باب في البراغيث والبق والبعوض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
في الحديث المرفوع: لا تلعنوا البرغوث فإنه نبه نبياً من الأنبياء لصلاة الصبح، حديث ليس بقوي الإسناد.
انفرد به سويد أبو حاتم، يباع الطعام عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أعرابي بالبصرة:
ظللتُ بالبَصْرَة في مِرَاشِ
وفي براغيثَ أَذَاهَا فَاشِي
من نافرٍِ منها وذِي خِرَاشِ
يَرْفَعُ جنبيّ عن الفِرَاشِ
فأنا في حرب وفي تَخْرَاشِ
يَترك في جَنْبَّي كالحَوَاشِي
وزوجةٍ دائمة الهرَاشِ
تَغْلِي كغَليِ المِرْجَل النَشْنَاشِ
وقال رجلٌ من بني حمان، وقع في جند الشام، مندوباً في بعض حصون الساحل:
أَأَنْصُرُ أهلَ الشَّام ممن يكيدُهُمْ ... وأَهْلِي بنجدٍ ذات حرص على النصرِ
براغيثُ تُؤذْيني إذَا النَّاسُ نَوَّمْوا ... وبقٌّ أقاسيِهِ على سَاحِلِ البَحْرِ
تضيف عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، رجلا من الأعراب كان يأتيه يتصيد عنده، ففرش له في بيت خال من ناحية داره، فبات فيه، ثم غدا عليه فقال: يا أبا عثمان! ماذا رأيت هذه الليلة! قال: وما ذاك؟ قال: سود حدب زرق آذينني، وقد قلت فيهن شعراً، قال: وما هو؟ قال: قلت:
الليل نصفان نصف للهموم فما ... أقضى رقاداً ونصف للبراغيث
أبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحاً بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث
كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوءٍ أغاروا في مواريث
ليل البراغيث أنكاني وأرقني ... لا بارك الله في ليل البراغيث
قال أعرابي:
إن البراغيث لهن عض ... وحكة وألم ممض
كأنما تنبتهن الأرض
وذكرت البراغيث عند أعرابي من قيس، فقال: ليلها ناصب ومددها دائب.
وذكرت البراغيث عند رجل من كلب، فقال: أخزاها الله، ما أدنأ صغارها، وما أشر كبارها، وأخفى أنظارها، وأقبح آثارها.
قال أحمد بن إسحاق:
ما للبراغيث أفنى الله جملتها ... حتى يقوم برغوث بدينار
لروضة من رياض الحزن معشبة ... بها الظباء تراعي غب أمطار أشهى لقلبي من درب به نبط ... ومنزل بين حجامٍ وجزار وقال آخر: ما للبراغيث أخزى الله ليلتها ... من يلق منهن ما لاقيت لم ينم كأنهن وجلدي إذ ظفرن به ... وضمني مضجعي، يطلبنني بدم قال أعرابي: لم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط من البعوض، ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط وكن مني بمكان القرط ... وخزنني وخزاً كوخز الشرط وقال آخر، يصف بعوضة وخرطومها: مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها ولأبي إسحق الصابي، وهو إبراهيم بن هلال الكاتب في البعوض قال: ألحت صروف الدهر من كل جانب ... على بأصناف الأذى والجوائح وأخرجنني من مواطن كان جنتي ... لحسن مرابعه وحسن الروائح وعوضنني من ذلك الظل والجني ... على الرغم من أنفي بسكني البطائح محل خسيس لا يطيب مساؤه ... لثاويه والإصباح ليس بصابح بليت ببقً ذي مناسر طعمه ... لحوم صناديد الرجال الجحاجح وقد كنت في بغداد أشكو بغاثه ... فكيف اصطباري للبزاة الجوارح أجاور في جنح الدجى كل جحفلٍ ... يجالدني أبطاله بالصفائح إذا سفكت كفى دماً من بغوضةٍ ... فذلك جزء من دمٍ لي طائح له وخزة في السمع قبل وقوعه ... على الجسم من تغريد نشوان صابح فكم مستغيث ساهر العين صائح ... إلى مثله من شاهر العين صائح وكم غائص في النوم يصفح نفسه ... لنبلة رامٍ أو لطعنة رامح لسويد بن منجوف العبدي، وكان قديماً جاهلياً: أبي القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير به البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور ولأعرابي من بني جفنة مازحاً: مر الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد فقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... أنا على سفرٍ لابد من زاد ولابن المعتز في البعوض أيضاً: بت ليلى كله لم أطرف ... لجرجس كالزئبر المنتف يلسعننا بالسعر المخوف ... يعذب المهجة إن لم تتلف ويثقب الجلد وراء المطرف ... حتى يرى فيه كشكل المصحف ولي أصف ما لاقيت من البغوض بإشبيلية في الشرف، وفي مدينة قبتور ومدينة قبطيل، وذلك حين مبيتي بها، وما منه تلقي المدينة أيضاً: بعوض قبتور والقبطيل والشرف ... قد آذنت بذهاب النفس والتلف فمن مثير دخانٍ يستجير به ... وآخرٍ مختفٍ في الثوب ملتحف قد غيب الرأس والرجلين مستتراً ... بالبيت من طرفٍ فيه إلى طرف ويلي من الجرجس المثنى عقربه ... ينصب مثل عقابٍ جاع مختطف يؤم أذني هجماً كالمهدد لي ... وكالمنادي بأخذ الهارب النطف خرطومه كسنان لا يقوم له ... ثوب مثنى ولو قد كان من خزف يا ويله من عدو لست تدفعه ... إلا بلطم على الأعضاء منصرف نفي البعوض أناساً من مساكنهم ... على البحيرة في غربٍ من الشرف وساحل البحر طولا أصل منبته ... يغشى المدينة في الأبيات والغرف وليس عنهم بستر أو مدافعةٍ ... أو حيلةٍ قد أعدوها بمنحرف ولغيري في البعوض ببلنسية: ضاقت بلنسية بي ... وذاد عنها غموضي رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض