلاثاً أو بعتق عبده أن لا ينظر إلى عمل زيد فنظر إلى حركات زيد في العمل أو إلى أثر عمله فإن امرأته تطلق وعبده يعتق، وإن لم ينظر العين التي عمل بها، ولو نظر إلى العين التي عمل بها زيد بعد زوال عمله بها لم يحنث باليمين في الطلاق والعتق.
وكذلك لو قال رجل: أو صيت لفلان بعمل عبدي فإن ذلك وصية بعمل العبد ولا يكون وصية بمعمولة1، وكذلك لو قال رجل لآخر: بعتك عمل عبدي أو أجرتك عمله بكذا وكذا من مدة، فإن ذلك عقد على عمله وهو حركته بالعمل، ولا يكون عقداً على الأعيان التي عملها العبد، وهذا لا إشكال فيه عند ذوي القرائح المستعملة في الفقه دون المتطفلين عليه.
استدل هذا المخالف على صحة تأويله في الآية بأن قال: لو كان كانت أعمال العباد خلقاً لله سبحانه لكانت الحجة لقوم إبراهيم عليه السلام؛ لأنه إذا كان التقدير والله خلقكم وعبادتكم للأصنام لكان لهم أن يقولوا: فما جرمنا ولأي معنى جئت مبعوثاً إلينا، أتريد منا أن لا يخلق الله فينا شيئاً من عبادتنا فذلك ليس إلينا من شيء، أم تريد أن تغير خلق الله فينا فتكون الحجة لهم على إبراهيم.
ولنا عن هذا أجوبة: أحدها: أن نقول لهذا المخالف: عدمت التمييز بين مذهب أصحاب الحديث ومذهب المجبرة فأنت في استدلالاتك تخبط في عشوى، وهذا الإلزام يلزم المجبرة الذين يقولون: لا ينسب إلى العباد شيء من أعمالهم وهم كالخامة من الزرع تذهب بها الريح مرة وهكذا ومرة هكذا2، ومذهب
القدرية أشبه بمذهب المجبرة لقولهم إن الاستطاعة لا توجد مع العمل وإنما هي متقدمة الوجود والأعمال تتولد منها.1
وأصحاب الحديث يقولون بخلاف هذين المذهبين فلا يلزمهم الجواب عن هذا الإلزام.
والجواب الثاني: أن عبدة الأصنام أكثرهم ليسوا قدرية، بل يقرون إن الله خلقهم وبذلك أخبر الله عنهم2وإنما يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله3ومن يقول: إن الله خلقه فإنه يقر أن جميع حركاته خلق لله؛ لأنها من سائر صفاته كلونه وسمعه وبصره وسائر الأعراض فيه، ولم يخالف بذلك إلا القدرية، وعبدة الأصنام منزهون عن قولهم.4
والجواب الثالث: أنه لو تصور أن يكون قوم إبراهيم قدرية وخاطبوه بهذا
الخطاب لأجابهم بنص القرآن وهو أن يقول: قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ الْبَلاغُ﴾ 1 أمرني الله بالبيان وقد فعلت ما أمرت به والهداية والتوفيق إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 2، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ 3، ويقول لهم: سلوا الله الهداية إلى الإسلام لأن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم- سأل ذلك لنفسه ولولده إسماعيل وذريتهما فقال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ 4، وأخبر الله عنه في آية أخرى قال: ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ 5 فهل سأل إبراهيم إلا ما يملكه الله ولا يملكه إبراهيم؟.
25- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ 1، واختلاف الألسن هي اللغات في الكلام.2
فاعترض القدري المخالف على هذا الاستدلال وقال: اختلاف الألسن المراد به: اللغات التي عرفهم الله إياها والأسماء التي علمها الله آدم وليس فيها دليل أن أعمال العباد خلق لله، قال: ولعل هذا المستدل ظن الاختلاف في الألسن3معطوف على السموات والأرض وأنه مخلوق كالسموات والأرض، ولو كان كذلك لكان الاختلاف مجروراً، وهذا يدل على جهل هذا المستدل بالعربية.
هذا نكتة قوله ومعتمده دون ما شابه من الأذية.
يقال لهذا المعترض قبل الجواب على ما أورده: قد قيل في المثل: "لا تهرف قبل أن تعرف"4 وقال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ 5 وكان ينبغي له أن يسأل أين موضع الحجة من الآيات إذا لم يكن في فهمه ما يؤديه إلى علمه قبل السؤال، ولكن حمله قلة الحياء والدين والعلم على الكلام فيما لا يليق بالعلماء، ولا يخفى على المستدل أن الاختلاف ليس بمعطوف على السموات والأرض، ولكنه معطوف على
قوله (خلق) فيكون التقدير: (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم) قال أهل التفسير: لولا أن الله فرق بين الصور في الألوان وبين الألسن في اللغات والنغمات والأصوات لبطلت العلامات في الشهادات والمداينات، ولما عرفت والدة ولدها ولا ولد أمه ولا زوج زوجته1فتعلقنا من الآية لو كان اختلاف ألسنتهم وهي لغات في كلامهم خلقا لألسنتهم كما قالت القدرية لما أمرهم بالاستدلال بها عليه؛ لأن الصنعة لا تدل على غير صانعها، فلما أمرهم بالاستدلال بذلك عليه دل على أن ذلك خلقه، كما أمرهم بالاستدلال عليه بما هو خلق له بالإجماع وهو منامهم بالليل والنهار وخلق السموات والأرض.
26- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ 1.
فأخبر سبحانه أنه يعلم الجهر والسر من القول لأنه خلقه.
فاعترض القدري المخالف على هذا وقال: لا حجة2لهذا المستدل بهذه الآية، وقال هذا يدل على إفلاسه من العربية وفقد التمييز بين العبارة عمن يعقل وعمن لا يعقل فإن قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ 3 عبارة عن العقلاء من خلقه و (ما) عبارة عما لا يعقل، وأفعال العباد مما لا يعقل فلا تدخل تحت قوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ هذا نكتة قوله، ولا فائدة في إعادة سائر قوله من السفه والسخف الذي لا يلحق إلا بمن لا دين له ولا علم.
والجواب: إني وهذا المعترض كما قال الشاعر: عليّ نحت القوافي من معادنها... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر4مع أنه لم يكن مقصوداً بالرسالة وإنما حمله الفضول على تكلف ما لا يقوم به، ولم يفهم موضع الحجة من الآية، وذلك أنه ذهب إلى أن (من) في موضع نصب مفعول5
يعلم1، وهو مذهب لم أذهب إليه ولا ذهب إليه أحد من أهل الحديث، وإنما الذي نذهب إليه أن (من) في موضع رفع ليكون فاعلاً ليعلم، وخلق فعل ماض فاعله مضمر فيه يعود على من2، فالعالم بما في الصدور من الكلام هو الله الخالق له فتكون من لمن يعقل، ويكون هذا كقول القائل كلمني من كلمك، ولا يكون كما توهم هذا المسكين، من الخطأ.
27- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ 1، وقد كانوا يعبدون الجن والملائكة، فأخبر سبحانه أنهم لا يخلقون شيئاً.
فأجاب هذا القدري المخالف عن هذا وقال: لم يرد بذلك إلا الأصنام لأنه قال: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ وهذا صفة الأصنام لا صفة الملائكة والجن، على أن ذلك لو كان عاماً في كل معبود لكان المراد أنهم لا يخلقون شيئاً من أجسادكم ولا2من أغذيتكم ولا3 أموالكم ولا من ضروب النعم التي أنعم الله بها عليكم.
والجواب: أن هذا يدل على إفلاس هذا المعترض من العربية وعلى جهله بها كما رمى خصمه.
ونقول: بل المراد بذلك جميع ما يعبدونه من الملائكة والجن والأصنام، لأن العرب إذا جمعت بين ما يعقل، وما لا يعقل غلبت حكم ما يعقل، وعلامة الجمع لما يعقل في هذه الآية في أربعة أحرف.
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ﴾ 4، وذلك لما يعقل؛ لأنه لو كانأراد الأصنام وحدها لقال والتي تعبدون أو ما يعبدون.
والثاني: أنه قال: ﴿لا يَخْلُقُونَ﴾ في هذا ضمير ما يعقل، ولو أراد ما لا يعقل قال: "لا يخلق".
والثالث: قوله: ﴿وَهُمْ﴾ لو أراد ما لا يعقل لقال: وهي.
والرابع: قوله: ﴿يُخْلَقُونَ﴾، ومثل هذا الجمع قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ 1، فأخبر أن الأصنام والغاوين يكبكبهم في جهنم، والدليل على أن الأصنام مرادة بهذا قوله تعالى في أول الآية: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ 2، فهذا الجمع بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ…﴾ الآية بخلاف الجمع بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ 3، لما لم يجمع الأصنام مع من يعقل أخبر عنها بـ (ما)، لأنها لما لا يعقل، ولهذا قال ابن الزبعرى4: لأخصمن محمداً بهذه الآية، فقال: يا محمد قد عبدت الملائكة وعبدت عيسى أفيدخلون النار؟ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لقد أنساكم كفركم لغتكم إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ 5، ولم يقل (ومن تعبدون) وأنزل الله سبحانه مصدقاً لنبيه - صلى الله عليه وسلم- ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ يعني الملائكة وعيسى.6
فأما الجواب عن قول هذا المخالف: أنهم لا يخلقون شيئاً من أجسادهم ولا من أغذيتهم إلى آخر كلامه فمن وجوه: أحدها: أن نفي النكرات يقتضي العموم كقولك: لا شيء في الدار، يقتضي نفي جميع الموجودات في الدار، كذلك قوله تعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ يقتضي نفي خلقهم لجميع الموجودات من أفعالهم وأقوالهم وجميع الأجسام والجواهر.
والثاني: أن الله تعالى أخبر عن وضعهم وعدم اقتدارهم على خلق شيء من الأشياء وقطع عذر من يعبدهم، فلو كانوا يخلقون أفعالهم وأقوالهم لقال الكفار هم يخلقون أفعالهم وأقوالهم التي يجلب بها النفع ويدفع بها الضر فتكون لهم الحجة على الله، والله يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
الثالث: أنه قال سبحانه ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا يعم خلقه لأجسامهم وجميع صفاتهم والأعراض التي فيها وهي الألوان1، والسمع والبصر، وحركاتهم في الأفعال والأقوال من جملة أعراضهم فتكون داخلة في المخلوقات.
وأما استدلال المخالف على أن المراد بالآية الأصنام لا غير بقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ وهذه صفة الأصنام لا صفة الملائكة.
قلنا عن هذا جوابان، أحدهما: إن سلمنا أن المراد بقوله ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ هي الأصنام لم يمتنع أن يكون أول الآية عاماً لجميع ما يعبدون من الملائكة وعيسى والأصنام، وقوله (أموات غير أحياء) خاص للأصنام، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 2.
وهذا عام للمطلقات البائنات والرجعيات، وقوله
في آخر الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ…﴾ خاص في الرجعيات.
والجواب الثاني: أنه يحتمل أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ هم الكفار، المخاطبون فخاطبهم في1أول الآية خطاب المواجهة وأخبر عنهم في هذا بلفظ الإخبار عن الغائب، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ 2.
فإنما أخبر عنهم بأنهم أموات لقلة انتفاعهم بما جاءهم به البني - صلى الله عليه وسلم- وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ 3 وأراد به الكفار، وكقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ 4، ويدل على أن المراد بهذا الكفار قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا الوصف راجع إلى الكفار لأنهم هم الذين لا يشعرون أيان يبعثون.5
28- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ 2 فأثبت الله لنفسه الخلق ونفاه عن3غيره، كما أثبت لنفسه أنه إله ورزاق، فلما استحال أن يكون غيره إلهاً ورزاقاً استحال أن يكون غيره خالقاً.
فأجاب4هذا القدري عن قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾.
وقال: أراد بهذه البدائع العجيبة من السموات والأرض وما بينهما، ثم النعم التي تقتضي وجوب شكره عليها ولهذا قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾.
والجواب: أن الآية عامة في نفي الخلق عن غيره في جميع الأشياء كما أثبت الخلق لنفسه، والإلهية5، لجميع الأشياء، وأيضاً فإن الكلام من البدائع العجيبة، ولهذا جعل الله كلام عيسى في المهد من المعجزات، وجعل كلام الذراع المشوية6، وحنين الجذع7، وتسبيح الحصا في كف النبي - صلى الله عليه وسلم-8، معجزة له وأمر الله خلقه بالاستدلال عليه باختلاف
لغاتهم1، لأن الله يخلق العبارة في الكلام في قطعة لحم عن مرادات مختلفة تتقدم على الكلام2، فالصنع العجيب في الكرم كالصنع العجيب في السوات والأرض وسائر الأجسام، فيجب أن يكون مساوياً للأجسام في كون الخالق لها واحداً.
وأما قوله: أراد البدائع التي تقتضي وجوب شكره عليها3، فإن الكلام من البدائع التي تقتضي الشكر لله عليه، ولهذا امتن الله تعالى على أن
الإنسان جعل له السمع والبصر والكلام فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ 1، فتكون كسائر نعمه التي خلقها الله فيهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 2.
ويدل على أن أقوال العباد وأفعالهم خلق لله تعالى قلوه فيما أخبر من خلود أهل النار لما شهدت عليهم جلودهم3، قالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ 4، وحقيقة الإنطلاق من الله أن خلق النطق فيهم.
ويدل على خلق الأفعال قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ 5، وقوله (يسير) على وزن يقلِّب الليل والنهار، وهو خلقه لاختلاف الليل والنهار فتكون يسير أي يخلق السير فيهم6، والقدرية لا يقولون إن الله أنطق الخلق ولا أنه سيرهم بل هم الخالقون لنطقهم وسيرهم، وهذا رد منهم للقرآن الذي ختم الله على قلوبهم وجعل عليها أكنة أن يفقهوه.
قال المخالف: أما قول المستدل كما أنه لا إله ولا رازق إلا الله كذا لا خالق للأشياء إلا الله فهذا جمع بغير علة ويجوز أن يقال لمن وهب لغيره شيئاً رزقه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ 7، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ 8.
والجواب أن قوله: جمع من غير علة خطأ، بل العلة المقتضية للجمع
بينهما أنه لا يجوز إطلاق اسم الرزاق، والخالق بالتعريف إلا على الله، ولهذا لو حلف حالف وقال: والخالق والرازق وانصرف ذلك إلى الله وانعقدت يمينه ولم ينصرف إلى غيره، فإن أطلق هذا الاسم على1غير الله فإنما هو بتقييد لا ينصرف إليه الإطلاق فيصير مجازاً في غيره.
29- فصل ذكر القدري بكتابه في التشنيع على من خالفه فقال: وزعموا أن ما يحدث في العالم من المخازي والفضائح والمعاصي والخبائث والقبائح فالله خالقه ومبتدعه والكفار مبرؤون من ابتداع الكفر والضلال، بل نهاهم عن شيء أوجده فيهم وعذبهم على أمر حتمه عليهم، كأنهم لم يسمعوا الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ 1.
فأخبر الله تعالى أنه ما بدأ بتغيير حتى بدأواهم فغيروا ما بأنفسهم فبدلوا نعمة الله كفراً، ولو كان الله هو الذي ابتدأهم بخلق الكفر فيهم لكان قد بدأهم بأشد التغيير.
والجواب عن تسميته لأفعال العباد في المعصية قبائح وخبائث ومساوئ أن يقال له: هل سُميت هذه الأفعال بهذه الأسماء لعين الأفعال أو لمعنى غير أعيانها؟ فإن قال: سُميت لأعيانها بهذه الأسماء.
قلنا: فيلزمك على هذا أن تسمي هذه الأفعال معاصي وخبائث ومساوئ وقبائح قبل ورود الشرع2بتحريمها، كما تسمى أجساماً وأعراضاً قبل ورود الشرع، وإذا كانت كذلك استغنى الخلق بعقولهم عن بعث الرسل بتحليل الحلال وتحريم الحرام وهذا نفس اعتقاد القدرية وقد مضى بيانه.3
وإن قال: بل سميت بهذه الأسماء لمعنى غيرها قلنا: فذلك1المعنى الذي سماها معاصي وخبائث وقبائح هو الشرع، هذا مذهب أهل التوحيد أن القبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع2، وإذا كان كذلك بطل
أن تسمى هذه الأفعال في حق الله تعالى قبائح ومعاصي وخبائث ومساوئ وإن كان الخالق لها، وإنما تسمى بذلك في حق من حرم عليه فعلها1، وفي حق الله حسنة في الصنع والتدبير كما أن وجه القرد واسته2قبيحان في المنظر في حقنا، وهما حسنان في صنع الله وتدبيره وقد قال الله سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ 3 ويدل على صحة هذا