باب النوم وتصرف المعاني فيه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عبد البر
- الكتاب
- بهجة المجالس وأنس المجالس
- المؤلف
- أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
روى أن المسيح عليه السلام قال: خلقان أكرههما، النوم من غير سهر، والضحك من غير عجب، والثالثة وهي العظمى: إعجاب الرجل بعلمه.
قال داود لابنه سليمان عليهما السلام: إياك وكثرة النوم، فإنه يفقرك إذا احتاج الناس إلى أعمالهم.
قال لقمان لابنه: يا بني! إياك وكثرة النوم والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: بلغني أنك لا تقيل، وإن الشياطين لا تقيل.
قال علي: من الجهل النوم في أول النهار من غير سهر، والضحك من غير عجب، والقائلة تزيد في العقل.
قال عبد الله بن مسعود: النوم - عند الموعظة من الشيطان -.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: النوم على ثلاثة أوجه، نوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق.
فأما النوم الخرق، فنومة الضحى، يقضى الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نوم الخلق، فنوم القائلة نصف النهار، وأما نوم الحمق، فالنوم حين تحضر الصلوات.
قال غيره: نوم أول النهار خرق، ونوم القائلة خلق، ونوم العشى حمق، والنوم بين العشاءين يحرم الرزق.
قيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومه الضحى؟ قال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.
قال بعض العلماء: النعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه.
قال عبد الله بن شبرمة: نوم نصف النهار يعدل شربة دواء، يعني في الصيف.
قال عباس بن الأحنف:
قالوا: تنامُ، فقلت: الشّوْق يمنعُني ... من أن أنامَ وعيني حشَوها السُّهُدُ
أبكي الذَّين أذاقُوني مَوَدّتَهُمْ ... حتّى إذا أيقظوني للهوى رَقَدُوا
هم قد دَعَوْني فلما قمتُ مقتضيا ... للجبِّ نحوَهُمُ من قُرْبهم، بَعُدُوا
لأخرجنّ من الدنيا وحُبُّهُمُ ... بين الجوانِحِ لم يَشْعرْ به أحدُ
كان يقال: لإبليس لعوق وكحل وسعوط، فلعوقه الكذب، وكحله النعاس عند سماع الخير، وسعوطه الكبر.
قال علي بن الجهم، يهجو قوما:
أكثرُ ما يعرفُه القّوْمُ ... الأكْلُ والراحةُ والنّومُ
نوكي مياسيرٌ إذا عدت الْ ... أيّام لم يُعْرَف لهم يومُ
وقال آخر:
عجبتُ لطّرْفي والكَرَى إذ تنافَرَا ... وقد كانَ قبلَ اليومِ بينهُمَا وَصْلُ
كأنّ البكا أغراهُما بتفرُّقِ ... فلم يجتمعْ من بعدهِ لهما شملُ
أنشد ابن دريد:
ولذِّ كطَعْمِ الصَّرْخَدِيّ تركُتُه ... بأرض العِدَا من خَشْيةِ الْحَدَثَانِ
ومُبْدٍ لي الشَحْناءَ بيني وبينّهُ ... دعوتُ وقد طال السُّري فَدَعَانيِ
وفسر اللذَّ فقال: اللذُّ: اللذيذ، وأراد به هنا النوم.
والصرخدي: الخمر، وقيل العسل.
وللفرزدق، أو غيره:
يقولُون طالَ الليلُ والليلُ لم يَطُلِ ... ولكنّ من يَبْكِ من الشّوّقِ يَسْهرِ
وقال بشار:
لم يطل ليلى ولكن لم أنَمْ ... ونَفَى عنّي الكَرَى طيفٌ أَلَمّ
قال أبو ملجم الأعرابي:
أبيتُ أُرَاعِي النَّجْمَ حتّى كأنّنِي ... بناصيتي حَبْلٌ إلى النَّجْم مُوثَقُ
وما طال ليلى غير أنّي أَحبُّها ... أُعَلّلُ نفسي بالأماني فتَعْلَقُ
وقال علي بن بسام:
لا أظلمُ الليلَ ولا أدّعي ... أنّ نجومَ السّماءِ ليستْ تَغُورْ
لَيْلِى كما شَاءَتْ فإن لم تَزُرْ ... طَالَ، وإنْ زارت فليِلى قصيرْ
قال عدي بن الرقاع:
وكأنّ ليِلى حينَ تَغْرُبُ شمسُهُ ... بسَوادِ آخرَ مثّلهُ مَوصُولُ
لأبي جندب الهذلي، فيما ذكر المدائني:
تعَالَوْا أعينوني على اللّيل إنَّهُ ... على كلِّ عينٍ لا تَنَامُ طويلُ
قال المدائني، وهو القائل أيضاً:
ألاّ أَيُّها النُّوامُ ويحكُمُ هُبُّوا ... أسَائلكم هَلْ يقتلُ الرَّجُلَ الحبُّ
قال: وهو القائل:
قل للمليحِة في الخمارِ الأسْوَدِ
وذكر الأبيات، وليس هذا موضعها، وغير المدائني ينشد قوله: ألا أيها النوام ... لجميل بن معمر، وينشد: قل للمليحة في الخمار الأسود ... للدارمي.
قال صالح بن حسان يوماً لجلسائه: أيكم ينشد بيتاً نصفه لمخنث يتفكك بالعقيق، ونصفه لأعرابي في شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه.
قال: هو قول ابن معمر:
ألا أيُّها الركب النِّيامُ ألا هبّوا ... أسَائِلكُم هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ؟
ولعباس بن الأحنف:
أيّها النَّائِمون حَوْلِي أَعيِنُو ... نِي عَلَى اللَّيلِ حِسْبَةً وائْتِجَارَا
حَدِّثُونِي عن النّهارِ حديثاً ... أوصفُوهُ فقد نسيتُ النّهَارَا
وقال خالد الكاتب:
رَقَدْتَ ولم تَرْثِ للسَّاهِرِ ... ولَيْل الْمُحِبْ بلا آخِرٍ
ولم تَدْرِ بعدَ ذهابِ الرُّقَادِ ... ما فعلَ الدَّمع بالنّاظِر
وقال سعيد بن حميد:
يا ليلُ بل يا أَبَد ... أنائمٌ عَنْك غَدُ
يا ليلُ لو تَلْقَى الذي ... أَلْقَى بها أو تجدُ
قُصِّر من طُولِك أَوْ ... ضُعِّفَ منك الجَلَدُ
ولبعض أهل عصرنا:
إلْفِي قريبٌ وأُنْسِي ما يتمُّ بِهِ ... واللَّيْلُ يَقطَعُ صَبْرِي كلَّه طُولاَ
إذا كواكبُهُ الأخْرَى أردتُ بها ... مِنْ غُمَّتِي فَرَجاً عَادَتْ لِيَ الأولَى
وللمنتصر بالله:
رأيتُك في المَنَامِ أَقلَّ بخْلاً ... وأطوعَ منك في غَيْر المَنَامِ
فليتَ الصُّبْح زَالَ فلا تراه ... وليت الليل أُخِّرَ ألفَ عامِ
فلو أنّ النُّعاسَ يُبَاع بيعاً ... لأغليتُ النُّعَاس على النيامِ