بهجة المجالس وأنس المجالسباب قولهم في وصف العيش
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب قولهم في وصف العيش

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عبد البر
الكتاب
بهجة المجالس وأنس المجالس
المؤلف
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

وما تتمنَّاه الَّنفس

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسمه، معه قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا ". كان عمر بن الخطاب يعجبه قول عبدة بن الطبيب: المرء ساعٍ لأمرٍ ليس يدركه ... والعيش شحٌ وإشفاقٌ وتأميل قال أبو يعلى: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا محمد بن حرب الزِّيادي، قال: حدثني أبي قال: قال زيادٌ لجلسائه: من أغبط الناس عيشاً؟ قالوا: الأمير وجلساؤه.
فقال:ما صنعتم شيئاً، إنّ لأعواد المنابر هيبة، وإنّ لفرع لجام البريد لفزعة، ولكن أغبط النّاس عندي: رجل له دارٌ لا يجري عليه كراؤها، وله زوجة صالحة، قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنّه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره، وأفسدنا دينه ودنياه.
قال عمر: لما فتح الله على رسوله بني النضير وغيرهما، كان يتخذ منها لنفسه وعياله قوت سنة، ثم يجعل الباقي في الكراع والسّلاح في سبيل الله.
وقال سليمان: إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " إذا تمنّى أحدكم فليكثر، فإنّما يسأل ربّه ".

وليس في هذا معارضة لقول الله: " ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعضٍ " لأن معنى هذا عند العلماء أن يتمنى الرجل مال أخيه وامرأة أخيه، ليصرفه الله عنه إليه فذلك التمني المكروه.
قال محمد بن سيرين: نهيتم عن الأمانيّ، ودللتم على ما هو خير منها لكم، سلوا الله من فضله.
وقد ذكرنا في كتاب " التمهيد " معنى قوله عليه والسلام: " لا يتمنينّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به "، عند قوله عليه السلام: " لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني مكانه ". قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: ما بقي من لذاتك؟ قال جليس يقصر به طول ليلي، وزائر أشتهي من أجله طول السهر.
وقال غيره: زائر أشتهي به طول السهر ودابة أشتهي من أجلها طول السفر.
قال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاثٍ: سعة المنزل، وموافقة المرأة، وكثرة الخدم.
قال عباية الجعفيّ: ما يسرُّني بنصيبي من التمني حمر النَّعم.
قال عبد الرحمن بن أم الحكم: لذة العيش في زحف الأحرار إلى طعامك، وبذل الأشراف وجوههم إليك فيما تجد السبيل إليه، وقول المنادي: الصلاة أيها الأمير.
قال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواءٌ منشور، وجلوسٌ على السّرير، والسّلام عليك أيّها الأمير.
قيل لأمّ البنين: ما أحسن شيءٍ رأيت؟ قالت: نعم الله مقبلةً عليّ.
سأل قتيبة رجلاً: ما السّرور؟ قال: الولد الصالح والمال الواسع.
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: لذّة العيش ظفرك بمن تحبّ بعد امتناع، ولذة لا توجب عليك إثماً، وحقٌ وافق هوىً.
قيل لأبي حازم: ما اللّذة؟ قال: الموافقة، ولا أنيس كالصاحب المواتي.
وروى الرِّياشي عن الأصمعي قال: قال شبيب بن شيبة: عيش الدنيا في ثلاث: محادثة الإخوان، ومباشرة النسوان، وشم الصبيان.
قال بعض الحكماء: كثرة الالتفات سخف، ومجالسة الحمقى تورث النّوك، وكثرة المنى تخلق العقل، وتفسد الدين، وتنفي القناعة.
قال أبو العتاهية:؟ لله أصدق والآمال كاذبةٌ وجلّ هذي المنى في القلب وسواس ذكر عمرو بن بحر عن الأصمعي قال: قال بعضهم: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنِّيك الشيء أوفر حظاً للّذة من قدرتك عليه.
قال عمرو بن بحر: كأنه ذهب إلى أن المال إذا ملك وجبت فيه حقوق، وخاف مالكه عليه الزوال، واحتاج إلى الحفظ، وكل من عظمت عليه نعمة الله عظمت مؤونة الناس عليه.
ذكر المدائني قال: قيل لامرئ القيس: ما أطيب عيش الدّنيا؟ فقال:بيضاء رعبوبة، بالطّيب مشبوبة، باللحم مكروبة.
وسئل الأعشى: أيّ العيش ألّذ؟ فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية.
وسئل طرفة، فقال: مطعمٌ شهيّ، وملبس زهيّ ومركب وطيّ.
وقال غيره: أطيب الطَّيِّبات قتل الأعادي ... واختيالٌ على متون الجياد وأيادٍ حبوتهنَّ كريماً ... إنّ عند الكريم تزكوا الأيادي لبعض الحكماء: أسوأ الناس حالاً من اتسعت أمنيَّته وضاقت مقدرته، وبعدت همّته.
قيل لعبد الرحمن بن أبي بكرة: أيّ الأمور أمتع؟ فقال: ممازحة حبيب، ومحادثة خدين، وأمانٍ تقطع بها أيامك.
وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قيل له: أيُّ شيءٍ أكثر إمتاعاً؟ قال: المنى.
قال بعض الأعراب، ويروي لأبي بكر العرزمي:؟ منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى وإلاَّ فقد عشنا بها زمناً رغدا أمانيّ من سلمى عذابٌ كأنَّما ... سقتك بها سلمى على ظمإٍ بردا اجتمع عبد الله وعروة ومصعب بنو الزبير بن العوام، عند الكعبة، فقال عبد الله: أحب ألا أموت حتى تجيء إليّ الأموال وأكون خليفة.
وقال مصعب: أحب أن أليَ العراقين - يعني الكوفة والبصرة - وأزوّج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة.
وقال عروة: لكني أسأل الله الجنة.
فصار عبد الله ومصعب إلى ما تمنيا، ويرون أن عروة صار إلى الجنة.
كان المتمني بالكوفة إذا تمنى يقول: أتمنى أن يكون لي فقه أبي حنيفة، وحفظ سفيان، وورع مسعر بن كدام، وجواب شريك.
قال الأصمعيّ: قال لي بن أبي الزناد:المنى والحلم أخوان.
قال مالك بن أسماء:؟؟ ولمَّا نزلنا منزلاً طلَّه النّدى أنيقاً وبستاناً من النَّور حاليا أجدَّ لنا طيب المكان وحسنه ... منىً فتمنَّينا فكنت الأمانيا قال سلم الخاسر:

لولا منى العاشقين ماتوا ... أسىً وبعض المنى غرور من راقب الناس مات غمّاً ... وفاز باللَّذة الجسور وقال منصور الفقيه: لوأنَّ ليتاً نفعت ... مع ترك ما ينفعني ما كان لي قولٌ سوى ... يا ليتني لم أكن وقال آخر: ذهب البرد وآبا ... فاستوى العيش وطابا وقال آخر: ولي من تمنِّي النَّفس دنيا عريضةٌ ... ومصطبحٌ يغدو عليَّ ويطرق تملِّكني الأموال لا فقر بعدها ... وعرساً غيوراً فاحشاً وتطَّلق فقدت المنى لا نحن نلهو عن المنى ... لتجربةٍ منَّا ولا هي تصدق وقال آخر: وأكثر أفعال الليالي إساءةٌ ... وأكثر ما تلقى الأماني كواذبا وأنشد نفطويه:؟ الدهر يصدقنا وتكذبنا المنى بعداتها وتغرُّنا الآمال وإذا المنيَّة أقبلت لم تثنها ... خيلٌ مطهّمةٌ ولا أموال وقال آخر: إنّ القناعة والعفا ... ف ليغنيان عن الغنى فإذا صبرت على المنى ... فاشكر فقد نلت المنى وقال عبد الملك بن حبيب: صلاح أمري والَّذي أبتغي ... هينٌ على الرَّحمن في قدرته ألفٌ من البيض وأقلل بها ... لعالمٍ أزرى على بغيته زرياب قد يأخذها جملةً ... وصنعتي أشرف من صنعته قال آخر:؟ مسيئات أيّام الزَّمان كثيرةٌ ومحسنة الأيام في الدَّهر أعلام وعيشك فيما تستخصّ وتصطفي ... قصيرٌ وإن طالت ليالٍ وأيّام فصل بسرور النَّفس عيشك إنَّه ... مضى مثل ما مرّت بعينك أحلام قال بشار بن برد:؟ ذكرنا أحاديث الزَّمان الَّذي مضى ... فلذَّ لنا محمودها وذميمها وقال آخر:؟ من راقب الموت لم تكثر أمانيه ... ولم يكن طالباً ما ليس يعنيه قيل لرقبة بن مصقلة: أنت بعيد الدار من المسجد، وتنصرف بلا مؤنس؟ قال: إني حين أخرج من المسجد أبتدئ أمنية فما تنقضي حتى أدخل المنزل.
قال لبيد بن أبي ربيعة: ؟ واكذب الَّنفس إذا حدَّثتها ... إنّ صدق النَّفس يزري بالأمل وقال آخر: ربّ من بات يمنِّي نفسه ... حال من دون مناه أجله قال يزيد على المنبر: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليلٌ على الضعف: سرعة الجواب، وطول المنى، والاستغراق في الضحك.
وقال الأحنف بن قيس: كثرة الأماني من غرور الشيطان.
قال حبيب: من كان مرتع عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا وقال آخر: إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس وقال آخر:؟ إذا حدَّثتك النَّفس أنك قادرٌ على ما حوت أيدي الرِّجال فكذّب فإن أنت لم تفعل ومال بك الهوى ... إلى بعض ما منّتك يوماً فجرِّب قال أبو العتاهية: إنما الفقر فضول التَّمنِّي ... فانسها واستوهب الله ذكرا قيل لسليمان بن عبد الملك: ما اللّذة؟ قال: جليس ممتع أضع بيني وبينه التّحفُّظ.
قال الحجاج بن يوسف لخريم - وهو خريم بن خليفة بن سنان بن أبي حارثة المرّي - ما العيش؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش.
قال: زدني قال: والشّباب، فإني رأيت الشّيخ لا ينتفع بعيش.
قال: زدني.
قال: والصّحة، فإني رأيت السّقيم لا ينتفع بعيشٍ.
قال زدني.
قال: لا أجد مزيداً.
قال أعرابيّ: وما العيش إلاّ في الخمول مع المنى ... وعافيةٍ تغدو بها وتروح وقال آخر: إنّ الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسِّهام أخطأ رامٍ وأصاب رام ... يقول: إنِّي مدركٌ أمامي في قابل ما فاتني في العام قيل لرجل من الحكماء: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من كفى همَّ الدنيا، ولم يهتم بالآخرة.
قال الشاعر: لا تمنّ المنى فتغترّ جهلاً ... طالما اغترَّ بالمنى الجهلاء قال آخر:؟ ليت شعري وأين منَّي ليت ... إنّ ليتاً وإنَّ لواً عناء

فصول الكتاب · 122 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد الّلسان وفضل البيانباب ذمّ العيّ وحشو الكلامباب في اجتناب اللّحن وتعلّم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصّمت وذمِّ المنطقباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةبابَّ الرِّزقباب الحرص والأملباب الطَّمع واليأسباب ذمِّ السُّؤالباب انتظار الفرجباب الجدِّ والحدّباب المال حمداً وذمّاًباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدَّينباب الاقتصاد والرفقباب السَّفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التَّوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرَّسول صلى الله عليه وسلمباب الهديَّةباب الجارباب الضَّيفباب المعروفباب الشُّكربابٌ في طلب الحاجاتباب السُّلطان والسِّياسةباب الكتّاب والكتابةباب الظُّلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطِّبِّباب الطَّاعة والمعصيةباب الغيبة والنَّميمةباب البغي والحسدباب السّباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتّيهباب التّواضع والإنصافباب الرّأى والمشورةباب كتمان السّر وإفشائهباب الحرب والشَّجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيونٍ من المدحباب عيون من الذّمّباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النّفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحقّ والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسّؤددباب حمد الحلم وذمّ السّفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرّجالباب التودّد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصّديق والعدوبابٌ جامعٌ متخيّرٌ في الإخوانباب العتابباب الثّقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءبابُ اللّباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثةٍ من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل