بهجة المجالس وأنس المجالسباب الهديَّة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الهديَّة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عبد البر
الكتاب
بهجة المجالس وأنس المجالس
المؤلف
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: " الهدية رزقٌ من رزق الله، فمن أهدي إليه شيءٌ فليقبله ولا يردّه، وليكافئ عليه ". وقال صلى الله عليه وسلّم: تهادوا فإنّ الهدية تذهب السّخيمة، وتزيل وحر الصدور ولا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة "، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها أفضل منها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت لكراع لأجبت ". قال رجل لأبي ذر: فلان يقرئك السلام.
فقال:هدية حسنة، وحمل خفيف.
وقال عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.

وقد حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب، حدثنا أبو عتّاب الدَّلاَّل، وحدثنا عثمان بن عبد الرحمن، حدثنا الزُّهري، عن عبد الله بن وهب بن زمعه عن أم سلمة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: " الهدية تذهب السّخيمة ". قيل: وماالسَّخيمة؟ قال: " الإحنة تكون في الصُّدور ". وعن الهيثم بن عديّ، قال: كان يقال: ما ارتضى الغضبان، ولا استعطف السُّلطان، ولا سلبت الشَّحناء، ولا دفعت المغارم ولا توقِّي المحذور، ولا استعمل المهجور بمثل الهدية والبرّ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " من أهديت إليه هدية فجلساؤه شركاؤه فيها ". قال أبو إسحاق الصَّابي: رويت في السُّنة المشهورة البركه ... أنّ الهديَّة في الجلاَّس مشتركه كان يزيد بن قيس الأرحبيّ، والياً لعلي رضي الله عنه، فأهدى إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما وترك ابن الحنفية، فضرب عليّ رحمه الله على جنب ابن الحنفية وقال: وما شرُّ الثَّلاثة أمَّ عمروٍ ... بصاحبك الَّذي لم تصبحينا روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال للقرابات: " تزاوروا ولا تجاوروا، وتهادوا فإن الهدّية تثبت المروءة وتستلُّ السّخيمة ". أصبح عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة يوم نيروز هدايا كثيرة وتحف، فأنكر ذلك.
فقالوا له: إنه يوم نيروز قال: فنيروز لنا إذاً كل يوم.
قال أبو عمر: كان هذا منه رضي الله عنه - إن صحّ - قبل أن يدخل الكوفة، وأن يكون خليفة، لأن المحفوظ عنه من رواية الثقات أنه كان لا يقبل هدية نيروز ولا مهرجان، وأنه كان يأخذ ما أهدى إليه عماله فيضعه في بيت المال - مال المسلمين.
قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين يوماً ومعي خبيص، فقلت: قولوا له: يونس بالباب.
فقال - وأنا أسمع -:قولوا له: قد نام.
فقلت: إن معي خبيصاً.
قال: كما أنت حتى أخرج إليك.
قال الشاعر: هدايا النّاس بعضهم لبعضٍ ... تولِّد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضّمير هوىً وودّاً ... ويكسوهم إذا حضروا جمالا قال أبو عوانة: قلت للأعمش: ياأبا محمد! إن عندي بطة سمينة، أفتكون عندي في الدار؟ قال: وما تصنع بعنائي؟! ابعث بها إلى الدار.
قال الشاعر: إنّ الهدايا لها حظٌّ إذا وردت ... أحظى من الإبن عند الوالد الحدب وقال آخر: ما من صديقٍ وإن أبدى مودّته ... يوماً بأنجح في الحاجات من طبق إذا تلثّم بالمنديل منطلقاً ... لم يخش صولة بوابٍ ولا غلق لا تكذبنّ فإنّ النَّاس قد خلقوا ... لرغبةٍ يكرمون النَّاس أو فرق أمّا الفعال فعند النَّجم مطلعه ... والقول يوجد مطروحاً على الطُّرق وقال آخر: أهدى إليه حبيبه أترجّةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر خوف التّبدُّل والتَّلوُّن إنَّها ... لونان باطنها خلاف الظّاهر بعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل، وكتب معها: نعلٌ بعثت بها لتلبسها ... تمشي بها قدمٌ إلى المجد لو كان يحسن أن أشرِّكها ... خدّي جعلت شراكها خدِّي أهدى الطائي إلى الحسن بن وهب قلماً، وكتب إليه: قد بعثنا إليك أكرمك الل ... هـ بشيءٍ فكن له ذا قبول لا تقسه إلى ندى كفِّك الغم ... ر ولا نيلك الكثير الجزيل واغتفر قلَّة الهديَّة منِّي ... إن جهد المقلِّ غير قليل أولم إسحاق بن إبراهيم الموصلي وليمة، فأهدى إليه إخوانه هدايا، وأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جراب ملح وجراب أشنان مطيب، وكتب إليه رقعة: فداك أخوك عنده، لولا أن البضاعة تقصر لجزت السَّابقين إلى برِّك، وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ ولاحظّ لي فيها،فوّجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته، جراب ملح وجراب أشنان هدية من يحتشم إلى من لا يغتنم، وكتب أسفل الرقعة: هديَّتي تقصر عن همّتي ... وهمّتي تعلو على مالي وخالص الودِّ ومحض الهوى ... أحسن ما يهديه أمثالي بعث رجل إلى دعبل بأضحية، فكتب إليه دعبل: بعثت إلينا بأضحيَّةٍ ... وكنت حريَّاً بأن تفعلا

ولكنَّها خرجت غثَّةً ... كأنك أرعيتها حرملا فإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربِّك ما أعدلا قال قتادة: يعرف سخف الرجل في سخف هديته.
قال ذلك في نعل أهديت إليه.
ولي في هذا: سخافة المرء تدرى في هديَّته ... والنَّوك والُّلؤم فيها يظهران معا إنّ اللئيم إذا أهدى هديّته ... أبدى نذالته فيها لمن سمعا ولخلف الأحمر: سقى حجَّاجنا نوء الثُّريّا ... على ما كان من بخلٍ ومطل هم جمعوا النِّعال وأحرزوها ... وسدُّوا دونها باباً بقفل إذا أهديت فاكهةً وشاةً ... وعشر دجائجٍ بعثوا بنعل ومسواكين طولهما ذراعٌ ... وعشرٌ من رديء المقل خشل فإن أهديت ذاك لتحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي أناسٌ يأنفون لهم رواءٌ ... تغيم سماؤهم من غير وبل إذا انتسبوا ففرعٌ من قريشٍ ... ولكنّ الفعال فعال عكل وقال آخر في جار له أتى من الحج لم يهد إليه شيئاً: عبّاس ما وجهك بالهشِّ ... ولا أبرئك من الغشِّ لم تهد لي نعلاً ولا مقلةً ... كأنَّما جئت من الحشِّ ولمنصور الفقيه - يداعب صديقاً يكنى أبا النصر ويسمى فتحاً، قدم من الحج - شعرٌ حسن النظم مليح المعنى، رأيت إيراده لحسنه: سألت الحجيج وقد أقبلوا ... يؤمُّون مصر من أرض الحرم فقلت لهم بعد إيناسهم: أفتحٌ بمكَّة أم قد قدم؟ فقالوا: ترحَّل من قبلنا ... لعشر ليالٍ توالت حرم فقلت بحرمة من زرتم؟ ... أحقّاً تقولون؟ قالوا: نعم فأقبلت في صرخةٍ منهم ... وقلبي ممّا به يضطرم أعدِّد آلاءه والجفون ... مسافيح بالدَّمع والدَّمع دم فصادفني صالحٌ عبده ... فقال: فديتك لم تلتدم؟ وماذا دعاك إلى ما أرى ... فقلت: الحذار على ذي الكرم أبى نصرٍ البحر من جوده ... إذا المزن ضنّت بصوب الدِّيم فقال: ألم يأت من جمعةٍ ... فقلت كذبت فأين الأدم؟ وأين القفاف الحسان القدود ... وأقداح جيشان تلك السُّلم وأين النِّعال وأين الفراء ... وأين البرود وأين البرم وأين القديد قديد الظِّباء ... وأين الملوَّز مثل العنم فقال: وحقّك ما جاءنا ... بشيءٍ سوى نفسه فاغتنم قدوم صديقك واستهده ... حديث الوفود وفود الأمم إلى البيت يشهدك أخباره ... عجائب عربهم والعجم فقلت: ألا ليت أخباره ... وناقلها خلف قافٍ ولم ولخلف بن خليفة الأقطع من بني قيس بن ثعلبة في جار له غاب ثم قدم، ولم يهد له، وكانت بينهما مصافاة: أتانا أخٌ من غيبةٍ غاب أشهراً ... وكنت إذا ما غاب أنشده الرَّكبا فجاء بمعروفٍ كثيرٍ فدسَّه ... كما دسَّ راعي السُّوء في حضنه الوطبا فقلت له: هل جئتني بهديَّةٍ ... فقال: بنفسي.
قلت: آثر بها الكلبا هي الَّنفس لا آسى عليها وإن نأت ... ولا أتمنّى الدَّهر يوماً لها قربا إذا هي أوفت من ثمانين قامةً ... فلا السَّهل لقَّاها الإله ولا الرَّحبا أهدى أبو أسامة الكاتب إلى بعض إخوانه في يوم نيروز وسهماً وديناراً ودرهماً، وكتب إليه: لا زلت كالورد نضير الميسم ... ونافذاً مثل نفوذ الأسهم في عزّ دينارٍ ونجح درهم أهدى أبو إسحاق بن هلال الصابي إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً على قدر الدرهم محكم الصنعة وكتب إليه: أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... في مهرجانٍ عظيمٍ أنت تعليه لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شيءٍ تساميه لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه

وأهدى شمس المعالي إلى عضد الدولة سبعة أقلام، وكتب إليه: قد بعثنا إليك سبعة أقلا ... م لها في البهاء حظٌ عظيم مرهفاتٍ كأنّها ألسن الحيَّ ... ات قد جاز حدَّها التّقويم وتفاءلت أن ستحوى الأقالي ... م بها كلُّ واحدٍ إقليم وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: كانت الهدية فيما مضى هدية، أما اليوم فهي رشوة.
وقال كعب الأحبار: قرأت في ما أنزل الله على بعض أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكيم.
وقال الشاعر: إذا أتت الهدية باب قومٍ ... تطايرت الأمانة من كواها

فصول الكتاب · 122 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد الّلسان وفضل البيانباب ذمّ العيّ وحشو الكلامباب في اجتناب اللّحن وتعلّم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصّمت وذمِّ المنطقباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةبابَّ الرِّزقباب الحرص والأملباب الطَّمع واليأسباب ذمِّ السُّؤالباب انتظار الفرجباب الجدِّ والحدّباب المال حمداً وذمّاًباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدَّينباب الاقتصاد والرفقباب السَّفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التَّوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرَّسول صلى الله عليه وسلمباب الهديَّةباب الجارباب الضَّيفباب المعروفباب الشُّكربابٌ في طلب الحاجاتباب السُّلطان والسِّياسةباب الكتّاب والكتابةباب الظُّلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطِّبِّباب الطَّاعة والمعصيةباب الغيبة والنَّميمةباب البغي والحسدباب السّباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتّيهباب التّواضع والإنصافباب الرّأى والمشورةباب كتمان السّر وإفشائهباب الحرب والشَّجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيونٍ من المدحباب عيون من الذّمّباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النّفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحقّ والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسّؤددباب حمد الحلم وذمّ السّفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرّجالباب التودّد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصّديق والعدوبابٌ جامعٌ متخيّرٌ في الإخوانباب العتابباب الثّقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءبابُ اللّباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثةٍ من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل