بهجة المجالس وأنس المجالسباب مؤاخاة من ليس على دينك
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب مؤاخاة من ليس على دينك

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عبد البر
الكتاب
بهجة المجالس وأنس المجالس
المؤلف
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرء على دين خليله، فلينظر امرؤ من يخالل ". وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحلّ ويجمل، فإن الخير عادة.
وفي معنى هذا الحديث قول عديّ بن زيد: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي

وقول أبي العتاهية: من ذا الذي يخفى علي ... ك إذا نظرت إلى خدينه وهذا كثير جداً، والمعنى في ذلك: ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يومن منه ذلك فلا حرج في صحبته.
قال ابن عباس: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه مقاله.
قال الله عز وجل: " وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وجاء في التفسير: أحسن منها لأهل الإسلام، أو ردوها لأهل الذمة.
وقيل لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني خيراً فأشكره؟ قال: نعم.
قيل: فإن سلم علي أفأرد عليه؟ قال: نعم.
وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في أهل الذمة: " لا تبدءوهم بالسلام،وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " فقد قال بذلك طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس رحمه الله.
روى بشير بن عمر الزهراني، عن مالك، أنه كان يكره السلام على أهل الذمة كلهم.
قال بشير: فقلت: أترى أن يبدءوا بالسلام؟ قال: معاذ الله أما سمعت قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوَّي وعدوكم أولياء ". وقال مالك: أكره مؤاكلة أهل الذمة، لأن المؤاملة توجب المودة.
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يبدءون بالسلام كل من لقوه من مسلم أو ذمى.
فالمعنى في ذلك، والله أعلم، أنه ليس بواجب أن يبدأ المسلم المار القاعد الذمىَّ، والراكب المسلم الذمى الماشي، كما يجب ذلك بالسنة على من كان على دينه، فإن فعل فلا حرج عليه.
فكأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ليس عليكم أن تبدءوهم بالسلام " بديل ما روى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم، قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمىّ، ويقول: هي تحيةٌ لأهل ملتنا، وأمان لأهل ذمتنا، واسم من أسماء الله نفشيه بيننا.
ومحال أن يخالف أبو أمامة السنة، لو صحت في ذلك.
بل المعنى على تأويلنا والله أعلم، وعلى هذا يصح تخريج هذه الأخبار ووجوهها.
ذكر ابن أبي شبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة، أنه كان لا يمر بمسلمٍ ولا يهودي ولا بصراني إلا بدأه بالسلام.
وروي عن ابن مسعود وأبي الدراء، وفضاله بن عبيد، أنهم كانوا يبدءون أهل الذمة بالسلام.
وقال ابن مسعود: إن من التواضع أن تبدأ بالسلام كلَّ من لقيت.
وعن ابن عباس، أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك.
وسئل عبد الله بن وهب، صاحب مالك، عن غيبة النصراني، فقال: أو ليس من الناس؟ قالوا: بلى.
قال: فإن الله عز وجل يقول: " وقولوا للناس حسناً ". وقيل لمحمد بن كعب القرظي: إن عمر بن عبد العزيز سئل عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال ترد عليهم ولا تبدؤهم.
فقال محمد بن كعب: أما أنا فلا أرى بأساً أن تبدأهم بالسلام، قيل له: لم؟ فقال: لقوله عز وجل: " فاصفح عنهم وقل سلام ". ومن حجة من ذهب إلى هذا قوله عز وجل: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ". وذهب جماعة من العلماء إلى مثل ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز في ذلك.
وروى ابن المبارك عن شريك عن أبي إسحاق، قال: كان يقال: من الحمق أن تؤاكل غير أهل دينك.
قال أبو الطمحان الأسدي: كأن لم يكن بالقصر قصر مقاتل ... وزورة ظلٌ ناعمٌ وصديق وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق ولبعضهم في مجوسي ساق عنه صداق امرأته، وهو الأقيشر الأسدي: شهدت عليك بطيب المشاش ... وأنك حرٌ جوادٌ خضم وأنك سيِّد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم كفاني المجوسي مهر الرباب ... فدى للمجوسي خالٌ وعم روى إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت ابن أبي أويس، يقول: سئل مالك، أترى بأساً إذا أهدى اليهودي أو النصراني للمسلم أن يكافئه، فقال: معاذ الله وما للمسلم أن يقبل هديته حتى يكافئه.
وقال آخر: وجدنا في اليهود رجال صدقٍ ... على ما كان من دينٍ يريب خليلان اكتسبتهما وإني ... لخلة ماجدٍ أبداً كسوب

للمريمي الشاعر، وهو القاسم بن يحيى، من ولد أبي مريم السلمى صاحب النبي عليه السلام، يخاطب أبا يعقوب إسحاق بن نصر الكاتب العبادي عند إسلام الوليد ابن أخيه، وكان إسحاق هذا كاتب أبي الجيش بن طولون صاحب مصر: تعزَّ فإنَّ الحرَّ لا بدَّ يخلق ... وكل امرئ للخير والشرِّ يخلق وما فرج الأيام إلا مواهبٌ ... فمن بين محرومٍ وآخر يرزق وما الحزم إلا أن ينزه نفسه ... فتىً كاد في بحرٍ من الهمِّ يغرق إذا لم يكن في ردِّ ما فات حيلة ... فإن الفتى بالصبر أحرى وأخلق أتاني غمٌ من سرورٍ سمعته ... فلا أنا مأسورٌ ولا أنا مطلق سررت بإسلام الوليد ديانةً ... وأقلقني علمي بأنك مقلق فقلبي به شطران جذلان واحدٌ ... وآخر محزونٌ من أجلك محرق أنار لكم فينا وأشرق كوكبٌ ... لنا مثله فيكم ينير ويشرق فكم راعنا من مسلمٍ متنصرٍ ... فهذا بهذا والسعيد الموفق لزيبا النصراني وكان يتشيع: عدىٌّ وتيم لا أحاول ذكركم ... بسوءٍ ولكني محبٌ لهاشم وما تعتريني في عليٍّ ورهطه ... إذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهى من أعرب وأعاجم فقلت لهم: إني لأحسب حبهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم وله أيضاً: على أمير المؤمنين خليفةٌ ... وما لسواه في الخلافة مطمع فلو كنت أبغى ملة غير ملتي ... لماكنت إلا مسلما أشيع

فصول الكتاب · 122 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد الّلسان وفضل البيانباب ذمّ العيّ وحشو الكلامباب في اجتناب اللّحن وتعلّم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصّمت وذمِّ المنطقباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةبابَّ الرِّزقباب الحرص والأملباب الطَّمع واليأسباب ذمِّ السُّؤالباب انتظار الفرجباب الجدِّ والحدّباب المال حمداً وذمّاًباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدَّينباب الاقتصاد والرفقباب السَّفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التَّوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرَّسول صلى الله عليه وسلمباب الهديَّةباب الجارباب الضَّيفباب المعروفباب الشُّكربابٌ في طلب الحاجاتباب السُّلطان والسِّياسةباب الكتّاب والكتابةباب الظُّلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطِّبِّباب الطَّاعة والمعصيةباب الغيبة والنَّميمةباب البغي والحسدباب السّباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتّيهباب التّواضع والإنصافباب الرّأى والمشورةباب كتمان السّر وإفشائهباب الحرب والشَّجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيونٍ من المدحباب عيون من الذّمّباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النّفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحقّ والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسّؤددباب حمد الحلم وذمّ السّفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرّجالباب التودّد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصّديق والعدوبابٌ جامعٌ متخيّرٌ في الإخوانباب العتابباب الثّقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءبابُ اللّباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثةٍ من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل