مقدمة المؤلف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، ركن الدين
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب
- المؤلف
- حسن بن محمد بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي، ركن الدين (المتوفى: 715هـ)
- المحقق
- د. عبد المقصود محمد عبد المقصود (رسالة الدكتوراة)
- الناشر
- مكتبة الثقافة الدينية
- الطبعة
- الأولي 1425 هـ- 2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإن فعلتَ فعلتُ1؛ فأبدلت الهاء من الهمزة] 2 وهو في: هِنْ فعلت لغة طائية3.
وأما إبدالها من الهمزة في قولهم: "هذا الذي"4 في "أذا الذي" فشاذ.
وأما إبدال الهاء من الألف في هَنَا، من: أنا5، وفي حيهلَهْ، من: حيهلا، وفي مَهْ من: ما للاستفهام، فشاذ6, والهاء في قول امرئ القيس7:
"39"
وقد رابني قولها: يا هَنَاهُ ... ويحك ألحقت شرا بشر8
مبدلة عن الألف المنقلبة عن الواو في هنوات، على رأي9، وأصله: هَنَاوٌ، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لأن
الفاصل غير حصين، فالتقى ألفان1، فقلبت [الألف] 2 الثانية هاء، على وجه الشذوذ.
ولو سلك بها القياس لقلب همزة.
فإن قيل: من أين جاء الألف التي قبل الهاء؟
قلنا: هي الألف التي في هنات، جمع هن، فأبدلت الواو المقدرة بعدها ألفا، ثم أبدلت الألف3 هاء، وهي المتولدة من إشباع الفتحة.
وإنما قال: "على رأي" لأن في هاء: يا هناه أقوالا للبصريين غير ما ذكره4، وقولا واحدا للكوفيين والأخفش.
أما أقوال البصريين، فأحدها: أنها5 بدل عن6 الواو7.
وثانيها: أنها8 بدل عن ألف9 مبدلة عن واو10.
وثالثها: أن الهاء أصلية وليست بدلا, وضعف لقلة باب سلس11.
ورابعها: أن الألف بدل من الواو [التي في هنوات، والهاء للسكت1.
وأما قول الكوفيين والأخفش2 فهو: أن الهاء والألف3 زائدتان4] والهاء للسكت والوقف5, واللام محذوفة، كما حذفت في هن وهنه.
ويبطل هذا القول والقول الرابع للبصريين جواز تحريكها في السعة، وهاء السكت والوقف لا يجوز تحريكهما في السعة6.
وأجابوا عنه بأنها إنما حركت لما وصلت؛ تشبيهًا لهاء السكت بهاء الضمير1.
وقال أبو البقاء2: "إنه هن أضيف إلى ياء المتكلم، فصار: ياهَنِي، ثم أبدلت من الكسرة فتحة، ومن الياء ألف، كما فعلوا في غلام، وألحق في آخره الهاء للوقف، فصار: يا هناه، كما قيل3: يا غلاماه" وهو حسن.
وقال بعض الفضلاء: معنى قولنا: يا هناه: يا رجل سوء4.
وأما إبدال الهاء من الياء، ففي: هَذِه, أصله: هَذِي5.
وإنما جعلت الياء أصلا دون الهاء؛ لأنه ثبت أن الياء للتأنيث في باب تضربين، واضربي؛ ولهذا عد كثير من النحاة الياء من علامة التأنيث6.
وأما إبدال الهاء من التاء1 ففي الوقف على الأسماء المؤنثة بالتاء، نحو "رحمة"؛ فإنها تقلب هاء2 في الوقف مطلقا، كما مر في الوقف3.
إبدال اللام
:
قوله1: "واللام من النون والضاد ... "2 إلى آخره3.
أي: وإبدال4 اللام من النون لقرب المخرج بينهما، نحو: أُصَيْلَال والأصل: أُصَيْلَان5, قليل.
وأُصَيْلَان: تصغير أُصْلان [وأُصْلان: جمع الأصيل] 6 فإن الأصيل يجمع7 على أُصْلان؛ مثل: بعير وبُعْران، فأبدلت اللام من النون8.
والأصيل: وقت مقارنة الغروب1.
وإبدال اللام من الضاد2، نحو: الْطَجع, في3: اضْطَجع4 رديء5.
إبدال الطاء
:
قوله: "والطاء من التاء لازم ... "1 إلى آخره.
أي: وإبدال الطاء من التاء2 فيما وقعت فيه تاء الافتعال بعد الضاد3، لازم، نحو "اصطبر". أصله: اصتبر. وفي "فعلتُ" إذا كانت التاء بعد الصاد أو الضاد أو الطاء، نحو: حُصْطُ، وحُضْطُ، وخَبَطّ في: حصتُ، وحضتُ، وخبطتُ، شاذ, وهو لغة بني تميم4.
[حصت، من: حاص يحيص حَيْصًا، إذا عدل وحاد5.
وحضت من: حاض الماء] 6 يحوض حَوْضًا7.
وخبطت من: خبط البعير الأرض بيده، خَبْطًا، إذا ضربها8.
إبدال الدال
:
قوله: "والدال من التاء ... "1 إلى آخره2.
أي: وإبدال الدال من التاء لازم في كل موضع وقعت فيه تاء الافتعال بعد الزاي3 أو الذال، نحو: ازدجر، وادّكر. في: ازتجر واذتكر من الزجر، والذكر. وسيأتي في باب الإدغام4.
وشاذ في نحو قولهم: "فُزْد"5 في: فُزْتُ، وفي "اجدمعوا" في: اجتمعوا، و"اجْدَزَّ" في: اجْتَزَّ، و"دَوْلِج" -لكناس الوحش الذي يلج فيه6- في: تَوْلِج.
والتاء في تولج بدل من الواو؛ لأنه من الولوج7.
إبدال الجيم
:
قوله: "وَالْجِيمُ مِنَ الْيَاءِ الْمُشدَّدَةِ...."1 إلى آخره2.
أي3: والجيم تبدل من الياء المشددة في الموقف، وهي لغة قوم من بني سعد من تميم4.
وإنما جاز إبدال الجيم من الياء لاشتراكهما في المخرج؛ لكونهما من وسط, واشتراكهما في الجهر.
وإنما اختص هذا الإبدال بالوقف5؛ لأن الوقف يزيدها خفاء وهو شاذ، نحو6: فُقَيْمِجّ، أي: فُقَيْمِيّ7.
فالجيم أبدلت من الياء المشددة للنسبة في حال الوقف.
وقد أجرى الوصل مجرى الوقف من قال:
"40"
خالي عويف وأبو عَلِجّ ... المطعمان اللحم1 بالعَشِجّ2
أي: وأبو عليّ، وبالعشيّ.
وهذا الإبدال أشذ؛ لعدم الوقف.
وتبدل أيضا من الياء غير المشددة3، كقولهم4:
"41"
لاهُمّ إن كنت قبلت حجتِجْ ... فلا يزال شاحج يأتيك بِجْ
أي: حجتي، وبي.
وهذا الإبدال أشذ من إبدالها من الياء المشددة لعدم التشديد.
وإبدالها من الياء في قوله:
"42"
حَتَّى إذَا مَا أمسجَتْ وأمسجَا1
"157"
أي: أمْسَيَتْ، وأمسيا أشذ؛ لأن حق هذه الياء أن تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
اعلم أن صاحب المفصل [لم يتعرض لشذوذ هذا الإبدال2, وذكر الموفق3 الأندلسي4 في شرح المفصل5] 6 أن هذا الإبدال حسن بشروط ثلاثة: تشديد الياء، والوقف، والشعر.
فإن اختل أحدها7 فهو قليل8.
إبدال الصاد
:
قوله1: "والصاد تبدل من السين2...." إلى آخره3.
أي: وتبدل الصاد من السين الذي4 بعدها غين أو خَاءٌ أَوْ قَافٌ أَوْ طَاءٌ، جَوَازاً، نَحْوُ: أَصْبَغ، وصَلَخ، ومسّ صَقر, وصِرَاط, في: أسبغ, وسلخ، ومس سقر، وسراط5.
وإنما أبدلوا الصاد من السين بعد هذه الحروف6؛ لموافقة الصاد هذه الحروف في الاستعلاء، ومنافرة السين حروف الاستعلاء، مع موافقة السين الصاد في المخرج والصفير والهمس7.
اعلم أن
إبدال الزاي
من السين قبل القاف في نحو: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ 8 لغة بني كلب9.1234567
إبدال الزاي
:
قوله: "والزاي من السين ... "1 إلى آخره2.
أي: والزاي تبدل من السين3 والصاد الساكنتين4 الواقعتين قبل5 الدال؛ لأن الزاي حرف مجهور6 كالدال ويوافق الصاد والسين في المخرج والصفير نحو: يَزْدُل، وكقول حاتم7:"هكذا فَزْدِي أَنَهْ"8، أي: يَسْدُل، وهكذا فَصْدي أنا9.
وهذا الإبدال قليل.
قوله: "وقد ضُورع بالصاد والزاي دونها ... "1 إلى آخره2.
أي: و [قد] 3 ضُورع بالصاد الساكنة الزاي، ولم يضارع بالزاي الصاد؛ يعني يقولون: "يصدق" بإشمام الصاد الزاي؛ لإمكان ذلك فيها، ولا يقولون: يَزْدُل, بإشمام الزاي4 الصاد؛ لعدم إمكان ذلك فيها.
وضُورع بالصاد المتحركة أيضا الزاي5، فيقولون في صَدَرَ، وصَدَفَ: صدر وصدف، بإشمام الصاد الزاي، ولم يقولوا بإشمام الزاي الصاد.
ولم يقولوا: زَدَرَ، بإبدال الزاي عن الصاد؛ لقوة الصاد بالحركة.
والمضارعة أكثر من الإبدال, والبيان أكثر من المضارعة والإبدال.
وأما1 أجدر2، بمضارعة الجيم الشين, وأشدق، بمضارعة الشين الجيم, فقليل3 يتعسر ذلك في النطق؛ ولهذا لم يأت في القرآن والكلام الفصيح4.
الإدغام
:
قوله: "الإدغام: أن تأتي بحرفين...."1 إلى آخره2.
اعلم أن الإدغام في اللغة: الإخفاء والإدخال.
قال ابن دريد3: "أدغمت اللجام الفرس، إذا4 أدخلته في فيه5"6.
وفي الاصطلاح: أنْ تَأْتِي بِحَرْفَيْن، سَاكِنٍ فَمُتَحَرِّك، مِنْ مُخْرَجٍ واحد، من غير فصل7.
وقوله: "ساكن فمتحرك" بمنزلة جنسه، وباقي قيوده كالفصل.
وإنما قال: "فمتحرك" -بالفاء- ولم يقل بالواو؛ ليعلم الترتيب, ولم يقل8 بثم؛ ليعلم انتفاء المهلة والتراخي.
وقوله: "من مخرج واحد" احتراز به عن مثل فَلْس؛ فإن اللام ساكنة1 والسين متحركة، لكنهما ليسا2 من مخرج واحد.
وقوله: "من غير فصل" احتراز به عن مثل "رِيْيًا"3 [فإن4 الياءين ههنا ساكنا فمتحركا، من مخرج واحد] 5، لكن فصل بينهما بنقل اللسان؛ فإن الفصل قد يكون بحرف وقد يكون بنقل اللسان من محل إلى محل آخر، ومن محل ثم إلى ذلك المحل، بخلاف النطق بهما دفعة؛ ولهذا يوجد الفرق "158" بين قولنا: قَدَّ، وقَوَّلَ بالإدغام، وبين قولنا: قَدْدَ وقَوْوَلَ بفك الإدغام، فإنه يتلفظ بالدالين والواوين في الأول برفع اللسان دفعة، وفي الثاني برفعه مرتين.
لا يقال: لا حاجة إليه لأنه يعلم ذلك من الفاء في قوله: "فمتحرك" لأنا نقول: لا نسلم ذلك؛ لأن الفاء تدل على التعقيب عادة، نحو: مررت بمراغة6 فتِبْرِيز7.
ولا يلزم منه ألا يكون التلفظ بحرفين يفصل بينهما بنَفَس8 أو غيره.
لا يقال: يشكل بمثل قولنا: قُلْ لزيد، وقُلْ لنا بالإظهار؛ فإن التعريف المذكور ينطبق عليه مع أنه ليس بإدغام.
لأنا نقول: لا نسلّم انطباق التعريف عليه؛ لوجود الفصل فيه بين الحرفين.
[لا يقال: الإدغام واجب في هذه الصور، فلا يجوز الإظهار، فلا يتوجه النقض1؛ لأنا نقول: لا نحتاج توجه هذا النقض على جواز هذا الإظهار؛ فإن الحد المذكور يتوجه عليه2 هذا الإظهار، مع أنه ليس بإدغام، سواء يجوز هذا الإظهار أو لا يجوز] 3.
قوله: "ويكون في المثلين4 ... "5 إلى آخره6.
أي: الإدغام7 قد يكون في المثلين، وقد يكون في المتقاربين لكن بعد أن يصيرا مثلين ليمكن الإدغام, وقد يجيء تعريف المتقاربين.
ثم اعلم أن الإدغام يجب، ويمتنع، ويجوز جوازا مستحسنا وجوازا مستقبحا.
ويكون في كلمة و [في] 8 كلمتين، ويكون بين
متماثلين ومتقاربين1.
[لكنه في كلمة أولى منه في كلمتين، وفي مثلين أكثر منه في المتقاربين] 2، وفي حروف الضم أولى منه في حروف الطرفين, وفيما سكونه لازم أولى منه فيما سكونه غير لازم.
إدغام المثلين
:
قوله: "فالمثلان واجب ... "1إلى آخره2.
اعلم أن الإدغام في المثلين واجب3 عند سكون الأول وتحرك4 الثاني، نحو: "لم يبرح حَّاتم"، و"لم يذهب بَّكر"، إلا إذا كان الساكن الأول والمتحرك الثاني همزتين، نحو: املأ إجابة؛ فإنه لا يدغم؛ للاستثقال، إلا إذا كانتا في كلمة وبعد الهمزة الثانية ألف،
نحو: سأَّال، والدَّأَّاث -اسم داء5- من: دأث الطعام دَأْثًا: أكله, والشيء: دنسه6.
وإلا إذا كان المثلان المذكوران ألفين؛ فإنه لا يدغم لتعذر الإدغام.
وإلا في مجهول فاعَل معتل العين، نحو: قُووِلَ؛ لئلا يحصل الالتباس؛ لأنه لو أدغم لقيل: قُوِّل، فلم يعلم7 أنه مجهول فاعل8 أو مجهول فَعَّل.
وكذا9 في بُويِعَ.
وإلا في10 نحو "تُووِي"، من الإيواء، من: آويته: أنزلته وضممته11.
وفي "رِييا"12، للمنظر الحسن، على المختار، إذا خففت همزته؛ لأن الواو الأولى في "تووي"، والياء الأولى في "رييا" بدل عن13 الهمزة، فتكون الواو والياء عارضتين14،
فلم يلزم الإدغام؛ لأنه ليس مما اجتمع فيه المثلان، لمراعاة الهمزة الأصلية.
ويظهر منه أن المراد بنحو "تووي" أن تكون الواو الأولى1 بدلا من الهمزة.
ومنهم2 من قرأ: "ورِيَّا" بالإدغام3.
وفيه قولان:
أحدهما4: أن أصله: "رئيا"، فخففت5 همزته6, واعتد فيه بالعارض فأُدغم7.
والثاني: أنه -فعّل- من: رَوِي؛ لأن للريان نضارة8 وحسنا9.
وإلا في نحو: ﴿قَالُوا وَمَا﴾ 10, وفي نحو: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ 11 فإنه لا تدغم واو ﴿قَالُوا﴾ في واو ﴿وَمَا﴾ ، ولا ياء ﴿فِي﴾ ؛ في
ياء ﴿يَوْمٍ﴾ ؛ لأنه لا يجوز حذف المد الذي بين الحرفين؛ لأن هذا المد من صفة الواو والياء "159" في هذا المحل، ومع بقائه يمتنع الإدغام لوجود الفصل بين الحرفين المدغم أحدهما في الآخر.
ولقائل أن يقول: كان من الواجب على المصنف أن يقول: وفي نحو: ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ﴾ 1؛ فإن هاء السكت لا تدغم2 لأنه إما3 موقوف عليه، أو منويّ به الوقف عليه.
ثم يقول: وعند تحركهما في كلمة.
قوله: "عند تَحَرُّكِهِمَا فِي كَلِمَةٍ, وَلاَ إِلْحَاقَ4 وَلاَ لَبْس".
هذا معطوف على: "عند سكون الأول".
أي: الإدغام واجب عند سكون الأول، وعند تحرك المثلين في كلمة واحدة، والحال أن الحرف الثاني لا يكون للإلحاق، وأنه5 لا يحصل اللبس بالإدغام إلا في نحو: حيي؛ فإن الإدغام فيه جائز لا واجب؛ لأن وجوبه مستلزم6 وجوب الإدغام في مضارعه وهو يُحيي، مع ضم الياء في المضارع، وهو مرفوض في كلامهم غير جائز.
ولقائل أن يقول: لو جاز الإدغام في حيي لجاز في مضارعه مع ضم الياء فيه, وهو مرفوض.
وإلا في نحو: اقْتَتَلَ، وتَتَنَزَّل، وتَتَبَاعَد؛ فإن الإدغام فيه لا يجب.
وإنما لم يجب الإدغام فيهما؛ لأن الإدغام يؤدي إلى قوة ليس صيغة بصيغة؛ لأنه لو أدغم اقتتل لنقل حركة التاء الأولى إلى القاف، فأدغمت في الثانية، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها حينئذ، وقيل: قتَّل، فهو في قوة الالتباس بقتَّل الذي هو ماضي التقتيل, ولو أدغم: تتنزل، وتتباعد لقيل: اتَّنَزل، واتَّبَاعد؛ لوجوب إسكان التاء الأولى، والإتيان بهمزة الوصل.
واتنزل في قوة الالتباس في الكتابة بمضارع: نَزَّل، وتَنَزَّل ماضي: يَتَنَزَّل؛ لاحتمال أن تكون الهمزة فيه همزة الاستفهام.
واتَّباعد في قوة الالتباس في الكتابة بماضيه وهو تباعد؛ لاحتمال أن تكون الهمزة فيه همزة الاستفهام, بل يجوز فيه الإدغام لما في "حَيَّ".
ولقائل أن يقول: جواز الإدغام مستلزم لجواز الإدغام المقتضي للالتباس, فينبغي ألا يجوز.
ويمكن أن يجاب عنه بأن جواز الإدغام لا يقتضي إلا جواز الالتباس، ووجوب الإدغام يقتضي وجوب الالتباس, وهو أقبح.
واعلم أنه لو قال: إلا في نحو: حي، واقتتل، وتتنزل، وتتباعد فإنه جائز، لكان أولى؛ لأن الكل يشترك في جواز الإدغام, أو
عدم وجوب الإدغام.
وإنما قال: "ولا إلحاق ولا لبس" لأنه لو كان إلحاق نحو: قَرْدَد1، واقْعَنسَسَ2، لم يدغم؛ لما مر من أن الإدغام يقضي إلى عدم المقصود.
ولقائل أن يقول: لا حاجة حينئذ إلى قوله: "وإلا في نحو اقتتل" وما بعده؛ لأن عدم وجوب الإدغام فيه للالتباس.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الالتباس لم يحصل ههنا في اللفظ.
والمراد بقوله: "ولا لبس" هو اللبس لفظا، لما مر.
ولعدم حصول اللبس ههنا لفظا جاز الإدغام، وأيضا -كما مر- جاز الفك.
وإنما قال: "في كلمة"؛ لأنه لو "160" كان في كلمتين نحو: ضرب بكر، لم يجب الإدغام؛ لأنه لا يلزم3 أن يلقى أول الكلمة الثانية آخر الكلمة الأولى متماثلين, وفيه نظر4.
قوله: "وتنقل حركته إن كان قبله ساكن ... "5 إلى آخره.
أي: في صورة يجب الإدغام عند [اجتماع المثلين المتحركين بنقل1 حركة المثل الأول إلى ما قبله, إن كان ما قبله2 ساكنا] 3 غير حرف من حروف اللين، نحو: يَرْدّ, أصله: يَرْدُدُ؛ فإنه تنقل حركة الدال الأولى إلى الراء4 ليمكن الإدغام، ثم تدغم في الدال الثانية.
وكذا يَعَضّ، ويَجِدّ.
أصلهما: يَعْضُض ويَجْدِد، وسكون الحرف الثاني للوقف كحركته في عدم منع الإدغام.
ولو كان قبله متحرك5، نحو: رد، أو ساكن6 هو حرف لين، نحو: تُمُودّ الثوب، لم تنقل حركة الحرف الأول إلى ما قبله, بل تُحذف وتُدغم.
قوله: "ومكَّنني ويمكنني...."7 إلى آخره8.
هذا جواب عن سؤال مقدر, وتقدير السؤال: أنه اجتمع مثلان متحركان على الوجه الموجب للإدغام، وهما: النونان في
"مَكَّنَنِي"1، ويمكِّنني، والكافان في: ﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾ 2 و ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ 3 مع عدم وجوب الإدغام فيه.
وأجاب عنه بمنع اجتماع المثلين المتحركين على الوجه الموجب للإدغام؛ لكون المثلين ههنا من كلمتين، وإن كانا في الصورة من كلمة واحدة؛ لأن إحدى4 النونين لام الفعل الماضي، والأخرى ليست5 منه؛ لأنه مع ياء المتكلم بمنزلة كلمة أخرى, وإحدى6 الكافين من تتمة الاسم أو الفعل والأخرى7 من الضمير المخاطب.
ونحن قلنا: يجب الإدغام إذا كانا من كلمة واحدة؛ ولهذا كان الإدغام فيه جائزا لا واجبا.
قوله: "وممتنع [في] 8 الهمزة...."9 إلى آخره.
أي: ويمتنع الإدغام في الهمزتين في غير نحو1، 2: سأّال وجأّار والدأّاث عند الأكثرين3؛ لزيادة الثقل، والمطلوب من الإدغام التخفيف.
والمراد بـ "سأّال وجأّار" أن يكون بعد الهمزتين ألف نحو فعّال.
وإنما جاز إدغام الهمزتين فيه لوجود الألف بعدهما، والألف مسهلة من4 أمره، فيحصل تخفيف ما.
والمراد بغير "سأال" ألا يكون بعد الهمزتين ألف.
ويمتنع الإدغام أيضا في الألفين؛ لتعذر الإدغام لتعذر حركتهما, ووجوب حركة المدغم فيه5.
ويمتنع أيضا عند سكون المماثل الثاني لغير الوقف، سواء كان في كلمة نحو: "ظَلِلْتُ"، أو في كلمتين نحو: "رَسُول الحَسَن"؛ لأنه لو أدغم لوجب تحريك المماثل الثاني، وذلك يمتنع في نحو: ظَلِلْتُ؛ لأنه لا يكون قبل ضمير الفاعل المتحرك إلا ساكن.
وكذلك في نحو: "رسول الحسن"؛ لأنه لا يحرك لام التعريف للإدغام.
وأما بنو تميم فيدغمون فيما وقع السكون في ثاني المثلين عارضًا، ولم يعتدوا بالسكون العارض، نحو: رُدَّ، ولم يَرُدَّ1, فإن "161" أصل "رُدَّ": ارْدُدْ، وأصل "لم يَرُدّ": لم يَرْدُدْ2.
فسكون الثاني عارض في "لم يرد" للجزم, وفي "اردد" للجزم3 عند الكوفيين، أو لأن حكمه4 حكم المجزوم عند البصريين5.
لا يقال: سكون اللام في "ظللت" عارض، فينبغي أن يجوز فيه الإدغام عند بني تميم، كما جاز في: رُدّ، ولم يَرُدّ.
فإن قلت: يزول السكون في "لم يرد" بزوال الجازم, قلنا: يزول السكون في "ظللت" بزوال ضمير الفاعل المتحرك، فهما
متشاركان1 في امتناع زوال السكون مع وجود الجازم والفاعل المذكور, وجواز زوال السكون مع زوال الجازم وزوال الفاعل المذكور؛ لأنا نقول: الفرق بينهما أن التاء في "ظللت" كالجزء من الكلمة، والجازم كلمة مستقلة.
فالسكون في "ظللت" كاللازم، وفي نحو2: "لم يرد" عارض؛ ولهذا لم يدغم أحد في "ظللت" إلا في شذوذ رديء.
ويمكن أن يقال: لم يدغم في "رد"، و"لم يرد" إلا بعد أن3 أسكن المثل الأول، ثم حرك الثاني4 لالتقاء الساكنين.
وهو الجواب فيما نقل عن بكر بن وائل5 من "مرت" و"ردت" في: مررن ورددن, ولاحتمال أنهم قدروا [انفصال ضمير] 6 الفاعل [فأدغموه ثم ألحقوا به, أو7 لأنهم أجروا ضمير الفاعل مثل الفاعل] 8 مظهرا، نحو: رد زيد.
قوله: "وعند الإلحاق واللبس ... "1 إلى آخره.
أي: ويمتنع2 الإدغام عند الإلحاق، كقَرْدَد، [وجَلْبَب؛ فإنه ألحق: قردد بجعفر، بزيادة الدال] 3, وجلبب بدحرج؛ بزيادة الباء, فلو أدغم لبطل هذا الغرض؛ ولذلك لا يدغم قَرَادِد.
ويمتنع الإدغام عند لبس زنة بزنة أخرى، نحو "سُرُر" بضمتين جمع سرير، و"سُرَر" -بضم الفاء وفتح العين- جمع سُرَّة؛ لأنه لو أدغم "سُرُر" جمع سرير مثلا, لالتبس فُعُل بفُعْل, ساكن العين.
ولا يقال: الالتباس حاصل في "رَدَّ"؛ لأنه لا يعلم أنه فَعَل أو فَعُل؛ لأنا نقول: يزول4 الالتباس عند الفك، نحو: رددتُ, ونحو: ظللتُ5؛ فإنه لا يدغم؛ لأنه لو أدغم لالتبس بفِعْل كالظِّلّ.
ويعلم من قوله: "وعند الإلحاق واللبس" وشرحه كميةُ الاحترازات في قوله: "وَعِنْدَ تَحَرُّكِهِمَا6 فِي كَلِمَةٍ, وَلاَ إِلْحَاقَ وَلاَ لبس".
واعلم أنه لو قال: "ولا عروض لحركة الثاني" لكان أولى؛ لأنها إذا كانت عارضة لا يجب الإدغام، نحو: ارْدُدِ القوم.
واعلم أيضا أنه يمتنع الإدغام فيما شذ فكه، نحو: قَطِط الشعر: اشتدت جعودته1, ودَبِبت المرأة: نبت الشعر على جبينها2, ولححت العين ولخخت: التصقت3, وصَكِك4 الفرس: صك أحد عرقوبيه الآخر5، 6.
واعلم أيضا أنه يجوز فك الإدغام للضرورة فيما يجب إدغامه، كقوله:
"43"
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضَنِنُوا7، 8
قوله: "وعند ساكن صحيح قبلهما"1.
أي: يمتنع الإدغام إذا وقع قبل المثلين ساكن صحيح من كلمتين نحو: قَرْمُ مَالك, بالراء.
والقرم: السيد2، وهو في الأصل اسم للفحل من "162" الإبل3.
لأنه لو أدغم، فإذا سكن الميم الأول، فإن لم تنقل حركته إلى القاف وأدغم4 لزم التقاء الساكنين في آخر الكلمة، وذلك لا يجوز إلا عند الوقف، ومع الإدغام لا يكون الوقف و5 إن نقل حركته6 إلى القاف7 تغير بناء الكلمة.
وكذا8 في نحو9: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ 10، وأَنْتَ تُكْرِهُ، و ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ 11.
اعلم أن المراد بالصحيح في قوله: "ساكن صحيح" حرف المد، وحينئذ لا يدغم في: دَلْو وَالد1، وظَبْي يَاسر، وقرمِ مَالك لما ذكرناه.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز الإدغام في نحو: عدوّ وَليد، ووليّ يَزيد لوجود المدة قبلهما مع أنه لا يدغم أيضا؛ لأن الواو الأولى من عدو والياء الأولى من ولي بمنزلة الواو2 من دلو والياء من ظبي؛ فإذا سكن الحرف الثاني للإدغام، فإما أن تنقل حركة الواو إلى الواو الأولى وحركة الياء الأولى أو لا تنقل، فإن نقل تغير بناء الكلمة، وإن لم ينقل لزم التقاء الساكنين في آخر الكلمة، وهو لا يجوز إلا للوقوف.
قلنا: لا نسلم وجود المدة ههنا؛ لأنه لم تبق المدة عند الإدغام؛ لأنها تذهب بالإدغام، فصارت الواو والياء بمنزلة غيرهما من الحروف التي لا تكون للمدة.
وقد أورد ههنا سؤالا، تقديره: إن النحاة قالوا: لا يجوز الإدغام في المثلين3 المتحركين في كلمتين إذا كان قبل الأول ساكن غير مدة، والقراء أطبقوا على جواز الإدغام في مثله, والجمع بين قولهما متعذر4؟
وأجاب عنه الشاطبي1 في قصيدته2 بأنه يمكن الجمع بينهما, وذلك بأن يحمل قول النحاة على الإدغام المحض الصريح3، وقول القراء على الإخفاء الذي هو قريب من الإدغام. فعلى هذا لا يلزم التناقض4.
وقال المصنف في شرح المفصل5: "هذا الجواب، وإن كان جيدا على ظاهره، إلا أنه لم يثبت أن القراء امتنعوا من الإدغام الصريح، بل ثبت أنهم أدغموا الإدغام الصريح".
وهذا المجيب -وهو الشاطبي- يقرأ به في نحو: ﴿الْعِلْمِ مَا لَكَ﴾ 6.
وقال المصنف: "والأولى أن يمنع إجماع النحاة [حينئذ] 7 على امتناع الإدغام؛ لأن من8 القراء جماعة من النحاة، وهم يقولون بالإدغام الصريح, فلا يكون إجماع النحاة حينئذ9 حجة؛ لأنه ليس
إجماعهم إجماعا لجميع النحويين مع مخالفة القراء.
ولئن سلمنا أنه ليس في القراء نحاة، إلا أن القراء ناقلون لهذه اللغة، فهم مشاركون للنحاة في نقل اللغة, فلا يكون إجماع النحاة وحدهم حجة.
وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلون القرآن عمن ثبتت عصمته من الغلط في مثله؛ لأن ما نقله القراء من القراءات تواتر، وما نقله النحاة آحاد, فقولهم أرجح.
ولئن سلمنا أنه ليس تواترا، لكن القراء أكثر وأعدل، فكان الرجوع إلى قولهم1 أولى"2.
الإدغام الجائز
:
قوله: "وجائز فيما سوى ذلك".
اعلم أنك إذا عرفت أن الإدغام [في أي موضع واجب] 1 وأنه في أي موضع ممتنع, فاعلم أن الإدغام فيما سواهما2 جائز "163".
وفيه نظر؛ لأن المثلين المتحركين إذا كان أولهما كلمة يصح الابتداء به نحو: جادَ بِبَدره، غير القسمين المذكورين، مع أن الإدغام فيه ممتنع، لا يقول أحد بجوازه، بخلاف المثلين اللذين أولهما كلمة لا يصح الابتداء به، نحو: اخشَوْا وَاقدا، واخشَيْ يَاسرا, فإن إدغامه جائز؛ لأنه بمنزلة جزء كلمة, فصحّ فيه الإدغام.
إدغام المتقاربين
:
قوله: "المتقاربان ... "3 إلى آخره4.
المتقاربان: حرفان متقاربان في المخرج وفي صفة تقوم مقام تقاربهما في المخرج، على ما يجيء5.
فإذا كان الإدغام يقع في المتقاربين كما يقع في المتماثلين, فلا بد من ذكر مخارج الحروف لتتميز الحروف المتقاربة المخرج من الحروف المتباعدة المخرج.
مخارج الحروف الأصلية
:
ومخارج الحروف ستة عشر تقريبا1.
وإنما قلنا: "تقريبا" لأن مخارجها بالتحقيق أكثر من ذلك؛ لأن لكل واحد من الحروف مخرجا بالتحقيق2.
الأول: مخرج الهمزة والهاء والألف، على الترتيب3 وهو أقصى الحنك.