باب السُّلطان والسِّياسة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلُّكم راع وكلُّكم مسؤلٌ عن رعيَّته، فالإمام الّذي على النَّاس راعٍ عليهم ومسؤلٌ عنهم، والمرأة راعيةٌ على مال زوجها وهي مسؤلةٌ عنه ".
وقال عليه السلام: " الإمام العدل لا تكاد تردُّ دعوته ".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المقسطون يوم القيامة على منابر من نورٍ عن يمين الرَّحمن وكلتا يديه يمين لا يفزعون إذا فزع النَّاس ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلُّ أميرٍ لم يحط رعيَّته بالنَّصيحة لم يرح رائحة الجنة " قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يصلح هذا الأمر إلاّ شدةٌ في غير عنف، ولين في غير ضعف.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لن يقيم أمر الناس إلا امرؤ حصيف العقدة بعيد الغور، لا يطّلع الناس منه على غوره، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وعن عمر رضي الله عنه قال أيضاً: لا يقيم أمر الله إلاّ رجلٌ يتكلم بلسانه كله، يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.
لعليّ بن أبي طالب في أول كتاب كتبه: أمّا بعد، فإنه أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الحق حتى اشتري، وبسطوا الجور حتى اقتدي.
قال مجّاعة بن مرارة الحنفي لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الملك والدين أخوان، لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدّين أّس، والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.
قال عبد الله بن مبارك:
إنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسُّلطان معضلةً ... في ديننا رحمةً منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ ... وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمّ أحد على سلطانه، ولا يجلس على تكرمة إلا بإذنه ".
كان يقال: شرّ الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من الملوك من إذا ملك زهّده الله فيما في يديه، ورغبه فيما يد غيره، وأشرب قلبه الإشفاق على ماعنده، فهو يحسد على القليل، ويتسخّط على الكثير.
ولّي عليُّ بن أبي طالب عمَّ المختار بن أبي عبيد عكبرا، وقال له بين يدي أهلها: استوف منهم خراجهم، ولا تجدن عندك ضعيفاً ولا رخصة.
ثم قال له: رح إليَّ، قال: فرحت إليه، فقال لي: قد قلت لك بين أيديهم ما قلت، وهم قومٌ خدعٌ، وأنا الآن آمرك بما إن قبلته وإلا أخذك الله به دوني، وإن بلغني خلاف ما أمرتك به عزلتك، لا تتبعنّ لهم رزقاً يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلا منهم سوطاً في طلب درهم، ولا تقمه في السجن في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تستعر لهم دابّة يعملون عليها، فإن أمرنا أن نأخذ منهم العفو.
قال عمرو بن العاص لابنه: يا بنيّ!! احفظ عني ماأوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وأسدٌ حطوم خيرٌ من إمام ظلوم، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.
رسالة أردشير بن بابك إلى الملوك بعده.
من أردشير ملك الملوك، إلى الملوك الكائنين بعده: الخراج عمود المملكة بكنفه تعيش الرعية، وتحفظ الأطراف والبيضة، فاختاروا للعمل عليه أولى الطينة الحرة، من ذوي العقل والحنكة، وكفّوهم بسني الأرزاق يحموا أنفسهم من الارتفاق، فمااستغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور.
ومن كلام الفرس في هذا الباب: لا ملك إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة،ولا عمارة إلا بعدل.
ومن قولهم أيضاً: مثل الملك الذي يأخذ أموال رعيته ويجحف بهم، مثل من يأخذ الطّين من أصول حيطانه، فيطيَّن به سطوحه فيوشك أن تقع عليه البيوت.
ومن كلامهم أيضاً، وينسب إلى أرسطاطاليس: العالم بستانٌ سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيه به السُّنة، السُّنة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضّده الجيش، الجيش أعوان يكنفهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيدٌ يتعبّدهم العدل، العدل مألوفٌ وهو صلاح العالم.
قال عبد الملك بن عمير: كان مكتوباً في مجلس زياد الذي يجلس فيه للناس بالكوفة، في أربع زوايا بقلم جليل: الوالي شديدٌ في غير عنف، ليِّنٌ في غير ضعف، العطية لأربابها والأرزاق لأوقاتها، البعوث لا تجمر، المحسن يحازى بإحسانه، والمسيء يؤخذ على يديه.
فكان كلّما رفع رأسه قرأه.
قال قتيبة بن مسلم: ملاك الأمر في السلطان: الشِّدة على المذنب، والِّلين للمحسن، وصدق القول.
قال أشجع بن عمرو السلمي:
لا يصلح السُّلطان إلاَّ شدَّةٌ ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
قال الوليد بن عبد الملك لأبيه عبد الملك: ياأمير المؤمنين! ماالسياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع شدع عفتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف منها.
قال مسلمة بن عبد الملك: ماحمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز، ولا ذممتها على مكروه ابتدأته بحزم.
قال معاوية لابنه يزيد: أعط من أتاك صادقاً بما تكره، كما تعطي من أتاك بما تحب، واعلم أنه إذا أعطى الأمير على الهوى لا على الغنى فسد ملكه.
قيل لأنو شروان: إنك اصطنعت فلاناً ولا نسب له.
فقال: اصطناعنا له نسبه.
قال أبو جعفر المنصور: الذي عليّ للرعية أن أحفظ سبلهم، فينصرفون آمنين في سبيلهم ولا يصدّون عن حجهم، وقضاء نسكهم، وأن أضبط ثغورهم، وأحصّنها من عدوهم وأن أختار قضاتهم، وأعزل بالحق كيلا يصل ظلم بعضهم إلى بعض، وأن أرفع أقدار فقهائهم وعلمائهم، وأكف جهالهم عن حكمائهم.
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجَّاج: صف لي الفتنة حتى كأني أراها رأي العين.
فكتب إليه: لوكنت شاعراً لوصفتها لك في شعري، ولكني أصفها لك بمبلغ رأيي وعلمي، الفتنة تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، فلما قرأ كتابه، قال: إن ذلك لكما وصفت، فخذ من قبلك بالجماعة، وأعطهم عطايا الفرقة، واستعن عليهم بالفاقة، فإنها نعم العون على الطاعة، فأخبر بذلك أبو جعفر المنصور فلم يزل عليه حتى مضى لسبيله.
قال بعض الحكماء من ملوك الفرس، لحكيم من حكماء مملكته: أي الملوك أحزم؟ قال: من غلب جدُّه هزله، وقهر لبُّه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن خطئه، ولاغضبه عن كيده.
لما أراد عمرو بن العاص المسير إلى مصر، قال له معاوية: إني أريد أن أوصيك.
قال: أجل.
فأوص.
قال: انظر فاقة الأحرار فاعمل في سدها، وطغيان السفلة فاعمل في قمعها، واستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع.
قال بعض الحكماء: الرعية للملك كالروح للجسد، فإذا ذهب الروح فني الجسد.
وروى الهيثم بن عديّ، عن مجالد، عن الشعبي، قال عمر بن الخطاب: دلّوني عن رجل أستعمله فقد أعياني أمر المسلمين.
قالوا له: عبد الرحمن بن عوف، قال لهم: ضعيف، قالوا له: فلان.
قال: لا حاجة لي به.
قالوا:فمن تريد؟ قال: رجل إذا كان أميرهم كان كأنّه رجل منهم، وإذا لم يكن أميرهم كان كأنه أميرهم.
قالوا: ما نعلمه إلا الرّبيع بن زياد الحارثي.
قال: صدقتم.
قال أبو عمر: والربيع بن زياد هذا، كان فاضلا جليلا في قومه، ولاَّه معاوية خراسان، فاستكتب الحسن بن أبي الحسن فكان كاتبه، فلما بلغه قتل معاوية حجر بن عديّ، قال: الَّلهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجّل، فزعموا أنه لم يبرح من مجلسه حتى مات.
كتب بعض ملوك العجم إلى ملك آخر منهم: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها فليعلموا أنه فيها.
قال الإسكندر لأرسطاطاليس: أوصني.
قال: فانظر من كان له عبيد فأحسن سياستهم فولّه الجند، ومن كانت له ضيعةٌ فأحسن تدبيرها فولّه الخراج.
وقال بعض الحكماء: لا تصغِّر أمر من جاء يحاربك، فإنك إن ظفرت لم تحمد وإن عجزت لم تعذر.
قيل لكسرى ذي الأكتاف، وكان ضابطاً لمملكته: بم ضبطت ملكك؟ قال: بثمان خصال، لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً، وولّيت للغنى لا للهوى، وعاقبت للأدب لا للغضب، وأوطأت قلوب الرعية الهيبة من غير ضغينة، وملأتها محبة من غير جرأة، وأعطيتها القوت، ومنعتها الفضول.
قال عبد الملك بن عمير: سمعت زياداً وهو يخطب، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ملّكنا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خوَّلنا، فلنا عليكم الطاعة فيما أحسنَّا، ولكم العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم ومحض ودّنا بمناصحتكم، ومهما قصَّرت فيه من أداء حقكم فلن أقصر في ثلاث: لست محتجباً عن ذي حاجة ولو أتاني طارقاً بليل، ولا مجمِّراً لكم جيشاً، ولا حابساً عنكم عطاء ولا رزقاً لإبّانة، فادعوا الله لأئمتكم بالصلاح، فإنهم ساستكم المذبُّون وكهفكم الذي إليه تأوون، فإن تصلحوا يصلحوا، ولا تشعروا قلوبكم بغضتهم فيشتدَّ عيظكم، ويطول حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، فإنه لو استجيب لكم فيهم كان شراً لكم، نسأل الله أن يعين كلاًّ على كلّ.
كان يقال: ينبغي للملك أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة عند الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن بإحسانه، والعمل بالأناة فيما يحدث له، فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان: المسارعة إلى الطاعة، وفي الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب.
كان يقال: من سعى بدليل في التدبير لم يقعد به إلاّ سابق قضاء لا يملك.
ذكر المبرّد قال: كان بعض عقلاء ملوك الفرس إذا شاور من قد رتّبهم لمشورته فقصّروا في الرأي، دعا الذين قد وكّلهم في أرزاقهم فعاقبهم، فيقولون: يخطئ أهل مشورتك فتعاقبنا نحن.
فيقول: نعم.
إنهم لم يخطئوا إلاّ بتعلق قلوبهم بأرزاقهم فإذا اهتمُّوا لحاجاتهم أخطأوا.
قال بعض الحكماء لبعض الملوك: أوصيك بأربع خصال ترضى بهن ربَّك، وتصلح معهن رعيتك: لا يغرنَّك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعراً، ولا تعدن وعداً ليس في يديك وفاؤه، واعلم أن الأمور بغتاتٌ فبادر، واعلم أن الأعمال جزاء، فاتَّق العذاب.
قال زياد: كمال الرأي شدةٌ في غير إفراط، ولين في غير إهمال.
ضرب مصعب بن الزبير وجه الأسقف بالقضيب، فقال: إني أجد في الإنجيل: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهاً ومنه يلتمس الحلم، ولا ينبغي له أن يكون جائراً ومن عنده يلتمس العدل.
سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام أن يعرّفهم الزمان الذي يرضى فيه الله عن الناس، فقال: إذا استعمل منهم الهيِّن البرّالخّير.
وفي خبر آخر: علامة رضا الله عن عباده أن يستعمل عليهم خيارهم، وأن ينزل الغيث في أوانه، وعلامة سخطه عليهم أن يولى عليهم شرارهم، وينزل عليهم الغيث في غير أوانه.
قال معاوية لابن الكوَّاء: صف لي الزمان، فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد.
خير من هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أمَّتي إذا صلحا صلح الناس، الأمراء والعلماء ".
قال الأحنف بن قيس: كلّ ملك غدور، وكلّ دابة شرود، وكل امرأة خئون؟؟.
قال الأعور السلمي: يا معشر بني سليم أنذركم السلطان فإنه أصبح صعباً حنوطاً يغضب كما يغضب الصبي، ويفترس كما يفترس الأسد.
قال عبد الملك بن مروان: لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج اليوم ليكتب إليّ بقتل فئام من النّاس فما أحفل بذلك.
قال بعض الولاة لأعرابي: قل الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال وأنت فاعمل به، فما توعَّدك الله به أشدُّ مما توعدني به.
قيل لملكٍ زال عنه ملكه: لم زال عنك مللك؟ قال: لمدافعتي عمل اليوم إلى غد.
قال ابن شبرمة: من أكل من حلوائهم انحطّ؟ في أهوائهم.
قال كسرى لوزيره: إياك أن تدخل عليّ كثيراً فأملّك فتثقل عليّ حوائجك، ولا تطل الغيبة عني فأنساك.
قال بعض الحكماء: من زال عن أبصار الملوك زال عن قلوبهم.
قال ابن المعتز: أشقى النَّاس بالسُّلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً.
قال الشاعر:
إنَّ الملوك بلاءٌ حيثما حلُّوا ... فلا يكن لك في أفنائهم ظلُّ
وما تريد بقومٍ إن هم سخطوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملُّوا
وإن مدحتهم ظنُّوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلُّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبداً ... إنَّ الوقوف على أبوابهم ذلُّ
قالوا: السلطان كالنار، من تباعد منها لم ينل من دفئها شيئاً، ومن تقرب منها أحرقته.
ذكر أعرابي الملوك فقال: الملك أقرب ما تكون إليه أخوف ما تكون منه، شاهده يظهر حبك، وغائبه يبتغي غيرك.
قال المأمون: لو كنت مع العامة لم أصحب السلطان.
قال أبو قردودة:
إنِّي نهيت ابن عمَّارٍ وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشَّعره
إنَّ الملوك متى تنزل بساحتهم ... يطر بثوبك من نيرانهم شرره
وقال آخر:
إذا ضحك الأمير إليك فاعلم ... بأنَّ ضميره لك مستقيم
ولا تحفل بضحكٍ من كفيٍّ ... فكلُّ النَّاس ضحكهم سقيم
قال العباس بن محمد المنصور: ياأمير المؤمنين؟ إنما هو سيفك ودرعك، فادرع بدرعك من شكرك واحصد بسيفك من كفرك.
قالوا: لا تغتر بالأمير إذا غشك الوزير.
ومنهم من قال: لا تثق بالأمير إذا خانك الوزير.
جلس معاوية يأخذ البيعة على الناس من عليّ.
فقال رجل ياأمير المؤمنين إنا نطيع أحياءكم، ولا نبرأ من موتاكم.
فالتفت معاوية إلى المغيرة بن شعبة فقال: رجل فاستوص به خيراً.
كان يقال: إذا نزلت من الوالي بمنزلة الثّقة فاعزل عنه كلام الخنا والملق، ولا تكثرنّ له الدعاء في كل كلمة، فإن ذلك يشبه الوحشة، وعظّمه ووقّره في الناس.
قال الشعبيّ: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع: حدثني بحديث يوماً فقلت:أعده عليّ فقال: أما علمت أن أمير المؤمنين لا يستعاد وقلت له حين أذن لي عليه: أن الشعبي فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك.
وكنيت عنده رجلا، فقال أما علمت أنه لا يكنى أحد عند أميرالمؤمنين.
وحدثني بحديث فسألته أن يكتبه.
فقال: إنا نكتِّب ولا نكتَّب.
وهذا الخبر عندي غير صحيح، لأن المحفوظ عن الشَّعبي أنه قال: مااستعدت حديثاً قط.
ولا تشبه سائر الحكاية أخلاق الشعبي.
قال الشعبي: قال لي عبد الملك جنبني ثلاثاً وأورد عليَّ ما شئت، لا تطرني في وجهي، فأنا أعلم بنفسي، وإياك أن تغتاب عندي أحداً، واحذر أن أجد عليك كذبة فلا أسكن إلى قولك أبداً.
وهذا مأخوذ من قول العباس لابنه عبد الله رضي الله عنهما.
قال عبد الله بن عباس، قال لي أبي: إني أرى أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب - يدنيك دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجدنّ عليك كذباً، ولا تغتابن عنده مسلماً، ولا تفشين له سرّاً.
فقيل له: يا ابن عباس كل واحدة خير من ألف، فقال: كل واحدة خير من عشرة آلاف.
قال عمر بن الخطاب لهنيّ إذ ولاه الحمى: يا هني اضمم جناحك، واتق دعوة المظلوم.
قال الفرزدق:
قل لنصرٍ والمرء في دولة السُّل ... طان أعمى ما دام يدعى أميرا
فإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال كان بصيرا
قال المهلب لابنه: يا بني اخفض جناحك واشتدّ في سلطانك، فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن.
كان يقال: ثلاثة من عازّهم رجعت عزّته ذلاًّ، السَّلطان والوالد والعالم.
كان يقال: أربعة تشتد معاشرتهم المتواني، والفرس الجموح، والسلطان الشديد المملكة والعالم.
بصق عبد الملك يوماً فقصر بصاقه، فوقع فوق البساط، فقام رجل من المجلس يمسحه بثوبه.
فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيا من خدمتهم: السلطان، والوالد، والضيف، والدابة.
وأمر للرجل بصلة.
كتب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عامل له: إنّ مدينتنا قد احتاجت إلى مرمّة.
فكتب إليه عمر: حصّن مدينتك بالعدل، ونقّ طريقها من الظلم.
قال معاوية بن أبي سفيان: من وليناه من أمورنا شيئاً فليجعل الرفق بين الأمانة والعدل.
قال محمد بن كعب القرظي: قال لي عمر بن عبد العزيز: صف لي العدل يا ابن كعب.
قلت: بخٍ بخٍ، سألت عن أمر عظيم.
كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر احتمالهم، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتكون من العادين.
كان يقال: ليس شيءٌ أحسن عند الله من حلم إمام ورأفته.
قال زياد لابنه عبيد الله يا بنيّ: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادع له، واصفح صفحاً جميلا، ولا تريّن متهالكا عليه، ولا منقبضاً عنه.
قال مالك: قيل لأبي الدرداء: يردُّك معاوية، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الّلهمَّ غفراً.
من يأت أبواب السلطان يقم ويقعد.
قال معاوية: لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي.
قال معاوية يوماً، وقد ذكر من كان قبله: أما أبو بكر فهرب عن الدنيا، وهربت عنه.
وأما عمر فأقبلت إليه وهرب منها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه، وأما أنا فقد داستني الدنيا ودستها.
قال أبو عمر رضي الله عنه: سكت عن عليّ، وأنا أقول: وأما عليّ فأصابت الدنيا منه ولم يصب منها.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إني لأستعمل الرجل، وأدع خيراً منه، وذلك أني أستعمله لأن يكون أنقص عيباً وأوسع رأياً، وأشد جرأة، وأصبر على الجوع والعطش.
وقد روي هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
كان يقال: يوم من أيام إمام عادل أفضل من مطر أربعين صباحاً أحوج ما تكون الأرض إليه.
قال المهلب: خير الولاة من كان في رعيته كأنه غائب عنها، وهو شاهد فيها وكان المحسن في أيامه آمناً والمسيء خائفاً.
وقال بعض الحكماء الناس يحبّون سلطانهم على الدِّين، والتواضع ولين الجانب، وينقادون لشدة الطّيش.
قال أبو العتاهية:
رضيت ببعض الذُّلِّ خوف جميعه ... وليس لمثلي بالملوك يدان
وكنت امرءاً أخشى العقاب وأتَّقي ... مغبَّة ما تجني يدي ولساني
ولوأنَّني عاندت صاحب قدرةٍ ... لعرَّضت نفسي صولة الحدثان
فهل من شفيعٍ منك يقبل توبتي ... فإنِّي امرؤٌ أو في كلِّ ضمان
وقال الحسن بن سهل:
فرضت عليَّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع ... فاجهد بجهدك كلّه أن تنفعا
وقال آخر:
ليس في كلِّ ساعةٍ وأوان ... تتهيَّا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذُّر الإمكان
كان زياد إذا أتي بصاحب زلة، أخرّ عقوبته أياماً يسأل عن قضيته مخافة الزيادة في العقوبة.
صعد عبد الملك المنبر، فقال في خطبته: يا معشر رعيتنا سألتمونا سيرة أبي بكر وعمر، ولم تسيروا فينا ولا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر وعمر، ولكن نسأل الله أن يعين كلاً على كل.
تعرَّض رجل للحسن بن سهل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسنت إليَّ عام كذا فقال الحسن: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.
وهذا عندي مأخوذ من قول معاوية: أحب الناس إلي، من له عندي يد ثم أحبهم إليّ بعده من لي عنده يد.
قال الشعبي: دخلت يوماً على ابن هبيرة وبين يديه رجل يريد قتله، فقلت: أصلح الله الأمير، أنت على فعل مالم تفعل أقدر منك على ما فعلت، ولأن تندم على العفو خير من أن تندم على العقوبة.
قال: صدقت يا شعبي.
وأمر بالرجل إلى السجن.
قال المأمون: تحتمل الملوك لأصحابهم كل شيء إلا ثلاث خصال: القدح في الملك، وإفشاء الأسرار، والتعرض للحرم.
روى ابن دريد، عن ابن أخي الأصمعي، عن عمه عن أبي عمرو بن العلاء أنه دخل على سليمان بن علي، فسأله عن شيء فصرفه عنه، فغضب سليمان بن علي فخرج أبو عمرو وهو يقول:
أنفت من العار عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرَّبوا
إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منِّي بأن يكذبوا
قيل للعتابي: لم لا تخدم الأمير؟ أو لا تكتب للأمير، فقال: لأني رأيته يعطي رجلاً ألف مثقال بلا خصلة، ويرمي آخر من أعلى السور على الرأس بلا ذنب، فلا أدري أي الرجلين أكون عنده، مع أن الذي أعطي في ذلك، أكثر من الذي آخذ - يريد مهجته - وركوب الغرر فيها معه، والعتابي هو القائل:
تلوم على ترك الغنى باهلِّيةٌ ... زوى الدَّهر عنها كلَّ طرفٍ وتالد
رأت حولها النِّسوان يرفلن في الكسى ... مقلَّدةً أجيادها بالقلائد
يسرُّك أنِّي نلت ما نال جعفرٌ ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنَّ أمير المؤمنين أغصَّني ... مغصَّهما بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنَّةً ... ولم أتجشَّم هول تلك الموارد
وإنَّ كريمات المعالي مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
وقال الغزال:
وإن أعطيت سلطاناً ... فحاذر صولة الزَّمن
أخو السُّلطان موصوفٌ ... بحسن الرَّأي والفطن
فساعة ما يزاوله ... رماه النَّاس بالَّلعن
ويصبح رأيه المحمو ... د منسوباً إلى الأفن
وتبصر في مطَّيته ... سقوط العين والأذن
وتسترخي مفاصله ... وتكسى كسوة الحزن
كأن بشاشة السُّلطا ... ن حين تزول لم تكن
وقال إدريس بن مقيم الإشبيلي:
قالوا تقرَّب من السُّلطان قلت لهم: ... يعيذني الله من قرب السَّلاطين
إن قلت دنيا فلا دنيا لممتحنٍ ... أو قلت دينٌ فلا ديناً لمفتون
قيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من لم يعرف السلطان ولم يعرفه السلطان، وكان في كفاف وغنى.
وأما أهل الآخرة فطريقتهم الإعراض عنهم، وترك معاشرتهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حدثونا أن الحسن البصري نظر إلى قوم صحبوا السلطان واتسعت دنياهم، فقال: ماتنظرون إليهم، فوالله لئن كانوا من أهل الجنة لقد عجل لهم قليل من كثير ذخرلهم، ولئن كانوا من أهل النار لقد أعطوا قليلاً من كثير صرف عنهم فأتاهم، فارحموا ولا تغبطوا.
أنشدني عبد الله بن محمد بن يوسف لنفسه:
مايشتهي قرب السَّلاطين ... غير ضعيف العقل مجنون
لا تكذبن عنهم فما صحبهم ... منهم على دنيا ولا دين
دنياهم بالخزي موصولةٌ ... ولا تسل عن دين مفتون
خيرهم فاعلمه لا يرتجى ... وشرُّهم ليس بمأمون
لا رأي لهم في نيل دنياهم ... حسبي بأن يسلم لي ديني
شكت الرعية بعض العمال، فارتضى العامل بسهل بن عاصم فسأله الأمير: فقال: مافي عاملك مايشتكى إلا أن الله أمر بأمرين، امتثل فينا أحدهما وترك الآخر، قال الله عز وجل: " إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان "، فعدل فينا ولم يحسن إلينا، وفي العدل بغير إحسان عطب الرعية، فقال له الأمير: صدقت قد وليتك مكانه.
ومن كلام ابن المعتز في هذا الباب: لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خاشعة، وجسم متعب، ودين منثلم.
من شارك السلطان في عز الدنيا، شاركه في ذل الآخرة.
فساد الرعية بلا ملك، كفساد الجسم بلا روح.
إذا زادك الملك إيناساً فزده إجلالا.
لا تلبسن بالسلطان في وقت التباس الأمور عليه واضطرابها، فإن البحر لا يكاد يسلم راكبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه واضطراب أمواجه.
ريح السلطان على قوم سموم، وعلى قوم نسيم.
الملك حقُّ الملك، من نشر أنواع الفضل وبسط أنواع العدل، وجانب المطامع الرديئة، والمطاعم الدنيئة.
قال مطرِّف لا تنظر إلى خفض عيش الملوك، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم، وسوء منقلبهم.
سئل رجل من بني أمية عاقل، فقيل له: أخبرنا عن أول شيء كان بدء زوال ملككم، فقال: سألت فاسمع، وإذا سمعت فافهم.
تشاغلنا عن تفقد ما كان تفقده يلزمنا، ووثقنا بوزراء آثروا مرافقهم على منافعها، وأبرموا أموراً أسروها عنا، فظلمت رعيتنا، ففسدت نياتهم لنا، وجدب معاشنا فخلت بيوت أموالنا، وقل جندنا فزالت هيبتنا، واستدعاهم أعداؤنا فظاهروهم علينا، وكان أكثر الأسباب في ذلك استتار الأخبار عنا.
أنشدني أبو القاسم محمد بن نصير الكاتب لنفسه:
إذا ما الله شاء صلاح قومٍ ... أتاح لهم أكابر مصلحينا
ذوي رأيٍ ومعرفةٍ وفهمٍ ... وإعداد لما قد يحذرونا
فلم يستأثروا بكثير جمعٍ ... وكانوا للمصالح مؤثرينا
ويسَّرهم لفعل الخير فيما ... إليهم من أمور المسلمينا
وإن يشأ الإله فساد قومٍ ... أتاح لهم أكابر معتدينا
ذوي كبرٍ ومجهلةٍ وجبنٍ ... وإهمالٍ لما يتوقَّعونا
فظلُّوا يشرهون ويجمعونا ... وليسوا في العواقب يفكرونا
وجاروا حيثما أمروا بعدلٍ ... كأن قد قيل كونوا جائرينا
وقال الأفوه الأودي:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا
إذا تولَّى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
تلقى الأمور بأهل الرأي قد صلحت ... وإن تولت فبالأشرار تنقاد
وقال محمد بن نصر:
لا تحقرنَّ امرءاً إن كان ذا ضعة ... فكم وضيعٍ من الأقوام قد رأسا
فربّ قومٍ حقرناهم فلم نرهم ... أهلا لخدمتنا صاروا لنا رؤسا
من الأمثال في السُّلطان وصحبته
إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة.
لا صلاح للخاصَّة مع فساد العامة، ولا نظام للدَّهماء مع دولة الغوغاء.
الحكم ميزان الله في الأرض.
كلُّ الناس أحقّاء بالسجود لله عزّ وجلّ، وأحقّهم بالسجود لله والتواضع له من رفعه الله عن السجود لأحد من خلقه.
كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان.
لا رحم بين الملوك وبين أحد.
للملوك بدوات.
الملك عقيم.
الملك يبقي على الكفر، ولا يبقى على الظلم.
سكر السلطان أشدُّ من سكر الشراب.
السلطان كالنار: إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها.
جاور ملكاً أو بحراً.
صاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس وهو لمركبه أهيب.
أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.
السُّلطان كالسُّوق ما نفق فيها جلب إليها.
إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى.
السُّلطان إذا قال لعماله:هاتوا، فقد قال: خذوا.
الناس على دين الملك.
عفو الملوك أبقى للملوك.
من خدم السلطان خدمه الإخوان.
ثلاثة لا أمان لهم: السّلطان والبحر والزمان.
من تحسَّى مرقة السُّلطان أحرقت شفتاه ولو بعد حين.
مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرتقى أقربهم من التلف.