المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، ركن الدين
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب
- المؤلف
- حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي، ركن الدين (المتوفى: 715هـ)
- المحقق
- د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)
- الناشر
- مكتبة الثقافة الدينية
- الطبعة
- الأولي 1425 هـ- 2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ى-
مكانته العلمية وثقافته
:
كان ركن الدين -رحمه الله- نحويا، صرفيا، لغويا، أديبا، فقيهًا.
يضاف إلى ذلك أنه كان عالمًا في المنطق والطب وعلم الكلام، وله تصانيف مفيدة في كل هذه المجالات، سوف نتحدث عنها في موضعها من هذا المبحث, إن شاء الله تعالى.
وهذا يعني أنه كان على جانب عظيم من الثقافة والاطلاع.
قال صاحب أعيان الشيعة: "كان تلميذ المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين، ومن أخص أصحابه ومثله في التحقيق وكان علامة في العلوم العقلية والنقلية"1.
وقال كحّالة في معجم المؤلفين1: "عالم مشارك في النحو والتصريف والفقه والمنطق والطب والكلام والأصول".
وسوف تبرز مكانته العلمية بصورة أوضح من خلال ما سوف نعرضه من آراء للعلماء فيه، وذلك في موضعه من بحثنا هذا إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: من أين استمد ركن الدين ثقافته؟ قلنا: إنه اشتغل على النصير الطوسي وحصل منه علومًا كثيرة، لدرجة أنه صار معيدًا في درس أصحابه.
يضاف إلى هذا أنه قد شغف بمصنفات ابن الحاجب -رحمه الله- وعلى وجه خاص بالكافية وشرحها، وبالشافية، ومختصر ابن الحاجب في علم الأصول وهو المعروف باسم: "مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل".
ومؤلفات ابن الحاجب هذه قد طارت شهرتها وعمّت الآفاق في كل الأوقات وخاصة في عصر ركن الدين الذي هو عصر ابن الحاجب "ت 646هـ"، فتبناها ركن الدين، وتتلمذ عليها، وصار تلميذًا لابن الحاجب بواسطة مؤلفاته هذه.
ك- مذهب ركن الدين الفقهي:
وعده واحدًا من أكابر علماء الشافعية، وتابعه في هذا المقريزي "ت 845هـ"، ونص في كتابه السلوك على أنه كان مدرسًا للشافعية.
وتابعهما في ذلك إسماعيل البغدادي في كتابه هدية العارفين.
يضاف إلى ذلك أنه شرح واحدًا من أهم كتب الشافعية، وهو كتاب الحاوي الصغير في فقه الشافعية للقزويني "ت 665هـ"1.
وأيضًا نجده يستشهد بكلام الإمام الشافعي؛ حيث أورد له شاهدًا في الوافية2 بعد أن استشهد به في البسيط3، وهو قول الشافعي رحمه الله:
ولولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد4
- صلة ركن الدين بالمذهب المالكي:
اتصل ركن الدين بالمذهب المالكي عن طريق الإمام ابن الحاجب "ت 646هـ" حيث إن المعروف عن ابن الحاجب أنه اشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك -رضي الله عنه-5 وفيه صنف غالب مؤلفاته, ومن بينها كتابه منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل ومختصره؛ وهما كتابان في أصول الفقه المالكي.
وقد تناول ركن الدين هذا المختصر الأصولي بالشرح،
وسمي شرحه: حل العقد والعقل في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل.
ومن هنا جاء اتصال عالمنا ركن الدين بمذهب الإمام مالك رحمه الله.
- اتصاله بالشيعة:
إن أحدًا لم يذكر إن ركن الدين الأستراباذي كان متشيعًا؛ بل كان الرجل سلفيا من أهل السنة يتبع مذهب الإمام الشافعي كما ذكرنا. إذن فمن أين جاء اتصاله بالشيعة؟
أقول: إنه اتصل بالشيعة من الطرق التالية:
أ- تلمذته على نصير الدين الطوسي "ت 672هـ"، وكان النصير الطوسي شيعيا تحدد مذهبه السياسي بتميزه الشديد للاثنى عشرية، مما بوأه مقعد الزعامة للشيعة الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه في علوم شتى1.
ب- ألف كتابًا أسماه "نهج الشيعة" ألفه باسم السلطان إدريس بهادرخان2، وواضح أنه ألفه لكسب رضا هذا السلطان الشيعي. جـ- محاولة علماء الشيعة جاهدين أن يستخلصوه لأنفسهم، فيجعلوه من أعيان الشيعة، ويترجم له العاملي في كتابه أعيان الشيعة3.
ولعل الذي دفع العاملي ليترجم لركن الدين في أعيان الشيعة أنه
عرف من أخباره أنه كان تلميذ الخواجه الطوسي المفضل ومن أخص أصحابه، ومثله في التحقيق على حد تعبيره1.
يضاف إلى ذلك ما عرف عن أسرته؛ حيث كان جده الأدنى علي بن الحسن شرف الدين شاه، من علماء الشيعة، ذكر ذلك صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة2.
وكذلك ما عرف عن ركن الدين من أنه كان فارسي الأصل.
وبلاد فارس كانت مرتعًا للشيعة بوجه عام، وإن كانت مدينة "قُم" مركزًا للعصبية الشيعية منذ زمن بعيد3، وهي في بلاد فارس تضاهي الكوفة في العراق4.
خلاصة القول في عقيدته وهواه:
بعد ما ذكرناه حول عقيدته ومذهبه الفقهي والأدلة التي ذكرناها تأييدًا لما ذهبنا إليه يمكننا القول بأن ركن الدين كان مسلمًا متدينًا ورعا تقيا سلفيا يتبع مذهب أهل السنة على مذهب الإمام الشافعي،
وليس شيعيا بالرغم من صلته بالمتشيعين.
ويؤيد ذلك أننا نراه يستشهد بالحديث النبوي الشريف على القواعد النحوية وأيضًا بكلام الصحابة مثل: عمر بن الخطاب وابن الزبير -رضي الله عنهما- وأيضًا يستشهد بكلام لابن عباس -رضي الله عنه- كما سنوضح في الفصل الخاص بالشواهد النحوية، ولم نره يستشهد بكلام للإمام علي -رضي الله عنه- بعكس عالم آخر هو الرضي الأستراباذي الذي عاصره وظهرت نزعته الشيعية بصورة كبيرة من خلال ما استشهد به في مواطن كثيرة من كلام الإمام علي كرم الله وجه.
ل-
شيوخ ركن الدين وتلاميذه
:
أولًا: شيوخه:
لم تذكر لنا كتب التراجم التي ترجمت لركن الدين من شيوخه سوى العلامة نصير الدين الطوسي وسيف الدين الآمدي، وكذلك لم يشر ركن الدين في مؤلفاته التي وصلت إلينا إلى واحد من شيوخه الآخرين.
ولكنني أرجح أنه تتلمذ أيضًا على الإمام ابن الحاجب.
فإن قيل: ما السبيل إلى هذا الترجيح.
قلنا: إننا لو تأملنا ميلاد كل من الطوسي وابن الحاجب وركن الدين، وكذلك تاريخ
وفاته
م، لوجدنا أنهم تعاصروا؛ فالطوسي ولد سنة 597هـ، وتوفي سنة 672هـ، وابن الحاجب ولد سنة 571هـ، وتوفي سنة 646هـ، وركن الدين رجحنا أنه ولد حول سنة 600هـ تقريبًا؛ حيث ترجم له ياقوت المتوفى سنة 626هـ، وتوفي سنة 715هـ، وكان من المعمرين،
وقد شاخ على حد عبارة ابن العماد الحنبلي.
وقد تعرف الطوسي على كافية ابن الحاجب وشرحها، ومن هذا الشرح نسخة في الأسكوريال ثان رقمها "191"1. وأيضًا تعرف ركن الدين على الكافية وشرحها ثلاثة شروح، وشرح الشافية شرحًا واحدًا، وشرح مختصر المنتهى الأصولي له أيضًا.
أقول: فكيف عثر الطوسي وركن الدين على مؤلفات معاصرهم ابن الحاجب في زمن يصعب فيه نشر الكتب وتداولها وطباعتها إلا أن يكونوا قد تقابلوا وتدارسوا هذه الكتب؟.
وعلى كل فهذا مجرد ظن وترجيح وإن لم يكن ركن الدين قد تتلمذ مباشرة على ابن الحاجب فقد تتلمذ عليه بطريق غير مباشرة، أعني: تتلمذ على كتبه التي تبناها وجمعها وقرأها وأفاد منها ودرسها وشرحها، وهذا مما لا شك فيه.
ويؤكد اهتمامه بجمع كتب ابن الحاجب وبخاصة نسخ الكافية وشرح المصنف لها ما قاله في الوافية2 حيث قال ما نصه: "اعلم أني وجدت نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه كان "على الأفصح" بعد قوله: "والآخر الهمزة".
وكان فيها بدل قوله: "ومن ثم لم يجز": "ومن ثم ضعف"، وهو قريب من الأول، لكن شرح المصنف يوافق ما ذكرناه أولًا.
وعلى كل فسوف نعده واحدًا من شيوخه الذين تتلمذ على كتبهم إن لم تكن تلمذة مباشرة، وفي سطور موجزة نقدم ترجمة مختصرة
للطوسي ولابن الحاجب، ولنبدأ بالطوسي؛ حيث لا شك في أنه تتلمذ عليه مباشرة:
1- نصير الدين الطوسي:
هو أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن أشهر علماء القرن السابع الهجري، فيلسوف، فلكي، إذ كان رأسًا في العلوم العقلية وعلامة بالأرصاد والمجسطي والرياضيات.
وهو إخباري متعدد الجوانب، وهو سياسي شيعي.
ولد بطوس في الحادي عشر من جمادى الأولى 597هـ/ الثامن عشر من فبراير سنة 1201م. ودرس علوم اللغة من نحو وصرف وأدب بعد دراسته للقرآن الكريم، وتوفي ببغداد في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 672هـ/ السادس والعشرين من شهر يولية سنة 1274م.
وكانت منزلته عالية عند هولاكو، فكان هولاكو يطيعه فيما يشير به عليه، حتى بنى له مرصدًا عظيمًا في مراغة، واتخذ خزانة ملأها بالكتب التي نهبت من بغداد والشام وشبه الجزيرة العربية، اجتمع فيها من الكتب نحو أربعمائة ألف مجلد وقرر منجمين لرصد الكواكب وجعل أوقافًا تقوم بمعاشهم، وكان هولاكو يمده بالأموال.
وصحبه في غزو بغداد.
وقيل إن الطوسي هذا هو الذي أشار على هولاكو بقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله، بعد دخول بغداد، وساعده
في ذلك الوزير ابن العلقمي1.
وقد تحدد مذهبه السياسي بتحيزه الشديد للاثنى عشرية مما بوأه مقعد الزعامة للشيعة الإيرانية بفضل مواهبه وتفننه في علوم شتى2.
وللطوسي مصنفات كثيرة جدا في كل فروع المعرفة جاوزت المائة بين كتاب ورسالة ومقالة، في مختلف المواضيع، وباللغتين العربية والفارسية، حيث صنف في الحكمة والفلسفة والهيئة والنجوم والرياضيات والطبيعيات والعلوم الدينية وعلوم العربية وغيرها.
ومن مؤلفاته التي لا تحصى: شرح كافية ابن الحاجب3، وشكل القطاع، وتجريد العقائد، وتلخيص المحصل، ورسالة في الموسيقي شرحها، وغير ذلك4.
2- السيف الآمدي:
هو: علي بن علي بن محمد بن سالم التغلبي، الإمام أبو الحسن سيف الدين الآمدي المشهور صاحب التصانيف الكثيرة.
ولد بـ"آمد" سنة 511هـ وتوفي بها سنة 636هـ. وقد نص السيوطي5.
على أن ركن الدين قد أخذ عنه.
وللرجل مصنفات مفيدة منها: الباهر في علم الأوائل والأواخر، وأبكار الأفلاك في أصول الفقه، والحقائق في علوم الأواخر، وإحكام الأحكام في أصول الفقه، وغير ذلك1.
3- ابن الحاجب:
هو أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، جمال الدين الدوني2 الكردي الأصل، المشهور بابن الحاجب، وقد اشتهر بذلك؛ لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي.
ولد بإسنا بصعيد مصر سنة 570هـ، ونشأ بالقاهرة ثم هاجر إلى دمشق، ومات بالأسكندرية سنة 646هـ، وله مؤلفات كثيرة جدا وعظيمة في مختلف المجالات، تدل على غزارة علمه ودقه فهمه، من بينها المقدمة الكافية في النحو، والشافية في الصرف، وشرحمها والإيضاح في شرح المفصل للزمخشري، ومنتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصره المعروف بمختصر المنتهى الأصولي، وغير ذلك مما يضيق المقام عن حصره3.
ثانيًا: تلاميذه
لم تذكر لنا كتب التراجم من تلاميذ ركن الدين سوى تاج الدين الأردبيلي، وإن كنت أرى أنه تتلمذ على يديه كثير من أهل العلم والفضل، بدليل قول ابن حجر وهو بصدد ترجمته: "وتخرج به جماعة من الفضلاء"1.
تاج الدين الأردبيلي:
هو تاج الدين، أبو الحسن، علي بن عبد الله أبي الحسن2 ابن أبي بكر، الأردبيلي، التبريزي، الشافعي، عالم جامع لأنواع العلوم؛ النحو الفقه، التفسير، الحديث، الأصول، الحساب، الهندسة، الكلام، الطب.
- الطالع السعيد، للإدفوي "ت 648هـ"، ص 356، تحقيق سعد محمد حسن, الدار المصرية للتأليف/ سنة 1966م. - البداية والنهاية، لابن كثير "ت 774هـ"، 13/ 176. - الديباج المذهب، لابن فرحون "ت799هـ": 2/ 86. تحقيق الأحمدي أبو النور/ دار التراث بالقاهرة.
- مفتاح السعادة، طاش كبري زادة "ت 968هـ" 1/ 139. دار الكتب الحديثة بالقاهرة.
- شذرات الذهب، لابن العماد "ت 1089هـ": 5/ 234. - روضات الجنات, للخوانساري "ت 1311هـ": تحقيق أسد الله إسماعيل/ قم سنة 1392هـ. - تاريخ الأدب العربي، بروكلمان: 5/ 308-343. - ابن الحاجب النحوي: آثاره ومذاهبه، طارق عبدعون الجنابي دار التربية ببغداد.
ولد في أردبيل بآذربيجان سنة 677هـ1، وسكن تبريز، ورحل إلى بغداد فمكة حاجا، فمصر، وتوفي بالقاهرة في رمضان سنة 746هـ، أخذ النحو والفقه عن عالمنا ركن الدين الأستراباذي2، وقرأ عليه شرحه للكافية، وله شيوخ في مختلف العلوم والفنون.
وله مؤلفات كثيرة منها: حاشية على شرح الحاوي الصغير للقزويني في الفقة الشافعي.
ومبسوط الأحكام، ومختصر علوم الحديث لابن الصلاح والتذكرة في الحساب.
وغير ذلك كثير3.
م-
وفاته
: اختلف المؤرخون حول السنة التي توفي فيها عالمنا ركن الدين وكذلك حول الشهر الذي توفي فيه، والأكثرون على أنه توفي سنة 715هـ، وهذا ما ذكره السبكي "ت 771هـ" في طبقات الشافعية الكبرى1 والمقريزي "ت 845هـ" في السلوك2 وابن حجر "ت 852هـ" في الدرر الكامنة3، وتابعهم في
التصريح بهذا التاريخ إسماعيل البغدادي "ت 1339هـ" في هدية العارفين4.
وهناك من عين الشهر الذي توفي فيه في هذه السنة "715هـ"؛ حيث ذكر ابن تغري بردي أنه توفي في صفر سنة 715هـ5، وهو عين ما أثبته العيني في عقد الجمان.
وذكر ابن رافع في ذيل تاريخ بغداد أنه توفي في الرابع عشر من صفر سنة 715هـ.
وقد اضطرب المتأخرون في تحديد السنة التي توفي فيها؛ حيث ترجم له ابن العماد مرة تحت وفيات "715هـ" وأخرى تحت وفيات "718هـ". وذكر حاجي خليفة أنه توفي سنة "715هـ"6. وهذا ما نص عليه عمر كحّالة في معجم المؤلفين7.
ونحن نرجح أنه توفي سنة 715هـ. وهو الرأي الذي عليه الأكثرون من المتقدمين الذين هم أقرب زمنًا إليه، وكانت وفاته في مدينة الموصل في الرابع عشر من شهر صفر عند مشهد الكف وكانت جنازته مشهودة، رحمه الله رحمة واسعة8.
ن-
آراء العلماء فيه
:
عرف القدماء مكانة ركن الدين، وكذلك المحدثون، فكان له من الثناء والتقدير والإعجاب من هؤلاء وأولئك، ما رأيناه يتفق في جملته مع شخصيته وعبقريته، وسنورد بعض ما قيل فيه، وفاء بحقه ومشاركة في التقدير والإعجاب من جهة، واستيفاء للبحث من جهة أخرى، مع الوقوف عند بعض النصوص ومناقشتها كلما دعا الأمر إلى ذلك ثم التعقيب عليها في النهاية لإبداء رأينا الخاص في مثل هذه الآراء مدحًا أو قدحًا.
والآن أكتفي بهذه العجالة، وأدلف إلى ما نحن بصدده من البيان:
فهذا ياقوت الحموي "ت 626هـ"، ذلك الذي عاصره، يصفه بقوله: "النحوي، اللغوي، الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان"1.
ويقول السبكي "ت 771هـ": "وكان جليل القدر، معظما عند ملوك الزمان، حسن السمت والطالع"2.
وقال المقريزي "ت 845هـ" في السلوك3: "عالم بالموصل
ومدرس الشافعية ... وتقدم عند التتار، وتوفرت حرمته، وبرع في علوم المعقولات وكان يجيد الفقه وغيره".
وقال ابن حجر "ت 852هـ": "كان من كبار تلامذة النصير الطوسي وكان مبجلًا عند التتار، وتخرج به جماعة من الفضلاء"1.
وقال ابن تَغْري بَرْدي "ت 874هـ": "الشيخ الإمام العلامة السيد ركن الدين: كان إمامًا مصنفًا عالمًا بالمعقول"2.
ويقول إسماعيل بن علي الذي شرح أبيات شواهد الوافية، وسماه "كشف الوافية في شرح الكافية": "وكان كتاب الوافية، للسيد العلامة، قدوة العلماء والمتبحرين، زبدة المتقدمين والمتأخرين ركن الملة والدين -أسكنه الله تعالى بحابيح جناته- دستورًا في هذا الفن؛ إذ به يعرف أكثر مسائله، ومشهورًا؛ إذ كل واحد يستضيء بنور معالمه مع ما للطلبة من الحرص عليه وقراءته والشغف بدراسته"3.
وبصفه ابن العماد الحنبلي "ت 1089هـ" بأنه كان "علامة متكلمًا، نحويا"4.
ويقول العاملي: "كان تلميذ المحقق الخواجة نصير الدين، ومن أخص أصحابه، ومثله في التحقيق.
وكان علامة في العلوم العقلية والنقلية"5.
وجدير بركن الدين أن يكون موضع تقدير الجميع؛ فهو من عرفت علمًا وخلقًا وتدينًا، وتواضعًا، ولعل ياقوت الحموي "ت 626هـ" قد اكتشف مواهبه المبكرة واتصل به عن قرب وعرف عنه من العلم والفضل أكثر مما عرفناه بكثير، فأطلق عليه عبارته المشهورة التي حفظها التاريخ الطويل وسوف يحفظها للأجيال اللاحقة إن شاء الله، وهي عبارته التي يصف فيها ركن الدين بقوله: "النحوي، اللغوي، الأديب، حسنة طبرستان، وأوحد ذلك الزمان".
وقد أعجب العلماء بنحو ركن الدين، لدرجة أننا نرى بعضهم من شدة إعجابه بما كتبه ركن الدين تشحذ قريحته، فينشد شعرًا يصرح فيه بأنه من أراد نحوًا مهذبًا فعليه بكتاب المتوسط، لركن الدين، ويصرح ثانية بأن من يريد نحو الأعالي فعليه بمقال ركن الدين في المتوسط, استمع إليه وهو يقول عن كتاب المتوسط:
يا من يهذب منطقا بالنحو خذ ... بالحاجبية وامش في المتوسط
إن النتيجة لا يفوز بصدقها ... من لم يفز يوما بخير أوسط
لا تطلب الأعلى فإن مناله ... صعب ولا ترض المذل فتسقط
فالخير في وسط الأمور وإنني ... شاهدت كل النفع في المتوسط
يا قاصدا نحو الأعالى جاهدًا ... في النحو خذ منه بوجه أحوط
بالحاجبية خذ وثق في حلها ... بمقال ركن الدين في المتوسط
هذا إلى أنني لست أزعم أن صاحبي ركن الدين مبرأ من كل عيب، فما هو بمعصوم ولقد أخذت عليه أنه كان -مع دقته الشديدة-
غير دقيق في مسألتين اثنتين: إحداهما1: تتعلق بنسبة رأي إلى صاحبه، حيث ذكر أن عيسى بن عمر، وأبا العباس المبرد، كانا يريان أن المؤنث إذا سمي باسم مذكر، على ثلاثة أحرف ساكن الوسط، مثل زيد ونحوه، يمنع الصرف فقط.
ولكني رأيت أنهما يجوزان الأمرين في هذه المسألة، مع ترجيح الصرف.
والثانية2 تتعلق بنسبة قراءة إلى صاحبها، وهي قراءة قوله تعالى: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِِ، رِجَالٌ"3.
ببناء "يُسَبَّحُ" للمفعول، فقد نسب هذه القراءة لعاصم وابن عامر. والحق أنها قراءة ابن عامر وأبي بكر، أما قراءة حفص التي رواها عن عاصم فهي ﴿يُسَبِّحُ﴾ بالبناء للفاعل.
وسوف نتحدث عن هذين المأخذين في موضعهما من البحث إن شاء الله تعالى4.
وعلى كل فمأخذ في كتاب البسيط على ضخامته، ومأخذ آخر في كتاب الوافية لا يقللان بحال من الأحوال من شأن عالمنا الكبير.
فلست إذن بالغاوي ولا المتعصب، ولكنها بموضوعية شديدة الصورة التي انطبعت في نفسي وذهني، بعد دراسة الرجل دراسة فاحصة واعية
فيما أحسب.
وفي نهاية المطاف أعود فأقول: رحم الله أبا علي، لقد كان شخصية قوية في جبين التاريخ أحبها الجميع فأثنوا عليه ثناء حارا مستفيضًا، وأعترف أني مستريح الآن، بعد أن كشفت النقاب عن شخصية كهذه عرفها القدماء فاعترفوا بفضلها، ولم يكن المحدثون يعرفونها فبعضهم ظنه الرضي، وبعضهم لم يظنه شيئًا.
- المبحث الثاني: آثاره "الموجود منها والمفقود"
حفظ التاريخ لركن الدين أسماء بعض آثاره، فذكر له ياقوت في معجم الأدباء اثنين من المؤلفات1 وارتفع بها السبكي إلى سبعة2، وذكر المقريزي من تلك السبعة ستة فقط3، وذكر ابن حجر سبعة من هذه المؤلفات4، وأما ابن تغري بردي فقد ذكر ثمانية مؤلفات، وأردف ذلك بعبارة: "وعدة تصانيف أخر ذكرناها في غير هذا الكتاب"5.
وأما صاحب أعيان الشيعة فقد بلغ بها ستة عشر مصنفًا6.
ومما لاحظته أن العديد من كتب التراجم كانت تردف ما تقوله بشأن هذه المؤلفات بالعبارة التقليدية التي درج عليها المترجمون حينما يقولون "وغير ذلك" فليتهم ذكروا كل ما وقفوا عليه وأراحوا من جاء بعدهم من عناء كثير.
وقد رأيت أن أتتبع آثاره في كل ما وقع تحت يدي من كتب التراجم وغيرها فوجدتها بلغت العشرين، بالرغم من أن معظم المراجع التاريخية -عدا ما ذكرناه- لا يكاد يشير إلا إلى النزر
اليسير من آثار ركن الدين، وأحيانًا يطوي الحديث فلا يصرح بكثير أو قليل.
على أن جل هذه الآثار قد عدت عليها العوادي فطواها الزمن فيما طوى من ذخائر، ولم يصل إلينا إلا كتب أربعة قمنا بدراستها وتحليلها في كتابنا الموسوم بـ"ركن الدين الأستراباذي وجهوده النحوية والتصريفية" لكي نكشف النقاب عن جهود الرجل في الميدانين، النحوي والصرفي.
وقد حاولت جاهدًا أن أتعرف تاريخ تأليف كل كتاب على حدة ليكون تاريخ الإنتاج أساس هذا الترتيب، ولكن عبثًا حاولت، وحين عز علي ذلك عمدت إلى ترتيبها حسب أحرف الهجاء.
هذا وسأحاول جاهدًا أن أوثق نسبة كل كتاب إلى ركن الدين، وذلك بذكر المراجع التي أشارت إليه، وبالنصوص التي نقلت منه، كلما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وإليك هذه الآثار:
1- الاختيارات النحوية:
صنفه ركن الدين وأهداه للسلطان الملك المظفر صاحب ماردين.
ذكره العيني في "عقد الجمان"1.
والكتاب مفقود بحثت عنه كثيرًا وفتشت عنه في جميع المكتبات العامة، لكن دون جدوى.
2- البسيط:
ويسمى "الشرح الكبير": وهو شرح مطول على الكافية.
لابن الحاجب.
وهو واحد من شروح ثلاثة له على الكافية.
3- حل العُقَد والعَقل في ضرح مختصر منتهى الوصول والأمل:
وهو شرح على كتاب: مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام ابن الحاجب.
وهو كتاب في أصول الفقه المالكي.
وقد ذكره المقريزي في "السلوك"، وابن حجر في "الدرر الكامنة"1، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"2 والبغدادي في "هدية العارفين"3.
وجاء في كشف الظنون "ص1853" ما نصه: "ومن شرحه -يعني: مختصر المنتهى لابن الحاجب- السيد ركن الدين الأستراباذي.
أوله: أما بعد حمد الله خالق الصور والأشباح ... إلخ سماه: حل العقد والعقل في شرح مختصر الوصول والأمل، ذكر في أوله اسم السلطان الملك المظفر قرأ أرسلان بن السيد نجم الدين الغازي الأرتقي الذي تولى الملك على ماردين سنة 653هـ وكانت وفاته سنة 691هـ والكتاب من الذخائر المفقودة.
4- حواش على التجريد، للطوسي:
وهي حواش على كتاب: تجريد العقائد، لنصير الدين الطوسي ويعرف أيضًا بتجريد الكلام. ذكره العاملي في أعيان الشيعة1.
وهذه الحواشي جمعها في كتاب، وهو مفقود:
5- حواش على كليات القانون:
ذكره العاملي في أعيان الشيعة2، وهو مفقود.
6- الزينية:
وهي مقدمة في النحو ذكرها العيني في عقد الجمان3.
وتابعه العاملي في أعيان الشيعة4 وهذه المقدمة من الذخائر العلمية المفقودة.
7- شرح الحاوي الصغير:
وهو شرح على كتاب "الحاوي الصغير"5، للإمام عبد الغفار بن الكريم بن عبد الغفار نجم الدين، المعروف بالخطيب القزويني المتوفى سنة 665هـ. وهو كتاب في الفقه على المذهب الشافعي.
وذكر ابن حجر العسقلاني أن ركن الدين شرح الحاوي شرحين1 وذكر إسماعيل البغدادي في هدية العارفين: أن هذا الشرح في أربعة مجلدات2.
وذكر هذا الشرح أيضًا السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"3 والمقريزي في "السلوك لمعرفة دولة الملوك"4 وهو بعد مفقود.
8- شرح ديوان الحماسة:
وهو شرح على ديوان الحماسة الذي جمعه أبو تمام، حبيب أوس الطائي "ت 231هـ"5.
وهذا الشرح مفقود، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء"6 والسيوطي في "بغية الوعاة"7، وإسماعيل البغدادي في "هدية العارفين"8، وكحّالة في "معجم المؤلفين"9.
وهذا الشرح صنفه ركن الدين في مرحلة مبكرة من حياته، أي: قبل سنة 626هـ، التي توفي فيها ياقوت الحموي. وهذا يؤكد ما رجحناه بشأن ميلاده، وأنه كان من المعمرين1.
9- شرح شافية ابن الحاجب:
وهو شرح على مقدمة ابن الحاجب في التصريف، والمعروفة بالشافية، وسوف نفرد لهذا المصنف حديثًا خاصا في موضعه من هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
10- شرح شمسية المنطق:
وهو شرح على كتاب "الشمسية" في المنطق لأستاذه وشيخه نصير الدين الطوسي. ومن الشمسية نسخة خطية بمدرسة يحيى باشا بالموصل برقم "19".
وشرح ركن الدين ذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى وقال: "وقد وقفت عليه"2.
وهو بعد مفقود.
11- الشرح الصغير على كافية ابن الحاجب:
وهو شرح ثان له على الكافية، لمصنفها العلامة ابن الحاجب وهو شرح مختصر، اختصر به مصنفه شرحه الكبير.
12- شرح فصيح ثعلب:
وهذا الكتاب شرح فيه مصنفه ركن الدين كتاب "الفصيح" في
اللغة لإمام العربية أبي العباس، أحمد بن يحيى ثعلب "ت 291هـ"1.
وذكره ياقوت في "معجم الأدباء"2، والسيوطي في "بغية الوعاة"3، وحاجي خليفة في "كشف الظنون"4، والبغدادي في "هدية العارفين"5.
وكحالة في "معجم المؤلفين"6.
وهو من الكتب المفقودة.
13- شرح قواعد العقائد، للغزالي:
وهو شرح لكتاب "قواعد العقائد"1 تأليف حجة الإسلام، أبي حامد بن أحمد الغزالي "450هـ-505هـ". وذكره صاحب "النجوم الزاهرة"2، وحاجي خليفة في "كشف الظنون"3 والبغدادي في "هدية العارفين"4.
وهو مفقود أيضًا.
14- شرح قواعد العقائد النصيرية:
وهو شرح لكتاب "قواعد العقائد النصيرية" في علم الكلام، تأليف شيخه الخواجة نصير الدين الطوسي، كتب ركن الدين شرحه لولد أستاذه الطوسي في حياة الأستاذ، ذكر ذلك العاملي في أعيان الشيعة5.
وهو مفقود.
15- شرح المطالع في المنطق في مجلدين:
ذكر ذلك السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى"6، وكذلك ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة"7.
وهو بعد مفقود.
16- شرح المعالم في أصول الدين:
اختصر ركن الدين المعالم في أصول الدين، وشرحه.
قال
السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: "وقد وقفت عليه"1 ولكنه لم يصل إلينا.
17 مرآة الشفاء في الطب:
ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون"2، والبغدادي في "هدية العارفين"3.
وهو من الآثار المفقودة.
18- نهج الشيعة:
ألفه باسم السلطان إدريس بهادر خان. ذكر ذلك العاملي في "أعيان الشيعة"4.
وهو مفقود لم يصل إلينا.
19- الوافية في شرح الكافية "المتوسط":
وهو شرح ثالث على كافية ابن الحاجب، ويعرف بين الدارسين بالمتوسط.
20- له كتاب جمع فيه أسئلة كان قد سألها شيخه الطوسي:
وأجاب عنها. ذكر ذلك العاملي في "أعيان الشيعة"5.
والكتاب من الآثار المفقودة.
ما وصل إلينا من مصنفاته
: وصل إلينا من مؤلفات عالمنا -رحمه الله- المصنفات التالية: 1-