شرح شافية ابن الحاجب - ركن الدين الاستراباذيصفحات 7-45

المقدمة

صفحات 7-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، ركن الدين
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب
المؤلف
حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي، ركن الدين (المتوفى: 715هـ)
المحقق
د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)
الناشر
مكتبة الثقافة الدينية
الطبعة
الأولي 1425 هـ- 2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: أحمد الله -سبحانه وتعالى- حمد الشاكرين وأصلّي وأسلّم على المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فقد خرجتُ من بعض قراءاتي في مجال العربية وفنونها -في مرحلة الماجستير- بانطباع أثار دهشتي واستثار شفقتي وغيرتي؛ إذ وقفت على عالم مُحقق مدقق، لا يقل عن أشهر النحاة تمكنا ورسوخ قدم في مجال لغتنا العربية وآدابها -تأليفًا وشرحًا- قد غُمِطَ حقّه، وأُهمل ذكره، فلم يحظ من جانب من أتوا بعده من المؤلفين والمعنيين بكتابة السير والتراجم إلا بأسطر قليلة لا تكاد تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، بالغرم مما قدمه للغة الضاد من أياد بيض، وما أسهم به في إثراء المكتبة العربية من مصنفات خطية ظلت حبيسة جدران دور الكتب والمكتبات قرابة ثمانية قرون، ألا وهو عالم أستراباذ الجليل ركن الدين الحسن بن محمد الأستراباذيّ، النحويّ، اللغوي، الأديب المتوفّى "715هـ": حسنة طَبَرَستَانَ وَأوْحَدُ ذلك الزمانِ، على حدِّ تعبير ياقوت الحموي رحمه الله.
وعندما عقدت النيّة لإعداد رسالة لنيل درجة العالمية العالية الدكتوراه استخرت الله العلي القدير في أن أجعل من ركن الدين موضوعًا لرسالتي، ومن جهوده النحوية والصرفية محورًا يدور

حوله بحثي ودراستي.
وقد ارتأيت أن أشفع دراستي هذه بإخراج واحد من أهم كتبه إلى دائرة الضوء، إتمامًا للفائدة من جانب وإبرازًا لجهوده في الميدان الصرفي من جانب آخر، ليكون موضوع الرسالة: "ركن الدين الحسن الأستراباذيّ وجهوده النحوية والصرفية، مع تحقيق كتابه شرح شافية ابن الحاجب".
وقد نوقشت الرسالة في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام "1992م" ونال بها صاحبها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
وقد ارتأيت الآن -وأنا بصدد نشر الرسالة- أن أفصل بين قسميها جاعلًا كل قسم منهما في كتاب مستقلّ؛ الكتاب الأوّل وسمتهُ بـ"ركن الدين الحسن الأستراباذيّ وجهوده النحوية والتصريفية".
والكتاب الثاني جعلته خاصًّا بتحقيق كتابه: "شرح شافية ابن الحاجب" ودراسته.
وها هو الكتاب الثاني، وقد جعلته في قسمين؛ القسم الأول خاصّ بالدراسة وفيه فصلان يسبقهما تمهيد؛ تحدثت في التمهيد عن عصره وحياته العلمية.
وفيه ألقيت الضوء على الحالة السياسية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في عصره.
وجعلت الفصل الأول خاصًّا بعالمنا ركن الدين، وجعلته في مبحثين: الأول "نشأته وحياته"؛ وفيه سقت ترجمة ضافية له تناولت فيها اسمه ولقبه وكنيته ومولده، ونشأته، وحياته، وموطنه، وتنقلاته، ومكانته العلمية والثقافية، ومذهبه الفقهي، وشيوخه وتلاميذه، ثم

انتقلت إلى المبحث الثاني فتحدثت عن آثاره وبينت الموجود منها, وأشرت إلى المفقود، وأفردت حديثًا لآثاره النحوية والصرفية التي وصلت إلينا.
وجعلت الفصل الثاني للكتاب المحقّق، فجاء في مبحثين: أولهما لدراسة الكتاب، والثاني لتوثيقه والحديث عن مخطوطاته وبيان منهجي في تحقيقه.
وأما القسم الثاني فهو خاص بتحقيق الكتاب.
وختمنا الكتاب بمجموعة الفهارس الفنية اللازمة لتحقيق الكتاب.
ولا يفوتني في هذه المقّدمة أن أشير إلى نقطة مهمة، تتعلق بعالمنا ركن الدين، حيث يلتبس الأمر على كثير من الناس فيظن أغلبهم أن ركن الدين ورضي الدين شخص واحد، معتمدين على أن كلًّا منهما قد شرح مقدمتي ابن الحاجب.

وأبادر فأقول: إن ركن الدين الأستراباذي ليس هو رضي الدين الأستراباذي، ولا يجمع بين العَلَمين سوى نسبتهما إلى بلدهما "أستراباذ" من بلاد فارس وما وراء النهر، تلك البقعة العلمية الحافلة بالعلماء، والتي أخرجت خلقًا كثيرين من أهل العلم في كل عصر.
وبعد: فها أنذا أقدم هذا الكتاب إلى كل من يهمه البحث في اللغة العربية وعلومها، وآمل أن أكون قد وفقت في إخراجه على الوجه المرجوّ؛ فإن كنت قد وفقت فيما سعيت إليه فذلك من توفيق الله عز شأنه وتجلت مشيئته، وإن كانت الأخرى فحسبي أني قد حاولت وكنت صادق العزيمة.
وأختم كلمتي هذه بأن أضرع إلى الله العليّ القدير ... داعيًا أن يوفقنا للعمل لوجهه الكريم في كلّ ما هو خير للإسلام والمسلمين واللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم ... إنه سميع مجيب.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
د. عبد المقصود محمد عبد المقصود الرياض: التاسع من شهر صفر 1425هـ

الدراسة: ركن الدين الأستراباذي: حياته وآثاره

التمهيد: عصر ركن الدين الأستراباذي

أ-

الحالة السياسية في عصره

: شهد بداية القرن السابع الهجري مولد عالم جليل من علماء الدولة الإسلامية هو: ركن الدين الحسن بن أحمد الأستراباذي النحوي اللغوي الأديب.
عاش في عصر1 كان العالم الإسلامي آنذاك يموج بالفتن والقلاقل والاضطرابات ويعمه الخراب والدمار؛ حيث كان أكثره تحت سيطرة المغول سلالة جنكيز خان، حيث امتد سلطان هؤلاء المغول فيه من حدود الهند شرقا إلى سوريا غربا وسيطروا سيطرة كاملة، فيما عدا فترات قصيرة كانت السيادة المؤقتة في فارس والعراق للفرس والترك.
وكانت العراق وفارس في سلطة الدولة الألخانية، وهي مغولية ثم صارت الأمور إلى الدولة التيمورية، وهي مغولية أيضًا، وتخلل ذلك فترات صارت الأمور فيها إلى دولتين فارسيتين: "الجلابرية، والمظفرية" وأخريين تركيتين هما: "القراقيونلية، والأقاقيونلية".

وكانت تركستان وأفغانستان في قبضة الشغطائية، ثم صارت الأمور إلى التيمورية، وكلتاهما مغولية1.
والذي حدث أن هؤلاء التتار2 قد زحفوا كالجراد بقيادة جنكيز خان على أواسط آسيا وغربها منذ عام 606هـ، فملكوا كثيرًا من البلاد، وقتلوا ما لا يحصى من أهلها حتى بلغوا خراسان فانتزعوها من ملكها خوارزم شاه عام 617هـ، بعد أن أفنوا عددًا كبيرًا من مسلميها، ثم عبروا نهر جيحون، وقصدوا مدينة بلخ، وساروا إلى نيسابور فملكوها لضعف أهلها عن مقاومة هؤلاء التتر الكفرة المخربين, وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم وسبوا نساءهم وخربوا المنازل، ثم سارت طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كما فعلوا بغيرها وخربوها، ولم يسلم من شرهم وفسادهم شيء، كما قال المؤرخ ابن الأثير3.

وبعد جنكيز خان جاء حفيده هولاكو خان، فاتجه إلى الدولة العباسية ومقرها بغداد وذلك في سنة 654هـ، وفي طريقه عرج على قلعة الموت ففتحها، وأخذها منهم، وقتل من فيها ثم استولى على الريّ، ثم عرج على مدينة بخارى، وكذلك مدينتي سمرقند وبلخ فأحدث بها وبأهلها من الدمار والهلاك والخراب ما أحدث بغيرها، ثم قصد بغداد سنة 656هـ، فمكن له الوزير الشيعي ابن العلقمي1 وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله2 من دخول بغداد والاستيلاء عليها وزلزلة الأرض تحت أرجل الخليفة المستعصم3 وذلك نظرًا للخلاف الذي كان قائمًا بينه وبين الخليفة، أو لنقل: الخلاف الكبير الذي كان قائمًا آنذاك بين الشيعة وأهل السنة, فلما استولى هولاكو على بغداد أباحها لجنده أربعين يومًا، وقتل منها، كما يقول بعض المؤرخين ما يقرب من مليوني مواطن، وخرب عمرانها، ورمى كتبها في نهر دجله4.
وقد وصف سير توماس أرنولد ما قام به المغول من ضروب الوحشية في غزواتهم للبلاد الإسلامية بقوله: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطبا أشد هولًا من غزوات

المغول؛ فقد انسابت جيوش جنكيز خان انسياب الثلوج من قُنن الجبال واكتسحت في طريقها الحواضر الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدنية وثقافة، ولم يتركوا وراءهم من تلك البلاد سوى خرائب وأطلال بالية، وكانت تقوم فيها قبل ذلك القصور الفخمة المحاطة بالحدائق الغناء والمروج الخضراء، فبعد أن تحول جيش المغول عن مدينة هراة خرج أربعون من أهلها من مخبئهم فرارًا من الموت، وكان هؤلاء التعساء هم البقية الباقية من سكانها الذين كان يربو عددهم على المائة ألف، ووقفوا مهطعين مقنعي رءوسهم يبكون أطلال مدينتهم، وقد أخذ الهلع والفزع من نفوسهم كل مأخذ1.
والواقع أن غزو المغول للشرق الأدني سنة 617هـ هو أعظم كارثة حلت بالإنسانية.
ويصف المؤرخ ابن الأثير هَوْل تلك الحادثة بهذه الكلمات: "لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارها لذكرها؛ فأنا أقدم رِجلًا وأؤخر أخرى، ومن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، إلا أنني حدثتني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال

قائل: إن العالم منذ خلق الله -سبحانه وتعالى- آدم إلى الآن لم يتبلور بمثلها لكان صادقًا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فهذه الحادثة استطار شررها وعم ضررها، وصارت في البلاد كالسحاب استد برتهُ الريحُ"1.

ب-

الحالة الاقتصادية والاجتماعية في عصره

: قلنا إن هجوم التتار على المجتمع الإسلامي كان هجوما مدمرًا ومخربًا اجتاح كل شيء أمامه من أخضر ويابس: خربوا الحضارات، وهدموا القصور والمنازل، وفتشوا البيوت وأخذوا ما فيها من أموال وغيره، وشردوا أهلها، وأصبح المجتمع الإسلامي الخاضع لسيطرتهم يعاني من أزمات طاحنة، وتدهورت حالة أفراده الصحية وغير الصحية، وعم هذا المجتمع الخراب والدمار.
أما عن حال المجتمع الإسلامي في مصر وشبه الجزيرة العربية، ذلك المجتمع الجديد الذي وفد إليه علماء المشرق الفارون من وجه التتار، ذلك المجتمع الذي وقاه الله شر هجمات التتار المخربين، فكان الوضع فيه مختلفًا؛ حيث كان أكثر غنى وثراء ولكنه كان مُقسمًا إلى طبقات اتسعت الهوة بينها؛ فهناك طبقة رجال الدولة،

وهي الطبقة المرفهة المنعمة، وهي طبقة سلاطين المماليك والأمراء وأتباعهم من جند المماليك، وهناك طبقة التجار، ثم طبقة الباعة، ثم طبقة الفلاحين، ثم طبقة الفقراء، وهم جُلُّ الفقهاء وطلاب العلم، ثم طبقة الحرفيين والأجراء، ثم طبقة المتسولين1.
هذا وقد انتشر التصوف في المجتمع الإسلاميّ بعد سقوط بغداد وتعددت الطرق الصوفية وانتشرت انتشارًا عريضًا، وتغلغلت في أوساط الشعب والخاصة على السواء، وتعددت أسماؤها وأسماء رجالها وشيوخها، وشاعت فلسفة احتقار الدنيا في كتابات العلماء ورجال الدين والكُتاب، ورجال الأدب.
والتصوف في صورته الاجتماعية مظهر من مظاهر الانصراف عن الحياة الدنيا لحقارتها وخستها، كما يقول تاجُ الدين السُبكي المتوفى سنة 771هـ2، والإحساس بحقارة الحياة الدنيا يتزايد في أوقات الشدة والضيق، ولا شك أن ما كان فيه العالم الإسلامي آنذاك هو أقصى درجات الشدة والضيق3.

جـ-

الحالة العلمية والفكرية والثقافية في عصره

: ظلَّت بغدادُ زُهاء خمسة قرونٍ العاصمةَ الروحيَّةَ والفكرية للمسلمين قاطبة ولكل الناطقين بلغة الضادِ، ينزِح إليها العلماء من أبناء الأوطان الأخرى يشهدون حلقاتها ودروس علمائها ومناظرات أدبائها ومحاورات ظرفائها، ومسابقات شعرائها، ومفاكهات أئمة المجالس فيها، وامتلأت مكتباتها ودور كتبها بذخائر علمية نفيسة، وأصبحت بغدادُ -بحق- دارة العلم وهالة الأدب -كما يقال- واستمرت على هذه الحال إلى أن وقعت فريسة في يد التتار في عام 656هـ -كما قلنا- ففرقوا أهلها وقتلوا علماءها وشردوا من نجا منهم من القتل، وألقوا بكتبها في نهر دجلة. وعندما اكتسح التتارُ الممالك الإسلامية خربوا الحضارات، وهدموا العمارات، وكانت هذه العمارات نتيجة حضارة قرون، وكانت الكتب التي ألقوا بها في نهر دجلة نتيجة ثقافة قرون, والحضارات والعلوم إنما تبنى على ما قبلها، وتؤسس على ما سبقها، وهي كالماء للنبات الغض فإذا حرم النبات الغض الماء ذبل وجف بعد قليل، وكذلك كان العلم والحضارة الإسلاميان، هذا فضلًا عما أصيبت به الثقافة من نكبات للعلماء، فإذا بقي شيء من العلم فقليل يكفى للتقليد ولا يبعث على التجديد1.
وبعد هذه الكارثة العظيمة التي حلت ببغداد وبخارى ونيسابور والري وسمرقند وبلخ، وغيرها من مدن العلم والأدب، انتقل العلم وانتقلت مراكزه إلى القاهرة، وأصبحت القاهرة خليفة بغداد، وعُقد لها لواء الزعامة الفكرية والثقافية منذ منتصف القرن السابع الهجري

وتوافد عليها علماء المشرق والمغرب من أمثال ابن خلكان الإربلي، وابن مالك الأندلسي، وابن منظور الإفريقي، وابن خلدون المغربي، وغيرهم.
وقد شعر علماء ذلك العصر بنقص الكتب في أيامهم، فقال الإمام السيوطي في المزهر1 بعد ذكر حكاية الصاحب بن عباد، لما دعي للذهاب إلى بعض الملوك فاعتذر بمشقة الانتقال؛ لأنه يحتاج إلى ستين بعيرًا ينقل عليها كتب اللغة التي كانت عنده: "وقد ذهب جُلٌ الكتبِ في الفتن الكائنة بين التتر وغيرهم؛ بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا يجيء حمل جمل واحد". وإذا كان السيوطي -رحمه الله- يبالغ في ذلك إلا أنه إن دل على شيء فإنما يدل على مقدار قلق العلماء لضياع الكتب بالفتن، ويدل أيضا على كثرة الكتب التي ضاعت، سواء بالحرق أو بإلقائها في نهر دجلة. وكان إحراق الكتب قد بدأ في المملكة الإسلامية قبل ذلك بسبب التنازع بين الفرق الإسلامية؛ فكل فرقة تحاول إحراق كتب الأخرى؛ كإحراق السلطان محمود الغزنوي لكتب المُعتزلة، وناهيك عمّا أحرق من كتب العلماء المتهمين بالزندقة والفلسفة، وهي كثيرة، ولعل بينها ما ليس مثله بين ما بقي كما قال جرجي زيدان2.
أما التتار فبالغوا في الإحراق والتخريب؛ قال ابن تغري بردي: "وخربت بغداد الخراب العظيم، وأُحرقت كتبُ العلم التي كانت بها

في سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا، قيل: إنهم بنوا بها جسرًا من الطين والماء عوضًا عن الأجر1.
وإذا كان الغزو المغولي للشرق الأدني قد نتج عنه ذلك الركودُ العلمي والأدبي، إلا أنه كان ركودًا مؤقتًا؛ حيث أخذ النشاط يدب في هذين الميدانين، وذلك بعد أنْ استقر المغول في البلاد التي فتوحها؛ ويرجع ذلك إلى أن بعض المؤلفات العلمية قد نجت من أيدي المغول وبخاصة ما كان منها في المدن الجنوبية من البلاد الخوارزمية.
ثم أخذ المغول يتقبلون آراء المسلمين وأفكارهم، ورغبوا تدريجيا في اعتناق المدنية الإسلامية.
ليس هذا فحسب، بل وجدنا الكثيرين من سلاطينهم قد اعتنق الإسلام، مثل أبغا بك، وغازان، وأبي سعيد وغيرهم، وبرز كثير من العلماء والأدباء بفضل تشجيع المغول لهم، ومن أشهر هؤلاء في عهد هولاكو العلاّمة نصير الدين الطوسيُّ أستاذ ركن الدين الأستراباذي.
وقد امتاز الطوسيُّ بأبحاثه في علم الفلك فشجعه المغول وبنوا له مرصدا عظيمًا في مراغة بأذربيجان، ومكتبة بجانبه, يقال إنها كانت تحوي أربعمائة ألف من المجلدات.
وقد امتاز الطوسيُّ أيضًا بمؤلفاته القيمة في الجبر والهندسة والطبيعة والحكمة والأخلاق وآلات الرصد، كما اشتهر بترجمة كثير من الكتب اليونانية في مختلف العلوم، وكان من أكبر المشتغلين بالعلوم العقلية بعد ابن سينا.

وقد حاول الطوسيُّ جاهدًا أن ينقذ حياة أكبر عدد من العلماء وأن يحفظ أكبر عدد من الكتب الباقية، لذلك اتخذ من مرصد مراغة حجة لجمع الجم الغفير من العلماء وحمايتهم من القتل، واستخلاص الكتب وحفظها والعناية بها، وكان من نتيجة ذلك أن انقلب الأمر وعاد المغول بعد ذلك مسلمين منافحين عن الإسلام.
ونبغ في هذا العصر علماء كثيرون من بينهم: ابن مالك "ت 672هـ"، ومحي الدين النووي: "ت 676هـ"، ورضي الدين الأستراباذي: "ت 686هـ"، وجمال الدين بن منظور الإفريقي: "ت 711هـ"، وركن الدين الأستراباذي: "ت 715هـ", وابن آجروم الصنهاجي "ت 723هـ", وأبو حيان "ت 745هـ"، وتقي الدين السبكي: "ت 756هـ"، وابن خلدون المغربي المتوفى سنة 818هـ، ومجد الدين الفيروزابادي المتوفى سنة 817هـ. وغيرهم.
وبالجملة يمكن القول بأنه بالرغم مما حَلَّ بالأمصار الإسلامية من خراب ودمار على أيدي التتار، فإنّ سند التعليم كان لا يزال قائمًا كما قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى1.

د-

الحياة الدينية في عصره

: كانت الحياة الدينية في بلاد المشرق العربي آنذاك أوفر حظًّا من غيرها من الحَيَوات؛ نظرًا لأن المماليك كانوا يدينون بالدين الإسلاميّ وكانوا يعرفون مدى تأثير الروح الدينية على الناس في الشرق العربي فقد أرادوا أن يتخذوا من الدين دعامة قوية يشجبون عليها كلّ مساوئهم؛ فكانوا يبالغون في الظهور بالمظاهر الدينية؛ من بناء المساجد والزوايا، والاحتفال بالأعياد الدينية وإقامة الموالد والاهتمام ببناء الأضرحة للأولياء.
وكان العلماء النازحون من الأقطار الإسلامية يتفاعلون مع هذا الجو الديني ومع هذه الطبيعة الدينية، وبخاصة أن هؤلاء العلماء المضطهدين الفارين من وجه التتار، والذين كانوا يدينون بالدين الإسلامي الحنيف، كانوا متمسكين غاية التمسك بأصول دينهم ومقررات شريعتهم الإسلامية الغراء، يدافعون عن الإسلام والمسلمين وخاصة في تلك الأوقات العصيبة التي يقفون فيها أمام أعدائهم ممن لا دين لهم ولا خلاق.
في ظل هذا الجو السياسي المائج بالفتن والقلاقل والاضطرابات، وفي ظل هذه الحياة الاجتماعية والاقتصادية القاسية ... وفي ظل هذه البيئة العلمية الناضجة بالتنافس المزدهرة بالتأليف الحافلة بالموسوعات عاش عالمنا الكبير، ركن الدين الحسن بن أحمد الأستراباذي، وسنرى في السطور التالية -إن شاء الله تعالى- مدى التفاعل بينه وبين بيئته مؤثرًا ومُتأثرًا.

الفصل الأول: ركن الدين: نشأته وحياته وآثاره

المبحث الأول: نشأته وحياته

أ-

اسمه ونسبه

: هو السيّد أبو الفضائل ركن الدين، أبو علي الحسن بن أحمد1 ابن شرفشاه2 العلوي3 الحسيني4 الأستراباذي5.
تلك هي رواية العاملي، وقد اخترتها من بين الروايات الكثيرة وهي مع كثرتها نراها تأتلف حينًا وتختلف أحيانًا؛ فتارة تقف عند الأب، وأخرى تقف عند الجّد الأوّل، وثالثة تقف عند الثاني من الأجداد، وهي بين هذه وتلك تضطرب اضطرابًا شديدًا، ولا تكاد تستقر على حال حتى تفجأنا باختلاف يسير أو كثير في صيغ الأسماء وفي الكُنَى والألقاب إلى آخر ما هنالك من خلاف.
والآن -وبعد هذا الإيجاز- آن لنا أن نُدْلِفَ إلى بيان الروايات حسب الترتيب الزمني.

اضطراب الروايات في زاوية الأسماء وما يتعلق بها من الكنى والألقاب

: 1- فياقوت الحموي "ت 626هـ" وهو أقرب المؤرخين زمنًا إلى ركن الدين، بل عاصره في فترة من حياته، كما سنحقق ذلك عند تحقيقنا للسنة التي ولد فيها ركن الدين -إن شاء الله تعالى- أقول: إن ياقوت لا يذكر إلا الكنية، ويأتي باسم الرجل واسم والده، ثم ينسبه إلى بلده أستراباذ، فيقول في معجم الأدباء1: "الحسن بن أحمد الأستراباذي "أبو علي"".
وسلك مسلكه السيوطي "ت 911هـ"2، وحاجي خليفة "ت 1067هـ"3. وحذا حذو هؤلاء من المحدثين عمر رضا كحالة في كتابه "معجم المؤلفين"4.
ويلاحظ أن هؤلاء جميعًا لم يذكروا اللقب وهو "ركن الدين"، غير أننا رأينا حاجي خليفة "ت 1067هـ" في موضع آخر من كشف الظنون5 يصرح بذكر اللقب، ليس هذا فحسب، بل وجدنا الأب عنده اسمه "محمد" وليس "أحمد"، يقول: "مرآة الشفاء،

في الطب، للفاضل ركن الدين الأستراباذي، الحسن بن محمد1 وهو في النقل الثاني يحذو حذو بعض المتقدمين مما سنذكرهم الآن.
2- كل أولئك قد وقفوا عند الحلقة الأولى في سلسلة النسب، فلم يذكروا الجد الأول لركن الدين، على حين نرى تاج الدين السبكي "ت 771هـ"، وهو قريب عهد بركن الدين يطفر طفرة تقف به عند الجد الثالث، فيقول: "الحسن بن شرف شاه، السيد ركن الدين أبو محمد، العلوي الحسيني الأستراباذي2؛ حيث صرح بنسبته إلى الجد الأول "علي"، وثنى بالجد الثاني وهو "حسين"، ولم يرد ذكر الجد الثالث. فقوله "العلوي": نسبة إلى جده الأول "علي"، وقوله: "الحسيني": نسبة إلى جده الثاني "الحسين". وبماثله مسلك المقريزي "ت 845هـ"، غير أنه قدم ذكر "الحسيني" على "العلوي"، وأتى بلفظة "الدين" بين جزأي لقب الجد الأول، فقال: "السيد الإمام العلامة ركن الدين، أبو محمد الحسن بن شرف الدين شاه الحسيني العلوي الأستراباذي3.
ويماثله أيضًا مسلك ابن حجر العسقلاني "ت 852هـ"، غير أنه اكتفى بذكر لقب الجد الأول ولم يصرح باسمه، وكذلك لم يذكر كنية المترجم له؛ يقول: "الحسن بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي

ركن الدين1.
ويلاحظ أن السبكي "ت 771هـ"، والمقريزي "ت 845هـ"، وابن حجر "ت 852هـ" قد أسقطوا الأب وهو "أحمد"، ولعلهم لم يعمدوا إلى الإسقاط، وإنما جنحوا إلى الإيجاز في سلسلة النسب، كما يحدث في كثير من الأحيان قديمًا وحديثًا ثم جاء ابن العماد الحنبلي بعد ابن حجر بما يقرب من قرنين ونصف القرن "ت 1089هـ" فاقتفى أثره وحذا حذوه، في أحد قوليه2، غير أنه ههنا جود الحسن من "ال".
3- أما المجموعة الثالثة من الروايات النسبية فهي تختلف عما سبقها من روايات في اسم والد ركن الدين؛ حيث صرحت بأن اسمه "محمد" بدلًا من "أحمد"؛ يقول ابن تغري بردي "ت 874هـ": "الشيخ الإمام العلامة السيد ركن الدين حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي3.
ويلاحظ أنه قد أسقط الكنية "أبا علي" وأيضًا جرد الحسن من "ال".
وقد حذا حذوه جماعة من المتأخرين، هم: حاجي خليفة "ت 1067هـ"، كما ذكرنا، وابن العماد الحنبلي "ت 1089هـ"

في القول الآخر1.
وإسماعيل باشا البغدادي "ت 1339هـ"2 والزركلي "ت 1390هـ"3، حيث جاء اسم الوالد عددهم "محمدًا" بدلًا من "أحمد". ليس هذا فحسب، بل وجدنا البغدادي "ت 1339هـ" يضيف لقبًا أمام الوالد محمد؛ حيث يقول: "ركن الدين، الحسن بن رضي الدين محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي الشافعي"4.
هذه زاوية من زوايا اضطراب الروايات في اسم ركن الدين ونسبه تمخضت عن تقسيمها ابتداء إلى مجموعات ثلاث، بعد أن انتهجنا فيها المنهج التاريخي، وسنتناول بقية الزوايا بالمقارنة والتحليل بعد أن نفرغ من متعلقات هذه الزاوية التي تتصل بأسماء الآباء؛ أعني اسم الوالد:

أحمد هو أم محمد:

جاء في سلسلة النسب -كما رأينا- تارة لفظ "أحمد"، وأخرى لفظ "محمد"، وذلك في اسم والد ركن الدين، وثالثة أسقط ذكره، فأيهما هو الصحيح؟ وأبادر فأقول: إن والد ركن الدين هو "أحمد"، فيما أرجح، فإن قيل ما السبيل إلى هذا الترجيح؟ قلنا إن أول من ترجم لركن الدين هو ياقوت الحموي "ت 626هـ"، وقد عاصره حيث ترجم له في حياته، ثم توفي ياقوت وعمر ركن الدين بعده إلى أن توفي سنة 715هـ، ولا يستبعد أن يكونا قد تقابلا في الفترة التي تعاصرا فيها، ولا شك أن ترجمة المعاصر لمعاصره أكثر ضبطًا وتأكيدًا من ترجمة المتأخرين. وجاء السبكي "ت 771هـ" بعد وفاة ركن الدين بقليل، فلم يذكر اسم والد الركن، لعله لم يقف عليه، أو ربما يكون قد أسقطه اختصارًا، ثم جاء بعده بقليل المقريزي "ت 845هـ" فحذا حذوه ولم يذكره, وهذا عين ما فعله ابن حجر "ت 852هـ" الذي عاصر المقريزي. لكنا وجدنا ابن تغري بردي "ت 874هـ" الذي عاصر ابن حجر والمقريزي يعز عليه أن يسقط الوالد من سلسلة النسب فأتى بلفظة "محمد" ربما لم يطلع على معجم الأدباء وما ذكره فيه ياقوت "ت 626هـ"، وربما جاء بهذا الاسم من مصدر مشكوك فيه. ثم جاء حاجي خليفة "ت 1067هـ" وتابه ابن تغري بردي في ذلك في أحد قوليه -كما ذكرنا- وأيضًا حذا حذو ابن تغري بردي: ابن العماد "ت 1089هـ" وإسماعيل البغدادي "ت 1339هـ"، وخير الدين الزركلي "ت 1390هـ". ولكن السيوطي "ت 911هـ" يأتي بعد ياقوت "ت 626هـ" بنحو ثلاثة قرون لكي يتبنى ما قاله ياقوت ويصرح بأن والد ركن الدين اسمه "أحمد"، يقول: "الحسن بن أحمد الأستراباذي أبو علي اللغوي الأديب الفاضل، أوحد زمانه، شرح الفصيح والحماسة. قاله ياقوت1.
ويحذو حَذو السيوطي في ذلك حاجي خليفة في القول الآخر، وكذلك كحالة في معجم المؤلفين2، الذي يحيل من أراد الوقوف على ترجمة ركن الدين إلى معجم الأدباء3.

ب-

ألقابه

: وردت في ترجمة صاحبنا ركن الدين الحسن الأستراباذي التي تناولتها كتب التراجم ألقاب عدة ارتبطت جميعها به، وعرف بها، وقد أطلقت عليه إما للدلالة على مسقط رأسه، وإما للإحاطة بمذهبه الديني، وإما للدلالة على مكانته العلمية، كما أن منها ما كان يطلق تيمنا وتفاؤلًا، كما أن منها ما كان يطلق للدلالة على سلسلة نسبه، وها هي ألقابه التي وقفت عليها.

  • ركن الدين: وهذا اللقب أثبته كثير من كتب التراجم1، حيث أثبته السبكي2 "ت 771هـ" والمقريزي3"ت 845هـ" وابن حجر "ت 852هـ" وابن تغري بردي4 "ت 874هـ" وحاجي خليفة5 "ت 1067هـ",

وابن العماد1 "ت 1089هـ" وإسماعيل البغدادي2 "ت 1339هـ" والزركلي3 "ت 1390هـ". وقد حذا حَذو هؤلاء من المعاصرين -في إثبات هذا اللقب- كل من العاملي4 وبروكلمان5 وآلورد6.
ولعل هذا اللقب من الألقاب التي كانت تطلق على أصحابها تيمنا وتفاؤلًا شأنها شأن ألقاب أخرى كـ"بدر الدين وشمس الدين وجمالد الدين وكمال الدين وزين الدين" ونحوها.

  • السيد: وهذا اللقب أثبته السبكي7 وتابعه في ذلك المقريزي8 ثم ابن تغري بردي9، ثم جاء بعد ذلك ابن العماد10 ثم العاملي11 وأثبتوا هذا اللقب.
  • العلوي:

نسبة إلى جده الأدنى علي بن الحسين الملقب بشرف الدين شاه1 وهذا اللقب أثبته السبكي2، وتابعه المقريزي3، وأثبته من المحدثين العاملي في أعيان الشيعة4.

  • الحسيني: وهذا اللقب نسبة إلى جده الأعلى الحسين الأستراباذي.
    وهذا اللقب أثبته المؤرخون الثلاثة الذين أثبتوا لقب "العلوي" في الفقرة السابقة، يضاف إليهم ابن تغري بردي5، وابن العماد6 وإسماعيل البغدادي7.
    وخير الدين الزركلي8.
  • الأستراباذي: وهذا اللقب نسبة إلى مسقط رأسه "أستراباذ".
    وسوف نفرد لها حديثًا يخصها.
  • الشافعي: وهذا اللقب نسبة إلى مذهبه الفقهي، وقد صرح به إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين9.

جـ-

كنيته

: يكنى ركن الدين بثلاث من الكنى، هي: أبو الفضائل، أبو علي أبو محمد، وذلك على النحو التالى:

  • أبو الفضائل: وهذه الكنية تدل على مكانة ركن الدين العلمية وأنه جمع الكثير من الفضائل؛ فهو إمام متقدم علامة في علوم اللغة والأدب، وأيضًا علّامة في العلوم العقلية والنقلية، وغيرها.
    وهذه الكنية أثبتها العاملي في أعيان الشيعة1، وجاءت أيضًا في فهرس دار الكتب2 عند الحديث عن شرح الشافية لركن الدين؛ حيث جاء ما نصه: "شرح الشافية، لأبي الفضائل ركن الدين الحسن بن محمد بن شرف شاه العلوي الأستراباذي سنة 715هـ".
  • أبو علي: وهذه الكنية أثبتها ياقوت3، وتابعه في ذلك الإمام السيوطي4 وحاجي خليفة5، وعمر رضا كحّالة6، وهذه من الكنى التي

تطلق تيمنًا وتفاؤلًا؛ كان يقال لمن اسمه إبراهيم "أبو خليل" ولمن اسمه يعقوب "أبو يوسف" ولمن اسمه عمر "أبو حفص" وهكذا.

  • أبو محمد: وهذه الكنية أطلقها السبكي في ترجمة ركن الدين1.
    وتابعه المقريزي2، ثم ابن العماد3.
    ولعله كان يكنى باسم ابنه الأكبر كما يحدث في كل العصور أن يكنى الشخص باسم ابنه الأكبر، هذا ترجيح فقط؛ لأنه لم يرد نص عمن ترجموا له بقطع بذلك، ولم تذكر كتب التراجم التي ترجمت له شيئًا عن أبنائه.
    وبناًء على ما تقدم من ذكر اسم صاحبنا ركن الدين ونسبه وألقابه وكناه يمكننا -على وجه من الاطمئنان- أن نذكر اسمه كاملًا شاملًا لكل ما سقناه بعد تمحيصه وتجريده؛ فنقول، هو: السيد أبو الفضائل ركن الدين أبو علي -وقيل: أبو محمد- الحسن بن أحمد بن شرف الدين شاه علي بن الحسين الأستراباذي الشافعي.

د-

أسرته

: لم تذكر لنا كتب التراجم التي ترجمت لركن الدين شيئًا عن والده ويبدو أن والده لم يكن من ذوي الجاه والسلطان والمكانة العلمية المرموقة ليذكر وتتناوله الكتب، بدليل أن المؤرخين الذين أوردوه قد اختلفوا حوله؛ فبعضهم ذكره "أحمد"، وبعضهم محمدًا كما ذكرنا.
ولم يرد ذكر أيضًا بشأن أولاده، غير أن بعض المؤرخين أثبت من كناه أبا محمد ورجحنا أنه اسم واحد من أولاده.
أما عن جده الأدنى فهو: شرف الدين علي بن الحسن الأستراباذي1؛ جاء في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة2 للشيخ أغابزرك الطهراني "ت 1312هـ" ما نصه: "الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة، للشيخ شرف الدين بن علي النجفي، كما ذكره في أمل الآمل، يأتي بعنوان: تأويل الآيات الطاهرة، وأنه للسيد شرف الدين علي الحسيني الأستراباذي".
أما عن جده الأعلى "الحسين" فلم تقف على شيء من أخباره غير ما جاء من إثبات كتب التراجم لاسمه والنص على نسبة ركن الدين إليه؛ وذلك بإثباتها لقب "الحسيني" ضمن سلسلة النسبة.

هـ-

ميلاده

: إن كتب التراجم التي بين أيدينا والتي تُرجمت لركن الدين لا تحدثنا عن السنة التي ولد فيها، غير ما جاء في بعضها على سبيل التلميح لا التصريح.
أقول: إن كتب التراجم يمكن تصنيفها بالنسبة إلى موقفها من ميلاد ركن الدين إلى ما يلي: أ- بعضها لم يتعرض لميلاده، لا بالتصريح ولا بالتلميح، وذلك هو القسم الأكبر.
ب- بعضها تتعرض له بالتلميح دون التصريح؛ بأن تذكر تاريخ الوفاة ثم تذكر عمر ركن الدين حين الوفاة، فكأنها أعطتنا تاريخ الميلاد وإن لم تأت به صريحًا، مع العلم أن ثمة اختلافًا كبيرًا في ذلك بين هؤلاء المؤرخين.
جـ- بعضها الآخر ورد به تصريح بتاريخ الميلاد، وذلك في القليل النارد.
وإليك البيان مع اضطراب أقوال المؤرخين: أما القسم الأول الذي لم يتعرض لميلاده إطلاقًا، لا بالتصريح ولا بالتلميح، فمنهم: ابن تغري بردي، وحاجي خليفة، وإسماعيل البغدادي والعاملي، وعمر كحّالة.
وأما القسم الثاني، ذلك الذي ذكر تاريخ الميلاد بالتلميح، فإليك بيان ما جاء فيه: 1- ذكر السبكي "ت 771هـ" في طبقات الشافعية الكبرى أن ركن الدين توفي سنة 715هـ عن سبعين سنة1.
وتابعه في ذلك المقريزي "ت 845هـ" في كتابه السلوك2 ثم ابن حجر "ت 852هـ" في الدرر الكامنة3.
فعلى هذا يكون ميلاد ركن الدين سنة 645هـ.

2- ذكر السيوطي "ت 911هـ" نقلًا عن صلاح الدين الصفدي "ت 764هـ" أن ركن الدين عاش بضعًا وسبعين سنة.
وهذا يعني أنه ولد قبل سنة 645هـ. 3- وذكر العيني في عقد الجمان أن ركن الدين قد بلغ الثمانين, ويعني ما قاله العيني أن ركن الدين ولد سنة "635هـ". 4 ويضطرب ابن قاضي شهبة "851هـ"؛ حيث يذكر أنه توفي بالموصل في المحرم سنة "715هـ"، أو سنة 718هـ، عن نَيِّف وسبعين سنة، أو أنه جاوز الثمانين1، وعلى ما قاله ابن قاضي شهبة يكون ركن الدين قد ولد سنة 635هـ، على رأي، أو ما بين هذا التاريخ و645هـ على الرأي الآخر. 5- وقد اضطرب أيضًا ابن العماد الحنبلي "ت 1089هـ" في حديثه عن السنة التي توفي فيها ركن الدين، حيث إنه قد ترجم له تحت حوادث سنة 715هـ، ثم عاد فترجم له تحت أحداث سنة 718هـ، ولم يذكر شيئًا عن مولده ولا عن عمره الذي عاشه، غير أنه صرح بأنه قد شاخ2.
وهذه الشيخوخة تبدأ بعد الثمانين إلى ما لا نهاية.
وأما القسم الثالث فنراه يصرح بالسنة التي ولد فيها والسنة التي

توفي فيها، وقد تفرد بهذا الزركلي في أعلامه؛ حيث يقول وهو بصدد ترجمته: "ابن شرف شاه "645-715هـ": حسن بن محمد بن شرف الحسيني الأستراباذي ركن الدين"1.
والزركلي من المُحدثين، حيث توفي سنة 1390هـ، وأراه قد اختار الرأي القائل بأن ركن الدين توفي سنة 715هـ، عن سبعين سنة، ثم قام بعملية حسابية صغيرة، وهي طرح سبعين سنة من تاريخ الوفاة وهو "715هـ" فكان الحاصل أنه ولد سنة 645هـ. لكن، وقد اضطربت الروايات التاريخية هكذا، ما الذي نرجحه بالنسبة إلى السنة التي ولد فيها ركن الدين؟ موقفنا من الروايات السابقة: أبادر فأقول: إنني لا أتفق مع كل هذه الروايات، بل أطرحها جميعًا وأرجح أن ركن الدين ولد قبل أسبق رواية قيلت بشأن مولده "وهي رواية العيني التي نستخلص منها أنه ولد سنة 635هـ". أقول أرجح أنه ولد قبل هذا التاريخ بنحو من ربع قرن.
فإن قيل من أين أتيت بهذا التحديد، وما السبيل إلى هذا الترجيح؟ قلنا: إن أسبق رواية قيلت بشأن مولده هي رواية "635هـ"، كما ذكرنا، ثم تعددت الروايات التي نستخلص من بعضها هذا التاريخ ومن بعضها الآخر "645هـ"، وبعضها يتأرجح بين التاريخين.
فإذا كان الأمر كذلك ورجحنا واحدة من تلك الروايات التي تبدأ -عن

طريق عملية حسابية- بسنة "635هـ" وتنتهى بسنة "645هـ" فماذا نقول إذا علمنا أن ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ قد ترجم لركن الدين موضوع البحث، حيث جاء في معجم الأدباء "8/ 5" ما نصه: "الحسن بن أحمد الأستراباذي، أبو علي: النحوي، اللغوي, الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان، وله من التصانيف: كتاب شرح الفصيح، وكتاب شرح الحماسة".
فإن قيل: قد يكون المراد عند ياقوت شخصًا آخر غير الحسن بن أحمد الأستراباذي موضوع البحث؟ أقول: إنني وضعت هذا الاحتمال أمام عيني وذهبت لأستشير كل كتب التراجم، وأبحث عن علماء أستراباذ المتقدمين والمتأخرين، الشافعية والشيعة، ممن سبقوا عالمنا بقليل ولهم شرح الحماسة والفصيح، ولكنني بعد جهد جهيد زال ما في نفسي من شك وتأكدت من أن المراد عند ياقوت هو عالمنا المترجم له، وأن ركن الدين هذا قد شرح الفصيح والحماسة, وقد نصت كتب التراجم التي أتت بعد وفاته على أنه شرح هذين الكتابين من بين مؤلفاته، وقد نقل السيوطي "ت 911هـ" ترجمته عن ياقوت "ت 626هـ"، وجاء كحالة بعد ياقوت بما يقرب من ثمانية قرون لينقل ترجمة ركن الدين عن ياقوت أيضًا ويحيل إلى معجم الأدباء "8/ 5" من بين كتب التراجم التي أشار إليها.
لذا أرى أن ركن الدين قد عاصره ياقوت "ت 626هـ" في

شطر من حياته، وكان ركن الدين شابًا يافعا عرف عنه النبوغ المُبكر في عصره وطارت شهرته، وأنه قد شرح هذين الكتابين في وقت مبكر من حياته، ربما لا يكون قد بلغ العشرين من عمره آنذاك، وهما أول مصنفاته، وصل ذكره وذكر كتابيه إلى ياقوت فترجم له قبل وفاته، وكان ركن الدين لا يزال شابا في مقتبل العمر فأثار ذلك إعجاب ياقوت، وقال عنه: "حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان". ثم توفي ياقوت سنة "626هـ" وكان ركن الدين لا يزال آنذاك حيا، بدليل أن ياقوت لم يذكر تاريخ وفاته ولا حتى مولده. وأرى كذلك أن أصحاب الروايات السابقة التي حددت تلميحًا سنة ميلاده لم يكونوا قد اطلعوا على ترجمة ياقوت له، وإلا كانوا قد رجحوا ما رجحناه. ويؤيد ما رجحناه أيضًا بشأن ميلاد ركن الدين وأنه كان من المعمرين ما قاله ابن العماد الحنبلي؛ حيث نص على أن ركن الدين "قد شاخ"1.
ومرحلة الشيخوخة -كما نعلم- تبدأ من بعد الخمسين إلى ما لا نهاية2، وليس بغريب في أي زمن أن يعيش المرء "115" عامًا، أو "120" عامًا أو نحو ذلك، وعلى هذا يكون ركن الدين قد ولد سنة 600هـ، أو حول هذا التاريخ، وهذه

نتيجة قد سلكنا في إثباتها سبيل الظن والترجيح، وذلك بعد معايشة تامة لكتب التراجم جميعها، وبعد جهد جهيد في تقصي أخبار ركن الدين والوقوف على ترجماته.
ومما استرعى انتباهي أثناء تَجوالي وتَطوافي بين كتب الطبقات أنني وجدت السيوطي -رحمه الله- ينقل ترجمته لركن الدين عن ياقوت، ويصرح بذلك عقب الترجمة، بقوله: "قاله ياقوت"1، ثم في موضع آخر يذكر نقلًا عن صلاح الدين الصفدي أن ركن الدين عاش بضعا وسبعين سنة, ولم يقف أمام هذه المسألة ليحققها, ولم يلفت انتباهه أنه على ما نقله عن الصفدي يكون قد ولد بعد وفاة ياقوت, فكيف يترجم ياقوت لمن يأتي بعد وفاته؟ كان من المتوقع أن يحقق السيوطي هذه القضية غير أنه -كما عهدنا عنه رحمه الله- لا يكلف نفسه في كثير من الأحيان سوى عناء النقل فقط.

و

موطنه

: ونقصد بموطنه مسقط رأسه حيث ولد ونشأ وقضى طفولته وصباه حتى شب عن الطوق, وبدت عليه معالم النبوغ والتفوق.
وكتب التراجم التي بين أيدينا والتي ترجمت لركن الدين لا تحدثنا عن المكان الذي ولد فيه، ولكنا نرجح أنه ولد في مدينة "أستراباذ" بفتح الهمزة وكسرها1؛ وذلك لإجماع المؤرخين على نسبته إليها.

  • أستراباذ: مدينة كبيرة مشهورة أخرجت الكثيرين من أهل العلم في كل فن، وهي مدينة في شمال فارس، من أعمال طبرستان في بلاد مازندران بين سارية وجرجان.
    وتقع بالقرب من الجانب الجنوبي الشرقي من بحر قزوين، وتبعد عن البحر من جهة الشرق ثلاثة وعشرين ميلًا، وهي على ارتفاع 380 قدمًا على سطح البحر على سفح جبال شاهقة الارتفاع مغطاة بالغابات الكثيفة، وهي فرع من جبال البرنس، وعلى حافته واد متسع تكثر المستنقعات في كثير من أرجائه، وتقل الزراعة فيه على الرغم من خصوبته، وينتهى بصحراء التركمان الرملية "قُرَه قُمْ".
    ويفسر البعض معنى "أستراباذ" بمدينة النجوم؛ إذ "أستروستاره" بمعنى "نجم" في الفارسية.
    والبعض الآخر يفسر معناها بمدينة أو مكان البغال "أستروستر" بالفارسية: البغل؛ إذ يقال إنه لم يسكنها في أول عهدها سوى أصحاب البغال والحمير2.

ونقل ياقوت عن ابن البناء أن "أستراباذ" كَورة بنسا من نواحي خراسان1.
وقيل: أستراباذ كَورة بالسواد يقال لها كَرخ مَيْسان2.
وقد يطلق عليها: أستراد، وستراباذ3.
واستاراباذ4.
إلا أن الأشهر والأكثر "أستراباذ"5.

ز-

نشأته وحياته العلمية

: إن الفترة الأولى من فترات حياة ركن الدين يكتنفها غموض تام، بل هي مجهولة تمامًا, إذ إن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن مولده أو نشأته الأولى، أو حياته حتى سنة "667هـ" وهي السنة التي رحل فيها إلى مراغة بأذربيجان، ويبدو أنه بدأ حياته بدراسة القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية بأستراباذ وبعد أن حَصَّل كل ما يمكن تحصيله في موطنه، تاقت نفسه إلى المزيد من العلم فرحل إلى مراغة سنة 667هـ، حيث كانت مراغة آنذاك مركزًا هاما من مراكز العلم والثقافة خاصة بعد سقوط بغداد.
وفي مراغة التقى بالعلامة نصير الدين الطوسي وعمل تحت لوائه وتتلمذ عليه وصار من أكبر تلاميذه حتى عينه الطوسي معيدًا في حلقته، وذلك بعد أن حصل منه علومًا كثيرة1 يقول ابن رافع في "ذيل تاريخ بغداد": "قدم مراغة، واشتغل على مولانا نصير الدين وكان يتوقد ذكاء وفطنة، وكان المولى قطب الدين حينئذ في ممالك الروم، فقدمه النصير، وسار رئيس الأصحاب بمراغة، وكان يجيد دروس الحكمة"2.
وقد كان نصير الدين الطوسي هذا من أبرز علماء المسلمين في عصره في بلاد خوارزم شاه، وطارت شهرته في الآفاق، وكانت شهرته في جميع العلوم، وخاصة في الهيئة والفلك والنجوم والأرصاد، وكانت شهرته في علم النجوم والرصد قد بلغت مسامع

هولاكو، فأراد أن يكون هذا العالم الجليل ضمن حاشيته، ليستعين به وبخبرته في النجوم، فاحتل مكانة مرموقة عنده، وحيث إنه برع في العلم الذي يهتم به سلاطين المغول، وهو علم الرصد والنجوم، فكان هولاكو يطيعه ويضع الأموال الطائلة تحت تصرفه، فاستغل الطوسي ذلك وأرسل إلى علماء المشرق والمغرب يدعوهم إلى مراغة وابتنى لهم فيها مرصدًا كبيرًا، ومكتبة ضخمة بلغت محتوياتها زهاء "400.000" مجلد من المخطوطات معظمها من المنهوبات من خزائن بغداد والشام والجزيرة العربية.
وكان ركن الدين واحدًا ممن لبوا دعوة الطوسي للتلمذة عليه، والعمل تحت لوائه في الميدان العلمي.
وكان ركن الدين مبجلًا عند التتار وجيهًا متواضعًا، يقال إنه كان يقوم لكل واحد حتى للسقاء، وتخرج به جماعة من الأفاضل1، 2.

ح-

رحلاته

: 1- رحيله إلى بغداد: رحل ركن الدين مع أستاذه الطوسي إلى بغداد، وذلك في عام 672هـ، فلما مات الطوسي في هذه السنة رحل ركن الدين إلى الموصل1.
2- رحيله إلى الموصل: ترك ركن الدين بغداد متوجهًا إلى الموصل وذلك لما مات أستاذه وفي الموصل احتل مكانة علمية مرموقة وصار عالم المَوْصل المتفرد2 ودرس للشافعية3 وولي التدريس بالمدرسة النورية، وبالموصل صنف غالب مؤلفاته4 يقول السيوطي: "ولما توجه النصير إلى بغداد سنة 672هـ لازمه فلما مات النصير في هذه السنة صعد إلى الموصل واستوطنها ودرس بالمدرسة النورية بها وفوض إليه النظر في أوقافها"5.

ط-

أخلاقه وصفاته

: كان ركن الدين وجيهًا حليمًا متواضعًا، يقال إنه كان من شدة تواضعه يقوم لكل واحد حتى للسقاء2.
ويقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى1: "وكان جليل القدر معظمًا عند ملوك الزمان حسن السمت والطالع, حكي أنه كان مدرسًا بماردين بمدرسة هناك تسمى مدرسة الشهيد، فدخلت عليه امرأة يومًا، فسألته عن أشياء مُشْكِلة في الحيض، فعجز عن الجواب، فقالت له المرأة: أنت عَذَبَتُكَ3 واصلة إلى وَسَطِكَ وتعجز عن جواب امرأة؟ فقال لها: يا خالة لو علمت كل مسألة أُسأل عنها لوصلت عذبتي إلى قرن الثور".2

جارٍ التحميل