شرح شافية ابن الحاجب - ركن الدين الاستراباذيصفحات 949-988

مقدمة المؤلف

صفحات 949-988
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، ركن الدين
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب
المؤلف
حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي، ركن الدين (المتوفى: 715هـ)
المحقق
د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)
الناشر
مكتبة الثقافة الدينية
الطبعة
الأولي 1425 هـ- 2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وأما اللام التي هي غير لام التعريف، نحو لام: هَلْ وبَلْ، فإدغامها لازم في1 نحو: "بل رَّانَ"2 لشدة التقارب بين اللام والراء3.
وران على الشيء، رَيْنًا، ورَانًا، ورُيُونًا: أحاط به4.
وجائز في القوافي5.
وقال صاحب المفصل: "إدغام اللام التي لغير التعريف في هذه الحروف جائز, لكن يتفاوت جوازا إلى حسن6، وهو إدغامها في الراء، نحو: هل رَّأيت, وإلى قبيح؛ وهو إدغامها في النون، نحو: هل نخرج, وإلى وسط، وهو إدغامها في البواقي.
وقرئ: "هَثّوّبَ الكفار"7، أي8: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ .

واعلم أن كلام سيبويه يدل على ما ذكره صاحب المفصل؛ لأن سيبويه بعدما ذكر إدغام لام التعريف في الحروف الثلاثة عشر قال: "فإذا كانت غير لام "هل" و"بل" كان الإدغام في بعضها أحسن...."1 إلى آخر ما ذكره2, ولم يذكر أن إدغامها في شيء منها لازم.
ولا يدغم في اللام غير المعرفة إلا مثلها والنون، نحو: من لك.
ولا تدغم الراء في اللام، في الأفصح؛ لما فيها من التكرير.
والمجوز اغتفر ذهاب التكرير لشدة3 التقارب.
وقال صاحب المفصل: وإدغام الراء في اللام حسن4.

إدغام النون

: وللنون الساكنة مع الحروف خمس أحوال1: إحداها: وجوب إدغامها في حروف "يَرْمُلُونَ" مع بقاء الغنة2.
والثانية: وجوب إدغامها [فيها مع ذهاب الغنة.
لكن الأفصح بقاء الغنة مع إدغامها في الواو والياء3, مع أنه جاء ذهاب الغنة مع إدغامها] 4 فيهما في قراءة حمزة.
والأفصح ذهاب الغنة مع إدغامها في اللام والراء5, وبقاء الغنة فيهما رديء.
والثالثة: أن تقلب النون ميمًا قبل الباء؛ لكراهة6 نبرتها نحو: شمباء وعمبر, في: شنباء، وعنبر7.

والرابعة: أن تخفى النون مع غير حروف الحلق، وهي خمسة عشر حرفا "173" وهي: القاف والكاف والجيم والسين والشين والصاد والضاد والزاي والطاء والظاء والدال والذال والتاء والثاء والفاء نحو: من جابر، ومن كفر، ومن قتل.
وإنما أخفيت عند هذه الحروف؛ لأنها حروف1 الفم فصارت هذه الحروف ملابسة2 بالاشتراك في الفم، والنون تدغم في بعض حروف الفم, والمقصود من الإخفاء والإدغام واحد وهو الخِفَّة3.
وقال أبو عثمان المازني: بيانها مع حروف الفم لَحْن4.
والخامسة: أن تبين مع حروف الحلق5، نحو: مِنْ أَجلك، ومنْ هَانئ، ومنْ عِندك، ومن جملك، ومن غيرك، ومن خافك6، = التباس بغيره".
"الكتاب: 4/ 455, 456". وعلة قلبها ميما ههنا وعدم الإدغام أن الباء لا تقارب النون في المخرج كما قاربتها الراء واللام، ولا فيما يشبه الغنة وهو اللين، ولا في الغنة كما قاربتها الميم، فلما تعذر إدغامها في الباء قلبت معها ميما؛ لأن الباء من مخرج الميم فعُوملت معاملتها، فلما قلبت النون مع الميم قلبت ميما أيضا مع الباء، وأُمن الالتباس؛ لأنه ليس في الكلام ميم ساكنة قبل باء.
"الممتع: 2/ 698, 699".

إلا في لغة قوم أخفوها1 مع الغين والخاء، فقالوا: مُنْخَل، ومُنْغَل اسم فعل2 من: نَغِل الأديم، إذا فسد3؛ لأن النون سهلة الإخراج لا يحتاج معها إلى كلفة.
وإنما يجب تبيين النون قبل حروف الحلق؛ لتعذر إخفائها أو لبعد إخفائها قبل هذه الحروف؛ لأن حروف الحلق أشد علاجا وأصعب إخراجا وأحوج إلى تمكن4 حركة الصوت لها من غيرها. ولأجل ذلك لا يمكن النطق بالهمزة والهاء والعين والحاء، وقبلها النون الساكنة التي مخرجها الخيشوم؛ إذ لا علاج ولا اعتماد في إخراجها وحروف الحلق تحتاج إلى اعتماد في اللسان، بخلاف ما إذا كانت النون متحركة, فإنها تمكن العلاج والاعتماد حينئذ5.
والنون المتحركة تدغم في حروف "يرملون" جوازًا، مع بقاء الغنة، ومع ذهابها، نحو: من يَّقول، ومن رَّاشد، ومن محمد، ومن لك، ومن واقد، ومن نكر؛ بغنة، وبغير غنة.
قوله: "والطاء والدال6...." إلى آخره.

أي: والطاء والدال والذال والثاء والظاء والذال والتاء تدغم بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، [وَفِي الصَّادِ وَالزَّاي وَالسِّين.
مثال إدغام الطاء1 في هذه الحروف التي بعدها] 2: فرطتّ فرط3 دّائما4، فرط ظّالم، فرط ذّا، فرط ثّمود، فرط صّابر, فرط زّايد، فرط سّابق.
مثال إدغام التاء في هذه الحروف الثمانية: سكت طَّالب، سكت دائما، سكت ظالم5, سكت ذلك، سكت6 ثمود، سكت صابر، سكت زايد، سكت سابق.
[مثال إدغام الدال في هذه الحروف الثمانية: وجد7 طّالبا، وجدتّهم، وجد ظّالم، وجد ذلك، وجد ثمود، وجد صابر، وجد زايد، وجد سابق] 8. مثال إدغام الظاء في هذه الحروف: وعظ طّالب، وعظ تّميم، وعظ داود، وعظ ذلك، وعظ ثمود، وعظ سابق.

[ومثال إدغام الذال في هذه الحروف: أخذ طّالب، أخذ دّاود، أخذ تّميم، أخذ ظالم، أخذ ثمود، أخذ صابر، أخذ زايد، أخذ سابق] 1. مثال إدغام الثاء في هذه الحروف: حنث2 طّالب، حنث دّاود, حنث تّميم، حنث ظالم، حنث ذلك، حنث صابر, حنث زايد، حنث سابق. ولا يدغم الصاد والزاي والسين في الطاء وما بعدها إلى الثاء؛ لأن الصاد والزاي والسين حروف صغيرة، ففيها زيادة تبطل الإدغام3.
قوله: "الإطباق في نحو: فرطت...."4 إلى آخره.
هذا إشكال على قولهم: تدغم المطبقة في غيرها مع بقاء الإطباق.
[وتقديره: أن "174" الإطباق] 5 في الطاء والظاء في نحو: فرطت وأغلظت، مع الإدغام مما يتنافيان؛ لأن الإطباق لا يوجد إلا مع المطبقة، وعند الإدغام لم تبقَ المطبقة فلا يمكن وجود الإطباق.
فإن كان فيهما إطباق مع الإدغام فلا يكون إلا بإتيان طاء

أخرى بعد التاء الأولى المبدلة من الطاء، فيلزم اجتماع ساكنين: التاء المبدلة1 من الطاء، والطاء المأتِيّ بها للإطباق.
ولا يجاب عنه بمنع أن الإطباق لا يبقى بدون المطبقة، قياسا على الغنة بدون النون عند إدغام النون في الراء واللام والواو والياء نحو: من يقول؛ لأن الغنة تخرج من الخيشوم, فيجوز أن تبقى بدون النون لأنه ليس بين الغنة والنون ملازم من الطرفين، بخلاف الإطباق، فإن الإطباق والنطق بالمطبقة متلازمان.
وأجاب عنه في الشرح2 بأن التحقيق [أنه لا إدغام] 3 محققا مع بقاء الإطباق.
لكنه لما اشتدت تقارب حروف المطبقة من غيرها صار في الصورة كأنه إدغام, وليس بإدغام تحقيقًا.
قوله: "والصاد والزاي والسين تدغم بعضها في بعض":

  • مثال إدغام الصاد في الزاي والسين: خلص زّايد، خلص سّائر.
  • مثال إدغام الزاي في الصاد والسين: فاز صّابر، فاز سّائر.
  • مثال إدغام السين في الصاد والزاي: أفلس4 صّابر، أفلس زّايد.
    وتدغم الباء في الميم، نحو: "يعذب من يَّشَاءُ"5, وفي الفاء نحو: يعذب في النار.

إدغام تاء الافتعال والإدغام فيها

: قوله: "وقد تدغم تاء افتعل...."1. اعلم أن افتعل إذا كان بعد تائها تاء نحو "اقتتل" جاز البيان وجاز الإدغام؛ وذلك بأن تسكن الأولى وتدغم في الثانية؛ فمنهم من يسكن التاء الأولى ويحذف حركتها، فيلتقي ساكنان: القاف والتاء الأولى، فتكسر القاف وتحذف همزة الوصل استغناءً عنها، فيقول: قِتّل بكسر القاف. ومنهم من ينقل حركة التاء الأولى إلى القاف ويحذف همزة الوصل استغناء عنها فيقول: قَتّل بفتح القاف، وقِتّل بكسر القاف. وقَتّل -بفتح القاف- يُقَتّلون، ومُقَتّلون، ويُقِتّلون، ومُقِتّلون: بفتح القاف وكسرها2.
ويجوز: مُقُتّلون -بضم القاف- إتباعا للميم3, كما جاء عن بعضهم4: "مُرُدِّفِينَ"5 بالإتباع، أصله: مُرْتَدفين6 من قولك:

ارتدفه، أي1: استدبره.
وإذا بنيت من الثأر "افتعل" نحو: اثتأر2، وجب الإدغام، وذلك إما بقلب التاء ثاء وإدغام الثاء في الثاء، نحو: اثّأر -وهو الأفصح- وإما بقلب الثاء تاء وإدغام التاء في التاء نحو: اتّأر3 -وهو فصيح- ليس بأفصح4.
يقال: اثأر واتأر: إذا أخذ بالثأر5.
وإذا كان قبل تاء الافتعال سين، نحو: استمع6، فالأفصح الإظهار وعدم الإدغام، نحو: استمع، وجاز الإدغام وذلك بقلب تاء الافتعال سينًا وإدغام السين في السين نحو: اسَّمع، ومسَّمع؛ لامتناع: اتَّمع بقلب السين تاء وإدغام التاء في التاء؛ لفوات صفير السين7 بإدغامها في التاء.
وإنما سماه شاذا على الشاذ؛ لأن الأصل عدم الإدغام "175" ههنا, وإدغام السين في التاء على هذا الوجه أيضا بخلاف الأصل؛ لأن الأصل في إدغام أحد8 المتقاربين في الآخر أن يقلب

الأول حرفًا من جنس الثاني, ويدغم في الثاني.
قوله: "وتقلب بعد حروف الإطباق طاء".
أي: إذا وقعت تاء افتعل بعد حروف الإطباق قلبت طاء, فيدغم1 فيها وجوبا في نحو: اطّلب، لاجتماع المثلين.
أصله: اطْتَلَب، قلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء.
وجوازا على الوجهين في نحو: اظْتَلم؛ فإنه تقلب التاء طاء, وحينئذ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الإظهار نحو: اظطلم.
الثاني: الإدغام؛ بقلب الطاء ظاء وإدغام الظاء في الظاء نحو: اظّلم.
الثالث: الإدغام؛ بقلب الظاء طاء فإدغام الطاء في الطاء نحو: اطّلم.
وعلى الوجوه الثلاثة2 ينشدون: "44" ...................... ... ........... ويظلم أحيانا فيَظْطَلِم3

قوله: "وشاذاً على الشاذ في اصَّبَرَ" [واضَّرَبَ] 1. أي: وتدغم شاذا على2 الشاذ في: اصْطَبر واضْطَرب، اللذين أصلهما: اصتبر واضترب، فيقال: اصّبر واضّرب، بقلب الطاء صادا، وإدغام الصاد في الصاد في الأول، وضادا وإدغام الضاد في الضاد في الثاني لامتناع: اطبر واطرب, بقلب الصاد طاء والضاد طاء وإدغام الطاء في الطاء؛ لزوال [المزيَّة المذكورة] 3 [أعني] 4: الصفير الذي في الصاد والضاد5.
وإنما قال: "تدغم شاذا على الشاذ؛ لأن قلب تاء افتعل طاء خلاف الأصل، ثم قلب الطاء صادا في: اصطبر، وضادا في: اضطرب خلاف الأصل.
وكل ما كان على خلاف الأصل كان شاذا

فيكون الإدغام شاذا1 على شاذ؛ لأنه خلاف الأصل المخالف للأصل الآخر2.
[ويمكن أن يحمل الشاذ الأول على الإدغام في مثله؛ لأن الفصيح: اصْطَبَر، من غير إدغام، والشاذ الثاني على قلب الثاني إلى الأول في إدغام المتقاربين؛ لأن الأصل عكسه كما هو مقرر في قاعدتهم.
وكان هذا مراد المصنف3] 4. قوله: "وتقلب مع الدال والذال والزاي ... " إلى آخره5.
أي: إذا وقعت تاء "افتعل" بعد الدال أو الذال أو الزاي قلبت دالا بعد هذه الثلاثة.
لكن أدغمت الدال في الدال وجوبا إذا كان قبل تاء الافتعال دال، نحو: "ادّان" من الدين.
أصله: ادْتَان؛ قلبت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال.
وأدغمت إدغاما قويا، لا وجوبا، إذا كان قبله ذال، نحو "اذَّكر" أصله: اذْتَكر، من الذكر؛ قلبت التاء دالا، فصار: اذدكر, وحينئذ جاز: ادّكر؛ بقلب الذال دالاً، وإدغام الدال في الدال -وهو الفصيح- وجاز: اذدكر، على الإظهار، وهو ضعيف, والإدغام قوي.

ويدغم على ضعف إذا كان قبله زاي، نحو: "ازدان". أصله: ازْتَان -من الزين- قلبت التاء دالا، فصار: ازْدَان، فجاز على ضعف: "ازَّان" بقلب الدال زايا وإدغام الزاي في الزاي. ولم يجز: ادَّان بقلب الزاي دالا، وإدغام الدال في الدال لما فيه من فوات الصفير. قوله: "وخَبَطْتُ وحِصْتُ"1.
اعلم أن بعض العرب يجري تاء الضمير في: خبطت وحصت وفزت وعدت مجرى تاء الافتعال؛ فيقول في خبطت: خَبَطّ, بقلب تاء الضمير طاء وإدغام الطاء في الطاء2, ويقول في [حصت] 3: حِصْط, بقلب التاء طاء, ويقول في فُزْتُ: فزدُ, بقلب التاء دالا, وفي عُدْتُ: عُدُّ بقلب التاء دالا "176" وإدغام الدال في الدال, وهو شاذ.
قوله: "ونحو: خَبَطّ": مبتدأ, وقوله: "شاذ": خبره.
[و] 4 يقال: حاص عنه يحيص, إذا عدل5.

إدغام تاء مضارع تفعّل وتفاعل

قوله: "وقد1 يدغم نحو: تتنزل أو تتنابز ... "2 إلى آخره.
أي: وتدغم تاء تفعّل وتتفعّل وتفاعل وتتفاعل، نحو: تتنزل وتتنابز في التاء الأخرى في الوصل, إذا لم يكن قبلها ساكن صحيح؛ وذلك بأن يكون قبلها متحرك، نحو: فَتَتنزل أو فَتَتنابز, أو قبلها ساكن غير صحيح؛ أي ساكن مدة نحو: قالوا تتنزل وقالوا تتنابز؛ لاجتماع المثلين وعدم المانع من الإدغام.
ويعلم من قوله: "وصلا" أنها لا تدغم ابتداء؛ لئلا يلزم الابتداء بالساكن, ومن قوله: "وليس قبلها ساكن صحيح" أنها لا تدغم لو كان قبلها ساكن صحيح، نحو: هل تتنزل؛ لاستلزامه التقاء الساكنين على غير حده.
على أنه قد جاء إدغامها في قوله تعالى: "قل هَلْ تَّرَبَّصُونَ3"4 وقوله تعالى: "من ألف شهر، تَّنَزَّلُ الملائكة"5 في قراءة البزي6, مع أن قبله ساكنا صحيحا، وهو لام ﴿هَلْ﴾ والتنوين في ﴿شَهْرٍ﴾ .

قوله: "وتاء تفعل وتفاعل ... "1 إلى آخره.
أي: وتدغم تاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء، وهو الطاء والدال والظاء والذال والثاء والصاد والزاي والسين، إلا أن هذا الإدغام لو كان في الابتداء لوجب الإتيان بهمزة الوصل مكسورة؛ لامتناع الابتداء بالساكن.
وإنما كسرت هذه الهمزة؛ لما مر، نحو: تَطيَّروا، وتزيّنوا, وتثاقلوا، وتدارءوا؛ قلبت التاء طاء أو زايا أو ثاء أو دالا، وأدغمت فيما بعدها، ووجب الإتيان بهمزة الوصل في الابتداء مكسورة، فإذا أتي بها قيل: اطّيّروا، وازينوا، واثاقلوا, وادارءوا.
وتقول في المضارع إذا أدغمت: يطّيرون، ويزّينون، ويثاقلون، ويدارءون.
والأصل: يتطيرون، ويتثاقلون، ويتزينون2, ويتدارءون؛ فقلبت وأدغمت.
ويجوز هذا الإدغام في مصادر هذه الأفعال نحو: اطّير اطّيّرا, وازّين ازّيّينا، واثاقل اثاقلا.
وكذلك يجوز في أمر هذه الأفعال ونهيها.

وأما إدغام تاء استطاع1، واستطعم في الطاء, وتاء استضاء واستضعف في الضاد، وتاء استدان، واستدرك في الدال مع بقاء صوت السين فنادر؛ لأن الثاني ساكن في استطاع، واستطعم، واستضعف، واستدرك, وأن الثاني في نية السكون في استضاء واستدان؛ لأن أصلهما: استضْوَأ2 واستَدْون, ولأنه لو أدغم فيها لزم الجمع بين ساكنين على غير حده, وهو في قراءة حمزة3، 4.

الحذف

: قوله: "الحذف الإعلالي1...."2 إلى آخره.
اعلم أن الحذف الإعلالي والحذف الترخيمي قد تقدما؛ أما الحذف الإعلالي ففي باب الإعلال من التصريف, وأما الحذف الترخيمي ففي النحو3 في باب الترخيم.
وقد جاء أيضا حذف -غير الحذف الإعلالي "177" وغير الحذف الترخيمي- في باب تتفعّل وتتفاعل، نحو: تَتَنَزَّل وتَتَنَابَز؛ فإنه يحذف منه إحدى التاءين، فيقال: تَنَزّل، وتَنَابز؛ لكراهة اجتماع التاءين وهي فصيحة كإثباتها, وإدغام [إحداهما في الأخرى] 4 قليل.
واختلف في المحذوف من التاءين: فقيل الأولى، وقيل الثانية -وهو الوجه- لأن الأولى للعلامة وهي المضارعة بخلاف الثانية, ولأن الاستثقال جاء من الثانية لا من الأولى.
وجاء الحذف في نحو: مِسْتُ، وأَحَسْتُ، وظَِلْتُ5, في: مَسِسْتُ

وأحسستُ، ظللتُ.
لكن الحذف في أَحَسْتُ بنقل حركة المحذوف إلى الحاء, وكذا في مِسْت، وظِلْت -بكسر الميم والظاء- لا بفتحهما.
والحذف1 في ظِلت2 فصيح؛ لكثرة استعماله، بخلاف: مِسْت وأَحَسْت.
وإنما حذف في ذلك؛ لتعذر الإدغام بسكون الثاني، فحذفوا ما كانوا يدغمونه3, وهو الأول.
وقيل: حذفوا الثانية.
وجاء حذف التاء في نحو4: استطاع يستطيع، فيصير: اسطاع يسطيع5, وهو فصيح في "استطاع"6؛ لكثرته.

وجاء "يَسْتِيع"؛ بحذف الطاء من يستطيع، وهو قليل.
وكأنه لما امتنع الإدغام؛ لسكون ما قبلها فيما لا1 يمكن تحريكه حذفوا؛ فمن قال: "يسطيع" حذف الأول، وهو التاء، ومن قال: "يستيع" حذف الثاني، وهو الطاء.
وهذا يدل على جواز حذف2 الأول والثاني على البدل من نحو: "مَسِست" و"أَحْسَست". وكون "يسطيع" أقوى من "يستيع" يدل على قوة حذف الأول3.
وقالوا أيضا: بَلْعَنْبَر، وعَلْمَاء، ومِلْمَاء -بالحذف- فِي: بَنِي الْعَنْبَرِ4، وَعَلَى الْمَاءِ، وَمِنَ الْمَاءِ.
ووجه الحذف تعذر الإدغام بسكون الثاني، فحذفوا كما تقدم، وهو قليل.
وأما نحو: يَتَسِع ويَتَقِي -بحذف الواو- فشاذ؛ لأن الواجب قلب الواو تاء وإدغامها في التاء، كما في الماضي.
ووجه حذف الواو ههنا أنهم حذفوا الواو لأجل ياء المضارعة كما حذفوا في أصلها، وهو: يَسَع ويَقِي؛ لأنهما من باب واحد.
وعلى حذف الواو من يتقي جاء الابتداء بها [في قوله] 5:

"45" ............................. ... تَقِ الله فينا والكتاب الذي تتلو1 لأنه إذا حذف من "يَتَقِي" حرف المضارعة يبقى "تَقِي"، فحذف الياء لأجل الأمر، فصار "تَقِ".
وليس تَخِذ محذوفا من اتَّخَذ يتَّخِذ بل هو أصل، ولأجل أنه أصل غير محذوف منه شيء قيل في الأمر منه: اتخذ, وفي الماضي منه مع ضمير المتكلم: تَخِذْتُ.
نعم، لو قيل في مضارعه: يَتَخِذ -بحركة التاء المخففة- لكان من باب يَتَقِي، وكان الأمر منه: تَخِذْ.
وقد جاء: استَخِذْ، في: استَتْخِذْ، بمعنى: اتَخِذْ بحذف التاء الثانية.

وقال بعضهم: أبدلت السين من التاء الأولى من: اتخِذْ، فقيل: اسْتَخِذْ, وهو أشذ من يَتَقِي ويَتَسِع.
وقال بعضهم: استخذ: استفعل، مخفف1 من استتخذ.
وقد استغني بمخففه عنه، وحينئذ لا تكون سينه بدلا من التاء.
قوله: "ونحو: يبشروني وتبشريني وإني، قد تقدم".
يعني: إذا اتصل ياء المتكلم بمثل "بشر"2 وتبشران3 "178" وتبشرون وتبشرين، وإن وأن4 ولكن وأخواتها5، يجوز أن تأتي بنون العماد، فتقول: تبشرانني وتبشرونني وتبشرينني وإنني كما [في الفرد] 6 نحو: تبشرني، وتشبيها بأن تبشر7.
ويجوز حذفها منه كراهة اجتماع النونين أو النونات، فتقول: تبشرانِي, وتبشرونِي، وتبشرينِي، وإنِّي8.
وقد تقدم ذلك في النحو في المضمرات.

مسائل التمرين

: قوله: "هذه مسائل للتمرين ... "1. هذه المسائل التي ذكرها ههنا إنما ذكرها2 ليُمَرّن بها متعلمو التصريف؛ أي: ليبينوا في معرفة بناء الأبنية المشكلة فيما علموا من تفاصيل أبواب التصريف.
ومعنى قولهم: "كيف تبني كذا من كذا؟ " أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة أخرى وقد عملت ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب3, فكيف ينطق بها؟ أي: فكيف تصير بالتصريف؟ وقال أبو علي4: إن معنى ذلك أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة أخرى وعملت ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب, وحذفت منها ما حذفت في الأصل بالقياس, فكيف ينطق بها؟

[وقال آخرون: معنى ذلك أنك إذا ركبت من كلمة زنة كلمة1 أخرى وعملت2 ما يقتضيه القياس التصريفي في لغة العرب, وحذفت منها ما حذف في الأصل بالقياس وغير القياس, فكيف ينطق بها؟ 3] 4. فإذا بنيت من "ضرب" مثل "مُحَوِيّ" منسوبا إلى "مُحَيّ" اسم فاعل، من: حَيَّاه أي: سلّم5 عليه، فقياس قول الأولين: مُضَرِبِيّ؛ لأنه ليس فيه ما يقتضي التغيير6.
وقياس قول أبي7 علي وقول الآخرين: "مُضَرِيّ"؛ لأن "محوي" منسوب إلى "محي" اسم فاعل، على8 وزن مُفَعّ [فلما زيد عليه ياء النسبة للنسبة صار: "مُحَيِّيّ، بأربع ياءات، وكسرة على الياء؛ فحذفت إحدى الياءات، وقلبت الياء الأخرى واوا لكراهة اجتماع

الياءات الثلاث مع الكسرة، فصار: مُحَوِيّ، على وزن: مُفَعِيّ] 1، فحذف من الفرع ما حذف من الأصل على جهة القياس.
وقد حذف من الأصل بالإعلال لام الكلمة وإحدى الياءين، للنسبة، فيحذف من الفرع لام الكلمة وإحدى العينين، فبقي: مُضَرِيّ، بحذف إحدى الراءين والياء.
وإذا بنيت مثل "اسم" من: دعا، قلت على القول [الأول وقول أبي علي] 2: دِعْو، أو: دُعْو -بسكون العين وكسر الدال أو3 ضمها- لأن أصل اسم: سِمْو4 أو سُمْو بسكون الميم وكسر السين أو ضمها.
وليس في اسم تغيير قياسي من الحذف والزيادة، فيجب ألا يكون في الفرع على هذين القولين.
وقلت: ادْع، على القول الثالث؛ لأنه حذف من الأصل واو، وزِيد همزة على غير جهة القياس ففُعل كذلك في الفرع.
وإذا بنيت مثل "غَد"5 من: دعا، قلت على القول الأول وقول أبي علي: "دَعْو"؛ لأن أصل غد: غَدْو؛ فحذفت الواو حذفا على غير قياس، وحينئذ لا يحذف عن الفرع، على القولين.
وقلت على القول الثالث: "دَع" بحذف الواو كما حذف من الأصل.

وإذا بنيت مثل "صحائف" من "دعا" قلت: "دَعَايَا" باتفاق الأقوال الثلاثة؛ لأن أصله: دَعَايِوٌ؛ لأنه يزاد في الفرع بعد العين الألف والياء كما زيدتا في الأصل.
فالألف بإزاء [ألف صحائف، والياء بإزاء] 1 ياء صحائف، والواو لام بإزاء فاء صحائف؛ قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقلبت الياء همزة مثلما قلبت في صحائف, فقلبت الياء ألفا والهمزة ياء كما في: شَوَايا ورَكَايا "179". وإنما اتفقت الأقوال الثلاثة ههنا؛ لأنه لا حذف في الأصل ولا زيادة، لا على القياس ولا على غير القياس.
وإذا بنيت مثل "عَنْل" -للذئب-2 من "عَمِل"، قلت: "عَنْمَل" بعد إدغام النون في الميم؛ لئلا يحصل اللبس.
وإذا بنيت مثل "عَنْسل" -للذئب3- من: "باع"4 وقال, قلت: "بَنْيَع"، "وقَنْوَل" بالتصحيح في الأقوال الثلاثة؛ لسكون ما قبل حرف العلة، وبعدم إدغام النون في الياء والواو لئلا يلتبس بفعّل.
وإذا بنيت مثل "قِنْفَخَر" من "عمل"، قلت: "عِنْمَلّ" باللامين؛ لأن القياس أنه إذا بني رباعي من ثلاثي أن تكرر اللام مرة، وإذا بني خماسي من ثلاثي أن تكرر اللام مرتين.

وإذا بنيت مثل "قِنْفَخر" من: باع وقال1، قلت: بِنْيَعّ وقِنْوَلّ بتشديد اللام؛ لما ذكرناه.
وإنما لم تدغم النون في الميم في "عِنْمَلّ"، وفي الياء والواو2 في "بِنْيَعّ، وقِنْوَلّ"؛ لأنه لو أدغمت في عنمل، وبنيع، وقنول قيل: عِمّلّ وبِيّعّ وقِوَّلّ، لم يعلم أنه مثل قنفخر، أي: فِنْعَلّ وأدغمت النون فيما بعدها, أو مثل عِلَّكْد، أي: فِعّلّ، في أصله.
العلكد: البعير3 الغليظ, الشديد العنق4.
قوله: "وَلا يُبْنَى مِثْلُ جَحَنْفَل مِنْ كسرتُ أو جعلتُ...." إلى آخره5.
أي: لا يبنى مثل "جحنفل" -للغليظ الشفة-6 من: كسرت ولا من جعلت؛ لما يؤدي إلى الأمر المرفوض عندهم؛ لأنك لو بنيت مثله منهما لقلت: كَسَنْرَر، وجَعَنْلَلَ، وحينئذ إما ألا تدغم النون، أو تدغم فيما بعدها.
لا سبيل إلى الأول؛ لأنه يؤدي إلى الثقل

المرفوض في كلامهم، ولا إلى الثاني؛ لأنه يؤدي إلى الالتباس بفعلّل, أي: لا يعلم أنه فَعَنْلَل أو فَعَلَّل, واللبس مرفوض في كلامهم.
وإذا بنيت مثل "أُبْلُم" -لخوص المُقْل1- من "وَأَيْتُ" من الوَأْي -وهو الوعد- قلت: أُوء.
أصله: أُوؤُيٌ؛ قلبت الضمة كسرة قياسا كما قلبت في التَّجاري، وأَدْل، فصار: أُوئيٌ على الأقوال الثلاثة، ثم استثقلت الضمة والكسرة على الياء حالتي الرفع والجر, فحذفتا وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: أُوء.
وإذا بنيت مثل "أبلم" من "أَوَيْتُ" قلت: "أُوّ" بالإدغام.
أصله: أُأْوُيٌ؛ قلبت الهمزة الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وأدغمت الواو في الواو التي بعدها فصار "أُوُّيٌ"، ثم قلبت ضمة الواو كسرة فصار "أُوِّي", ثم أعل إعلال قاضٍ فصار2 "أُوّ"، على وزن "أُفْع" ولذلك3 نقول في النصب: رأيت أُوِّيًا.
يقال: وأى له: رحمه4, وأوى إليه أُوِيًّا: نزل عليه5.

فإن قيل: لِمَ أدغمت الواو المبدلة عن الهمزة التي في "أُؤْوُي" في الواو وجوبا، على أن الفصيح في يؤوي إذا قلبت همزته واوا ألا تدغم الواو في الواو؟ قلنا: للفرق بينهما، وهو أن قلب الهمزة واوا في "أُؤْوُي" واجب, فالواو المقلوبة عن الهمزة حينئذ كالأصلية, وقلب الهمزة واوا في "يُؤْوي" جائز غير واجب، فلم تكن حينئذ كالأصلية.
وإذا بنيت مثل "إِجْرِد" -لبَقْلَة1- من "وأيت" قلت: "إيء" أصله: إِوْئِيٌ؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: إِيْئِي، ثم أعلت إعلال قاض، فصار: "إيء" وتقول في النصب: رأيت إيئيًا.
وإذا بنيت مثل "إِجْرِد" من "أويت" قلت: "إِيّ" -فيمن قال "أُخَيّ"- أي: يكون الإعراب على الياء جاريا كجريانه على ياء أُحي؛ لأن أصله: إِئْوِي؛ قلبت الهمزة ياء وجوبا لسكونها وانكسار ما قبلها فصار: إِيْوِي، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء التي قبلها فيها، على ما تقدم في مثله، فصار: إييّ, باجتماع ثلاث "180" ياءات.
وقياس ما اجتمعت في آخره ثلاث ياءات أن تحذف الياء2 الأخيرة حذفًا غير إعلالي -على الأكثر- فيعرب3 على4 ما

قبلها، فيقال1: [هذا إِيّ، ومررت بإِيّ، ورأيت إِيًّا] 2، كما يقال على هذا الوجه: هذا أُحَيّ -تصغير أَحْوَى-[ومررت بأحي، ورأيت أحي] 3، بمنع الصرف. وعند بعضهم تعل الياء الأخيرة إعلال ياء قاضٍ عند اجتماع ثلاث ياءات، فلا يعرب على ما قبل الياء المحذوفة، فيقول: هذا إِيّ، ومررت بإِيّ، ورأيت إِيِيًّا، كما يلزمه أن يقول على هذا الوجه: هذا أُحَيّ، ومررت بأحي، ورأيت أحي. قوله: "ومثل إِوَزَّة.... إلى آخره"4.
أي: وإذا بنيت مثل "إوزة"5 من وأيت، قلت: "إِيئَاة" لأن أصله: إِوْأَيَة، على وزن إِفْعَلَة وهو ظاهر؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: إِيْأَيَة، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: إِيئَاة.
وإذا بنيت مثل "إوزة" من "أويت"، قلت: "إِيَّاة" مدغما؛ لأن أصله: إِئْوَيَة، على وزن إِفْعَلَة وهو ظاهر؛ قلبت الهمزة ياء

لسكونها وانكسار ما قبلها، فبقي: إِيْوَيَة؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء الأولى فيها، فبقي: إِيَّيَة، ثم قلبت الياء الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "إِيَّاة".
قوله: "ومثل: اطْلَخَمّ، من: وأيت...."1. أي: وإذا بنيت مثل "اطلخم" من: وأيت، قلت: "ايْأَيّا"؛ لأن أصله: اوْأَيَّيَ على وزن افْعَلَّلَ بتكرار اللام مرتين؛ قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: ايْأَيَّيَ، ثم أدغمت الياء التي بعد الهمزة في الياء التي بعدها لاجتماع المثلين، فصار: ايْأَيَّيَ، ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: "ايْأَيَّا".
وإذا بنيت مثل "اطلخم" من: أويت، قلت "ايْوَيَّا"؛ لأن أصله: ائْوَيَّيَ؛ قلبت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: ايْويي، ثم2 أدغمت الياء التي بعد الواو في الياء التي بعدها، فصار: ايْوَيَّيَ ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار: "ايْوَيَّا".
ولم تدغم الياء في الواو؛ لأن الهمزة في "ايْوَيَّا" همزة وصل، فلو وصلته بما قبلها حذفتها، فترجع الهمزة الأصلية التي أبدلت الياء عنها إلى أصلها.
ألا ترى أنك لو قلت: قال: ائوَيّا، لرجعت الياء المبدلة من الهمزة إلى همزتها؛ فلذلك لم تدغم الياء في الواو.

يقال: اطلخم الليل إذا أظلم, واطلخم الشعر إذا اشتد سواده1.
وأصل اطلخَمَّ: اطْلَخْمَمَ؛ فنقلت حركة الميم الأولى إلى [ما] 2 قبلها، وأدغمت الميم في الميم3.
اعلم أنه لو أورد "اقْشَعَرّ" مكان "اطْلَخَمّ" لكان أولى؛ لأن اقشعر رباعي الأصول، ووزنه: افعللّ، بلا خلاف.
فبناء مثله من "وأيت": ايْئَيَيَّا, ومن: أويت "ايْوَيَّا" من غير شبهة.
وأما "اطلخم" ففيه قولان: أحدهما: وهو المشهور، أنه رباعي مثل "اقشعر".
والآخر, وهو اختيار ابن مالك: أنه ثلاثي ولامه زائدة، وهو مشتق من الطخمة وهي الظلمة، ووزنه على هذا "افلعَلّ"؛ فبناء مثله من وأيت "وأويت"4، على هذا القول: ايلأيّا وايْلَيَّا5.
قوله: "وَسُئِلَ أُبُو عَلِيٍّ عَنْ مِثْلِ: مَا شَاءَ الله....." إلى آخره6.
اعلم أنه سئل أبو علي عن بناء مثل "ما شاء الله" من "أَوْلَق"

فقال في الجواب: ما ألِقَ الإِلاق1؛ فإنه بنى هذا الجواب على أن أولق: فوعل لا أفعل؛ لأنه بنى من أولق "أَلِق" مثل: شاء.
ولو كان أولق "181" عند أبي علي على "أفعل" لبنى أولق من وَلِق، مثل: شاء, وبنى الإلاق على مثال الله، ولو2 كان أولق عنده أفعل لبنى "الولاق"3 على مثاله, وهو ظاهر. وأما جعله "ألق" على مثال "شاء" فظاهر، وأما جعله "الإلاق" على مثال "الله"؛ لأن أصل الله تعالى: الإلاه؛ فحذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام، فصار: الله4.
وإذا كان "أولق" عنده "أفعل"5 كان فعال عنده من: "أولق" ولاقا.

وإنما لم يقل في الجواب: ما ألق اللاق -بحذف الهمزة وإدغام اللام في اللام كما فعلوا في الأصل- لأن حذف الهمزة وإدغام اللام في اللام ليس بقياس، وأبو علي لا يحذف في الفرع إلا ما حُذف في الأصل قياسًا.
ولو بنى على أن1 "أَوْلََق" أفعل، لقيل في مثل2: ما3 شاء الله: ما ولق الوَلَاق.
اعلم أن في قول المصنف -وهو أن حذف الهمزة [في الله] 4 غير قياس- نظرًا؛ لأنه قياس مر في تخفيف الهمزة.
قوله: "واللّاق على اللفظ".
أي: البناء من "أولق" على لفظ الله "اللاق" -بحذف الهمزة- وإدغام اللام في اللام؛ أي: "ما ألق اللَّاق" على لفظ الله.
وإن كان هذا ليس على رأي أبي علي، وإنما ذكر ذلك ليعلم ما حُذف من الأصل.
قوله: "والأَلِق على وجه" إشارة إلى قول آخر في اسم الله, وهو أن أصله: لَيِهٌ, من لاه لَيَهًا: استتر؛ فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: لاه، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وأدغمت اللام في اللام5، فقال: بناء "ما شاء الله" من: أولق، على هذا القول: "ما ألق الأَلِق".

وسئل أبو علي عن مثل قولك "بِاسْم" من "أولق"، فقال في الجواب: "بِالْق" أو "بُالْق" فأجاب عنه بناء على أن "أولق" فوعل، لا أفعل.
[ولهذا حذف واو "أولق" في الجواب؛ لكونها زائدة] 1 وأتى بالجواب بناء على أن أصل اسم: سِمْو أو سُمْو.
ولم يأت بلفظه أي: لم يحذف من الفرع ما حذف من الأصل؛ لأن المحذوف من اسم على غير قياس في الإتيان بلفظه.
نعم, يكون الجواب على القول الثالث قولنا2 "بأل" بسكون الفاء؛ وهو الهمزة، [والإتيان بهمزة الوصل، وقلب الهمزة ياء ابتداء3] وحذف4 القاف؛ لأنه حذف في الأصل اللام وأسكن الفاء ففعل في الفرع كذلك, وإن كان الحذف والإسكان في الأصل "على"5 غير6 قياس.
والجواب عنه بناء على أنه أفعل "بِولق" أو "بُولق"؛ لكون الهمزة حينئذ زائدة والواو أصلية.
قوله: "وسأل أبو علي ابنَ خالويه عن بناء7 مثل "مُسْطَار" من آءَة ... " إلى آخره8.

اعلم أن أبا علي سأل ابن خالويه عن بناء مثل "مُسْطَار" من آءَة, لشجرة وهو واحد: آءٍ على وزن: عاعٍ, فظن ابن خالويه أن مُسْطَارًا مُفْعَال، وتحير في الجواب عنه. فأجاب أبو علي وقال: إن مثل "مسطار" من "آءة": "مُسْآء". قال المصنف في تصحيح ما قاله أبو علي: إن أبا علي أجاب على أصله؛ وهو أن ما حذف من الأصل على جهة القياس يحذف من الفرع. وأصل مسطار: مستطار؛ حذفت التاء لاجتماعها مع الطاء؛ فإن في النطق بها قبل الطاء عُسْرًا لاتحادهما في المخرج، وتباينهما في الانخفاض والاستعلاء والهمس والجهر، كما حذف من اسْطَاع يَسْطِيع؛ أي: استطاع يستطيع1.
فعلى هذا يكون أصل "مُسْآء": "مُسْتَأيأ"، تقلب حركة الياء إلى همزة التي قبلها، فكانت الياء في موضع الحركة وما قبلها مفتوحا فقلبت الياء ألفا فصار "مُسْتَئَاء"، ثم حذف في الفرع ما حذف في الأصل, وهو التاء "182" فصار: "مُسْآء"، على وزن "مُسْطَار".
وتقول2 على القول الأول: مسْتَآء؛ لأن القائلين بالقول الأول لا يحذفون من الفرع إلا ما اقتضاه الفرع في نفسه، لا بالنظر إلى أصله.

قال المصنف: يلزم أبا علي ألا يكون مثال: "ما شاء الله" من [أولق: ما] 1 أولق الإلاق، بل: ما ألق اللَّاق؛ لأن الهمزة حذفت من الأصل حذفا قياسيا، كما مر في تخفيف الهمزة.
فإن قال أبو علي: إن حذف الهمزة في مثل هذه الصورة غير واجب, قلنا: حذف التاء في "مستطار" أيضا غير واجب؛ فإن المحذوف من الأصل إن لم يحذف في "مستاء".
ثم قال: ولعل جواب أبي2 علي كان "مُسْآءة"، وإنما وقع الغلط من الناسخ؛ لقرب مُسْآء ومُسْآءة في الخط. المسطار: الخمر الحديثة؛ سميت بذلك لانتشارها في غليانها، من قولهم: استطار الشيء أي: انتشر3.
اعلم أن في كلام المصنف -وهو أن أبا علي أجاب على أصله- نظرا؛ لأن الحذف في "مُسْطار" غير قياس، وإلا جاز في: استطاع الشيء، واستطاف به -بمعنى: طاف- واستطال بمعنى: تطاول. ولا يجوّز ذلك أحد, ولا نظير لـ "مسطار" إلا اسْطَاع يَسْطِيع4.
وسأل ابن جني ابن خالويه عن بناء مثل "كوكب" من "وأيت"

مَخَفَّفاً، مَجْمُوعاً1 جَمْع السَّلاَمَةِ، مُضَافاً إلى يَاءِ2 المتكلم.
والمراد بقوله "مخففا": وايْتُ بعد حذف الهمزة عنه, فتحير ابن خالويه أيضا.
وأجاب عنه ابن3 جني وقال: بناء مِثْلِ "كَوْكَبٍ" مِنْ "وايْتُ" مَخَفَّفاً، مَجْمُوعاً جَمْع السلامة, مضافا إلى ياء المتكلم: أَوَيّ.
قال المصنف في تصحيح ما قاله ابن جني: إن "كوكب" "فوعل", فإذا بنى ابن جني من "وأيت" "فَوْعل"، قال: "وَوْأَيٌ"؛ فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: ووأَى، [ثم خفف بنقل حركة الهمزة إلى الواو وحذفت الهمزة؛ لأن المفروض كذلك؛ لأنه قال من "وايت" مخففا، فصار "وَوَى" ثم جمع جمع السلامة فصار: وَوَوْنَ] 4, ثم أضيف إلى ياء المتكلم، وحذفت النون لهذه الإضافة، فصار: وَوَوْي، ثم قلبت الواو الأخيرة ياء وأدغمت الياء في الياء على القياس المشهور فصار: وَوَيّ، ثم قلبت5 الواو الأولى همزة؛ لاجتماع الواوين، كما قلبت في أواصل وأويصل، فصار: أَوَيّ.
ثم قال المصنف -رحمه الله-6: فقلبت الواو الأولى همزة في مثله

غير لازم؛ لأن الواو الثانية في حكم الساكن لعروض نقل الحركة إليها, وحينئذ لو قيل: وَوَيّ، لكان مستقيمًا. قوله: "ومثل عنكبوت...." إلى آخره1.
[أي] 2: و3 إذا بنيت مثل "عنكبوت" من: بعت، قلت: بَيْعَعُوت -وهو واضح- بناء على أن الزائد في "عنكبوت" هو الواو والتاء.
وإذا بنيت مثل "اطمأنّ" من: بعت، قلت: ابْيَعَعّ، على4 وزن: افْعَلَلّ, بتصحيح الياء وعدم قلبها ألفا؛ لسكون ما قبلها.
وإذا بنيت مثل "اغْدَوْدَن" من: بعت5 قلت6: "ابْيَيَّع"؛ لأن أصله: "ابْيَوْيَع"؛ قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، فصار: "ابْيَيَّع".

وإذا بنيت مثل "اغْدَوْدَن" من "قُلْتُ" قلت: "اقْوَوَّل"1؛ لأن أصله "اقْوَوْوَل"، على وزن: افْعَوْعَل بثلاث واوات: الأولى عين الكلمة، والثانية زائدة، والثالثة لتكرير العين، فأدغمت الواو الثانية في الواو الثالثة، فصار: اقْوَوَّل.
وقال أبو الحسن2: اقْوَيَّل؛ لأن أصله: اقْوَوَّل؛ فأدغمت الواو الثانية في الواو الثالثة، فصار: اقْوَوَّل، فكره اجتماع الواوات، فقلبت الواو المشددة ياء، فصار: اقْوَيَّل3.
وإذا بنيت مثل "اغدودن" من قلت، وبعت قلت: اقْوُووِل، وابْيُويِع؛ مظهرا؛ أي: من [غير] 4 إدغام الواو في الواو في: اقووول، والياء في: ابيويع؛ لئلا يحصل اللبس ببناء آخر، كما تقدم.
وإذا بنيت مثل "مَضَرُوب" من القوة، قلت: مَقْوِيّ "183"؛ لأن أصله: مَقْوُوْوُ؛ قلبت الواو المتطرفة ياء كراهة اجتماع ثلاث واوات [كما قلبت] 5 في6: قَوِوّ، فقيل: قَوِيّ، فصار7: مَقْوُوي، ثم قلبت الواو الثانية ياء، وأدغمت في الياء وكسرت الواو8 الأولى

جارٍ التحميل