باب جامع مختصر في الشيب والبكاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
على فقد الشباب
قال منصور النمري:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع
أبكي شباباً سلبناه وكان وما ... توفي بقيمته الدنيا ولا تسع
قد كدت تقضي على فوت الشباب أسًى ... لولا يعزيك أن العيش منقطع
ما كدت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
قال المبرد: هذا من الشعر البديع في معناه، الذي ليس لأحد من المحدثين مثله، وقد أخذه الباهلي في قوله:
اذهب إليك فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
قال الفرزدق:
وتقول كيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من سمة الكبير عذار
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
وقال الأخطل:
هل الشباب الذي قد فات مردود ... أم هل دواء يرد الشيب موجود
لن يرجع الشيب شباناً ولن يجدوا ... عدل الشباب له ما أورق العود
وقال أيضاً:
لقد لبست لهذا الدهر أعصره ... حتى تخلل رأسي الشيب واشتعلا
وبان مني شبابي بعد لذته ... كأنما ضيفا نازلا رحلا
وقال منصور الفقيه:
من شاب قد مات وهو حي ... يمشي على الأرض مشي هالك
لو أن عمر الفتى حساب ... كان له شيبه فذلك
وقال محمود الوراق:
مني السلام على الدنيا وبهجتها ... فقد نعاها إلى الشيب والكبر
لم يبق لي لذة إلا التعجب من ... صرف الزمان وما يأتي به القدر
إحدى وسبعون لو مرت على حجر ... لكان من حكمه أن يفلق الحجر
وقال نفطويه:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى بؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
وقال آخر:
كان الشباب رداءً قد بهجت به ... فقد تطاول فيه للبلى خرق
وبان منشمراً عني ومنقبضاً ... كالليلِ ينهض في أعجازه الفلق
وقال يوسف بن هارون:
نظرت إلى بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي
فجعلت أطلب وصلها بتلطفٍ ... والشيب يغمزها بألا تفعلي
وقال محمود الوراق:
أمن بعد ستين تبكي الطلولا ... وتندب رسماً وانياً محيلا
وقد نجم الشيب في عارضيك ... وجر على مفرقك الذيولا
وله أيضاً:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باكٍ له موجع ... وبين معزٍ معذٍ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... وليس يعزيه خلق عليه
وقال سهل الوراق:
أرى الشيب مذ جاوزت خمسين حجةً ... يدب دبيب الصبح في غسق الظلم
هو السقم إلا أنه غير مؤلمٍ ... ولم أر مثل الشيب سقماً بلا ألم
وقال آخر:
والشيب أعظم جرماً عند غانيةٍ ... من ابن ملجم عند الفاطميينا
وقال علي بن جبلة:
جلال مشيبٍ نزل ... وأنس شبابٍ رحل
طوى صاحب صاحباً ... كذاك اختلاف الدول
أعاذلتي أقصري ... كفي بالمشيب العذل
جلال ولكنه ... تحاماه حور المقل
وقال ابن مقبل:
قالت سليمى وقد كانت على مقةٍ ... لا خير في المرء بعد الشيب والكبر
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: للموت تقحم على الشيب كتقحم الشيب على الشباب.
وقال مسلم بن الوليد:
الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مردود
وقال آخر:
جانبك النوم والقرار ... أن منعت وصلها نوار
رأت مشيباً وفي الغواني ... عمن بدا شيبه ازورار
حتى إذا استيقنت بأني ... قد شاب صدغاي والعذار
ألوت بخدً إلى اللواتي ... زعمن أن المشيب عار
تمسح رأسي وهي تنادي ... أحتى على رأسك الغبار
نظر كسرى إلى رجلين من مرازبته أحدهما قد شاب رأسه قبل لحيته، والآخر قد شابت لحيته قبل رأسه، فأراد أن يعرف جواب كل واحد منهما عن حاله تلك.
فقال لأحدهما: لم شاب رأسك قبل لحيتك؟ قال: لأن شعر رأسي خلق قبل شعر لحيتي، والكبير يشيب قبل الصغير.
وقال للآخر: لم شابت لحيتك قبل رأسك؟ قال: لأنها أقرب إلى الصدر موضع الهم والغم.
قال حبيب:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال ... رأس إلا من فضل شيب الفؤاد
قيل لعبد الملك بن مروان: أسرع إليك المشيب.
قال: فكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل أسبوع - يعني الخطبة.
روى عن ابن عباس رحمه الله، قال: شيب الناصية من الكرم، وشيب الصدغين من الروع، وشيب الشارب من الفحش، وشيب القفا من اللؤم.
قال مكي بن إبراهيم:
مشيب لئام الناس في ذروة القفا ... وشيب كبار الناس فوق المفارق
قال قيس بن عاصم: الشيب خضاب المنية.
قال بعض الحكماء: الشيب موت الشعر.
قال معمر بن سليمان: الشيب مراحل الموت.
نظر بعض الأعاجم إلى شيبٍ في رأسه أو لحيته، فجمع نساءه وقال: تعالين فاندبنني إذا مات بعضي، لأبصر كيف تندبنني إذا مات كلي.