غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهىصفحات 413-452

وَأَصْلُهُ بِالحِلِّ، وَكُرِهَ إخْرَاجُ تُرَابِ الحَرَمِ، وَحِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ لَا مَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا وَضْعُ الْحَصَى بِالمَسَاجِدِ، وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا وَطِيبِهَا، وَيُتَصَدَّقُ بِثَيَابِ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ نَصًّا، وَيجُوزُ بَيعُهَا وَمُتَشَفٍّ بِطِيبِهَا يُلْصَقُ عَلَيهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَلَا أَنْ يَأخُذَ مِنْ طِيبهَا.
فَصْلٌ وَحَدُّ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَمِنَ الْيَمَنِ سَبعَةُ أَميَالٍ عِندَ أَضَاةِ لِبْنٍ، وَمِنْ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ عَلَى ثَنِيَّةِ رِجْلٌ جَبَلٌ بِالْمُنقَطِعِ، وَمِنْ الطَّائِفِ وَبَطنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ عَنْدَ طَرَفَ عَرَفَةَ، وَمِنْ الْجِعِرَّانَةِ: تِسْعَةٌ فِي شِعْبِ عِبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ، وَمِنْ جُدَّةَ: عَشرَةٌ عِنْدَ مُنقَطِعِ الأَغشَاشِ، وَمِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ، وحُكْمُ وَجٍّ وَادٍ بِالطَّائِفِ، كَغَيرِهِ مِنْ الحِلِّ 1، وَتُسْتحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ لِمَنْ لَمْ يَخَفُ الوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا.
فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَبِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: بِأَلْفٍ، وَفِي الأَقصَى 2: بِخَمْسِمَائَةٍ، وَبَقِيَّةُ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ كَصَلَاةٍ فِيهِ، فَكُلُّ عَمَلِ بِرٍّ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَفِي رِوَايَةِ الإِمَام أَحْمَدَ وَغَيرِهِ: "صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمَائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ" 3.

وَفِي الْفُرُوعِ: وَالأَظْهَرُ أنَّ مُرَادَهُمْ غَيرُ صَلَاةِ النِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ، وَأَن النَّفَلَ بِالْبَيتِ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِم أَن الْمسْجِدَ الْحَرَامَ نَفْسُ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، وَمَعَ هَذَا فَالْحَرَمُ أَفْضَلُ مِنْ الْحِلِّ.
فَرْعٌ: مَوْضِعُ قَبْرِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أفْضَلُ بِقَاعِ الأَرْضِ، وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ، فَأَمَّا وَالنبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا؛ فَلَا وَاللَّهِ، وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ، لأنَّ بِالحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ.
وَيَتَّجِهُ: مِنْ هَذَا أنَّ الأَرْضَ أفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ، لأَنَّ شَرَفَ الْمَحَلِّ بِشَرَفِ الحَالِّ فِيهِ.
وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، بِمَكَانٍ وَبِزَمَانٍ فَاضِلٍ، وَوَقَعَ خُلْفٌ فِي كَوْنِ السَّيِّئَةِ تَضَاعَفُ، كَالْحَسَنَةِ، وَالأَظْهَرُ لَا بَل فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَشْويقِ الأَنَامِ.

فَصْلٌ وَيَحْرُمُ صَيدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَالأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى يَثْرِبَ، وَتَصِحُّ تَذْكِيَتُهُ وَقَطعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ، إلا لِحَاجَةِ نَحْو مَسَانِدَ وَحَرْثٍ، وَرَحْلٍ وَعَلَفٍ، وَمَنْ أَدْخَلَهَا صَيدًا، فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ نَحْو صَيدٍ وَشَجَرٍ.
وَحَرَمُهَا: بِرِيدٌ فِي بِرِيدٌ مَا بَينَ ثَوْرٍ: جَبَلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْويرٍ خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَعَيرٌ: جَبَلٌ مَشْهُورٌ بِهَا، وَذِلَكِ مَا بَينَ لَابَتَيهَا وَ"جَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَي عَشَرَ مِيلًا حِمى" 1.

بَابٌ دُخُولُ مَكَّةَ

يُسَنُّ نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَخُرُوجٌ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدَيٍّ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَإِذا رَأَى الْبَيتَ رَفَعَ يَدَيهِ، وَقَال: "اللَهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيتَ تَغظِيمًا وَتَشرِيفًا وَتَكرِيمًا وَمَهَابَةَ وَبِرًّا وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعظِيمًا وَتَشرِيفًا وَتَكرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا" 1، "الحَمدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ كِثِيرًا كَما هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعزِّ جَلَالِهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إنكَ دَعَوْت إلَى حَج بَيتِكَ الْحَرَامِ وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقبَّلْ مِني، وأَصْلِحْ لي شَأنِي كُلَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، ويَرْفَعُ رَجُلٌ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ، وَيَدْنُو مِنْ الْكَعْبَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ، ثُمَّ يَطُوفُ ابْتِدَاء نَدْبًا، وَهُوَ تَحِيةُ الْكْعَبَةِ، وَتَحِيةُ الْمَسْجِدِ: الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَطُوفُ إِبْتِدَاءً 2، وَيُجْزِئهُ عَنْهَا رَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، فَإِنْ أُقِيمَتْ مَكْتُوبَةٌ، أَوْ ذَكَرَ فَائِتَةً أَو حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، قَدَّمَهَا.
وَيَنْوي مُتَمَتَّعٌ بِطَوَافِهِ الْعُمْرَةَ، وَهُوَ رُكْنٌ، وَمُفْرِدٌ، وَقَارِنٌ الْقُدَومَ، وَهُوَ: الْوُرُودُ، وَهُوَ سُنَّةٌ وَيَضْطَبعُ بِرِدَائِهِ غَيرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ فَقَطْ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيمَنِ، وَطَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقِهِ

الأَيسَرِ، وَيَبتَدِئُ طَوَافَهُ مِنْ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَهُوَ جَهَةُ الْمَشْرِقِ، فَيُحَاذِيَهِ أَوْ بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَيَسْتَلِمُهُ بَيَدِهِ الْيُمْنَى وَيُقَبِّلُهُ بِلَا صَوْتِ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ، وَيسْجُدُ عَلَيهِ فَإِنْ شَقَّ لَمْ يُزَاحِمْ، وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا، فَإِنْ شَقَّ فبِشَيءٍ، وَقَبّلَهُ فَإِنْ شَقَّ أَشَارَ إلَيهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيءٍ وَلَا يُقَبِّلُهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ.
وَقَال "بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -" 1، ويَقُولُ ذِلَكَ كُلَّ مَا اسْتَلَمَهُ وَزَادَ جَمَاعَةٌ "اللَّهُ أَكبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ" 2، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَجَرُ مَوْجُودًا وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَقَبَّلَهُ، فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَيُقْرِبُ طَائِفَ جَانِبَهُ الأَيسَرَ لِلْبَيتِ، وَشُرِطَ جَعْلُهُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرَّ بِهِ يُسَمَّى: الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ جَهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ: جِهَةُ الْمَغْرِب، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ: جِهَةُ الْيَمَنِ، فَيَسْتَلِمَهُ وَلَا يُقَبِّلْهُ ثُمَّ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، اسْتَلَمَهُمَا أَوْ أَشَارَ اليهِمَا لَا الشَّامِيِّ وَالْغَرْبِيِّ، وَلَا يُقَبِّلُ الْمَقَامَ وَلَا يَمْسَحُهُ، وَلَا مَسَاجِدَ وَقُبُورٍ، وَصَخْرَةِ بَيتِ الْمَقْدِسِ.
وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَبَينَهُ وَبَينَ الْيَمَانِيِّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 3، وَفِي

بِقِيَّةِ طَوَافِهِ: "اللَهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ واهدِنِي السَّبِيلَ الأَقوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ" 1، وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ.
وَسُنَّ قِرَاءَةٌ فِيهِ وَلَا تُزَاحِمُ امْرَأَةٌ رِجَالًا، لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا تُشِيرُ إلَيهِ، وَالأَوْلَى لَهَا تَأْخيرُ طَوَافٍ لِلَيل إذا أَمِنَتْ نَحْوَ حَيضٍ، وَسُنَّ أَنْ يَرْمُلَ مَاشٍ غَيرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ ونسَاءٍ، وَمُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا فَيُسْرِعُ الْمَشيَ، ويقَارِبَ الْخُطَا فِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ أُوَلٍ مِنْ غَيرِ وَثْبٍ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً بِلَا رَمَلٍ، وَلَا يُقْضَى فِيهَا رَمَلٌ فَاتَ، وَالرَّمَلُ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ للْبَيتِ، وَالتَّأْخِيرُ لَهُ وَلِلدُّنُوِّ أَوْلَى، وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ فِي غَيرِ هَذَا الطَّوَافِ.
وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَو مَحْمُولًا, لَمْ يُجْزِئْهُ إلا لِعُذْرٍ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ حامِلِهِ إلَّا إنْ نَوَى وَحْدَهُ أَو نَوَيَا جَمِيعًا عَنهُ فَإِنْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ 2 مِنْهُمَا صَحَّ لِمَحْمُولٍ فَقَط فَإنْ نَوَى أَحَدُهُمَا نَفْسِهِ، وَالآخَرُ لَمْ يَنْو، صَحَّ لِنَاوٍ فَإِنْ لَمْ يَنْويَا، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرِ 3، لَمْ يَصِحَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَسَعْيٍ رَاكِبًا كَطَوَافٍ.
وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطحِ الْمَسْجِدِ لَا الْبَيتِ أَوْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعُهُ طَوَافًا بِنيَّةٍ حَقِيقيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ، تَوَجَّهُ الإجْزَاءُ، قَالهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيُجْزِئُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَا خَارِجَهُ وَمُنَكَّسًا أَوْ

مُتَقَهْقِرًا أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ أَو شَاذرْوَانَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ: مَا فَضَلَ مِنْ جِدَارِهَا أَوْ نَاقِصًا، وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ بِلَا نِيَّةٍ أَوْ عُرْيَانا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا، فَيَلزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُ حَائِضٍ، وَيُسَنُ فِعْلُ بِقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا مُتَطَهِّرًا.
وَيتَّجِهُ احْتِمَالٌ: عَدَمُ الصِّحَّةِ بِحَرِيرٍ وَمَغْصُوبٍ، وَأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ طَائِفًا، لَا يَضُرُّ.
وَيَصِحُّ فِيمَا لَا يَحِلُّ لِمُحْرِم لُبسُهُ، وَيُفدِي عَامِدٌ وَيَبْتَدِئُ لِحَدَثٍ فِيهِ وَقَطْعٍ طَويلٍ وإِنْ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ.
وَيتَّجِهُ: وَلَوْ كَوِتْرٍ وَتَرَاويحَ.
أَوْ حَضَرَت جِنَازَةٌ صلَّى وَبَنَى مِنْ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَلَا يَعْتَدَّ بِبَعْضِ شَوْطٍ قَطَعَ فِيهِ، فَإِذا أَتَمَّ تَنَفَّلَ بِرَكعَتَينِ، وَالأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ، وَبِالْكَافِرُونَ فِي أُولَى، وَالإِخْلَاصِ بِثَانِيَةِ، بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَتُجْزِئُ مَكتُوبَةٌ، وَرَاتِبَةٌ عَنْهُمَا، وَسُنَّ عَوْدُهُ بَعدَ صَلَاةٍ، وَقَبْلَ سَعْي لِلْحَجَرِ فَيَسْتَلِمَهُ، وَالإِكثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقتٍ وَلَهُ جَمْعُ أَسَابِيعَ بِرَكْعَتَينِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ، وَالأَوْلَى عَقِبَ كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَتَأْخِيرُ سَعْيِهِ عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ وَغَيرِهِ، فَلَا تَجِبُ مُوَالاةٌ بَينَهُ وَبَينَ طَوَافٍ.
تَنبِيهٌ: شُرُوطُ طَوافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: إسْلَامٌ، وَعَقلٌ، وَنِيَّة مُعَيَّنَةٌ، وَدُخُولُ وَقْت وَلِقَادِرٍ سَترُ عُوْرَة، وَطَهَارَةُ حَدَثٍ لَا الطِفْلِ، وَطَهَارَةُ خُبْثٍ، وَتَكمِيلُ السَّبْعِ يَقِينًا، فَإِنْ شَكَّ أَخَذَ بِالْيَقِينِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَينِ، وَجَعْلُ الْبَيتِ عَنْ يَسَارِهِ غَيرَ مُتَقَهْقِرٍ، وَمَشيٌ لِقَادرٍ، وَمُوَالاتُهُ، وَأَنْ لَا يَخرُجَ مِنْ المَسْجِدِ، وأَنْ يَبْتَدِئَهُ مَنْ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيُحَاذِيهِ.

وَسُنَنُهُ 1: اسْتِلَامُ الْحَجَرِ، وَتَقبِيلُهُ وَنَحْوُهُ، وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ، وَاضطِبَاعٌ، وَرَمَلٌ، وَمَشْيٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَدُعَاءٌ، وَذِكْرٌ، وَدُنُوٌّ مِنْ الْبَيتِ، وَالرَّكعَتَانِ بَعْدَه.
وَيَتَّجِهُ: يُكرَهُ فِيهِ مَا يُكرَهُ فِي صَلَاةٍ لَا مُطلَقًا، وَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ فَضَّلَ بَينَ الأَرْكَانِ.
فَرْعٌ: لَوْ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ حَجٍّ، بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافِيهِ، وَجَهِلَهُ، لَزِمَهُ الأَشَدُّ، وَهُوَ جَعْلُهُ لِلْعُمْرَةِ فَيَصِيرُ قَارِنًا، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ لَهَا، وَعَلَيهِ دَمَا قِرَانٍ وَحَلْقٌ، وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِحجٍّ عَنْ النُّسُكَينِ، وَيُعِيدُ السَّعْيَ لِفَقْدِ شَرْطِهِ.
ويتَّجِهُ: نَدْبُ إعَادَةِ طَوَافِ حَجٍّ وَسَعْيِهِ احْتِيَاطًا 2. وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمرَتِهِ وَإحْرَامِ بِهِ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ بِفِعْلِه ثَانِيًا، فَقَدْ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةِ، لِوَطئِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَصحَّ، فَيَلْغُو حَجُّهُ، وَيَتَحلَّلُ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيهِ دَمُ حَلْقٍ، وَدَمُ وَطْءٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَلَا يَصحُّ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ وَاجِبٍ.
وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَقْضِي تَطَوُّعًا لِلشَّكِّ وَللاحْتِيَاطِ الْقَضَاءُ.
وَلَوْ عَلِمَهُ بِحَجٍّ، لَزِمَهُ طَوَافٌ وَسَعْيُهُ وَدَمٌ لِحِلهِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَدَمُ تَمَتُّعِ بِشَرْطِهِ.

فصْلٌ ثُمَّ يَخرُجُ لِلسَّعْيِ بَعْدَ عَوْدِهِ لِلْحَجَرِ، وَاسْتِلَامِهِ، مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَهُوَ طَرَفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيسٍ، عَلَيهِ دَرْجٌ، وَفَوْقَهُ أَزَجٌ كَإِيَوانَ، فَيَرْقَى ذَكَرٌ 1 الصَّفَا نَدْبًا، لِيَرَى الْبَيتَ فَيَسْتَقْبِلَهُ، وَيُكَبِّرُ ثُلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: "الحمدُ للهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحْمَدُ يُحْيِي ويُمِيِتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمَوتُ، بِيَدِهِ الخْيرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٍ، لَا إله إلا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعَدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحدَه" 2، ويقَولُ: "لَا إلَهَ إلا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَطَوَاعِيتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ 3 اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ؛ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئَمَّةِ المُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: اُدْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيتَني لِلإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي إلَى الْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسُوءِ الْفِتَنِ" 4.

وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَلَا يُلَبِّي ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا، فَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَينَهُ وَبَينَ الْعَلَمِ: وَهُوَ 1 الْمِيلُ الأَخْضَرُ، الْمُعَلَّقُ بِرُكْن الْمَسْجِدِ نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى ذَكَرٌ مَاشٍ سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ، وَلَا يُؤذَى إلَى الْعَلَم الآخَرِ، وَهُوَ الْمِيلُ الأَخْضَرِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وحِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ، فَيَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْيِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى الْمَرْوَةَ نَدْبًا، ويَسْتَقبِلُ، وَيَقُولُ عَلَيهَا مَا قَال عَلَى الصَّفَا.
وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَينَهُمَا، فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهَا ابْتِدَاءً، وَأَصَابعَ رَجْلَيهِ انْتِهَاءً، ثُمَّ يَنْقَلبُ إلَى الصَّفَا، فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ ذِلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطَ.
وَيُكْثِرُ مِن الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكرَمُ" 2. وَلَا يُسَنُّ سَعْيُ مَا بَينَهُمَا إلَّا في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى، وَلَا تَسْعَى شَدِيدًا، وَيُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتمِرٍ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَتَقْصِيرُ مُتَمَتِّعٍ لَا هَدْيَ مَعَهُ، لِيَحْلِقَ لِلْحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ لَمْ يَسُقِ هَدْيًا، وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَمُعْتَمِرٌ مُطلَقًا، وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ تَحَلُّلٍ، وَيَسْتَبِيَحَانِ بِهِ جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ، وَيَقْطَعَانِ التَّلْبِيةَ فِي شُرُوعِهِمَا في طَوَافِ حَاجٍّ بِأَوَّلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَلَا بَأسَ بِهَا في طَوَافِ الْقُدُومِ سرًّا، وإنْ سَاقَهُ مُتَمَتِّعٌ،

لَمْ يَحِلَّ بَلْ يُحْرِمُ بِحَجٍّ بَعْدَ سَعْيِهِ وَتَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ سَعْيٍ تِسْعٌ: إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَمُوَالاةٌ.
وَيَتَّجِهُ: كَطَوَافٍ.
وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ، وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ، وَاسْتِيعَابُ مَا بَينَ الصَّفَائَينِ، وَكَوْنُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ وَلَوْ مَسْنُونًا، أَوْ فِي غَيرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَيَتَّجِهُ: وَبَدْءٌ بِأَوْتَارٍ مِنْ الصَّفَا، وَإشْفَاعٍ مِنْ الْمَرْوَةِ.
وَسُنَنُهُ: طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، وَإسْرَاعٌ، وَمَشْيٌ بِمَوَاضِعِهِ، وَرُقِيٌّ، وَمُوَالاةٌ بَينَهُ وَبَينَ طَوَافٍ، فَإِنْ طَافَ بِيَوْمٍ، وَسَعَى فِي آخَرَ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُسَنُّ عَقِبَهُ صَلَاةٌ.

بَابٌ صِفَةُ الْحَجِّ

يُسَنُّ لِمُحَلٍّ بِمَكَّةَ وَقُرْبِهَا، وَمُتَمَتِّعٍ حَلَّ، إحْرَامٌ بِحَجٍّ، في ثَامِنِ ذِي الْحَجَّةِ: وَهُوَ يَوْمُ التَّرْويَةِ، إلَّا لَمنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَصَامَ، فَفِي سَابِعِهِ، لِيُتِمَّ صَوْمَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَفْعَلُ عِنْدَ إحْرَامِهِ مَا يَفْعَلُهُ مُحْرِمٌ مِنْ مِيقَاتٍ، مِنْ غُسْلٍ وَغَيرِهِ، وَيَطُوفُ، ويصَلِّي رَكعَتَينِ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ لِوَدَاعِهِ، فَإِنْ فَعَلَ وَسَعَى بَعْدَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاجِبِ سَعْيٍ.
وَالأَفْضَلُ إحْرَامُهُ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَجَازَ وَصَحَّ مِنْ خَارِجِ الحَرَمِ، وَلَا دَمَ ثُمَّ يَخْرُجُ لِمِنًى فَرْسَخٌ مِنْ مَكَّةَ، قَبْلَ الزَّوَالِ، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الإِمَامِ، وَيُقِيمُ بِهَا لِلْفَجْرِ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ مَوْضِعٌ بِعَرفَةَ عَلَيهِ أَنْصَابَ الحَرمِ إلَى الزَّوَالِ، فَيَخْطُبَ بِها الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ خُطْبَةً قَصِيرَةً، مُفْتَتَحَةً بِالتَكْبِيرِ، يُعلِّمُهم فِيهَا، الوُقُوفَ، وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالمَبِيِتَ بِمزُدَلِفَةَ، وَنَحْوَهَ.
ثُمَّ يَجْمَعُ تَقْدِيمًا لِمنْ 1 يَجُوزُ لَهُ، وَلَوْ مُنفَرِدًا بَينَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ، ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ، وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ، إلا بِطْنَ عُرَنَةَ، وَحَدُّ عَرَفَاتٍ 2: مِنْ الجَبَلِ الْمُشرِفِ عَلَى عُرَنَةَ، إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ، إلَى مَا يَلِي بَسَاتِينَ بَنِي عَامِرٍ.

وَسُنَّ وُقُوفُهُ رَاكِبًا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ أَسْفَلَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ، فَرَاكِبٌ يَجْعَلُ بَطْنَ رَاحِلَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ، وَرَاجِلٌ يَقِفُ عَلَيهَا، وَيَرْفَعُ وَاقِفٌ يَدَيهِ نَدْبًا.
وَيُكْثِرُ مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَتَضَرُّعٍ وَخُشُوعٍ، وَإِظْهَارِ ضَعْفٍ وَافْتِقَارٍ، وَيُلحُّ في الدُّعَاءِ، وَيُكَرِّرُ كُلَّ دُعَاءٍ ثَلَاثًا، وَيُكثِرُ مِنْ قَوْلِ: "لَا إلَه إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِيِ وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 1، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وإِرْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" 2. وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُكثِرُ الْبُكَاءَ مَعَ ذَلِكَ فَهُنَالِكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ، وَوَقتُ وَقُوفٍ: مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَمَنْ حَصَلَ فِيهِ لَا مَعَ سُكْرٍ أَوْ إغمَاءٍ.
وَيَتَّجِهُ: أَوْ جُنُونٍ.

بِعَرَفَةَ 1 لَحْظَةً، وَهُوَ أَهْلٌ وَلَوْ مَارًّا أَوْ نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا عَرَفَةُ، صَحَّ حَجُّهُ، وَيَأْتِي لَوْ أَخْطَئُوا الْوُقُوفَ، وَيَصِحُّ وُقُوفُ حَائِضٍ إجْمَاعًا، كَعَائِشَةَ - رضي الله عنها-، وَمَنْ وَقَفَ نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ أَوْ عَادَ وَلَمْ يَقَعْ، وَهُوَ بِهَا فَعَلَيهِ دَمٌ، بِخِلَافِ وَاقِفٍ لَيلًا فَقَطْ.
فَرْعٌ: وَإنْ وَافَقَ عَرَفَةَ الْجُمُعَةَ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الأَيامِ، قَال فِي الْهَدْيِ: ومَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِ، مِنْ أَنَّهَا تَعْدِلُ اثْنَتَينِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ، لَا أَصْلَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي التَّضْعِيفَ.
فَصْلٌ ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِمُزْدَلِفَةَ مَعَ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، كَأَمِيرٍ حَاجٍّ، فَيُكرَهُ قَبْلَهُ، وَهِيَ مَا بَينَ الْمَأْزِمَينِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، بِسَكِينَةٍ مُسْتَغْفِرًا، يُسْرِعُ فِي الْفُرْجَةِ، فَإِذَا بَلَغَهَا جَمَعَ الْعِشَاءَينِ بِهَا نَدْبًا، وَلَوْ مُنْفَرِدًا قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا وُجُوبًا لِنِصْفِ لَيلٍ، وَلَهُ الدَّفْعُ مِنْهَا قَبْلَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَهُ، وَفِيهِ قَبْلَهُ مُطْلَقًا عَلَى غَيرِ رُعَاةٍ، وَسُقَاةٍ، دَمٌ، مَا لَمْ يَعُدْ إليهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، كَمَنْ لَمْ يَأَتِهَا إلَّا في النِّصْفِ الثَّانِي، وَمَنْ صَلَّى 2 بِهَا صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ أَتَى الْمَشعَرَ الْحَرَامَ: جَبَلٌ صَغِيرٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَرَقَى عَلَيهِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَوْ وَقَفَ عِنْدَهُ وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ وَدَعَا فَقَال:

"اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيتَنَا إيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدَتْنَا بِقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ... إلَى: غَفُورٌ رَحِيمٌ".
ثُمَّ لَا يَزَالُ يَدْعُو إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا، فَيَسِيرُ بِسَكِينَةٍ، فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ رَمْيَةِ حَجَرٍ مَاشِيًا، أَوْ رَاكِبًا، وَيَأخُذُ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعِينَ حَصَاةً أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ، وَدُونَ الْبُنْدُقِ كَحَصَى الخَزَفِ مِنْ حَيثُ شَاءَ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَكُرِهَ مِن مِنًى وَسَائِرِ الْحَرَمِ، وَمَنَ الْحَشِّ وَتَكْسِيرُهُ، وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ غَيرِ نَجِسٍ، وتُجْزِئُ حَصَاةٌ نَجِسَةٌ بِكَرَاهَةٍ، وَفِي خَاتَم إنْ قَصَدَهَا، وَغَيرُ مَعْهُودَةٍ كَمَرمَرٍ وَمَسَنٍّ وَبِرَامٍ وَزُمُرِّدٍ وَكَدانٍ لَا صَغِيرَةٌ جِدًّا أَوْ كَبِيرَةٌ، وَمَا رَمَى بِهَا أَوْ غَيرِ الْحَصَى، كَجَوْهَرٍ وَذَهَبٍ وَزَبَرْجَدٍ، وَيَاقُوتٍ وَبِلَخْشٍ وَفَيرُوزَجَ، وَنَحْو نُحَاسٍ، فَإِذَا وَصَلَ مِنًى.
وَحَدُّهَا: مَا بَينَ وَادِي مُحَسِّرٍ، وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَدَأَ بِهَا فَرَمَاهَا بِسَبْعٍ وَهُوَ تَحِيَّةُ مِنًى، وَشَرْطُ وَقْتٍ وَرَمْيٍ، فَلَا يُجْزِئُ وَضْعٌ بِدُونِهِ وَعَدَدٌ، وَكَوْنُهُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَنِيبُ لِعَجْزٍ، وَكَوْنُهُ وَاحِدَةٌ فَوَاحِدَةٌ، فَلَوْ رَمَى دَفْعَةً فَوَاحِدَةً وَأُدِّبَ، وَعِلْمُ الْحُصُولِ بِالْمَرْمَى، فَلَوْ وَقَعَتْ خَارِجَهُ ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ فِيهِ أَو عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ، ثُمَّ صَارَتْ فِيهِ، وَلَوْ بِنَفْضِ غَيرِهِ أَجْزَأتْهُ، خِلَافًا لِجَمْعٍ.
وَيَتَّجِهُ: إنْ نَفَضَهَا فَوْرًا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَمْيٍ بِيَدٍ.
وَوَقْتُ رَمْيٍ مِنْ نِصْفِ لَيلَةِ النَّحْرِ كَطَوَافٍ.
وَيَتَّجِهُ: وَحَلْقٍ.

وَنُدِبَ رَمْيٌ بَعْدَ الشُّرُوقِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَلَمْ يَرْمِ، فمِنْ غَدِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ، وَأَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعيًا مَشكُورًا" 1، وَأَنْ يَسْتَبْطِنَ الْوَادِيَ، وَيَستَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيَ عَلَى جَانِبِهِ الأَيمَنِ، وَيرْفَعُ يُمْنَاهُ عِنْدَ رَمْيٍ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا بَلْ يَرْمِيهَا مَاشِيًا، وَلَهُ رَمْيُهَا مِنْ فَوْقِهَا، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الرَّمْيِ، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا مَعَهُ، وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ يَحْلِقُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ لَبَّدَ رَأَسَهُ بِنِيَّةِ النَّسُكِ.
وَسُنَّ اسْتِقْبَالٌ وَدُعَاءٌ وَتَكْبِيرٌ، وَبَدَاءَهٌ بِشِقٍّ أَيمَنَ، وَبُلُوغٌ بِحَلْقِ العَظمَينِ عِنْدَ مُنتَهَى الصُّدْغَينِ أَوْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ، لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَينِهَا، وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ كَذَلِكَ "أُنْمُلَةٌ فَأَقَلُّ" كَعَبْدٍ، وَلَا يَحْلِقُ بِلَا إذنِ سَيِّدِهِ.
وَيَتَّجِهُ: إنْ نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ.
وَسَنُّ أَخْذُ ظُفْرٍ وَشَارِبٍ، وَشَعْرِ إبْطٍ وَأَنْفٍ وَعَانَةٍ وَتَطَيُّبٌ، عِنْدَ تَحَلُّلِ، وَلَا يُشَارِطَ الْحَلَّاقَ عَلَى أُجْرَةٍ، وَسُنَّ إمْرَارُ المُوسَى عَلَى مَنْ عَدِمَهُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيءٍ إلَّا النِّسَاءَ مِنْ وَطءٍ وَدَوَاعِيهِ، وَعَقْدِ نِكَاحٍ، وَلَا حَدَّ لآخِرِ حَلْقٍ كَطَوَافٍ، فَلَا دَمَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى

أَو قَدَّمَهُ عَلَى رَمْيٍ، أَو نَحْرٍ أَوْ طَافَ قَبْلَ 1 رَمْيٍ وَلَوْ عَالِمًا، لَكِنَ السُّنَّةَ تَقْدِيمُ رَمْي فَنَحْرٍ فَحَلْقٍ فَطَوَافٍ.
فَصْلٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، يَحْصُلُ أَوَّلُهُمَا بِاثْنَينِ رَمْي وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ 2، وَثَانِيهِمَا بِمَا بَقِيَ مَعَ سَعْي لِمَنْ لَمْ يَسْعَ قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ تُسَنَّ إعَادَتُهُ كَسَائِرِ الأَنْسَاكِ، وَيَخْطُبُ إمَامٌ نَدْبًا بِمِنَى يَوْمَ النَّحْرِ، خُطْبَةً يُفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ، وَالإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، لِكَثرَةِ أَفْعَالِ حَجٍّ بِهِ، مِنْ وُقُوفٍ بِمَشْعَرٍ حَرَامٍ، وَدَفْع مِنْهُ لِمِنًى، وَرَمْي وَنَحْرٍ، وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ إفَاضَةٍ، وَرُجُوعِ لِمِنًى، ثُمَّ يُفِيضُ إلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ مُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لَمْ يَدْخُلَاهَا قَبْلَ القُدُومِ 3 خِلَافًا للِمُوَفَّقِ وَالشِّيخُ بِرَمَلٍ، وَمُتَمَتِّعٌ بِلَا رَمَلٍ، ثُمَّ لِلزِّيَارَةِ، وَهِيَ الإِفَاضَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ رُكْنٌ، لَا يَتِمُّ حَجٌّ إلَّا بِهِ، وَوَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ لَيلَةِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْوُقُوفِ.
وَيَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، جَازَ، وَلَا شَيءَ فِيهِ كَالسَّعْيِ، ثُمَّ يَسْعَى مُتَمَتِّعٌ، وَمَنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ مُسْتَقْبَلًا، لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ، وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، وَيَقُولُ:

"بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَإِمْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكمَتِكَ" 1. فَرْعٌ: الطُّوَافُ الْمَشْرُوعُ في حَجٍّ ثَلَاثَةٌ: زِيَارَةٌ، وَقُدُومٌ، وَوَدَاعٌ، وَسِوَاهَا نَفْلٌ.
فَصْلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي ظُهْرَ يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى وَيَبِيتُ بِهَا.
وَيَتَّجِهُ: الْمُرَادُ مُعْظَمُ اللَّيلِ.
ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، كُلٌّ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، وَلَا يُجْزِئُ رَمْيٌ إلا نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ، غَيرَ سَقَاةٍ وَرُعَاةٍ فَيَرْمُونَ لَيلًا وَنَهَارًا، وَسُنَّ رُمْيٌ قَبْلَ 2 صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيِجِبُ بَدَاءَةُ أُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيفِ، فَيَجْعَلُهَا عِنْ يَسَارِهِ مُسْتَقْبِلًا، وَيَرْمِي، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا لِئَلَّا يُصِيَبهُ حَصَّى، فَيَقِفُ يَدْعُو، وَيُطِيلُ رَافِعًا يَدَيه، ثُمَّ الْوُسْطَى، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ مُسْتَقْبِلًا، ويَرْمِي وَيَقِفُ عِنْدَهَا، فَيَدْعُوَ، ثُمَّ جَمْرَةَ الْعَقبَةِ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ مُسْتَقْبِلًا، وَيَسْتَبْطِنَ الْوَادِيَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا.
وَتَرْتِيبُهَا كَمَا مَرَّ شَرْطٌ كَالعَدَدِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنَ الأُولَى لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ جَهِلَ مِنْ أَيِّهَا تُرِكت بَنَى عَلَى اليَقِينِ، وَإِنْ

أَخَّر رَميَ يَومٍ وَلَوْ يَومَ النَّحرِ إِلى غَدِهِ أَوْ أَكثَرَ أَوْ الكُلِّ إِلى آخِرِ أَيامِ التشرِيقِ، أَجزَأَ أَدَاءً، مَعَ تَركِ الأَفضَلِ.
وَيتجِهُ: وَلَا يَجِبُ 1 مُوَالاةُ رَميٍ.
وَأَيامُ التَّشرِيقِ لِرَمي كَيَوْمٍ وَاحِدٍ تَأخِيرًا لَا تَقدِيمًا، وَيَجِبُ تَرتِيبُهُ بِالنيةِ كَفَائِتَةٍ، وَفِي تَأخِيرِهِ عَنها دَمٌ، وَلَا يُسَنُّ إتيَانٌ بِهِ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَتَركِ مَبِيتِ لَيلةٍ بِمِنًى، وَفِي تركِ حَصَاةٍ مِنْ جَمرَةٍ أَخِيرَةٍ مَا فِي شَعرَةٍ، وَفِي حَصَاتَينِ مَا فِي شَعرَتَينِ، وَلَا مَبِيتَ عَلَى سُقَاةٍ وَرُعَاةٍ بِمَكَةَ وبِمِنًى 2 وَمُزْدَلِفَةَ، فَإِنْ غَرَبْت وَهُمْ بِمِنًى لَزِمَ الرُّعَاءَ فَقَط الْمَبِيتُ، وَكَرُعَاةٍ نحو مَرِيضٍ وَخَائِفِ ضَيَاعَ مَالهِ، ويستَنِيبُ نَحوُ مَرِيضٍ وَمُحبُوسٍ فِي رَمي جِمَارٍ، وَلَا تنقَطِعُ نَيَابَةٌ بِإِغمَاءِ مستَنِيبٍ، وَيَخطُبُ إمَامٌ نَدبًا فِيِ أَيامِ التَّشرَيقِ، خُطْبَةً يُعلِّمُهم حُكْمَ التعجِيلِ وَالتَّأخيرِ وَتَودِيِعِهِم، وَيَحُثُّهُم عَلَى خَتْمِ حَجَّتِهم بِطَاعَةِ الله تَعَالى، وَلغَيرِ الإِمَامِ المُقِيمِ لِلْمَنَاسِكَ، التعجِيلُ فِي الثانِي، وَهُوَ النَّفْرُ الأَوَّلُ، فَإِن غَرَبَتْ وَهُوَ بِها لَزِمَهُ مَبِيتٌ وَرَميٌ مِنْ غدٍ، وَيَسْقُطُ رَميُ الْيَوْمِ الثالِثِ عَنْ مُتَعَجِّلٍ، ويَدْفِنُ حَصَاهُ فِي المَرمَى.
وَيَتَّجِهُ: ذَلِكَ ندبٌ.
وَالشافِعِيةُ قَالُوا: لَا أَصلَ لِذَلِكَ بَلْ يَطرَحُهُ أَوْ يُعطِيهِ لَمنْ لَمْ يرمِ وَلَا يَضُرُّ رُجُوعُهُ، وَسُنَّ إذَا نَفَرَ مِنى نُزَولُهُ بِالأَبطَحِ، وَهُوَ الْمُحصَّبُ، وَحَدُّهُ: مَا بَينَ الْجَبَلَينِ إلَى الْمَقبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهرَينِ وَالعِشَاءَينِ، ويَهجَعُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدخُلُ مَكَّةَ.

فصلٌ فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدعَ الْبَيتَ بِالطَوَافِ، وُجُوبًا عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ لِوطَنِهِ، إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَسُن بَعدَهُ تَقْبيلُ الْحَجَرِ وَرَكْعَتَانِ، فَإِن وَدَّعَ ثُم اشْتَغَلَ بغَيرِ شَدِّ رَحْلِهِ وَنَحوهِ أَوْ أَقَامَ 1، أَعَادَهُ وُجُوبًا.
وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزيَارَةِ وَنَصَّهُ، أَوْ الْقُدُومِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ كُل مِنهُمَا عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ.
وَيتجِهُ: مِنْ تَعليلِهِم وَلَوْ لَم يَنْوهِ.
فَإِنْ خَرَجَ قَبلَ وَدَاعٍ رَجَعَ، وَيُحرِمُ بِعُمرَةٍ وُجُوبًا إنْ بَعُدَ فَيَأْتِي بِها، ثُم يَطُوفُ لَهُ وَلَا شَيءَ عَلَيهِ، فَإِنْ شَقَّ رُجُوع مِنْ بُعدٍ 2 أَوْ بُعدِ مَسَافَةِ قَصرٍ فَعَلَيهِ دَم، وَلَوْ رَجَعَ أَوْ تَرَكَهُ خَطَأً أَوْ نَاسِيًا، وَلَا وَدَاع وَفديَةَ عَلَى حَائضٍ وَنُفَسَاءَ.
وَيَتَّجِهُ: بِخِلَافِ مَعذُورٍ غَيرِهِمَا.
فَإنْ طَهُرَتَا قَبْلَ مُفَارَقَةِ 3 بِنَاءِ مَكَّةَ، لَزِمَهُمَا، وَسُنَّ لِمُوَدِّعٍ وُقُوفٌ بِمُلتَزَمٍ مَا بَينَ حَجَرٍ أَسْوَدَ وَبَاب، قَدرَ أَربَعَةِ أَذْرُعٍ، فَيَلْتَزِمُهُ مُلْصِقًا بِهِ، صَدرَهُ وَوَجههُ وَبَطْنَهُ، وَيَبْسُطُ يَدَيهِ عَلَيهِ، وَيَجْعَلُ يَمِينَهُ نَحوَ الْبَابِ،

ويسَارَهُ نحوَ الْحَجَرِ، وَيَدعُو بمِا أَحَبَّ مِنْ خَيرَي الدنْيَا وَالآخِرَةِ".
وَمِنْهُ: "اللَهُم هذَا بَيتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ حَمَلْتني عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرتَني فِي بِلَادِكَ حَتَّى بلَغْتني بِنِعمَتِكَ إلَى بَيتِكَ، وَأَعَنتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازدَد عِنِّي رِضَاءً، وَإلا فَمُنَّ الآنَ، قَبلَ أَنْ تَنْأَى عن بَيتِكَ دَارِي، وَهذَا أَوَانُ انصِرَافِي إنْ أَذِنْتَ لِي غَيرَ مستبدِلٍ بِكَ، وَلَا بِبَيتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنكَ، وَلَا عَنْ بَيتِك، اللهُم فَأَصحَبنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالصِّحَّةَ فِي جِسمِي، وَالعِصمَةَ فِي دِينِي وَأَحسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبقَيتَني، وَاجْمَع لِي بَينَ خَيرَي الدنْيَا وَالآخِرَةِ إنَّكَ عَلَى كل شَيءٍ قَدِير" 1، وَيُصَلِّي عَلَى النبِي - صلى الله عليه وسلم -، وَيَأْتِي الْحَطِيمَ أَيضًا وَهُوَ: تَحتَ الْمِيزَابِ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ زَمزَمَ، وَيَستَلِمُ الْحَجَرَ وَيُقَبِّلُهُ، فَإِذَا خَرَجَ وَلَّاها ظَهرَهُ، قَال أَحمَدُ: فَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ، فَإِنْ 2 فَعَلَ أَعَادَ الْوَدَاعَ نَدبًا، وَتَدعُو حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مِنْ بَابِ الْمسجِدِ.
وَسُنَّ دُخُولُ الْبَيتِ وَالْحِجرُ مِنْهُ حَافِيًا بِلَا خُفٍّ، وَنَعلٍ، وَسِلَاح، وَيُكَبِّرُ وَيَدعُو فِي نَوَاحِيهِ، وَيُصلي فِيهِ رَكعَتَينِ، وَيُكْثِرُ النظَرَ إلَيهِ، لَأنهُ عِبَادَةٌ، وَلَا يَرفَعُ بَصَرَهُ إِلى سَقْفِهِ، وَلَا يَشتَغِلُ بِذَاتِهِ بَلْ بِإِقْبَالِهِ عَلَى رَبِّهِ.

فصل وَسُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِ النبِي - صلى الله عليه وسلم -، وقَبرَي صَاحِبَيهِ -رضي الله عنهما-، فَإِذَا دَخَلَ مَسْجِدَهُ بَدَأَهُ بِالتحِيةِ، ثُم يَأتِي الْقَدرَ الشرِيفَ فَيَقِفُ قُبَالةَ وَجْهِهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ مُستدبِرَ القِبلَةِ، مُطرِقًا غَاضَّ البَصَرِ خَاضِعًا خَاشِعًا مَملُوءَ الْقَلبِ هيبَةً، كَأنهُ يَرَى النبِي - صلى الله عليه وسلم -، فَيُسَلِّمُ عَلَيهِ فَيَقُولُ: "السلَامُ عَلَيك يَا رَسُولَ الله"، كَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ زَادَ فَحَسَنٌ، كَالنُّطْقِ بِالشهادَتَينِ و: "أَشهدُ أَنَك قَدْ بَلَغتَ رِسَالة رَبكَ، وَنَصحتَ لأُمتِكَ، وَدَعَوْتَ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَعَبَدتَ الله حَتَّى أَتَاك اليَقِينُ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيك كَثِيرًا كَمَا يَحِب رَبنَا وَيَرضى".
ثُم يَتَقدَّمُ قَلِيلًا مِنْ مَقَامِ سَلَامِهِ نَحوَ ذِرَاع عَلَى يَمِينِهِ، وَيَقُولُ: "السلَامُ عَلَيك يَا أَبَا بَكرٍ الصديقَ، السلَامُ عَلَيكَ يَا عُمَرُ الْفَارُوقُ، السلَامُ عَلَيكُمَا يَا صَاحِبَي رَسُولِ الله وَضَجِيعَيهِ وَوَزِيرَيهِ، اللهم اجْزِهِمَا عن نَبِيِّهِمَا وَعَن الإِسلَامِ خَيرًا، سَلَامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبرتُم فَنِعمُ عُقْبَى الدارِ".
ثُمَّ يَسْتَقبِلُ القِبلَةَ، وَيَجعَلُ الْحجرَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَدعُو بِمَا أَحب، ويحرُمُ الطوَافُ بِها قَال الشيخُ يَحرُمُ طَوَافُهُ بَغَيرِ الْبَيتِ اتفَاقا، وَكُرِه تَمَسحٌ بِالْحُجرَةِ وَرَفعُ صَوتٍ عِندَها، وَلَا يَمسُّ قَبرَهُ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَا حَائِطَهُ، وَلَا يُلصِقُ بِهِ صَدْرَهُ، وَلَا يُقبِّلُهُ، وَإذَا أَوْصَاهُ أَحَد بِالسلَامِ، فَلْيَقُل:

"السلَامُ عَلَيك يَا رَسُولَ الله مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ".
وَإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ صَلَّى رَكْعَتَينِ وَعَادَ إلى الْقَبْرِ فَوَدَّعَ وَأَعَادَ الدُّعَاءَ، قَالهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَإذَا تَوَجَّه، قَال: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ وَلِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وعدَهُ، وَنَصَرَ عَندَهُ، وَهزَمَ الأَحزَابَ وحدَهُ" 1. وَسُن زِيَارَةُ مُشَاهدِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقِيعِ، وَمَنْ عُرِفَ قَبْرُهُ بِها، كَإِبرَاهِيمَ ابنِهِ عَلَيهِ السلَامِ، وَعُثمَانَ، وَالعَباسِ، وَالحَسَنِ، وَأَزْوَاجِهِ، وَزِيَارةُ شُهدَاءِ أُحُدٍ، وَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَالصَلَاةُ فِيهِ، وَبَيتِ الْمَقْدِسِ، وَلَا بَأسَ أَنْ يُقَال لِلحَاجِّ إذَا قَدِمَ: "تَقبَّلَ الله مَنسَكَكَ 2، وَأَعظَمَ أَجْرَك، وَأَخلَفَ نَفَقَتَكَ" (3). وَقَال أَحمَدُ لِرَجُلٍ: "تَقبلَ اللهُ حَجَّك، وَزَكَّى عَمَلَك، وَرَزَقَنَا وَإيَّاكَ العودَ إلَى بَيتِهِ الحَرَامِ"، وَفِي المستوعبِ كَانُوا يَغْتَنِمُونَ أَدعِيَةَ الحَاجِّ، قَبلَ أَن يَتَلَطخُوا بِالذنُوبِ.

فصل مَنْ أَرَادَ الْعمرَةَ وَهُوَ بِالْحَرَمِ خَرَجَ فَأَحرَمَ مِنْ الحِلِّ، وَالأَفْضَلُ مِنْ التنْعِيمِ، فَالْجِعِرَانَةُ تَلِيهِ، فَالْحُدَيبِيَةُ، فَمَا بَعُدَ، وَحَرُمَ مِنْ الْحَرَمِ، وينْعَقِدُ وَعَلَيهِ دَم.
ثُم يَطُوفُ وَيَسعَى، وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحلِقَ أَوْ يُقصِّرَ، وَلَا بَأْسَ بِها فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَفِي غَيرِ أَشْهُرِ الْحج أَفضَلُ، وَكُرِه مُوَالاة بَينَهُمَا وَإكْثَار مِنْها، هُوَ بِرَمَضَانَ أَفْضَلُ، فَعُمرَة بِهِ تَعدِلُ حَجَّة، وَلَا يُكْرَهُ إحرَام بِها يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالنحرِ وَأَيامَ التَّشْرِيقِ، وَتجْزِئُ عُمرَةُ الْقَارِنِ، وَمِنَ الْحَرَمِ عَنْ عُمرَةِ الإِسْلَامِ، وَتُسَمَى حَجًّا أَصغَرَ.
فصل أَركَانُ حَجٍّ أَربَعَةٌ: إحرَامٌ، وَوَقُوفٌ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ زِيَارَةٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ رَجَعَ مُعتَمِرًا.
وَيتَّجِهُ: إنْ بَعُدَ 1. وَسَعيٌ.
وَأَركَانُ عُمرَةٍ: إحرَامٌ مِنْ الْحِلِّ، فَمَنْ تَرَكَ الإِحرَامَ لَمْ يَنْعَقد نُسُكُهُ، وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا غَيرَهُ لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ، أَوْ شَرطًا فِيهِ لَمْ يَتِم نُسُكُهُ إلا بِهِ.

وَوَاجِباته: إحرَامٌ مِنْ مِيقَاتٍ، وَوُقُوفُ مَنْ وَقَفَ نَهارًا 1 للغُرُوبِ، وَمَبِيتٌ بِمُزْدَلفَةَ لِبَعدِ نِصفِ لَيلٍ إنْ وَافَاها قَبْلَهُ، وَمَبِيتٌ بِمِنًى وَرَمى مُرَتَّبًا، وَحَلقٌ أَوْ تَقصِيرٌ، وَطَوَافُ وَدَاعٍ وَهُوَ الصدرُ.
وَقَال الشَّيخُ: طَوَاف الْوَدَاع لَيسَ مِنْ الحج، وَإِنَّمَا هُوَ لِكُل مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكةَ، وَهُوَ أَظهرُ، فَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا وَلَوْ سَهْوا أَوْ جَهْلًا، فَعَلَيهِ دَمٌ، فَإِنْ عَدَمَهُ فَكَصَوْمِ مُتعَةٍ.
وَيَتجِهُ: مِنهُ لَا شَيءَ عَلَى فَاعِلِ مَحظُورٍ قَبْلَ حَلْقِهِ لِكنَّهُ يَحرُمُ.
وَالْمَسْنُونُ كَمَبِيتٍ بِمِنىً ليلةَ عَرَفَةَ، وَطَوَافِ قُدُوم، وَرَمَل، وَاضْطِبَاعٍ، وَتَلْبِيَةٍ وَاستِلَامِ الرُكْنَينِ، وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَمَشْيٍ، وَسَعيٍ فِي مَوَاضِعِهِمَا، وَخُطَبٍ وَأَذْكَارٍ، وَدُعَاءٍ وَرُقِيٍّ بِصَفَا وَمروَةَ، وَاغْتِسَالٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنٍ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ إحرَامٍ، وَعَقِبَ طَوَافٍ، وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ عِنْدَ رميٍ، وَلَا شَيءَ فِي تَركِ ذَلِكَ كلِّهِ وَيَجِبُ بِنَذْرٍ.
فوَائِدُ: كُرِهَ تَسْمِيَةُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً، لأَنه اسْمٌ جَاهِلِي.
وَقَوْلُ: حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لأَنهُ اسْمٌ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ.
وَقَوْلُ: شَوْطٌ، بَلْ طَوْفَةٌ وَطَوْفَتَانِ.
وَيُعتَبَرُ فِي ولَايَةِ أَمِيرٍ حَاجٍّ كَوْنُهُ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ وَشجَاعَةٍ وَهِدَايةٍ، وَعَلَيهِ جَمعُهُم وَترتِيُبهُم وَحِرَاسَتُهُم فِي الْمَسِيرِ، وَالنُّزُولِ وَالرفْقِ بِهِم، وَالنصحِ، وَيَلْزَمُهُم طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَيُصلِحُ بَينَ الْخَصمَينِ، وَلَا يَحكُمُ

إلا إنْ فُوِّضَ إليهِ، فَيُعتَبَرُ كَونُهُ أهلًا وَشهرُ السلَاحِ عِنْدَ قُدُومِ تَبُوكَ بِدعَةٌ، زَادَ الشيخُ مُحَرَّمَةٌ، وَقَال: مَنْ اعتَقَدَ أن الْحجَّ يُسقِطُ مَا عَلَيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، فَإِنَّهُ يُستَتَابُ بَعدَ تَعرِيفِهِ إن كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ تَابَ، وَإلا قُتِلَ، وَلَا يسقُطُ حَقُّ آدَمِي مِنْ مَالٍ أَوْ عِرضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعا.
انْتهى.
وَيَتجِهُ: وَحَدِيثُ: "الْحَج يُكَفِّرُ حَتَّى التَّبَعَاتِ"، مَحمُولٌ عَلَى مَن مَاتَ قَبلَ تَمَكُّنٍ مِنْ قَضَائِها، وَاحتَمَلَ وَلَوْ لَم يَتُبْ، وَإِلا فَلَا مَزِيَّةَ لِلْحَجِّ، لأنَّ التوبَةَ بِدُونِهِ 1 كَذَلِكَ، وَأَن مِثلَهُ الشهادَةُ 2. وَوَقَعَ خُلفٌ هل الأفضَلُ الْحجُّ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا.
وَيَتَّجِهُ: الحج مِنْ مَكةَ مَاشِيًا أَفضَلُ، وَلِلْبَعيدِ رَاكِبًا لِحَدِيثِ: "مَنْ حَجَّ مِنْ مَكةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرجِعَ إلَى مَكةَ كَتَبَ اللهُ لَهُ بكُل خَطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الحَرَمِ" 3.

بَابٌ الفَواتُ وَالإِحصَارُ

الفَوَاتُ: السبَقُ، وَالإِحصارُ: الْحَبْسُ، فَمَنْ طَلَعَ عَلَيهِ فَجرُ يَوْمِ النَّحرِ وَلَم يَقِفْ بِعَرَفَةَ لِعُذرِ حَصْرٍ أَوْ غَيرِهِ، فَاتَهُ الْحجُ، وَانْقَلَبَ إحرَامُهُ عُمرَةً، وإنْ لَم يَخْتَر بَقَاءَهُ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ فَيَتَحَلَّلُ بِها، وَلَوْ لَمْ يَنْوهِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ عُمرَةِ الإِسلَامِ لِوُجُوبها كَمَنذُورَةٍ، وَتَسقُطُ عَنْهُ تَوَابِعُ وُقُوف مِنْ نَحوِ مَبِيتٍ وَرميٍ وَعَلَى مَنْ لَم يَتَحلَّل قَبْلَ فَوتٍ بِنَحو عُمرَةٍ، وَلَم يَشترِط أَولُ إحرَامِهِ قَضَاءٌ حَتَّى النَّفَلُ وَهديٌ أَوْ نَحوهِ 1 مِنْ وَقْتِ الفَوَاتِ يُؤَخِّرُ لِلقَضَاءِ، فَإِنْ عُدِمَهُ زَمَنَ وُجُوبِهِ صَامَ كَمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَة فِي الْحج وَسبْعَةً إذَا رَجَعَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهم أَن زَمَنَ الوُجُوبِ وَقْتُ الْفَوَاتِ أَوْ الأَثرُ بِخِلَافِهِ، وَلَا يُهْدِي قِنٌّ وَلَوْ أذِنَ سيدُهُ فَيَصُومُ، وَيَجِبُ قَضَاءٌ عَلَى صَفَةِ أَدَاءٍ، فَمَنْ فَاتَهُ الْحجُّ قَارِنًا، قَضَى قَارِنًا، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهم فِي دَمِ المُتَمِتعِ، وَإذَا قَضَى مُفرِدًا لَم يَلْزَمهُ شَيءٌ، وَمَنْ مُنِعَ الْبَيتَ ظُلمًا، وَلَوْ بَعدَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ 2 وَلَم يَرمِ، وَيَحْلِقْ أَوْ فِي عُمرَة ذَبَحَ هديًا حَيثُ أُحصِرَ بِنِيَّةِ التَّحلُّلِ وُجُوبًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدهُ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ، وَحَلَّ.
وَيتَّجِهُ: صِحَّةَ تَتْمِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ أَركَانِ حَجهِ بِإِحْرَامٍ ثَان إذَا زَال حَصرُهُ.

وَلَا إطعَامَ فِي ذَلِكَ وَلَا مدخَلَ لِحَلقٍ أَوْ تَقصِيرٍ خِلَافًا لَهُ، وَعِنْدَ بَعضِ إن عَجَزَ عَنْ صَوْمٍ لِعُذْرٍ حَلَّ، ثُم صَامَ بَعدَةُ، وَمَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذَبْحٍ أَوْ صَوْمٍ لَم يَحِلَّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِكُلِّ مَحظُورٍ، وَدَمٌ لِتَحلُّلِهِ، بِالنيةِ، وَفِي المُغْنِي والشرحِ لَا لِعَدَمِ تَأثِيرِهِ.
وَلَا قَضاءَ عَلَى مُحصَرٍ تَحلَّلَ قَبلَ فَوتِ حَجٍّ 1، وَمِثْلُهُ مَنْ جُنَّ أَوْ أُغمِيَ عَلَيهِ، لَكِنْ مَنْ أَمكَنَهُ فِعلُ الْحَجِّ ذَلِكَ العَامَ لَزِمَهُ، وَإِلا فَلَا، فَلَوْ حُصِرَ فِي فَاسِدٍ وَتَحلَّلَ، ثُمَّ أَمكَنَهُ فَلَهُ الْقَضَاءُ فِي عَامِهِ، وَمَنْ صُدّ عَنْ عَرَفَةَ فِي حَجٍّ، تَحَلَّلَ بِعمرَةٍ مَجانًا، وَإِنْ أَمكَنَ المُحصَرَ وُصُولٌ مِنْ طَرِيقٍ آخرَ لَزِمَهُ، وَلَوْ بَعُدَت أَوْ خَشِيَ الفَوَاتَ، وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهابِ نَفَقَةٍ، أَوْ ضلَّ الطرِيقَ، بَقِيَ مُحرِمًا حَتى يَقدِرَ عَلَى البَيتِ، فَإِن فَاتَهُ الحجُّ تَحَلَّلَ بِعُمرَةٍ، وَلَا يَنْحَرُ هديَهُ إلا بِالحَرَمِ، وَيُبَاحُ تَحَلُّلٌ لِحَاجَةِ قَتَالِ عَدُوٍّ أَوْ بَذْلِ مَالٍ لَا يَسِيرَ لِمسُلِمٍ، وَنُدِبَ قِتَالُ كَافر وَمَنْ قَاتَلَ قَبلَ تَحَلُّلٍ، وَلَبِسَ مَا تَجِبُ فِيهِ فِدْيَةٌ لِحَاجَةٍ جَازَ وَفَدَى، وَمَنْ حُصِرَ عَنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَقَدْ رَمَى وَحَلَقَ، لَم يَجُر تَحَلُّلُهُ لِنَحو جَمَاعٍ حَتى يَطُوفَ، وَمَنْ حُصِرَ عَنْ وَاجِبٍ، لَمْ يَتَحَلَّل وَعَلَيهِ دَمٌ.
وَيَتَّجِهُ: وَيَرجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ حَصَرَهُ.
وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحرَامِهِ: "أَن مَحِلِّي حَيثُ حَبستَنِي"، أَوْ إنْ مَرِضْتُ فَلِي أَنْ أَحِلَّ، خُيِّرَ بوُجُودِ مُشْرُوطِهِ بَينَ تَحلُّلٍ مَجانًا، وَبَقَاءٍ عَلَى إحرَامِهِ، وَإن قَال: إنْ مَرِضْت مَثَلًا فَأَنَا حَلَالٌ، حَلَّ

بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُم، أَوْ إلا يَسِيرًا في غَيرِ يوْمِ عَرَفَةَ خَطَأَ أَجزَأَهُم، وَيُجْزِئُ وُقُوفُ العَاشِرِ إجمَاعًا، وَلَوْ رَآهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَرُدَّت شَهَادَتُهُم 1، لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالوُقُوفِ، بَل الوُقُوفُ مَع الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ في الفُرُوعِ يَقِفُ مَنْ رَآهُ في التَّاسِعِ عِنْدَهُ، وَمَعَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ حَسَنٌ.

بَابٌ الهَدْيُ وَالأَضَاحِيِ والعَقِيقَةُ

الْهَدْيُ: مَا يُهْدَى لِلْحَرَمِ مِنْ نَعَمٍ وَغَيرِهَا، وَالأُضحِيةُ مَا يُذْبَحُ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ أَهليةٍ، أَيَّامَ النَّحرِ، بِسَبَبِ الْعِيدِ، تَقَرُّبًا إلَى الله تَعَالى، وَلَا تُجزِئُ أضْحِيةٌ عنْ غَيرِهَا بِأنوَاعِهَا، فَلَا يُجْزِئُ وَحْشِيٌّ وَلَا مُتَوَلَّدٌ 1، وَيَصِحُّ هَدْيُ كُلِّ مُتَمَوَّلٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ، وَأَهْدَى - صلى الله عليه وسلم - في حَجِّهِ مَائَةَ بَدَنَةٍ.
وَالأَفضَلُ فِيهِمَا إبِلٌ فَبَقَرٌ إنْ أُخْرِجَ كَامِلًا، وَإِلا فَغَنَمٌ، ثُمَّ شِرْكٌ في بَدَنَةٍ، ثُمَّ في بَقَرَةٍ، وَمَنْ كُل جِنْسٍ أَسْمَنُ، فَأَغْلَى ثَمَنا، فَأَشْهَبُ وَهُوَ: الأَملَحُ، وَهُوَ: الأبيَضُ، أَوْ مَا بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ، فَأَصْفَرُ، فَأَسْوَدُ، قَال أَحْمَد: يُعجِبُنِي البَيَاضُ، وَقَال: أَكرَهُ السوَادَ.
وَجَذَعُ ضَأْن أَفضَلُ مِنْ ثَنِيِّ معزٍ، وَكُل مِنْهُمَا أَفضَلُ مِنْ سُبعِ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ أحَدِهِمَا سَبْعُ شِيَاهٍ، وَتَعَدُّدٍ في جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ غَالٍ بِدُونِهِ، فَبَدَنَتَانِ بِتِسْعَةٍ 2، أَفْضَلُ من بَدَنَةٍ بِعَشَرَةٍ، وَذَكَرٌ وَأُنْثَى سَوَاءٌ.
وَيَتجِهُ: لَكِنَّ الخَصِيَّ رَاجِحٌ.
وَرَجَّحَ المُوَفَّقُ الكَبْشَ عَلَى سَائِرِ النَّعَمِ، وَلَا يُجْزِئُ دُونَ جَذَعِ ضَأنٍ مَا لَهُ سِتَةُ أَشهُرٍ، وَثَنِيِّ مَعْزٍ مَا لَهُ سَنَةٌ، وَثَنِيِّ بَقَرٍ مَا لَهُ سَنَتَانِ،

وَثَنِيِّ إبِلٍ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَتُجزِئُ شَاةٌ عَنْ وَاحِدٍ وَأَهلِ بَيتِهِ وَعِيَالِهِ وَمَمَالِيكِهِ، وَبَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ، وَيُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا عَنْهُمْ، فَلَا يُجزِئُ اشْتِرَاكٌ بَعْدَ ذَبحٍ أَوْ شِرَاءُ مَذْبُوحَةٍ.
وَتُجزِئُ لَوْ أَرَادَ بَعضُهُمْ قُرْبَةً، وَبَعْضُهُمْ لَحْمًا، أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ ذِميًّا وَلَوْ ذَبَحُوهَا عَلَى أَنهُم سَبْعَةٌ، فَبَانُوا ثَمَانِيَة، ذَبَحُوا شَاةً وَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَوْ اشْتَرَكَا في شَاتَينِ مَشَاعًا، أَجْزَأَ، وَتُجْزِئُ جَمَّاءُ، وَهِيَ: مَا خُلِقَتْ بِلَا قَرنٍ، وَبَتْرَاءُ مَا لَا ذَنَبَ لَهَا خِلْقَةً 1، أَوْ مَقطُوعا، وَصَمْعَاءُ صَغَيرَةُ أُذُنٍ، وَمَا خُلِقَت بِلَا أُذُنٍ، وَخَصِيٌّ وَمَرْضُوضُ خِصْيَتَينِ وَحَامِلٌ وَذَاهِبٌ نِصْفُ أَليَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ قَرْنِهِ لَا أَكثَرُ، وَلَا مَا انكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا، وَهِيَ: العَصْمَاءُ، وَلَا مَا ذَهَبَت ثَنَايَاهُ مِنْ أَصْلِهَا، وَهِيَ: الهَتْمَاءُ، وَلَا مَا شَابَ وَنَشَفَ ضَرْعُهَا، وَهِيَ: الْجَدَّاءُ وَالْجَدْباءُ، وَلَا عَرْجَاءُ لَا تَطِيقُ مَشْيًا مَعَ صَحِيحَةٍ، وَلَا بَيِّنَةُ الْعَوَرِ، بِأَنْ انخَسَفَتْ عَينُهَا، وَلَا قَائِمَةُ عَينَينِ مَعَ ذَهَابِ إبْصَارِهِمَا، وَلَا عَجْفَاءُ لَا تُنْقِي وَهِيَ: الهَزِيلَةُ الّتِي لَا مُخَّ فِيهَا، وَلَا بَيِّنَةُ المَرَضِ بِجَرَبٍ أَوْ غَيرِهِ، وَلَا خَصِيٌّ مَجبُوبٌ أَوْ غَيرُ مِلْكِهِ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ، وَكُرِهَ مَعِيبَةُ أُذُنٍ وَقَرْنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِنصْفِ فَأَقَلَّ، وَهِيَ: الْعَضبَاءُ.
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: إليَةِ كَذَلِكَ وَحَامِلٌ.
فَرْعٌ: في الْمُبدِعِ: لَا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ عَيبٌ حَدَثَ بِمُعَالجَةِ ذَبْحٍ.

فصلٌ وَسُنَّ نَحرُ إبِلٍ قَائِمَةٍ مَعقُولَةٍ يَدُهَا اليسرَى، بِأن يَطعَنَهَا في الوَهدَةِ بَينَ أَصْلِ العُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ عَلَى جَنْبِهَا الأَيسَرِ مُوَجَهَةً لِلْقِبلَةِ، وَيَقُولُ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾.
الآيةَ، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
الآية، وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ: "اللهم تَقَبَّل مِنْ فُلَانٍ كَوَكِيلٍ أَوْ اللهم تَقَبل مِنِّي كَمَا تَقَبلتَ مِنْ إِبرَاهِيمَ خَلِيلِكَ"، وَيُسَمِّي حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ وُجُوبًا وَيكبرُ نَدْبًا، وَيَقُولُ: "اللهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ" 1 وَيَذْبَحُ واجِبا قَبْلَ نَفلٍ، وَسُنَّ إِسلَامُ ذَابحٍ، وإلا كُرِهَ وَتُوَلِّيهِ بِنَفْسِهِ أَفضَلُ كَحُضُورِهِ إِنْ وَكَّلَ، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةٌ حَال تَوْكِيلٍ.
وَيَتَّجِهُ احتِمَالٌ 2: لَا نِيَّةُ وَكِيلٍ وَلَوْ مَعَ طُولِ زَمنٍ.
وَلَا مَعَ تَعْيِيِنِ أَضحِيةِ مُطلَقًا، وَلَا تَسْمِيَةِ مُضْحًى عَنْهُ وَوَقْتِ ذَبْحِ أَضْحِيَّةٍ، وَهَذيِ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَمُتْعَةٍ وَقِرَانٍ، مِنْ بَعدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْبَلَدِ أَوْ قَدْرَهَا لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ.
وَيَتَّجِهُ: بِبَلَدٍ لَا تَجِبُ عَلَيهُم 3. وَإِنْ فاتَتَ صَلَاةٌ بِزَوَالٍ ذَبَحَ إِلَى آخِرِ ثَانِي أَيامِ التَّشْرِيقِ، وفِي أَوَّلِهَا فَمَا يَلِيهِ أَفْضَلُ، وَتُكْرَهُ لَيلًا فَإِنْ فَاتَ الْوَقْت قَضَى الْوَاجِبَ كَأَدَاءٍ

وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ، فَلَو ذَبَحَهُ بَعْدُ، فَلَحْمٌ يُصنَعُ بِهِ مَا شَاءَ كَذبْح قَبْلَ وَقتِهِ، وَوَقْتُ وَاجِبٍ بِمَحْضُورٍ من حِينِهِ، وَتَقَدَّمَ كَوَاجِبٍ لِتَرْكِ وَاجِبٍ.
تَنْبِيهٌ: شُروطُ أُضْحِيةٍ: نَعَمٌ أَهليةٌ وَسَلَامَةٌ وَدُخُولُ وَقتٍ وَصِحَّةُ ذَكَاةٍ.
فصلٌ التَّضحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، عَنْ مُسلِمٍ تَامِّ المِلْكِ أَوْ مُكَاتَبٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَقَال الشيخُ: الأُضحِيةُ مِنْ النَّفَقَةِ بِالمَعْرُوفِ، فَتُضَحِّي الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عَنْ أهلِ الْبَيتِ بِلَا إذْنِهِ، وَمَدِينٌ لَم يُطَالِبْهُ رَبُّ الدِّينِ.
انتَهَى.
وَيَتجِهُ: وَيَقتَصِرُ عَلَى أَدْوَنَ مُجزِئٍ 1، وَكَذَا وَلِيُ يَتِيمٍ عَنْهُ.
وَكُرِهَ تَرْكُهَا لِقَادِرٍ، وَعَنْ مَيتٍ أَفْضَلُ مِنهَا عَنْ حَيٍّ، وَيُعْمَلُ بِهَا كَعَنْ حَيٍّ، وَتَجِبُ بِنَذْرٍ، وَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ، وَذَبْحُهَا وَعَقِيقَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِثَمَنِهِمَا، وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا قَامَ وَارِثُهُ مُقَامَهُ، وَسُنَّ أَكلُهُ وَهَدِيَّتُهُ وَصَدَقَتُهُ أَثْلَاثًا مِنْ أُضْحِيةٍ، وَلَوْ وَاجِبَةً، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ.
وَيُهْدِي لِكَافِرٍ مِنْ تَطَوُّع لَا مِنْ مَالِ يَتيمٍ، وَمُكَاتَب في إهْدَاءٍ وَصَدَقَةٍ وَيُوَفِّرُهَا لَهُ، وَيَلزَمُ غَيرَهُمَا تَصَدُّقٌ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ لَحمٍ لِوُجُوبِ صَدَقَةٍ بِبَعْضِهَا، وَيُعْتَبَرُ تَملِيكُ فَقِيرٍ لَحْمًا نِيئًا، فَلَا يَكْفِي

إطْعَامُهُ، وَنُسِخَ تَحْرِيمُ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَكَانَ مِنْ شِعَار الصَّالِحِينَ تَنَاوُلُ لُقْمَةٍ مِنْ نَحْو كَبِدِهَا تَبَرُّكًا، وَلَهُ إعْطَاءُ الْجَازِرِ مِنهَا هَدِيَّةً وَصَدَقَةً، لَا بِأُجرَتِهِ، وَيَتَصَدَّقُ نَدْبًا أَوْ يَنتَفِعُ بِجِلْدِهَا وَجَلِّهَا.
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: وَمِثلِهِ هَدْيٌ، وَلَوْ وَاجِبًا.
وَحَرُمَ بَيعُ شَيء مِنهَا وَلَوْ تَطوُّعًا، وَمِن جِلْدٍ وَجَلٍّ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ، وَلَوْ بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ غَيرِ دَمِ مُتعَةٍ وَقِرَانٍ فَإِنْ أَكَلَ هُوَ أَوْ رِفْقَتَهُ خَاصَّهُ وَلَوْ فُقَرَاءَ، حَرُمَ وَضُمِنَ بِمِثْلِهِ لَحمًا، وَمَا لَمْ يَبْلُغ مَحِلَّهُ 1، وَمَا مَلَكَ أَكْلَهُ فَلَهُ هَدِيَّتُهُ، وَإلا ضَمَنَ بِمِثْلِهِ، كَبَيعِهِ وَإِتْلَافِهِ.
وَيَضْمَنُهُ أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ مَنَعَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ حَتَّى أَنَتَنَ، ضَمِنَ نَقْصهُ، إنْ انتَفَعَ بِهِ، وَإِلا فَقِيمَتَهُ.
وَيَتجِهُ: يَشتَرِي بِهَا مِثلَهُ.
وَمَنْ فرَّق وَاجِبًا وَلَوْ أُضحِيةً بِلَا إذْنٍ لَم يَضمَنْ وَأَجْزَأَ، وَيُبَاح لِفُقَرَاءَ أَخْذ مِنْهُ بِإِذنٍ كَقَوْلِهِ مَنْ شَاءَ اقتَطَعَ، أَوْ بِتَخْلِيَةٍ بَينَهُمْ وَبَينَهُ، وَإِن سُرِقَ بِلَا تَفرِيطٍ مَذْبُوحٌ لَا حَيٌّ مِنْ أَضْحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً، أَوْ عَنْ وَاجِبٍ بِذِمَّةٍ وَلَوْ بِنَذْرٍ، فَلَا شَيءَ عَلَيهِ.
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: وَمِثلُهُ مَسرُوقٌ مِنْ نَحْو مُتْعَةٍ، وَمَا وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحظُورٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَينْ فَسُرِقُ قَبْلَ ذَبْحٍ 2، ضَمِنَ.
وَيتجِهُ: أَوْ لَمْ يُسْرَق.

وَإِنْ ذَبَحَهَا في وَقْتِهَا بِلَا إذْنٍ، فَإِنْ نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنها أُضحِيةُ الغَيرِ وَفَرَّقَ لَحمَهَا، لَمْ تُجْزِ، وَضَمِنَ مَا بَينَ الْقِيمَتَينِ، إنْ لَمْ يُفَرِّق لَحْمَهَا، وَقِيمَتَهَا إنْ فَرَّقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَم أَجزَأَتْ لِعَدَمِ افْتِقَارِ نِيةِ ذَبحٍ، وَلَا ضَمَانَ فَلَوْ ضَحَّى اثْنَان كُلٌّ بِأضْحِيةِ الآخَرِ غَلَطًا، كَفَتْهُمَا، وَلَا ضَمَانَ، وَإنْ بَقِيَ اللَحْمُ تَرَادَّاهُ.
فَرْعٌ: إذَا دَخَلَ العَشرُ حَرُمَ فَقَط عَلَى مَنْ يُضَحِّي أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ، أَخَذَ شَيء مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ إلَى الذَّبْحِ، وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ يُضَحِّي بِأَكثَرَ.
وَيتَّجِهُ: هَذَا في غَيرِ مُتَمَتِّعٍ حَلَّ.
وَسُنَّ حَلْقٌ بَعْدَهُ.

فصلٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ: بهَذَا هَدْيٌ، أَوْ بِتَقْلِيدِهِ أَوْ إشْعَارِهِ بِنِيَّتِهِ، وَأَضْحِيةٌ: بهَذِهِ أَضْحِيةٌ أَوْ لله، أَوْ صَدَقَةٌ، أَو نَحْوُهُ مِنْ أَلْفَاظِ النَّذرِ فِيهِمَا.
وَيَتجِهُ: لَا إنْ قَالهُ نَحْوُ مُتَلَاعِبٍ وَيَدِينُ.
وَلَا تَعْيِينَ بِنِيةٍ حَال شِرَاءٍ أَوْ بِسَوقٍ، كَإِخْرَاجِهِ مَالا لِصَدَقَةٍ بِهِ، وَمَا تَعَيَّنَ جَازَ نَفْلٌ مُلِكَ فِيهِ وَشِرَاءُ خَيرٍ مِنْهُ، وَيَصِيرُ مُعَينًا بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ وَإبْدَالُ لَحْمٍ بِخَيرٍ مِنْهُ لَا بِمِثلِ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَلَا بَيعُهُ في دَينٍ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتٍ، وَإن عَيَّنَ فِيهِمَا مَعْلُومَ عَيبِهِ، تَعَيَّنَ وَذَبحٌ بِوَقتِ أضْحِيةٍ، وَكَانَ قُرْبَةً لَا أَضحِيةً، مَا لَمْ يَزُل عَيبُهُ قَبْلَ ذَبْحٍ.
وَيَتَّجِهُ: لَا إنْ عَيَّنَ نَحْوَ ضَبٍّ وَظِبَاءٍ.
وَيَملِكُ رَدَّ مَا عَلِمَ عَيبَهُ بَعْدَ تَعْيِيِنِهِ، أَوْ أَخْذَ أَرشِهِ، وَهُوَ كَفَاضِلِ قِيمَةٍ فِيمَا يَأْتِي، وَلَوْ بَانَت مَعِيبَةً مُسْتَحَقَّةً، لَزِمَهُ بَدَلُهَا اعْتِبَارًا بِمَا في ظَنِّهِ، وَيَرْكَبَ لِحَاجَةٍ فَقَطْ بِلَا ضَرَرٍ، وَيَضمَنُ النَّقْصَ، وَحَرُمَ بِلَا حَاجَةٍ وَوَلَدُ مُعَينَةٍ كَهِيَ، وَلَوْ حَادِثًا فَيُذْبَحُ مَعَهَا إنّ أَمْكَنَ حَمْلُهُ أَوْ سَوْقُهُ، وَإِلا فكَهَدْيٍ عَطِبَ، وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلا مَا فَضُلَ عَنْهُ، وَإلا حَرُمَ، وَضَمَنَهُ، وَيَجُزَّ صَوفَهَا وَنَحْوَهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَيَتَصَدَّقُ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ كَجِلْدٍ 1.

وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ أَوْ صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَومَ تَلَفٍ تُصْرَفُ في مِثلِهَا كَهَدْي أُتلِفَ أَوْ عَابَ بِفِعلِهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ بِخِلَافِ قِنٍّ تَعَينَ لِعِتْقٍ فَأَتلَفَهُ فَلَا، وَإنْ فَضَلَ عَنْ شِرَاءِ المِثلِ شَيءٌ اشتَرَى بِهِ شَاةَ أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِلَحْمٍ يَشتَرِي بِهِ كَأَرْشِ جِنَايَةٍ في نُقْصَانِهَا، وَلَوْ مَرِضَت فَخَافَ عَلَيهَا فَذَبَحَهَا، فَعَلَيهِ بَدَلُهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا فَمَاتَتْ، فَلَا، وَعَكْسُهَا هَدْيٌ، فَلَوْ عَطِبَ بِطَرِيقٍ، هَدْيُ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ بِنِيَّةٍ دَامَتْ ذَبَحَهُ مَوْضِعَهُ فَلَوْ فَرَّطَ ضَمِنَهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَسُنَّ غَمسُ نَعلٌ بِعُنُقِهِ في دَمِهِ وَضَربُ صَفْحَتَهِ بِهَا لِيَأخُذَهُ الْفُقَرَاءُ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ وَخَاصَّتِهِ مِنْهُ كَمَا مَرَّ، وَيُجْزِئُ ذَبْحُ مَا تَعَيَّبَ لَا بِتَفْرِيطِهِ مِنْ وَاجِبٍ كَتَعْيِيِنِه مَعِيبًا، فَبَرِئَ، وَإِنْ عَيَّنَهُ عَن وَاجِبٍ سَلِيمٍ بِذَمَّتِهِ كَفِدْيَةٍ وَمَنْذُورٍ تَعَيَّنَ وَلَم يُجزِهِ، وَعَلَيهِ نَظِيرُهُ سَلِيمًا، وَلَوْ زَادَ عَمَّا بِذِمَّتِهِ كَبَدَنَةِ عُيِّنَتْ عَنْ شَاةٍ، وَكَذَا لَوْ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ، وَلَيسَ لَهُ اسْتِرجَاعُهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيهِ بَعْدَ نَحرِ بَدَلِهِ أَوْ تَعيِينِهِ.
فصلٌ يَجِبُ هَدْيٌ بِنَذْرٍ، وَمِنهُ إنْ لَبِسْتُ ثَوْبًا مِن غَزْلِكِ فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ، وَسُنَّ سَوقُ حَيَوَانٍ مِنْ الْحِلِّ، وَأَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَإشعَارُ بُدْنٍ وَبَقَرٍ بِشَقِّ صَفْحَةٍ يُمْنَى مِنْ سَنَامٍ أَوْ مَحِلِّهِ حَتى يَسِيلَ الدَّمُ، وَتَقلِيدُهُمَا مَعَ غَنَمِ النَّعْلَ وَآذَانَ قُرَبٍ وَعُرَى وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ فَأَقَلُّ مُجْزِئٍ، شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَإِنْ ذَبَحَ إحْدَاهُمَا عَنْهُ كَانَتْ كُلَّهَا وَاجِبَةً، وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطلَقَ، وَإِلا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ وَمُعَينًا

أَجزَأَهُ، وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا أَوْ غَيرَ حَيَوَانٍ، وَعَلَيهِ إيصَالُهُ، وَثَمَنِ غَيرِ مَنقُولٍ لِفُقَرَاءِ الحَرَمِ.
وَيَتَّجِهُ: في هَدْيِ صَيدٍ ذَبْحُهُ خَارِجَ الحَرَمِ أَوْ بَيعُهُ وَنَقلُ ثَمَنِهِ.
وَكَذَا إنْ نَذَرَ سَوقَ أُضْحِيَّةٍ لِمَكَّةَ، أَوْ قَال: لله عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ بِهَا، وإنْ عَيَّنَ شَيئًا لِغَيرِ الحَرَمِ، وَلَا مَعصِيَةَ فِيهِ تَعَيَّنَ ذَبحًا وَتَفْرِيقًا لِفُقَرَائِهِ أَوْ إطلَاقُهُ لَهُمْ.
وَيَتَّجِهُ: لِيَنحَرُوهُ.
فَإِنْ كَانَ بِهِ نَحْو صَنَمٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ أَمْرُ كُفرٍ 1، فنَذْرُ مَعصِيَةٍ.
فصلٌ العَقِيقَةُ سُنَّةُ في حَقِّ أَبٍ وَلَوْ مُعسِرًا، وَيَقتَرِضُ نَدبًا، قَال أَحْمَد: أَرْجُو أَنْ يُخْلِفَ الله عَلَيهِ، قَال الشَّيخُ: إن كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَلَا يَعُقَّ غَيرُ أَبٍ، وَلَا مَولُودٌ عَنْ نَفْسِهِ إذا كَبِرَ خِلَافًا لِجَمعٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُكرَهُ.
فعَنْ الغُلَامِ شَاتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فَإنْ عَدِمَ فَواحِدَةٌ، وَعَنْ الجَارِيَةِ شَاةٌ، تُجزِئُ في أَضْحِيَّةٍ، وَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَة إلا كَامِلَةً تُذْبَحُ في سَابعِ ولَادَةٍ ندبا ضحوةً، وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ لَا قَبْلَ ولَادَةٍ، وَيَحْلِقُ فِيهِ رَأْسَ ذَكَرٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا، وَكُرِهَ لَطخُهُ مِنْ دَمِهَا لَا بِزَعفَرَانَ، وَسُنَّ أَذَانٌ في يُمنَى أُذُنَي 2 مَولُودٍ حِينَ يُولَدُ، وَإقَامَةٌ بِيُسْرَى، وَيُحَنَّكُ

بِتَمْرَةٍ بِأَنْ تُمْضَغَ، وَيُدْلَكُ بِهَا دَاخِلَ فَمِهِ، وَيُفْتَحُ لِيَنْزِلَ شَيءٌ مِنْهَا جَوْفَهُ، فَإِنْ فَات ذَبْحٌ بِسَابعٍ، فِفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فِإن فَاتَ فَفِي الحَادِي وَالعِشرِينَ، وَلَا تُعْتَبَرُ الأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيعُقُّ بِأَيِّ يَوْمٍ شَاءَ، وَيَنْزِعُهَا أعضَاءً نَدَبًا، وَلَا يَكسِرُ عَظمَهَا، وَطَبْخُهَا أَفْضلُ مِنْ إخْرَاجِ لِحْمِهَا نِيئًا، وَيكُونُ مِنهُ بِحُلوٍ، قَال أَبُو بِكرِ: وَيُستحَبُّ أَنْ يُعْطِيَ القَابَلَةَ مِنْهَا فَخِذًا.
وَحُكمُهَا كَأُضْحِيَّةٍ، وَيُطعِمُ مِنْهَا لأَوْلَادِ وَجِيرَانٍ وَمَسَاكِينَ 1 لَكِنْ يُبَاعُ جِلْدٌ وَرَأسٌ وَسَوَاقِطٌ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ، وَلَا تُخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِذَبْحِهَا، فَلَهُ بَيعُهَا، بِخِلَافِ أُضحِيَّةٍ لأَنهَا أَدْخَلُ مِنْهَا في التَّعَبُّدِ، وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهَا: "بِسْمِ اللهِ، اللهمَّ لَكَ وإِلَيكَ، هَذِهِ عَقيقَةُ فُلَانِ بِنْ فُلَانٍ".
فَصْلٌ سُنَّ تَسْمِيَةُ مَوْلُودٍ بِسَابع ولَادَةٍ، وَتَحْسِينُ اسْمِهِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَن، وَكُلُّ مَا أَضِيفَ للهِ فَهَوَ حَسَنٌ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الأَنبِيَاءِ، وَتَجُوزُ تَسْمِيَةٌ بِأَكثَرَ مِنْ اسْمٍ، كَبِاسْمٍ وَكُنْيَةٍ وَلَقَبٍ وَاسْمٍ أَوْلَى، وَحَرُمَ تَسْمِيَةٌ بِعَبْدٍ لِغَيرِ الله كَعَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَعَبْدِ النَّبِيِّ، وَعَبْدِ الحُسَينِ وَكَمَلِكِ الأَمْلَاكِ وَشَاهَانْ 2 شَاهُ، أَوْ بِمَا لَا يَلِيقُ إلَّا بِهِ تَعَالى كقُدُّوسٍ وَخَالِقٍ وَرَحْمَنٍ.
قَال ابْنُ القَيِّمِ: وَكَانَ جَمَاعَةٌ من أَهْل الدِّينِ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ إطلَاقِ

قَاضِي الْقُضَاةِ، وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، قَال: وَكَذَلِكَ تَحْرُمُ بِسَيِّدِ النَّاسِ، وَسَيِّدِ الكُلِّ كَمَا يَحْرُمُ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَكَقَوْلُهُ لِمُنَافِقٍ أَوْ كَافِرٍ: يَا سَيِّدِي، وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - "أَنَا ابنُ عَندِ المُطَّلِبِ" لَيسَ مِنْ بَابِ إنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ بَلْ مِنْ بَابِ الإِخبَارِ بِالاسْمِ الذِي عُرِفَ بِهِ، وَبَابُ الإِخبَارِ أَوْسَعِ مِنْ بَابِ الإِنْشَاءِ، وَكُرِهَ تَسْمِيَةٌ بِحَرْبٍ وَيَسَارٍ وَرَبَاحٍ وَنَجِيحٍ وَأَفْلَحَ وَبَرَكَةٍ وَمُبَارَكٍ وَمُفْلِحٍ وَخَيْرٍ وَسُرُورٍ وَنَعَمَةٍ وَمُقْبِلٍ وَيَعْلَى وَرَافِعٍ وَالعَاصِيِ وَشِهَادٍ، وَكَذَا مَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ كَالتَّقَيِّ وَالزَّكِيِّ وَالأَشْرَفِ، وَالأَفْضَلِ، وَبَرَّةَ وَكُلُّ مَا فِيهِ تُفْخِيمٌ أَوْ تَعْظِيمٌ وَكَذَا بِأَسْمِاءِ الشَّيطَانِ كَمُرَّةٍ وَوَلْهَانٍ وَالأَعْوَرُ وَالأَجْدَعُ، وَأَسْمَاءِ الفَرَاعِنَةِ وَالجَبَابِرَةِ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ وَالوَلِيدَ لَا بِأَسْمَاءِ المَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ.
وَيُسْتَحَب تَغْيِيِرُ الاسْمِ القَبِيحِ، وَلَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ النُّجُومِ بِنَحْو: حَمَلٍ وَثَوْرٍ وَجَدْيٍ، وَلَيسَ ذَلِكَ كَذِبًا، بَلْ تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ كَمَا سَمَّوْا الْكَرِيمَ بَحْرًا، وَلَا بِالْكُنَى كَأَبِي فُلَانٍ وَفُلَانَةَ، وَأُمِّ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ، وَلَا يُكْرَهُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، وَالألقَابِ كَعِزِّ الدِّينِ، وَشَرَفِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَّلَهُ وَشَرَّفَهُ 1. فَرْعٌ: وَلَا بَأْسَ بِتَرْخِيمِ الْمُنَادَى، كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يَا عائشُ، يَا فَاطِمُ"، وَتَصْغِيرِهِ مَعَ عَدَمِ أَذًى، كَأُنيسٌ، وَلَا يَقُلْ عَبْدِي، وَأَمَتِي، وَلَا الْعَبدُ لِسَيِّدِهِ ربي، وَمَوْلَايَ.

جارٍ التحميل