كتاب الأيمان
واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث هي: اليمين بالله، أو صفةٍ من صفاته، أو بالقرآن، أو بالمصحف.
والحلف بغير الله محرمٌ، ولا تجب به كفارةٌ.
ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروطٍ:
الأول: أن تكون اليمين منعقدةً، وهي التي قصد عقدها على مستقبلٍ ممكنٍ 1.
فإن حلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا عالمًا 2: فهي الغموس.
ولغو اليمين: الذي يجري على لسانه بغير قصدٍ؛ كقوله: (لا والله)، و (بلى والله)، وكذا يمينٌ عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه 3، فلا كفارة في الجميع.
الثاني: أن يحلف مختارًا، فإن حلف مكرهًا لم تنعقد يمينه.
الجزء: 1 - الصفحة: 635
الثالث: الحنث في يمينه؛ بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا ذاكرًا، فإن فعله مكرهًا أو ناسيًا فلا كفارة 4.
ومن قال في يمينٍ مكفرةٍ: (إن شاء الله): لم يحنث.
ويسن الحنث في اليمين إذا كان خيرًا.
ومن حرم حلالًا - سوى زوجته 5 - من أمةٍ أو طعامٍ أو لباسٍ أو غيره: لم يحرم، وتلزمه كفارة يمينٍ إن فعله.
فصلٌ
يخير من لزمته كفارة يمينٍ بين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو عتق رقبةٍ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ متتابعةٍ.
ومن لزمته أيمانٌ قبل التكفير موجبها واحدٌ: فعليه كفارةٌ واحدةٌ 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 636
وإن اختلف موجبها - كظهارٍ ويمينٍ بالله -: لزماه، ولم يتداخلا.
الجزء: 1 - الصفحة: 637
باب جامع الأيمان
يرجع في الأيمان إلى: نية الحالف إذا احتملها اللفظ، فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها، فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين.
فإذا حلف: - (لا لبست هذا القميص) فجعله سراويل أو رداءً أو عمامةً ولبسه، - أو (لا كلمت هذا الصبي) فصار شيخًا، أو (زوجة فلانٍ هذه) أو (صديقه فلانًا) أو (مملوكه سعيدًا) فزالت الزوجية والملك والصداقة ثم كلمهم، أو (لا أكلت لحم هذا الحمل) فصار كبشًا، أو (هذا الرطب) فصار تمرًا أو دبسًا أو خلا، أو (هذا اللبن) فصار جبنًا أو كشكًا أو نحوه، ثم أكله: حنث في الكل، إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة.
فصلٌ
فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم، وهو ثلاثةٌ: شرعي، وحقيقي، وعرفي.
فالشرعي: ما له موضوعٌ في الشرع، وموضوعٌ في اللغة.
فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح.
فإذا حلف: لا يبيع أو لا ينكح، فعقد عقدًا فاسدًا: لم يحنث.
وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة - كأن حلف لا يبيع الخمر أو الحر -: حنث
الجزء: 1 - الصفحة: 639
بصورة العقد 7.
والحقيقي: هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته كاللحم 8.
فإن حلف: لا يأكل اللحم، فأكل شحمًا أو مخا أو كبدًا - أو نحوه -: لم يحنث 9.
وإن حلف: لا يأكل أدمًا: حنث بأكل البيض والتمر والملح والخل والزيتون - ونحوه -، وكل ما يصطبغ به.
و: لا يلبس شيئًا، فلبس ثوبًا أو درعًا أو جوشنًا أو نعلًا: حنث.
وإن حلف: لا يكلم إنسانًا: حنث بكلام كل إنسانٍ.
و: لا يفعل شيئًا، فوكل من فعله: حنث، إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
والعرفي: ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة؛ كالراوية والغائط - ونحوهما -،
الجزء: 1 - الصفحة: 640
فتتعلق اليمين بالعرف.
فإذا حلف على وطء زوجته أو وطء دارٍ: تعلقت يمينه بجماعها، وبدخول الدار.
وإن حلف: لا يأكل شيئًا، فأكله مستهلكًا في غيره؛ كمن حلف لا يأكل سمنًا فأكل خبيصًا فيه سمنٌ لا يظهر فيه طعمه، أو لا يأكل بيضًا فأكل ناطفًا: لم يحنث، وإن ظهر طعم شيءٍ من المحلوف عليه: حنث.
فصلٌ
وإن حلف: لا يفعل شيئًا، ككلام زيدٍ، ودخول دارٍ - ونحوه -، ففعله مكرهًا: لم يحنث.
وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه - كالزوجة والولد -، ألا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا أو جاهلًا: حنث في الطلاق والعتاق فقط 10.
وعلى من لا يمتنع بيمينه من سلطانٍ وغيره ففعله: حنث مطلقًا 11.
وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف على كله: لم يحنث، ما لم تكن له نيةٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 641
باب النذر
لا يصح إلا من بالغٍ عاقلٍ - ولو كافرًا -. والصحيح منه خمسة أقسامٍ.
- المطلق: مثل أن يقول: (لله علي نذرٌ)، ولم يسم شيئًا: فيلزمه كفارة يمينٍ.
- الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرطٍ يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب: فيخير بين فعله وكفارة يمينٍ.
- الثالث: نذر المباح - كلبس ثوبه، وركوب دابته -: فحكمه كالثاني.
وإن نذر مكروهًا من طلاقٍ أو غيره: استحب أن يكفر ولا يفعله. - الرابع: نذر المعصية - كشرب خمرٍ، وصوم يوم الحيض والنحر -: فلا يجوز الوفاء به، ويكفر.
- الخامس: نذر التبرر مطلقًا أو معلقًا؛ كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه؛ كقوله: (إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا)، فوجد الشرط: لزمه الوفاء به، إلا إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث 12، وفيما عداها يلزمه المسمى.
الجزء: 1 - الصفحة: 643
ومن نذر صوم شهرٍ: لزمه التتابع 13، وإن نذر أيامًا معدودةً: لم يلزمه إلا بشرطٍ أو نيةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 644