باب لمع من الدعاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني ما ينفعني.
فقال: " عليك بالدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وأكثر من ذكر الموت يشغلك عما سواه ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الدعاء هو العبادة، ثم تلا: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي ... ". الآية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من دعاءٍ لا يسمع، وعلم لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع ".
ومن دعائه عليه السلام: " اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلة والذلة، ومن موقف الخزي في الدنيا والآخرة ".
ومن دعائه عليه السلام: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعافية والغنى، وأعوذ بك من درك الشقاء، ومن جهد البلاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء ".
ودعاؤه صلى الله عليه وسلم كثير قد جمعه جماعة من العلماء.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلة والذلة، ومن مواقف الخزي في الدنيا والآخرة، قال: بينا أنا أصلى إذ سمعت متكلما يقول: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير وكله، وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، أهل الحمد أنت، لا إله إلا أنت، إنك على كل شيء قدير.
اللهم اغفر لي جميع ما سلف من ذنوبي، واعصمني فيما بقى من عمري، وأعني على عمل ترضى به عني.
قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ملك أتاك يعلمك تحميد ربك ".
كان رجل مظلوم في سجن الحجاج مغموماً، فأتاه آتٍ، فقال له: ادع الله.
قال: وبم أدعو؟ قال: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم قدرته إلا هو، فرج عني ما أنا فيه.
فقالها فأطلق الله سبيله.
ومن الدعاء الحسن المرجوة إجابته: يا من لا يشغله شيء عن سماع الدعاء، يا فعال لما يشاء، يا من لا يغالطه السائلون، ولا يبرمه لملحون، اغفر لي وارحمني، يا من لا يغفر الذنوب غيره.
ومثله: يا سامع كل صوت، ويا بارئ النفوس بعد الموت، ويا من لا تغيبه الظلمات، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا عظيم الشان، يا واضح البرهان، يا شديد السلطان، يا من هو كل يوم في شان، اغفر لي ذنوبي.
وادع بهذا الدعاء فيما شئت: من دين أو دنيا، يستجب لك إن شاء الله تعالى.
ومثله من الدعاء: يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لي العافية في الدنيا والآخرة.
ومن الدعاء الحسن: اللهم فرغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما قد تكفلت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا أستغفرك.
قال أعرابي في دعائه: تظاهرت يا رب على منك النعم، وتكاثفت مني عندك الذنوب، فأحمدك على النعم التي لا يحصيها أحد غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها ألا عفوك.
قال سفيان، قال مسعر: كنا إذا لقينا طلق بن حبيب، لا نكاد نفترق حتى يقول: اللهم أبرم للمسلمين أمراً رشداً، يعز فيه وليك، ويذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، ويتناهى فيه عن سخطك.
ومن دعاء بعض الأعراب: اللهم إني أعوذ بك من شهادة الزور، وركوب الفجور، وعذاب القبور، ومنكر ونكير.
كان من دعاء شريح: اللهم إني أسألك الجنة بلا عملٍ عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب ركبته.
سأل أعرابي رجلاً فأعطاه، فقال: جعل الله المعروف عليك دليلا، والخير شاهداً، ولا جعل حظ السائل منك عذراً صادقاً.
من دعاء معروف الكرخي: اللهم اجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطاياك، ويخشاك حق خشيتك.
كان عمر بن هبيرة أمير العراق يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من صديق يطري، وجليس يغدي، وعدوً يسري.
دعا أعرابي لرجل فقال: جنبك الله الأمرين، وكفاك شر الأجوفين.
الأمران: الجوع والعرى، والأجوفان: الفم والفرج.
دعا أعرابي فقال: اللهم أمسك قلبي عن كل شيءٍ لا أتزود به إليك ولا أنتفع به يوم ألقاك.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك.
دعا أعرابي فقال: اللهم اجعل رزقي رغدا، ولا تشمت بي أحدا.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من السلطان والشيطان والإنسان.
دعا علي بن أبي طالب يوماً فقال: يا خير من رفعت إليه الأيدي، وسمت إليه الأبصار، وتحاكم إليه العباد، نشكو إليك فقد نبينا، واختلافنا بيننا.
وقف شيخ أعرابي عند باب الكعبة، فقال: يا رب! سائلك عند بابك، مضت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه يا رب، وإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده وهو عنه غير راضٍ، اللهم إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك.
وقف محمد بن سليمان عند قبر أبيه، فقال: اللهم إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقق رجائي له، وآمن خوفي عليه.
قال سعيد بن المسيب لصلة بن أشيم: ادع الله لي.
فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه.
وقف أعرابي بالموسم فقال: اللهم إن لك حقوقاً فتصدق بها علي، وللناس عندي تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيفٍ قرى، وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.
قال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول في دعائها: يا من ليس له رب يدعى، ويا من ليس فوقه خالق يخشى، ويا من ليس دونه إله يبقى، ويا من ليس له وزير يؤتى، ويا من ليس له صاحب يرشي، ولا بواب ينادي، ويا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا كرماً وجودا، وعلى كثرة الذنوب إلا رحمة وعفواً.
قال العتبي: سمعت أعرابياً وهو يدعو في الصلاة ويقول: اللهم ارزقني عمل الخائفين، وخوف العاملين، وحتى أنعم بترك النعيم طمعاً فيما وعدت، وخوفاً مما أوعدت.
هنأ رجل رجلاً بولاية فقال: إن النعم ثلاث، فنعمة هي في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله لك ما أنت فيه، وحقق طمعك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
ويروى عن الأحنف، أنه كتب بذلك إلى صديق له.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من حلول النقم، وزوال النعم، وتحول العافية، اللهم هب لي بنين أتقوى بهم على عشيرتي، ومالاً أرغم به حسادي، واجعلني ملياً من العقل والدين، يا أرحم الراحمين.
أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم عليه السلام: هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع، وادعني فإني قريب مجيب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة مخلصون، فإن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ لاهٍ ".
كان يقال: إنما يستجاب لمخلص أو مظلوم.
ولامرئ القيس بن عانس الكندي:
الله أنحج ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
ذكر الحميدي، عن سفيان، قال: سمعت أعرابياً يقول عند مقام إبراهيم عليه السلام: اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي، اللهم إن كنت لا تقبل تعبي ولا نصبي، فأعطني أجر المصاب على مصيبته.
اللهم إن لك عندي حقوقاً فلتهبها لي، وللناس على تبعات، فأسألك أن تحملها لهم، وقد أوجبت لكل ضيف قري، وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه العشية الجنة.
قال سفيان بن عيينة: وسمعت أعرابياً يقول في الموقف: اللهم إن ذنوبي لن تضرك، ورحمتك إياي لن تنقصك، فلا تمنعني مالا ينقصك، واغفر لي مالا يضرك.
قال: وسمعت إعرابياً في الموقف جاثياً على ركبتيه يقول: يا رب! عجت إليك الأصوات بأنواع اللغات لطلب الحاجات، وحاجتي أن تذكرني بعد طول البلاء إذ نسيني أهل الأرض.
قال بعض أهل العلم: بينا أنا أمشي بين منى وعرفات ليلاً، إذ أنا بأعرابي قد أقبل على قعود له، رافعاً صوته، يقول:
يا ذا المعارج أنت الله أسأله ... وأنت يا رب مدعو ومسؤول
أدعوك في ليلةٍ حرم وفي حرمٍ ... وكل داعٍ بحلو النوم مشغول
تعطي إذا شئت من يسألك من سعةٍ ... والخير منك لمن ناداك مبذول
فاجمع بعفوك شملاً أنت جامعه ... إن شئت ذاك وما حاولت مفعول
قيل لعلي: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة.
قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس.
من قال غير هذا فقد كذب.
سألت هند بنت النعمان سعيد بن العاص حاجةً فقضاها، فدعت له فقالت: لا أزال الله عنك نعمةً، ولا أحوجك إلى لئام الناس عند حاجة، وإذا زالت عن كريمٍ نعمة يجعلك الله سبباً لردها عليه.
ودعا رجل لرجل فقال: لا جعلك الله آخراً تتكل على أول.
كان يقال: أربعة لا ترد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والذاكر حتى يفتر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم.
دعاء لي: اللهم اجعلني مكثراً لذكرك، مؤدياً لحقك، حافظاً لأمرك، راجياً لوعدك، راضياً في كل حالاتي عنك، راغباً في كل أموري إليك، مؤملاً لفضلك، شاكراً لنعمك، يا من تحب العفو والإحسان وتأمر بهما، اعف عني وأحسن إلي، فإنك بالذي أنت له أهل من عفوك، أحق مني بالذي أنا له أهل من عقوبتك، اللهم ثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك حتى لا أرجو غيرك، ولا أستعين إلا إياك.
ودعاء لي أيضاً: اللهم هب لي اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عليك، والاستغناء عن خلقك، واجعل خير عملي ما قارب أجلي، رب! ظلمت نفسي فاغفر لي يا خير الغافرين، ويا أرحم الراحمين.
قال بعض الأعراب، في وصف دعوة:
وساريةٍ لم تسر في الليل تبتغي ... محلاً ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لوردٍ ولم يقصر لها القيد مانع
تحل وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه فيه سمير وهاجع
تفتح أبواب السماوات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع
إذا أوفدت لم يردد الله وفدها ... على أهلها والله راءٍ وسامع
وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
أمر المنصور أبو جعفر بأشخاص سوار بن عبد الله القاضي إليه من البصرة بعد قتل إبراهيم ابن عبد الله بن حسن، فلما قدم عليه قال له: يا سوار! ضربني أهل البصرة بمائة ألف سيف من غير جناية، لأفعلن بهم ولأفعلن.
فقال له سوار: يا أمير المؤمنين! إن لأهل البصرة سلاحاً لا تطيقه.
قال: أبسلاحهم تخوفني لا أم لك يا أمير المؤمنين: إنه دعاء بالأسحار.
ووقف أعرابي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أوصيتنا فقبلنا منك، وحفظنا عنك مما وعيت عن ربك: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما "، وقد ظلمنا أنفسنا فاستغفر الله لذنوبنا، وقد أتيناك فاستغفر لنا.
ثم بكى.
ومما جاء من الدعاء منظوماً عن الحكماء، قال محمود الوراق:
يا رب كن لي ولياً ... بالحفظ حتى أطيعك
فإن ذممت صنيعي ... فقد حمدت صنيعك
أو كنت أعصيك إني ... أحب فيك مطيعك
قال منصور الفقيه:
أصلح الله كل من ... يتولى أمورنا
ووقانا شرورهم ... ووقاهم شرورنا
وقال آخر:
وإني لأدعو الله والأمر ضيق ... على فما ينفك أن يتفرجا
ورب فتىً سدت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا
وقال آخر:
بالله تتسع الفجا ... ج إذا تضايقت المذاهب
وقال آخر:
أيا من لا يخيب لديه راجٍ ... ولم يبرمه إلحاح المناجي
ويا ثقتي على ظلمي وجرمي ... وإيثاري التمادي في اللجاج
أقلني عثرتي وتلاف أمري ... وهب لي منك عفواً واقض حاجي
فما لي غير إقراري بذنبي ... لنفسي دون عذرٍ واحتجاج
قال صحار بن عابد، رأيت حسن البصري بطريق مكة، وهو يحدو:
يا فالق الإصباح أنت ربي
وأنت مولاي وأنت حسبي
فأصلحن باليقين قلبي
ونجني من كرب يوم الكرب
كان يقال: عليكم بالدعاء في أوقات الصلوات، فإنها اختيرت في أفضل الأوقات.
ولمنصور الفقيه أو الشافعي:
يا سميع الدعاء كن عند ظني ... واكفني من كفيته الشر مني
وأعني على رضاك وخر لي ... في أموري، وعافني واعف عني