باب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن إذا حدث صدق،وإذ وعد انجز، وأذا اؤتمن وفى، والمنافق إذا حدث كذب،وإذا واعد أخلف،وإذا اؤتمن خان ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " لاتزال أمتي بخير مااتخذو الأمانه مغناً والصدق مغرماً قالت عائشة رضى الله عنها،قالت: يارسول الله بم يعرف المؤمن؟ قال " بوقاره ولين كلامه، وصدق حديثه " وقال صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانه إلى من أئتمنك،ولاتخن من خانك " وقال سعد:كلا لخصال يطبع عليها المؤمن، إلا الخيانه والكذب.
وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه:من كانت له عند الناس ثلاثة وجبت له عليهم ثلاث: من إذا حدثهم صدقهم،وإذا ائتمنوه لم يخنهم،وإذا وعدهم وفى لهم، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليهم ألسنتهم،وتظهر له معونتهم.
قيل للقمان الحكيم: ألست عبد بن فلان؟ قال: بلى.
قيل: فما بلغ بك ما نرى؟ قال:تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانه وترك ما لا يعنينى.
قال نافع: طاف ابن عمر سبعاً،وصلى ركعتين،فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن وخرجت فقال أبن عمر:أنتم أكثر منا طوافاً وصياماً،نحن نلتزم صدق الحديث،وأداء الأمانة، وإنجاز الوعد.
قتل محمود الوراق: اصدق حديثك إن في الصدق الخلاص من الدنس
ودع الكذب لشأنه ... خير من الكذب، الخرس
وقال منصور الفقيه:
الصدق أولى ما به ... دان امرؤ فاجعله دينا
ودع النفاق فما رأي ... ت منافقا إلا أهينا
وله أيضاً:
الحمد الله شكراً ... فالشكر أيسر حقه
أمسى الصدوق كثير ال ... عدو من اجل صدقه
وقال أبو العتاهية:
الحمد لله كل ذو مكاذبهٍ ... أمسى التصادق لايسقى به الماء
قال الحسن البصري:لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه.
كان يقال:كفى بالمرء خيانه أن يكون أمينا للخونه قال الشاعر:
إن الأميرإذا استعان بخائنٍ ... كان الأمير شريكه المأثم
قال الفارابي:كنت على الأوزعى إذ جاءه رجل فقال:يا ابا عمرو هذا كتاب صديقك فلان من بلاد كذا،وهو يقرأ عليك السلام.
فقال له: متى قدمت؟ قال أمس.
قال:ضيعت أمانتك لا كثر الله في المسلمين أمثالك.
قال الشاعر:
إذا أنت حملت الخئون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند
وقال محمود الورق:
تصنّع كي يقال له أمينٌ ... وما معني التّصنّع للأمانه
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطّريق إلى الخيانة
وقال آخر:
هو الذّئب أو للذّئب أوفى أمانة ... وما منهما إلا أذلّ خئون
أستراح رجل إلى جليس له في السلطان،فرفع ذلك عليه،فلما أوقف السلطان ذلك القائل على قوله،أنكر أن يكون أحد سمع ذلك منه، فقال: بل فلان سمع ذلك منك، فهل ترضى به؟ قال: نعم.
فكشف الستر عن الرجل، فقال: بلى.
أنت قلت ذلك لي، فسكت المرفوع عليه ساعة، ثم أنشأ يقول:
أنت امرؤٌ إمّا ائمنتك خالياً ... فخنت وإمّا قلت قولاً بلا علم
فأنت من الأمر الذّي قلت بيننا ... بمنزلةٍ بين الخيانة والإثم
أنشدني على بن إسماعيل لنفسه:
لا يرى إلا لدينا ... طالباً فيها ديانه
وإذا قيل أمينٌ ... قد تحلّى بالأمانه
وقع التحصيل منه ... بين غدر وخيانه
وقال آخر:
لايخون الأمين شيئاً ولكن ... ربّما تحسب الخؤون أمينا
وقال آخر:
ألا ربّ من تعتده لك ناصحاً ... ومؤتمناً بالغيب غير أمين
وقال أبو يعقوب الخريمي:
يا للرجال لقومٍ قد بلوتهم ... أرى جوارهم إحدى البليّات
ماذا تظنّ بقوم خبر كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الامانات
وفي الحديث المرفوع: " الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النّار ".
يقال: صدق وبرّ، وكذب وفجر.
قال بعض الحكماء: من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
وقال محمود الوراق:
إذا عرف الكذاب بالكذب لم يكن ... لدي النّاس ذا صدقٍ وإن كان صادقا
ومن آفة الكذّاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا حفظ إذا كان حاذقاً
وقال آخر:
لا يكذب المرء إلاّ من مهانته ... أو عادة السّوء او من قلّة الأدب
قال بغضهم: ما أراني أوجر في ترك الكذب.
قيل له: ولم؟ قال: لأني أدعه اتقاء.
قالوا: الصدق عز، والكذب خضوع.
قال الحسن: خرج عندنا رجل بالبصرة، فقال: لأ كذبن كذبه يتحدث بها الوليد، قال الرجل: فما رجعت إلى منزلي حتّى ظننت أنها حق لكثرة ما رأيت الناس يتحدثون بها.
وقال كعب بن زهير:
ومن دعا النّاس إلى دمّه ... ذموه بالحقّ وبالباطل
مقالة السّوء إلى أهليها ... أسرع من منحدرٍ سائل
قال لقمان لابنه: يا بني! احذر الكذب فإنه شهى كلحم العصفور، من أكل شيئا منه لم يصبر عنه.
عوتب بعض الأعراب على الكذب، فقال للذي عاتبه: والله لو غرغرت به لهاتك ما صبرت عنه.
وقال الأصمعي: قيل لكذّاب: ما يحملك على الكذب؟ فقال: أما إنك لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته.
قيل لكذاب: هل صدقت قط؟ قال: أكره أن أقول لا فأصدق.
قال جميل العذرى:
لحا الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو ذو لو نين ليس بدائم ... على خلق خوّان كلّ أمين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك ".