باب الكبر والعجب والتّيه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حاكياً عن الله عزّ وجل: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزارى، فمن نازعنى واحداً منهما أدخلته النار ".
وقال رسول الله صلى اللهّ عليه وسلم: " لا ينظر الله عزّ وجلّ إلى من جرّ ثوبه خيلاء، وفي حديث آخر: لاينظر الله عزّ وجلّ إلى من جرّ ثوبه بطرا ".
قال رسول الله صلى اللهّ عليه وسلم: إنما الكبر أن يسفّه الحقّ، ويغّمض النّاس.
قال محمّد بن علىّ بن حسين: ياعجباً من المختال الفخور الذي خلق من نطفه، ثم يصير جيفة ثم لا يدرى بعد ذلك ما يفعل به.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: سمعت أحمد بن يوسف، وذكر رجلا كان يذهب بنفسه في التيه، فقال: يتيه فلان، وما عنده فائدة ولا عائده ولا رأى جميل.
قال الشاعر:
يامظهر الكبر إعجاباً بصورته ... أبصر خلاءك إنّ المين تثريب
لو فكر النّاس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبّانٌ ولا شيب
قيل لعيسى عليه السلام: طوبى لبطن حملك، فقال: طوبى لمن علمه الله كتابه، ولم يكن جباراً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الرّجل يذهب بنفسه في التّيه حتى يكتب في الجبّارين، فيصيبه ما أصابهم ".
قال مالك بن دينار: كيف يتيه من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك حاملٌ عذرة.
أخذه أبو العتاهية فقال:
ما بال من أوّله نطفةٌ ... وجيفة آخره يفخر
أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضى وما يقدر
وقال منصور الفقه:
تتيه وجسمك من نطفة ... وأنت وعاءٌ لما تعلم
وله أيضاً:
قولوا لزوّار الكنف ... والمنشئين من نطف
يا جيفاً من الجيف ... ما لكم وللصّلف
كان يقال: لولا ثلاثٌ سلم النّاس: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه.
قال جعفر بن محمد: علم الله عز وجل أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب.
قال بلال بن سعيد: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً فقد تمت خسارته.
قال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر عليها المبتلى بها: العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها: التواضع.
كان يقال: لاشئ أكلم للمحاسن من العجب والتيه قال نصر بن أحمد:
ومن أمن الآفات عجباً برأيه ... آحاطت به الآفات من حيث يجهل
وقال منصور الفقيه:
لاتحلقنّ بتيّاه فتحمله ... على التّزيّد مما يسخط الله
واهجره لله لا للنّاس مبتغياً ... ثواب ربّك في هجران من تاها
وقال آخر:
إن عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعفٌ لضعفه
لو تراه راكباً والتّيه ... قد مال بعطفه
لرأيت الأنف في السّر ... ج وعيسى مثل ردفه
وقال ابن السّلمانى:
أتيه على جنّ البلاد وإنسها ... ولو لم أجد خلقاً لتهت على نفسى
أتيه فلا أدرى من التّيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفى جنسى
فإن زعموا أنّى من الإنس مثلهم ... فما لي عيبٌ غير أنّى من الإنس
وقال خلف الحمر:
لنا صاحبٌ مولعٌ بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصّواب
ألجّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
ولأبى العتاهية، ويروى لمنصور الفقيه:
حّذتك الكبر لا يعلقك ميسمه ... فإنّه ملبسٌ نازعته الله
يا بوس حامل رجسٍ ليس يغسله ... بالماء عنه إذا كلّمته تاها
يرى عليك له فضلاً ومنزلةً ... إن نال في العاجل السّلطان والجاها
مثنٍ على نفسه راضٍ بسيرته ... كذبت يا صاحب الدّنيا ومولاها
وقال منصور الفقيه:
قلت للمعجب لمّا ... قال مثلى لا يراجع
يا قريب العهد بالمخ ... رج لم لا تتواضع
قال على بن محمد: إنما أهلك الناس العجلة والعجب، ولو ثبتوا ولم يعجلوا لم يهلك منهم أحد.
قال ابن أبى ليلى: ما رأيت ذا عجب قطّ إلا اعتراني بعض دائه.
يريد أنه يبعثه على مكافأته بالتكبر عليه.
قال بعض الحكماء: من استطاع أن يمنع نفسه أربعاً كان جديرا ألا ينزل به مكروه: العجلة، واللجاجة، والتواني، والعجب.
ولإبراهيم بن العبّاس الصولى في محمد بن عبد الملك الزيات:
أبا جعفرٍ عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن كنت قد أوتيت بالأمس رفعةً ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا
ولمنصور الفقيه:
قد كنت أيام كنت مثلكم ... أرى الهلال الخفيّ بالعجله
لو مرّ بي تائهٌ على جمل ... لم أره الآن قلّةً ولا جمله