مقدمة المؤلف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، ركن الدين
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب
- المؤلف
- حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي، ركن الدين (المتوفى: 715هـ)
- المحقق
- د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)
- الناشر
- مكتبة الثقافة الدينية
- الطبعة
- الأولي 1425 هـ- 2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإنما قيد الراء بغير المكسورة؛ لأنها لو كانت مكسورة لم تمنع الإمالة؛ لأنها تكون مقدرة بكسرتين، وحينئذ يقوى السبب المجوز للإمالة، فمن ثَمَّت1 بحال طارد وغارم، ومن قرارِك2.
ولا يمال طالب وغانم ومن مزاجك.
وإليه أشار بقوله: "وتغلب [الراء] 3 المكسورة بعدها المستعلية وغير المكسورة" أي: ويغلب الراء المكسورة الواقعة بعد الألف الحرف المستعلية؛ فلهذا أميل طارد وغارم.
وتغلب الراء المكسورة: الواقعة بعد الألف الراء غير المكسورة4؛ ولهذا5 أميل: من قرارك، فإن الراء الأولى تمنع الإمالة، والراء الثانية التي هي المكسورة غلبت الراء الأولى؛ فلهذا أُميلت6.
وفي عبارته نظر؛ لأنها توهم أن الراء المكسورة بعد الألف تغلب المستعلية بعدها كما تغلبها وهي قبل الألف، لكنه ليس كذلك، فإن الراء المكسورة لا تغلب المستعلية بعد الألف؛ فإنه لا يمال نحو:
فارق، ومفاريق وهي الناقة، أو الأنيُق التي أخذها المخاض1, وحينئذ لو قال: وتغلب المكسورة بعد الألف المستعلية قبلها وغير المكسورة لكان أصوب؛ ليندفع هذا الوهم.
قوله2: "فإذا تباعدتْ" أي: فإذا تباعدت الراء عن الألف فهي كالعدم في منع الإمالة, وفي غلبتها -إذا كانت مكسورة- المستعلية، وغير المكسورة، عند أكثرها؛ لبعدها عن الألف الذي هو موضع الإمالة، فأمالوا: هذا كافر، ولم يميلوا: مررت بقادر3 كما لم يميلوا: مررت بقادم "115"؛ لأن بعد الراء عن الألف يجعلها كالعدم, فيعمل حرف الاستعلاء عمله في المنع.
وقال بعضهم: الأمر بالعكس، فلم يميلوا: "هذا كافر" [اعتبارًا للراء المضمومة في المنع وإن بعدت] 4، تفخيمًا للراء، وأمالوا: "مررت بقادر؛ اعتبارًا للراء المكسورة5.
وقيل: هذا هو الأكثر.
إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث في الوقف
:
قوله1: "وَقَدْ يُمَالُ مَا قَبْلِ هَاءِ التَّأنِيثِ فِي الوقف2".
اعلم أن تاء التأنيث اللاحقة بالأسماء، نحو الرحمة والضاربة، تقلب هاء في الوقف -على الأفصح- كما تقدم3 في باب الوقف.
فإذا4 قُلبت تاء التأنيث هاء حال الوقف؛ فمنهم من أمالها5, كما أميلت ألف التأنيث6؛ لمشابهة هاء التأنيث ألف التأنيث لفظا وحكما: أما لفظا؛ فلخفائها كخفاء ألف التأنيث، وكون كل واحدة منهما7 زائدة، وسكون كل واحدة منهما وفتح ما قبل كل واحدة منهما.
وأما حكما، فلكونها للتأنيث.
ثم منهم من يعمم الإمالة في كل هاء التأنيث، سواء كان قبلها راء نحو: كُدْرَة، أو حرف الاستعلاء، نحو: حِقَّة، كما أميل الحمْقى والذكْرى، أو لم يكن قبلها شيء منهما نحو رحمة1.
ومنهم من يجعل الراء أو حرف2 الاستعلاء قبلها مانعا من الإمالة كما في صاعد وراشد؛ لأن الراء وحرف3 الاستعلاء [لما] 4 منعا الألف المخففة5 عن الإمالة6، فلأن يمنعا7 ما يشبه الألف عن الإمالة أولى وأجدر.
والأحسن أن8 الإمالة تحسن فيما لم يكن قبل هاء التأنيث راء ولا حرف الاستعلاء9 نحو رحمة، وتقبح عند قوم فيما قبلها راء نحو كدرة، وتتوسط في الحسن والقبح فيما قبل آخره حرف الاستعلاء نحو حقة؛ نظرًا إلى أن الراء المفتوحة أقوى في المنع من حروف10 الاستعلاء.
ثم اعلم أن إمالة هاء التأنيث رواية الكسائي1، وأصح الروايات عنه أن حرف الاستعلاء والراء إذا لم يكن قبلها ياء ولا كسرة يمنعان الإمالة.
قوله2: "والحروف لا تمال ... "3 إلى آخره4.
اعلم أن الحروف لا تمال؛ لأنه لا5 أصل لألفاتها فتمال لمناسبة, فإن سمي بالحروف كان حكمها حكم الأسماء في جواز الإمالة وعدم جوازها، فإن وجدت بعد التسمية ما يقتضي جواز الإمالة كأمّا وإمّا وإلا أميلت؛ لأن الألف الرابعة إذا كانت في الأسماء, محكوم عليها بأنها بدل عن ياء؛ فلهذا تمال الألف الرابعة إذا كانت في الأسماء، كحَتَّى بعد التسمية؛ فإنها6 تمال لما ذكرناه، ولأنه يقال في تثنيته: حَتَّيَانِ.
وإن لم يوجد بعد التسمية ما يقتضي جواز الإمالة فيها لم تُمَل كما لو سمي بنحو: إلى، وعلى؛ لأنك تقول في تثنيتهما7 حينئذ: إَلَوَانِ وعَلَوَانِ، ولا تؤثر كسرة إلى في جواز الإمالة وإن أثرت في كبا؛
لأن إمالة كبا شاذة1, لا يقاس عليها.
قوله2: "وأُمِيل: بلى "ولا ويا"3 في أَمَّا لا".
وإنما أميلت بلى [ولا ويا] 4 في: أما لا -بفتح الهمزة- لتضمنها الجملة المتضمنة للفعل أو الاسم5، فإن بلى في جواب من قال: أَمَا قام زيد؟ 6 قائم مقام: قام زيد, وإن يا [في يا زيد] 7 قائم مقام: أدعو وأنادي, وإن معنى: أمّا لا، هو إن كنت لا تفعل ذلك فافعل هذا؛ أي: لئن كنت، فحذفت اللام وزيدت اللام وزيدت ما وقلبت النون ميما وأدغمت الميم في الميم.
فلما كانت هذه الحروف متضمنة للجمل، سوغت فيها الإمالة؛ لكونها واقعة موقع الفعل "116" أو الاسم8.
وإنما أميلت حروف التهجي، نحو: ياء وتاء وثاء؛ لأنها أسماء للحروف فشبهت بما أميل لموجب.
قوله9: "وغير المتمكن كالحرف".
اعلم أن الأسماء غير المتمكنة1 كالحروف في عدم جواز الإمالة لمشابهتها2 الحرف؛ ولهذا بنيت، لكن أميل منها الاسم المستقل، نحو: ذا ومتى وأنّى، كما3 أميل: بلى؛ لاستقلالها.
فإذا أميل الحرف لاستقلاله, فإمالة الاسم المستقل أولى وأجدر، كأنى ومتى وذا.
وإنما قلنا: إنها مستقلة لجواز الاقتصار عليها في الجواب، تقول: ذا، لمن قال: من فعل كذا؟ وتقول: من أنى، لمن قال: ألك ألف فرس؟ وتقول: "متى" لمن قال: زيد يسافر.
ولا يمال غير المستقل من الأسماء غير المتمكنة4، نحو: إذا، وما الاستفهامية، والشرطية, والموصولة5, وما كذلك.
وأميل: عسى؛ لكون ألفها بدلا عن الياء وصيرورة ألفها ياء، نحو: عسيت.
وإنما ذكر "عسى" مع كونها فعلا صريحا من ذوات الياء؛ لئلا يتوهم أنها لعدم تصرفها، أي: لعدم مجيء المضارع والأمر والنهي وغيرها منها، تكون كالحرف، فلا تمال.
اعلم أنه لا تمال من الأفعال غير المتصرفة6 إلا "عسى".
قوله1: "وقد تمال الفتحة منفردة"2.
أي: وقد تمال الفتحة نحو الكسرة منفردة عن الألف, إذا كانت تلك الفتحة3 على الراء [أو غيرها] 4 كما في قولهم: من الضَّرَرِ, ومن الكِبْرِ5، ومن المُحاذر6.
وإنما تمال الفتحة منفردة عن الألف مع الراء خاصة؛ لقوة الكسرة عليها؛ لما فيها من التكرار.
وإنما لم7 يمنع المستعلي الإمالة في الصغر؛ لأن الراء المكسورة تغلب المستعلي.
ولا يجوز إمالة ألف محاذر بعد إمالة فتحة الذال لأجل كسرة الراء8؛ لأن كسرة الذال عارضة، فلا9 تأثير لها فكأن بعد الألف فتحا وقبلها فتحا.
تخفيف الهمزة
:
[قوله: "تخفيف الهمزة ... "1 إلى آخره] 2.
أي: لا يخلو3 تخفيف الهمزة4 عن هذه الثلاثة، وهي إبدال الألف أو الياء أو الواو من الهمزة وحذف الهمزة وجعل الهمزة بين بين؛ أي: بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها5.
وقيل: بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة ما قبلها في بعض المحال، وسيجيء بيان ذلك والخلاف فيه.
والأصل: بين بين؛ لأنه تخفيف مع بقاء الهمزة بوجه، ثم الإبدال؛ لأنه إذهاب الهمزة بعوض, ثم الحذف؛ لأنه إذهاب الهمزة بغير عوض6.
وإنما لم يذكر له تعريفا وعدل إلى أقسامه؛ لأن اسمه اللغوي ينبئ عنه.
وشرط تخفيف الهمزة ألا تكون الهمزة مبتدأ بها؛ أي: أن يتقدمها شيء.
مثال المبتدأ بها: أحد، إبل، أُم".
وإنما لم تخفف مبتدأ بها1؛ لأنها لو خففت لم يمكن تخفيفها بإبدال الألف عنها لامتناع وقوع الألف في الابتداء، ولإبدال الواو والياء عنها؛ لأن إبدالهما2 منها لا يكون إلا إذا كانت ساكنة أو متحركة قبلها مدة، أو مفتوحة قبلها مكسور أو مضموم, وكل3 ذلك منتف ههنا.
ولا بالحذف؛ لأن تخفيفها بالحذف لا يكون إلا إذا تقدمها ساكن، وهو منتف ههنا.
ولا بين بين4 لكراهتهم الابتداء بما يشبه الساكن؛ لأن الهمزة [المجعولة] 5 بين بين قريبة من الساكن.
لا يقال "117": ما ذكرتم منقوض بـ "خُذْ وكُلْ"، فإنه خففت الهمزة بالحذف ههنا ابتداء, وأنتم قلتم: لا يجوز ذلك؛ لأنا نقول: لا نسلم أن حذف الهمزة ههنا ابتداء؛ لأن المحذوف من أأخذ وأأكل هو الهمزة الثانية، وهي ليست ابتداء؛ بل بعد همزة الوصل, فلما حذفت الثانية حذفت همزة الوصل استغناء بحركة ما بعدها.
وكذا حذف همزة أقول بعد نقل حركة الواو إلى القاف.
قوله1: "وهي ساكنة ومتحركة2...."3.
أي: الهمزة إما4 ساكنة وإما5 متحركة، فإن كانت ساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها؛ يعني: إن كانت قبلها فتحة قلبت6 ألفا كـ "راس", وإن كانت قبلها7 كسرة قلبت ياء كـ "بير", وإن كانت قبلها ضمة قلبت واوا نحو سُوت8.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الهمزة والحركة التي قبلها في كلمة واحدة، كما ذكرنا، أو في
كلمتين كقوله تعالى: "إلى الهُدَاتِنا"1، 2 بقلب الهمزة ألفا، و"الذِيتُمِن"3، 4 بقلب الهمزة ياء، وكقوله تعالى5: "يقولُوذَنْ"6، 7, بقلب الهمزة واوا.
هذا حكم الهمزة الساكنة لغير الوقف.
وأما الساكنة للوقف إذا كان8 قبلها ساكن, فسيجيء9 الكلام عليها.
فإن10 كانت الهمزة متحركة؛ فإما أن يكون قبلها ساكن أو قبلها متحرك.
فإن كان قبلها ساكن فإن كان ذلك الساكن واوا أو ياء وهما زائدتان لغير الإلحاق، قلبت الهمزة واوا أو ياء, وأدغمت فيها جوازا لا وجوبا كخَطِيّة ومَقْرُوّة وأُفَيِّس.
فإن أصل خطية: خطيئة،
وأصل مقروة: مقروءة، وأُفَيِّس: "أفيئِس"1، تصغير أفؤس، جمع فأس؛ فقلبت الهمزة ياء في خطيئة، وأفيئس2 وأدغمت الياء في الياء، وقلبت الهمزة واوا3 في مقروءة، وأدغمت الواو4 في الواو.
وإنما أورد مثالين للذي يكون قبل5 الهمزة ياء؛ لأن الحركة قبل الياء في خطية مكسورة، وفي أفيس مفتوحة.
وقول النحويين: التزم قلب الهمزة ياء وإدغامها6 في نبي وبرية, غير صحيح7 لثبوت الهمزة فيهما في [بعض] 8 القراءات السبع، فإن نافعا9 يقرأ: "النبيء" بالهمز في جميع القرآن10،
ونافعا وابن ذكوان1 يقرآن: "البريئة"2 بالهمز3.
وإذا كان كذلك فلو قيل: [قلب همزة نبي وبرية كثير] 4 لكان أولى.
وإن كان الساكن الذي قبل الهمزة المتحركة ألفا, جعلت الهمزة بين بين المشهورة؛ و5 هو أن تجعل الهمزة بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، نحو: ساءل، ويُسائل، وقائل.
وإنما فعلوا ذلك؛ لتعذر نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها وتعذر الإدغام، فلم يبق إلا بين بين.
[وإنما التزم بين بين] 6 المشهور لا الآخر7؛ لتعذر الآخر، لعدم حركة ما قبلها.
وإن كان الساكن الذي قبل الهمزة المتحركة حرفا صحيحا أو معتلا غير الياء والواو1 الزائدتين للإلحاق2, وغير الألف المذكورة, تنقل3 حركة الهمزة إلى ذلك الحرف وتحذف الهمزة نحو مسألة؛ نقلت حركة الهمزة إلى السين4 وحذفت الهمزة5، ونحو: الخَبْء -لما خبئ- وشيء، وسَوْء لرجل سوء, وجيئل6 -للضبع- وحوأبة لموضع, واسم7 ماء، وسبع8, وأبو أيوب، وذو أمرهم، وابتغي أمره، وقاضو أبيك، تنقل9 حركة الهمزة إلى ما قبلها، وتحذف الهمزة، فيقال: الخبُ، وشيٌ، وسَوٌ، وجيَل، وحوَبة، وأبوَ يُّوب، وذُوَ مْرهم10 وابتغيَ مْره، وقاضوَ بيك.
قوله11: "وجاء باب: شيء وسوء مدغما" يعني: وجاءت الياء والواو "118" اللتان ليستا بزائدتين مشبهتين بالواو والياء
الزائدتين قي قلب الهمزة ياء إذا1 كان قبلها ياء, أو قلبها2 واوا إذا كان قبلها واو، وإدغام الياء في الياء في نحو شيّ3, وإدغام الواو في الواو نحو سوّ4.
لكن المشهور هو الأول، أي: نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذف الهمزة.
قوله: "والتُزم ذلك في باب: يَرَى، وَأرَى: يُرِي"؛ فإن يرى أصله: يَرْأَى؛ فنقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة فصار: يَرَى.
وأصل أرى: يُرِي: أراي: يرئي من الإراءة؛ فنقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة، فصار: أرى يُرِي.
وإنما التزم الحذف فيه لكثرة استعمالهم إياه في كلامهم، بخلاف قولك: ينأى، مضارع: نأى, وأنأى، يُنئي؛ فإنه لم يلتزم5 حذفها فيه؛ لعدم كثرته في كلامهم كثرة: يرى، وأرى يُرِي.
وقيل: استعمل: أرأى، وأرأيته.
رواه سيبويه عن أبي6 الخطاب7 عن العرب الموثوق بهم8.
قوله: "وكثر في سَل".
أي: نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها, وحذف الهمزة كثر1 في سل لكثرته2.
أصل: "سل": اسأل؛ نُقلت حركة الهمزة إلى السين وحذفت الهمزة, فصار "اسَلْ"، ثم حذفت همزة الوصل3 استغناءً عنها بحركة ما بعدها.
ولما كان استعمال "سل" أكثر من استعمال "جر" الذي أصله "اجأرْ" ولم يبلغ كثرة يرى، وأرى يُرِي، لم يكثر حذف الهمزة من "اجأر" ولم يلتزم حذفها في "اسأل".
قوله: "وَإذَا وُقف4 عَلَى الْمُتَطَرِّفَةِ, وُقف بِمُقْتَضَى الْوَقْفِ بعد التخفيف...."5.
اعلم أنه إذا وقف على الهمزة المتطرفة المتحركة في الوصل, وقف عليها بعد تخفيف الهمزة على ما يستحق من التخفيف لو كانت موصولة بما يقتضيه حكم6 الوقف في مثله7 من رَوْم أو إشمام8
أو سكون، فإذا خففت1 همزة "الخبء" وهمزة "بريء" وهمزة "مقروء" على ما يقتضيه تخفيف الهمزة ههنا، جاز الوقف عليهما بعد التخفيف بالروم والإشمام والسكون؛ لأن تخفيف الخبء بتقدير الوصل إنما هو بنقل الحركة إلى الباء وحذف الهمزة، يبقى2 "الخَبُ" في الرفع, بباء مضمومة.
وإذا وقف على ما آخره حرف مضموم, جاز الوقف عليه بالروم والإشمام والسكون، على ما مر.
وتخفيف بريء، ومقروء في الرفع, بقلب الهمزة في بريء ياء وإدغامها في الياء، وفي مقروء، بقلب الهمزة واوا، وإدغامها في الواو، فصار في الرفع: بريّ بياء مشددة مضمومة، ومقروّ بواو مشددة مضمومة.
وإذا وقف على مثله جاز الإسكان والروم والإشمام، كما مر.
وتخفيف شيء3، وسَوْء إنما يجوز بوجهين:
أحدهما: بنقل4 حركة الهمزة إلى ما قبلها ثم حذف5 الهمزة، فيبقى: شَيٌ، وسَوٌ، والوقف على مثله في الرفع يجوز بالسكون والروم والإشمام.
والثاني: بقلب الهمزة في شيء ياء وإدغامها في الياء، وبقلب الهمزة في سوء واوا1 وإدغامها في الواو، فصار: شيٌّ، [و] 2 سوٌّ, والوقف3 على مثله جاز بالإسكان والروم والإشمام.
قوله4: "إلا أن يكون ما قبلها [ألفا5...."6 إلى آخره] 7.
أي: إذا كانت الهمزة متحركة بعد ألف كقراء، فالقياس في تخفيف همزتها أن تجعل بين بين -كما مر- وإذا كانت8 كذلك كان الوقف عليها بعد التخفيف بالروم، محافظة على بين بين, وهو حال9 الوصل.
وأشار إليه بقوله: "فإن وُقِف بالروم فالتسهيل".
أي: فإن وقف عليها بالروم, كان الوقف عليها بالتسهيل "119" أي:
بين بين, كما كان تخفيف الهمزة حالة الوصل بين بين ولم يوقف عليها بالإسكان والإشمام؛ لتعذرهما مع بين بين, فإذا1 أردت الوقف عليها بالإسكان ولم تراع بين بين وجب قلب الهمزة ألفا؛ لأنه يمتنع2 نقل حركتها إلى ما قبلها لوجود الألف قبلها ويمتنع التسهيل، وهو بين بين، مع إسكان الهمزة.
وإنما وجب قلب الهمزة ألفا لوجود الألف قبلها ووجوب قلب الهمزة حرفا من جنس حركة ما قبل الألف، فاجتمع ألفان؛ الألف التي قبل الهمزة والألف التي هي بدل عن الهمزة، وحينئذ منهم من يقصر الاسم3 حال الوقف بحذف أحد الألفين؛ لاجتماع الساكنين, ومنهم من يمد الاسم4 لإمكان الجمع بين الألفين الساكنين5 بالمد, ومنهم من يمد أطول من المد لألفين؛ نظرًا إلى المد الذي كان بين الألف والهمزة قبل قلب الهمزة ألفا، فيجمع الألف الذي6 قبل الهمزة والألف الذي هو7 يدل على الهمزة والمد الذي كان بين الألف والهمزة قبل قلب الهمزة ألفا8.
قوله: "وإن كان قبلها متحرك" قسيم1 لقوله: "وإن2 كان قبلها ساكن".
أي: فإن3 كان قبلها متحرك4 فالهمزة تنقسم بحركة ما قبلها إلى تسعة أقسام؛ ثلاثة منها أن تكون الهمزة مفتوحة وقبلها الحركات الثلاث، أعني: الفتحة والضمة والكسرة5 نحو: سأل ومائة ومؤجل, وثلاثة منها أن تكون الهمزة مكسورة وقبلها6 الحركات الثلاث، نحو: سَئِم، ومستهزئين، وسئل, وثلاثة منها أن تكون الهمزة مضمومة وقبلها الحركات الثلاث، نحو: رءوف، ومستهزئون, ورءوس.
وإذا7 عرفت ذلك؛ فنقول: الهمزة المفتوحة إن كان قبلها ضمة نحو "مؤجل" قلبت واوا؛ لكراهتهم أن تجعل الهمزة بين بين؛ لأنهم لو جعلوها بين بين قرُبت8 من الألف وقلبها ضمة، فكره أن تكون الضمة قبل ما يشبه الألف.
وإن كان قبلها كسرة قُلبت ياء نحو مائة؛ لكراهتهم الكسرة قبل ما يشبه الألف لو جعلت بين بين.
والهمزة1 المضمومة إن كان قبلها كسرة نحو: مستهزئون، والهمزة المكسورة إذا كان2 قبلها ضمة نحو سئل، ففيها3 الخلاف؛ فالمشهور أن تجعل بين بين المشهور، وهو أن يجعل الهمزة بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها؛ فتكون همزة "مستهزئون" بين الهمزة والواو, وهمزة "سئل" بين الهمزة والياء.
وقيل: يجعل الهمزة بين بين البعيد؛ أعني: بين بين الشاذ، وهو أن يجعل الهمزة بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة ما قبلها, فتكون4 همزة: مستهزئون بين الهمزة والياء، و5 همزة: سئل بين الهمزة والواو.
وبعضهم يقلب الهمزة في نحو: مستهزئون ياء محضة, وفي نحو6 سئل واوا محضة.
وأما البواقي بعد إخراج نحو: مؤجل، ومائة، ومستهزئون، وسئل, وهي خمسة أقسام؛ فتخفيف الهمزة فيها بين بين المشهور.
قوله: "وجاء مِنْسَاة وسال و [نحو] 7 الواجي وصلا....8".
أي: وجاء1: منساة، عن منسأة، وسال، عن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ 2, 3, والواجي من الواجئ، في حال الوصل، بقلب الهمزة حرف لين4 من جنس حركة ما قبلها، وهذا ليس بقياس؛ لأن القياس في هذه الصورة5 حالة الوصل هو جعل الهمزة بين بين المشهور، لا إبدالها ألفا في منساة، وسال، ولا ياء في الواجي.
وقال ابن مالك -رحمة الله عليه6-: ليس سال7 في القراءة8 مخففا من سأل, وإنما هو مثل هاب9، أي: سال هذا معتل العين, مرادف لسأل -مهموز العين- لأنهم يقولون: سلت تسأل نحو: هبت تهاب، بمعنى: سألت تسأل.
وأما الواجي "120" في قول عبد الرحمن بن حسان: "25" وَكُنْتُ أذَلَّ مِنْ وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهْرِ وَاجي1 فعلى القياس؛ لأن الهمزة سكنت للوقف، فصارت الهمزة ساكنة ما قبلها مكسورة, وقياسها أن تقلب ياء محضة كبيرة، خلافا لسيبويه، فإنه أنشده فيما جاء من التخفيف الخارج عن القياس2، وهو ضعيف لما ذكرناه3.
والفهر: الحجر1.
والواجي: الداقّ2.
قوله: "والتزموا خُذْ وكُلْ على غير القياس للكثرة...."3.
اعلم أن قياس باب خذ وكل أن يقال فيه: اأْخُذ واأْكُل4، كما يقال: اأخر؛ اأشر، اأْلَم، من: أجر العظم يأجر5، وأشر يأشر, إذا بطر6، وألم يألم, إذا7 وجع8.
وأصلهما: اأخُذ، واأكُل9، [لكنه] 10 لما كثر استعمالهما حذفت الهمزة الأصلية تخفيفا للكثرة دون همزة الوصل؛ لكونها العلامة11, ثم استُغني عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها، فحذفت، فقيل: خذ وكل.
وقالوا في الأمر من أمر يأمر: مُرْ، واأمُر1 بحذف الهمزة وبقائها؛ لأنه كثر استعماله، ولم يبلغ في الكثرة مبلغ كل وخذ، فجعل له حكم متوسط وهو جواز الأمرين, إلا أن "مر" أفصح "عند الابتداء به، واأمر2 أفصح3" عند الوصل بما قبله؛ لأنه إذا قيل: واأمر لم يكن ثقيلا؛ لعدم اجتماع الهمزتين؛ لأنه حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها بما تقدم.
قوله4: "وإذا خُفِّفت5 همزة6 باب الأحمر ... "7 إلى آخره.
[أي] 8: إذا نقل حركة الهمزة في باب الأحمر إلى لام التعريف وحذفت الهمزة, جاز ألا تحذف همزة الوصل -وهو الأكثر- لكون حركة اللام عارضة، فيقال: الَحْمَر، وجاز أن تحذف همزة الوصل لتحريك ما بعدها -وهو اللام- فيقال: لَحْمَر.
وإنما اعتد بحركة اللام على هذه اللغة, ولم يعتد بها في نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ 1؛ لأن اللام2 في لحمر صار مع المعرف كالجر لفظا؛ لكونه حرفا واحدا متصلا به، ومعنى لصيرورته مع ما بعده لمعنى غير مدلول عليه3 ما بعده؛ لأنهما صارا لواحد معين بعد أن كان ما بعده بدونه لواحد لا بعينه، فلما كانت كالجزء أشبهت حركة سل.
والأظهر أن باب الاستغفار والاقتدار كباب الأحمر في جواز: الستغفار، والقتدار4.
وعلى الأكثر إذا دخل من أو في على الحمر، قِيلَ5: مِنْ لَحْمَرِ بِفَتْحِ النُّونِ, وَفِلَحْمَرِ بِحَذْفِ الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن اللام في حكم الساكن.
وعلى الأقل: من لحمر بسكون النون، وفي لحمر بإتيان الياء.
وعلى الأقل جاءت6 قراءة أبي عمرو ونافع7 "عادَ لُّولى8" لأن أصله: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ 9, فلما نقلت حركة الهمزة إلى اللام كانت
اللام في حكم المتحرك على هذه اللغة، فيبقى التنوين ساكنا على حاله ولم يحرك لالتقاء الساكنين [لعدم التقاء الساكنين1، حينئذ فتدغم النون في اللام على ما هو القياس.
وأما على اللغة الكثيرة, فكانت2 اللام في حكم الساكن، فيلتقي ساكنان: التنوين ولام التعريف, فيجب كسر التنوين لالتقاء الساكنين] 3.
قوله4: "وَلَمْ يَقُولُوا: اِسَلْ، وَلاَ اقُل لاتِّحَادِ الْكَلِمَةِ".
هذا جواب عن سؤال مقدر، وتقدير السؤال: أن سل أصله: اسأل، فنقلت حركة الهمزة إلى السين وحذفت الهمزة، وأصل قل: أقول؛ فنقلت حركة الواو إلى القاف، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فحذفت همزة الوصل في: اسَلْ واقُل، اعتدادًا بالحركة العارضة، ولم تحذف الهمزة في: الحْمَر؛ لعدم الاعتداد بالحركة العارضة على اللام.
والفرق "121" مشكل لكون كل واحدة من الحركتين عارضة.
والجواب عنه بالفرق: أما أولًا: فلاتحاد كلمة [الحرف المنقول عنه] 5 والحرف المنقول إليه في: اسل واقل، بخلاف الحمر؛ فإن الحرف المنقول إليه [لام التعريف6] وهو غير كلمة الحرف المنقول
عنه، فالحركة في مثل اسل واقل كاللازمة.
وأما ثانيًا1: فلأن نقل حركة ما بعد لام التعريف إلى لام التعريف غير غالب، ونقل الحركة في مثل اسأل واقول إلى ما قبلها غالب بل واجب، فيصير مثل2 حركة السين والقاف في اسَلْ واقُلْ كاللازمة.
اعلم3 أن الأخفش حكى عن بعض العرب اسَلْ في سَلْ؛ لعدم الاعتداد بحركة السين لعروضها4.
ولقائل أن يقول: ما ذكرتموه منقوض بالأمر من جأَر ورؤُف؛ فإنك تقول: اجْأَرْ وارْؤُفْ، فإذا نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت الهمزة, جاز إبقاء همزة الوصل وجاز حذفها، نحو: اجَرْ وارُفْ، وجَرْ ورُفْ؛ لأنهما مثل سَلْ.
ويمكن أن يجاب عنه بأن علة وجوب حذف همزة الوصل في سل ما ذكرناه ثمة مع كثرة الاستعمال, وكثرة الاستعمال منتفية5 في أمر: جار ورؤُف.
تخفيف الهمزتين المجتمعتين
:
قوله: "والهمزتان في كلمة [إن سكنت الثانية ... "1 إلى آخره] 2.
أي: إذا اجتمعت الهمزتان في كلمة واحدة، فإن كانت الهمزة الثانية ساكنة وجب قلب الهمزة الثانية حرفا من جنس حركة3 ما قبلها كآدم، ايت, أُوتُمن، في: أَأْدم، وائْتِ, وأُأْتُمن؛ طلبًا للتخفيف.
قوله: "وليس آجر منه"4.
أي: [و] 5 ليس آجر مما اجتمع فيه همزتان ثانيتهما ساكنة، فقلبت الثانية ألفا؛ لأن آجَرَ فاعل، لا أفعل كما توهمه بعضهم؛ فإنه توهم أن آجَرَ أصله: أأجر، فقلبت الثانية ألفا6.
وإنما قلنا: إنه فاعل لا أفعل؛ لأن مضارعه يجيء على وزن يؤاجر، كآخذ يؤاخذ، فكما أن الألف في آخذ ليست مقلوبة عن همزة بل هي ألف فاعل، كذلك ألف آجر.
قوله: "ومما قلته [فيه] 1".
أي: ومما قلته2 في أن آجر فاعل لا أفعل, هذان البيتان وهما:
"26"
دللت ثلاثا على أن يوجر ... لاَ يَسْتَقِيمُ مُضَارِعَ آجَرْ
فِعَالَةُ جَاءَ وَالإِفْعَالُ عز ... وصحة آجر تمنع أجر3
أي: دللت ثلاثا على أن آجر فاعل لا أفعل، فعبر عنه بلازمة لأن كون آجر فاعل, يستلزم ألا يكون يُوجر مضارع آجر؛ لأن يوجر لا يكون إلا مضارع أفعل.
استدل على أن آجر فاعل، ليس أفعل، بدلائل ثلاثة:
أحدها: أن مصدر آجر جاء على إجارة، وفعالة يكون مصدر فاعل لا أفعل نحو: كاتبه كتابة وكتابا, وكتابة للفرد، وكتابا للجنس.
فآجر فاعل لا أفعل؛ لأن صحة كون آجر فاعل يمنع كونه أفعل؛ لأن الأصل [عدم اشتراك اللفظ بين الوزنين] 4.
والثاني: أن آجر لو كان أفعل لكان مصدره إيجارا؛ لأن مجيء مصدر أفعل على إفعال قياس مطرد، لكنه لا يجيء مصدر آجر على إيجار.
والثالث: أنه جاء آجر يؤاجر، وهو فاعل يفاعل.
وإذا صح مجيء آجر على وزن فاعل منع مجيئه على وزن أفعل؛ لأن "فاعل" لا بد له من أصل ثلاثي لا رباعي، نحو: كاتب من كتب, وقاتل من قتل، وهو قياس مطرد.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون أصل آجر من "أجر" أي: فعل, لا "آجر" أي: أفعل.
ولقائل أن يقول: في الكل نظر، أما في الأول؛ فلأنه يدل "122" على أن آجر الذي مصدره إجارة فاعل، ولا يلزم منه ألا يكون آجر أفعل البتة؛ لجواز أن يكون مشتركا بين فاعل وأفعل، ومصدر الأول فِعَالة, ومصدر الثاني إِفْعال.
وقد يخالف الأصل لدليل, وهو مجيء المضارع على يؤجر، والمصدر على إيجار.
وأما في الثاني: فلأنا لا نسلم أنه لا يجيء مصدره على إيجار، فإن صاحب كتاب المحكم1 حكى: آجرت المرأة البغيّ نفسها إيجارا2.
وأما قوله1: "والإفعال عَزَّ" فإن أراد به أنه لم يوجد فممنوع, وإن أراد به أنه قليل فمسلم ولا يحصل به مطلوبه.
وأما في الثالث: فلأنا لا نسلم أنه لا بد لفاعل من ثلاثي، وأنه قياس مطرد.
والحق أن آجر2 مشترك بين فاعل وبين أفعل.
حكى ابن القطاع في كتاب الأفعال من كتاب الأبنية أنه يقال: آجره الله أجرا، وآجره يؤجره، وأجرت المملوك والأجير، وآجرته اؤجره: أعطيته أجره.
وهو ظاهر في أن آجر بالمعنى المذكور أفعل لا فاعل؛ لأن يؤجر لا يكون مضارعا لغير أفعل.
وأما آجرت الدار والدابة ونحوهما ففيه لغتان، إحداهما: أنه فاعل، [والمضارع منه] 3 يؤاجر، والأخرى4: أفعل, والمضارع منه يؤجر.
والذي يدل عليه قول صاحب المحكم: وآجرت المرأة البغي نفسها مؤاجرة وإيجارا؛ أي: أباحتها بأجرة.
فهذا من قبيل: آجرت الدار، مع أنه جاء له مصدران، فالمؤاجرة مصدر فاعل، والإيجار مصدر أفعل.
قوله: "وإن تحركت [وسكن ما قبلها...."1 إلى آخره] 2.
أي: وإن اجتمعت همزتان في كلمة وتحركت الهمزة الثانية وسكن3 ما قبلها، فإن كانت الهمزة عينا ثبتت كـ "سئّال" و"جئّار"؛ "لأن"4 الأولى "لا"5 تكون مدغمة في الثانية حينئذ، والإدغام لا يمكن معه التسهيل، ولأنه6 لو سُهِّلت لم يعلم أنه فعال أو فعّال.
وإن كانت الهمزة لاما قلبت ياء كـ "قِرَأْي" نحو: قِمَطْر؛ من: قرأ, فإن نحو هذا تتحصن الهمزة الثانية منه بالإدغام، ولا يجوز أن يقال: قرَّاء، كما يقال: سئَّال.
وإن تحركت الهمزة الثانية وتحرك ما قبلها -أي: الهمزة الأولى- وجب قلب الهمزة الثانية ياء إن انكسر ما قبلها، نحو: جاءٍ وشاءٍ، وانكسرت الهمزة الثانية نحو: أيِمَّة.
وإن لم ينكسر ما قبلها ولم تنكسر هي -أي: الهمزة الثانية- انقلبت الهمزة الثانية واوا.
وأشار إليه بقوله: "وواوا في غيره" أي: انقلبت7 الهمزة
الثانية واوًا في غير الهمزة المكسور ما قبلها نحو أُوَيْدم في تصغير: آدم، ونحو: أوادم في جمع آدم.
اعلم أن أصل جاءٍ: جائئ عند1 غير الخليل، فكره اجتماع الهمزتين، فقلبت الهمزة الثانية ياء فصار: جائيٌ، ثم أعل إعلال قاضٍ.
وإنما قلنا: عند غير الخليل؛ لأن أصله عند الخليل: جايءٌ، بالقلب2 كما مر، فلم يكن من هذا الباب.
وأصل أَيِمَّة: أَإِمَّة؛ لأنه جمع إمام, وأصل أإمة: أَأْمِمَة؛ نقلت حركة الميم إلى الهمزة عند قصد [إدغام الميم الأولى في الميم الثانية3] فصار أَإِمَّة، فكره اجتماع همزتين4، فقلبت الهمزة الثانية ياء؛ لمناسبة الياء الكسرة.
وإذا5 صغرت آدم قلت: أُوَيْدم، أصله: أُأَيْدم؛ فكره اجتماع الهمزتين6, فقلبت الهمزة الثانية واوا؛ [لمناسبة الواو الضمة التي قبلها.
وإذا جمعت آدم جمع التكسير] 7 قلت: أَوَادِم، أصله: أَأَادِم، على وزن أفاعل، فكره اجتماع همزتين "123"، فقلبت الهمزة الثانية واوا، كما قلبت الواو همزة في كثير من المواضع.
قوله: "ومنه خطايا1....."2 إلى آخره3.
أي: والخطايا في التقدير الأصلي، مما اجتمع فيه همزتان ثانيتهما متحركة وأولاهما مكسورة، فقلبت الثانية ياء خلافا للخليل؛ لأن أصله عند سيبويه خطايئ4 فقلبت5 الياء همزة، فصار: خطائئ باجتماع همزتين6: الأولى هي التي بدل من الياء، والثانية الهمزة التي هي7 لام الكلمة، ثم أبدلت الثانية ياء فصار: خطائي، ثم عمل به ما عمل بمطايا، كما يجيء، حتى صار: خطايا.
وإنما قيد التقدير بالأصلي؛ لأن "خطائي" -بالهمزة ثم بالياء بعدها- تقديره أيضا، لكن ليس تقديره الأصلي [بل خطائئ بالهمزتين تقديره الأصلي] 8. وبالحقيقة هذا أيضا ليس تقديره الأصلي بل خطايئ -بالياء ثم بالهمزة- تقديره الأصلي، إلا أن "خطائئ" بالهمزتين أصلي9 بالنسبة إلى خطائي بالهمزة، ثم بالياء بعدها.
وأما أصل خطايا عند الخليل فخطايئ، ثم قلبت اللام إلى موضع العين؛ لئلا تجتمع همزتان، فصار: خطائي، ثم حذفت الضمة عن1 الياء، وقلبت الهمزة ياء مفتوحة والياء ألفا، فصار: خطايا.
وكلا المذهبين حسن، إلا أن مذهب سيبويه أقيس وأصح؛ لما سمع عن العرب الموثوق بعربيتهم "اللهم اغفر لي خطائئي" بتحقيق الهمزتين2، فلو كانت خطايا مقلوبة كما زعم الخليل، لقيل: خطائي, بهمزة واحدة لا غير.
قوله: "وَقَدْ3 صَحَّ التَّسْهِيلُ وَالتَّحْقِيقُ4 فِي نَحْوَ أيمَّةٍ".
أي: قد صح تسهيل الهمزة وتحقيقها في أيمة.
اعلم أن النحاة قالوا: إن قلب الهمزة ياء في نحو: أيمة ملتزم5, فقال المصنف: هذا القول منهم غير صحيح؛ لأنه ثبت في القراءات السبع تسهيل هذه الهمزة -أي: جعلها بين بين- وتحقيقها6،
والقراءات السبع متواترة, وإن قلنا: إنها ليست بمتواترة فلا أقل1 من أن تكون أخبار آحاد, عدول في قبول اللغة عنهم.
وأجيب عنه بأن مراد النحاة بأن قلب هذه الهمزة ياء2 ملتزم أنه قياس, وما خالفه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وهو لا يخالف مجيء خلافه في القراءات السبع؛ لجواز أن يكون شاذا مخالفا للقياس.
قوله3: "والتُزم في باب أُكرِمُ حذف الثانية, وحُملت عليه أخواته".
أي: و4 التزم حذف الهمزة الثانية من باب مضارع أُفْعِل5 إذا كان للمتكلم، نحو: أُكْرِم؛ كراهة اجتماع الهمزتين فيما كثر بابه.
وإنما حذفت الثانية لا الأولى؛ لأن الأولى للعلامة؛ ولأن ضمة الأولى تدل على المحذوف؛ ولأن الاستثقال إنما جاء من الثانية، ثم حذفت الهمزة الثانية في أخواته، وهي: تُكرِم وتُكرم ويُكرِم وإن لم يجتمع همزتان؛ حملًا على أكرم؛ اطرادًا للباب.
قوله: "وقد التزموا قلبها6 مفردة [ياء مفتوحة في باب مطايا] 7".
أي: وقد التزموا قلب الهمزة مفردة عن همزة أخرى ياء مفتوحة في باب1 مطايا2 ورَكَايَا وشَوَايَا وحَوَايَا، جمع: مطية وركية -وهي البئر3- وشَوِيَّة -وهم4 بقية قوم هلكوا5- وحَوِيَّة, وهي كساء محشوّ حول سنام البعير6.
وهو: كل جمع على مثال مساجد وقعت بعد ألفه7 همزة بعدها ياء.
اعلم أن مطايا جمع مطية، وأصله: مطائي8 بإبدال الياء التي بعد ألف الجمع همزة؛ لكونه مدة مزيدة في الواحد9، كما في الصحيح، نحو: رسائل وصحائف جمع "124": رسالة وصحيفة، ثم استثقلت الكسرة على الهمزة لكونها حرف علة قبل حرف علة في آخر صيغة منتهى الجموع, فقلبت تلك الكسرة فتحة, فتحركت الياء
وانفتح ما قبلها فقلبت الياء ألفا، فصار مطاءا1، فاستثقلت الهمزة المفتوحة بين ألفين, فقلبت ياء فصار: مطايا2.
و3 من هذا الباب: خطايا، على القولين، أي: على4 قول سيبويه وعلى5 قول الخليل، كما مر.
قوله6: وفي كلمتين يجوز [تحقيقهما....7 إلى آخره] 8.
هذا قسيم لقوله: "والهمزتان في كلمة".
يعني: إذا9 اجتمعت همزتان في كلمتين، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ 10 يجوز تخفيفهما11؛ وذلك بأن تخفف كل واحدة منهما على ما يقتضيه قياس تخفيف كل واحدة منهما لو انفردت، من الإبدال والحذف وبين وبين، كما مر، أو بأن تخفف